رهبانية الديرين

الحياة الرهبانية

قديس اليوم

زيارة لديـر القديس جاورجيوس

زيارة لديـر الشيروبيم  ( رؤساء الملائكة )

البحث في الموقع

الوصول إلينا

صوت الراعي

صوت الديرين

حياة روحية

صنارة روحية

شهادات حية

أيقونة تتحدث

ملتيميديا

سؤال وجواب

إصدارات الدير

نشاطات

المكتبة

أخبار

مساهمات القراء

ارتباطات

الرهبنة كسرّ من أسرار الكنيسة

 

رسالة الديرين

 بقلم المطران هيلاريون ألفييف

رئيس إدارة العلاقات الكنسية الخارجية ببطريركية موسكو

ترجمة الأخت يوليا بيتروفا

 

  إن الزواج والرهبنة بينهما أشياء جوهرية مشتركة كثيرة فلا يمكن اعتبارهما طريقين متعارضين بل طريقين تربط بينهما أوجه شبه كثيرة. إن الإنسان كفرد لا يمكن أن يعبّر عن ذاته وأن يتحقق كشخصية متكاملة إلا من خلال تعامله مع الآخرين. يتم تلبية هذا الاحتياج في الزواج عن طريق التواصل مع شريك الحياة وتحقيق الذات بمساعدته، أما في الرهبنة فهذا الشريك هو الله.

 إن سر حياة الرهبنة هو تركيز الحياة بكاملها على الله، حيث يتخلى الإنسان عن وعي وبكامل إرادته ليس عن الزواج فحسب، بل عن أشياء أخرى كثيرة مسموحة للناس العاديين ليُركز على الله إلى أقصى درجة ممكنة ويكرّس له كل حياته وأفكاره وأعماله، ومن هذه الناحية تشابه الرهبنة الزواج نوعا ما. ولذلك نجد الكثير من آباء الكنيسة يقارنون بين حياة الرهبنة والحياة الزوجية ويتكلمون عن تطلع روح الإنسان إلى الله بنفس التعابير والصور التي يصفون بها الحياة الزوجية. والدليل على ذلك هو الاعتماد على سفر نشيد الأنشاد بشكل واسع في مؤلفات النساك حول الرهبنة نظرا لأن هذا النص الذي يتناول موضوع الحب بين رجل وامرأة يلمس الأعماق الروحية للإنسان مما يجعلنا نفهم هذا السفر كأنه يتحدث عن المحبة الموجودة بين روح الإنسان والله. إن روح المسيحي هي عروس المسيح ومن هذه الناحية يتضح أن طريق الرهبنة يفتح المجال لتحقيق التطلع إلى الاقتران الذي لا يخلو منه أي إنسان. إن كل ما ينقص الفرد ليصبح شخصية متكاملة وليدرك كيانه الشخصي عن طريق التعامل مع الآخرين يتحقق في الرهبنة من خلال التواصل مع الله.

ولكن الإنسان لا يمكن أن يصير راهبا لمجرد فشله في تكوين أسرة. هناك مشكلة يواجهها كثير من الشباب المتخرجين من المدارس الإكليريكية (السمينارات الروحية) وهي أنهم قد أصبحوا ناضجين للخدمة الكهنوتية وحصلوا على تعليم لاهوتي ولكنهم بسبب من الأسباب لم ينجحوا في إيجاد شريكة للحياة، وفي بعض الأحيان يواجهون الضغط من طرف الذين يطالبونهم بدخول الرهبنة نظرا لعدم زواجهم. إن هذا الأسلوب غير مقبول أبدا لأن الإنسان لا بد أن يكون مستعدّاً نفسياً سواء للزواج أو الرهبنة ولا يمكن أن يكون للعجلة تبرير في هذا الأمر. لا يجوز دخول الرهبنة إلا في حالة واحدة وهي عندما يشعر الإنسان بدعوة عميقة إلى هذا الطريق، ولا يمكن أن تكون هذه الدعوة نزوة انفعالية موقتة، بل يجب أن تنمو داخل الإنسان على مدى وقت طويل فتتجلى وتتقوى أكثر فأكثر. أما إذا كان هناك أدنى شك أو تردد في صحة هذه الدعوة فمن الأفضل عدم دخول الرهبنة، كما لا يمكن بدء الحياة الزوجية ما دام هناك شك في أن الإنسان الفلاني هو الذي تريده أن يشاركك حياتك كلها وأنك مستعدّ للتضحية بحياتك من أجله.

للرهبنة أشكال خارجية مختلفة، فهناك رهبان يعيشون في الأديرة وفي العالم ورهبان يقومون بأعمال طاعة معينة مثل التدريس في المدارس الإكليريكية ويشتغلون بالأعمال الخيرية أو يقومون بالخدمة الاجتماعية ويهتمّون بالفقراء أو يخدمون في كنائس الرعايا. أي مهما اختلفت الأشكال الظاهرية للرهبنة فإن الجوهر يبقى واحدا وهو يتلخص في أمرين مهمّين: الوحدة والتمثل الدائم أمام الله. لذلك لا يمكن للإنسان أن يصبح راهبا إلا إذا كان يشعر بالميل إلى الوحدة وتكريس حياته بشكل كامل لله.

كما لا يجوز دخول الرهبنة طاعةً للأب الروحي فقط. للأسف كثيرا ما يحدث أن الشاب يتردد في مرحلة من مراحل حياته في الاختيار ما بين الرهبنة والزواج فلكونه لا يملك الجرأة الكافية لاتخاذ القرار النهائي يقول لنفسه: لأتوجه إلى أب اعترافي أو إلى الستارتس الفلاني وما يقوله لي أعتبره إرادة الله. ولكن هذا الأسلوب غير معقول لأن كل القرارات المهمة يجب أن يتخذها الإنسان بنفسه وأن يتحمل المسؤولية عنها. بالطبع لا يستطيع أحد أن يضمن عدم الوقوع في خطأ فكثير من الشباب يخطئون في اختيار طريقهم في الحياة. ولكن إذا كان الإنسان نفسه سبباً في خطأ فبإمكانه تصحيحه حتى لو كلّفه ذلك كثيرا، أما إذا ارتكب الخطأ بسبب شخص آخر ولم يجد إثر ذلك طريقه في الحياة لأنه كان قد اعتمد على رأي غيره في هذا الموضوع البالغ الأهمية ففي هذه الحالة ليس من يقوم بتصحيح هذا الخطأ.

هناك نوعان من الحياة الزوجية أي الزواج كسرّ ، وزواج كمجرد معاشرة. إن الكنيسة تعتبر الزواج سرّا والسرّ الأهم هو ليس الإكليل نفسه بل الاتّحاد بين رجل وامرأة. ليس هناك ديانة في العالم تضفي على الزواج قدسية خاصة وتبارك معجزة اتّحاد شخصين ليصبحا جسدا واحدا وروحا واحدا ونفسا واحدة كما هي الحال في المسيحية. ويمكن تطبيق نفس القول على الرهبنة فهي قد تكون سرّاً أو قد لا تكون. إن الرهبنة إذا عاشها الإنسان كسرّ من شأنها تغيير كل حياته بشكل جذري.

هناك تقليد خاطئ ورثناه من ذلك العصر الذي كانت فيه كنيستنا تتأثر تأثرا كبيرا بالفلسفة المدرسية (السكولاتية) الغربية حيث يُرسم حدّ دقيق بين الأسرار والطقوس فيُعزى الزواج إلى فئة الأسرار أما رسامة راهب فإلى المراسم الكنسية الخالية من الطابع السرّي. ولكن رسامة راهب هي في الحقيقة سرّ مثل باقي الأسرار الكنسية لأنها تحتوي على كافة العلامات التي تتميز بها الأسرار، فالذي يدخل الرهبنة يحصل على اسم جديد كما يحدث في سر المعمودية ويلبس ملابس جديدة وتغفر له خطاياه كما في المعمودية بما فيها الخطايا التي تعتبر حاجزا قانونيا للسيامة الكهنوتية. وحتى في الصلوات التي تقال أثناء رتبة رسامة راهب يذكر هذا العمل بأنه "السر الكبير". ومع ذلك لا تتحقق الرهبنة كسرّ إلا إذا تم دخولها اعتمادا على الدعوة الروحية لتصبح باباً لبلوغ الكمال الداخلي عن طريق الصعود بسلّم الفضائل ومكافحة الأهواء الذي صوّره بشكل رائع القديس يوحنا السلّمي في كتابه.

هل يمكن القول إن الرهبنة لا تتحقق أحياناً كسرّ وأن الرسامة كانت خطأ بالنسبة لشخص معين؟ نعم، في حالة دخول الرهبنة إما بالجبر أو تحت الضغط أو طاعة لشخص آخر أو في سن مبكرة جداً دون تفكير عميق أو بتأثير مزاج انفعالي أو حماس موقت يتلاشى مع الوقت، عندما يفهم الإنسان بعد أن أصبح راهبا أنه ارتكب خطأ كبيرا لأنه وجد نفسه غير صالح للحياة الرهبانية. وهناك ثلاث طرق للخروج من هذا المأزق.

الطريقة الأولى: ينجح الإنسان في التغلب على نفسه وتغيير حالته الروحية قائلا لنفسه إنه يجب أن يبذل جهده لتصبح الرهبنة سرّاً يتّحد فيه مع الله فيحاول بمعونة الله توجيه حياته إلى طريق النسك اللازم. هذه الطريقة هي الأفضل ولكنها للأسف نادرة نسبياً فنجد الاختيارين الآخرين أكثر انتشارا.

الطريقة الثانية: يبقى الإنسان في الدير حتى لا يخالف نذوره الرهبانية ومع ذلك لا يشعر بأي فرح من كونه راهب بل يخضع للوضع القائم متذمرا من نصيبه.

الطريقة الثالثة: يترك الراهب الدير ليرجع إلى الحياة السابقة كعلماني.

من المعروف أن النذور الرهبانية لا يمكن أن يقدّمها الإنسان إلا مرة واحدة فتبقى سارية المفعول طوال حياته. حتى الراهب الذي خلع ملابسه الرهبانية وتزوج لا يزال يبقى راهبا وفقا للقوانين الكنسية وإن كان راهبا ساقطا عائشا في الخطية. في تقليد الكنيسة الأرثوذكسية من المستحيل أن ينال الراهب السابق المقبل على الزواج بركة الكنيسة على ذلك إلا في حالات استثنائية. ومن هذه الناحية تفرض النذور الرهبانية على الإنسان واجبات أكبر مما تفرضها النذور الزوجية فإن الكنيسة يمكن أن تقرّ بطلاق الزوجين ولكن من المستحيل أن توافق على التراجع عن الرهبنة حسب القوانين الكنسية. وإذا كان بإمكان الإنسان أن يتزوج مرتين فإن النذور الرهبانية لا يمكن تقديمها إلا مرة واحدة.

أتذكر أنني في بداية حياتي الرهبانية كنت أعيش في دير تركه نصف الرهبان تقريبا وبعضهم تزوجوا فيما بعد ولكن زواجهم لم يكن سعيداً وانتهى في معظم الحالات بالطلاق.

كثيرا ما أتحدث مع شباب واقفين في مفترق الطرق، فيقول البعض: أفكر في الرهبنة ولكن عندي بعض الشكوك. فأجيب لهؤلاء الناس أنه ما دام لديهم ولو ظل من الشك والتردد مهما كان ضئيلا فمن الأفضل عدم الإسراع في دخول الرهبنة بل يجب الانتظار حوالي ثلاث سنوات، وبعد ذلك يمكن تحليل الذات واتخاذ القرار النهائي إذا كانت الرغبة في الرهبنة لا تزال موجودة لم تضعف. الخطأ في هذا الأمر قد يؤدي إلى نتائج مهلكة لأنه كالعادة الإنسان الذي فهم أنه غير قادر على تنفيذ النذور التي كان قد قدمها لا يملك القدرة على الرجوع إلى الحياة العادية السابقة فيبقى طوال حياته مجروحاً روحياً.

إن الرهبنة شأنها شأن الزواج لها ديناميكية خاصة حيث يمكن للراهب إما أن ينمو نمواً روحياً إيجابياً أو بالعكس يتقهقر في اتجاه معاكس. لا يمكن أن تكون حياة الرهبنة راكدة وأن يبقى الإنسان في مكان واحد لا يتحرك فإما أن يسير في طريقه مقتربا تدريجيا من الله وتتراكم في داخله اختباراته الروحية أو يفقد شيئا فشيئا تلك الذخيرة الروحية القليلة التي كان يملكها وهو طالب رهبنة مبتدئ. ومن هذا تتجلى أهمية الرؤية الصحيحة إلى الرهبنة ومراعاة ميول الإنسان الداخلية. فالمقدم على الرهبنة الذي يغمره الابتهاج في البداية قد يواجه خيبة الأمل لاحقا كما يحدث في الحياة الزوجية لكثير من الناس. قد يحسّ الراهب الجديد بعد رسامته بأنه عائش في السماء وأن حلمه تحقق وحياة الرهبنة هي ما كان يحتاج إليه، ولكن فيما بعد تأتي اليقظة ويفيق الإنسان من أحلامه ليرى أن هناك تجارب وصعوبات لا يقدر على مواجهتها، فمن المهم جدا التغلب على هذه النقطة الحرجة. إذا كان بإمكان الزوجين مقاومة الصعوبات ومواجهة الأزمات معاً ففي الرهبنة يبقى الإنسان لوحده لا يساعده إلا الله لأن الدعم البشري هو ما ينقص الراهب في أغلب الأحيان. ومن أهم المشاكل هنا عدم وجود إرشاد روحي سليم وهي قضية عصرنا.

لم يكن في زمن الاتحاد السوفييتي في الكنيسة الروسية إلا 18 ديراً فنشأت مشكلة نقص المرشدين الروحيين. اليوم عدد الأديرة يتجاوز 500 ومع ذلك لم يزدد عدد المرشدين الروحيين ذوي الخبرة. السبب هو أنه لكي يصبح أي كاهن أو راهب مرشدا روحيا حقيقيا يجب عليه أن ينمو روحيا خلال عقود ولتحقيق هذا النمو لا بد من وجود تقليد رهباني قوي. المرشدون أنفسهم لا بد أن يكونوا تلاميذ لشيوخ ذوي الخبرة. إن قوة الرهبنة تكمن في تسليم الإرشاد الروحي الذي تعود جذوره إلى التقليد الرسولي حيث يتم تسليم الخبرة الروحية من معلم إلى تلميذ فيصبح التلميذ معلماً وينقل الخبرة إلى آخرين. نجد في تاريخ الكنيسة كثيرا من أمثلة نقل الخبرة الرهبانية من معلم إلى تلميذ، ولا تزال سلسلة تسليم الإرشاد الروحي تربط كنيستنا بأيام الرسل. وحتى في العصر السوفييتي لم تنقطع هذه السلسلة وإن ضعفت كثيرا وكان يمكن آنذاك إيجاد بعض الشيوخ الروحيين.

وما الذي يجري اليوم؟ إذا افتتح دير صغير يرسل الأسقف إلى هناك هيجومينوس في الثالثة والعشرين من العمر ويأخذ ذلك معه عدة شبّان أصغر منه فيبدأ في تربيتهم. يحدث ذلك لأنه لا بد من إرسال أحد إلى الأديرة التي أعادتها الدولة إلى الكنيسة، فليس هناك ضمان أن رئيس الدير الشاب الذي تم تعيينه سيكون مرشدا جيدا للشباب الذين يأتون بحماس شديد ولكن في حالة نقص الإرشاد الروحي السليم قد يواجهون خيبة الأمل وينحرفون عن الطريق المستقيم.

في رأيي من الأفضل أن يقدم الإنسان على الرسامة سواء الكهنوتية أو الرهبانية ليس في سن مبكرة لكي يكون ناضجا نفسيا وروحيا. في الزمن القديم لم تتم رسامة رهبان لم يبلغوا سن العشرين وكان الاستعداد للرسامة طويلا فقبل دخول الدير كان الإنسان يفكر كثيرا ولم يصرّ أحد على أن يذهب شابّ إلى الدير كما يفعل اليوم بعض آباء الاعتراف. وبعد دخول الدير كان الإنسان يعيش فيه كطالب رهبنة مدة طويلة وفي حالة خيبة أمله كان بإمكانه ترك الدير والرجوع إلى الحياة العلمانية العادية. ولم تتم رسامته إلا بعد أن قضى سنوات كثيرة في الدير وتأكد تماما من صحة اختيار هذا الطريق. وبالتالي لم تكن الرسامة بداية لطريق الررهبنة بل نتيجة لاختبار طويل الأمد تؤكد دعوة الإنسان إلى الرهبنة واستقلال هذه الدعوة عن آراء وضغوط الغير.

إذا تمت الرسامة الرهبانية بمراعاة الشروط المذكورة من شأنها أن تكشف للإنسان ذخيرته الداخلية وأن تعطيه الفرص التي لا يمكن أن تعطيها الحياة في العالم. إن الراهب حرّ من روابط كثيرة ترفضها الحياة على إنسان علماني، ولديه إمكانية التركيز على الأهمّ أي "الحاجة إلى واحد" (لو 42:10) وهو التركيز على الله نفسه وقد يؤدي ذلك إلى كسب روحي عظيم. قبل كل شيء بإمكانه أن يختبر شخصيا معنى قرب النفس البشرية من الله الذي كتب عنه الآباء في تفسيراتهم لسفر نشيد الأنشاد، أو أن يقترب من معرفة الله أو معاينته كما هو بحسب قول الأب صفروني سخاروف، كما يمكنه اكتساب خبرات روحية عجيبة وبلوغ القداسة. لا شك أن باب القداسة مفتوح لكل إنسان سواء كان كاهنا أو علمانيا أو عائشا في الدير أو في العالم، ولكن الرهبنة يمكن أن توفّر الظروف الملائمة  وهي غير متوفرة في العالم بسبب كثرة التجارب التي تحول دون ذلك. مع ذلك يواجه الرهبان عراقيل وتجارب أخرى لا يعرفها العائشون في العالم ويسيرون في طريق جهاد خاص. ولكن كما قلت فرصة كشف الذخيرة الداخلية وتكريس الحياة لله كاملا لا تتوفر إلا عند الرهبان الذين قبلوا الرسامة بدعوة روحية عميقة.

إن الرهبنة هي أبرز تعبير عن السير في الطريق الضيق الذي دعا إليه الرب جميع المسيحيين. في الكنيسة القديمة كانت الرهبنة تتكون على مراحل فكانت تظهر مجموعات من النساك الذين قدموا نذر البتولية وسكن بعضهم في البراري وبقي آخرون في المدن وكانوا يضعون أمامهم هدف العمل الروحي الذاتي الذي يطلق عليه في العهد القديم "السير مع الله" ويقصد به تكريس كل كلمة وكل فعل إلى الله وتركيز الحياة كلها عليه. في القرن الرابع كان في الكنيسة السورية نساك يطلق عليهم "أبناء العهد" أو "بنات العهد" وكانوا يقدمون نذور البتولية لتكريس الذات كليا إلى خدمة الله والكنيسة. وفي نفس الفترة تطورت الحركة الرهبانية في الكبادوك بوتائر سريعة وتأسست مجموعات النساك. ولعب القديس باسيليوس الكبير دورا مهما في تكوين الرهبنة الكبادوكية وقد وصلتنا عدة مجموعات من قواعد الرهبنة المؤلّفة من قبله. قد جرت العادة أن تعتبر هذه النصوص قواعد للرهبان ولكن كلمة راهب لا تذكر فيها. والسبب أن القديس باسيليوس كان يكتب قواعده ليس للرهبان فقط بل لجميع المسيحيين الراغبين في حياة النسك بحسب الإنجيل، لأن جوهر الرهبنة هو نمط الحياة الإنجيلي ويشترك الرهبان والعلمانيون في تطلعهم إلى تنفيذ نفس الوصايا. ولذلك يقول القديس يوحنا السلّمي إن الملائكة نور للرهبان، أما حياة الرهبنة فنور للناس. فنجد أن الرهبنة في الإمبراطورية البيزنطية وروسيا قديما كانت تعتبر نوعا من المثال الأعلى وأن حياة المجتمع كانت تستند إلى القواعد الرهبانية النسكية إلى درجة كبيرة.

إذن، ليس هناك تناقض بين حياة الرهبنة والحياة الزوجية أو الحياة في العالم بشكل عام. يقول القديس إسحق السرياني إن العالم هو مجموعة من الأهواء فيترك الراهب هذا العالم الساقط الخاطئ المنغمس في الخطيئة ولكن ليس العالم كخليقة الله. إنه يتركه ليس كرها له بل لأنه لا يقدر أن يجمع في نفسه الذخيرة الروحية لاستثمارها في خدمة الناس إلا وهو خارج هذا العالم. يقول القديس سلوان الآثوسي إن كثيرين يتّهمون الرهبان بأنهم يأكلون خبزهم مجّانا ولكن الصلاة التي يرفعونها من أجل العالم أثمن بكثير مما يفعله بعض الناس في العالم لصالح الآخرين.

قال القديس سيرافيم ساروفكسي: إذا اقتنيت روح السلام فسيخلص آلاف حولك. عندما يهرب النساك إلى البراري لمدة عشر أو عشرين أو ثلاثين سنة يكتسبون روح السلام الداخلي التي كثيرا ما تنقص الذين يحيون في العالم، ولكنهم يعودون بعد ذلك لينقلوا هذا السلام إلى الناس، وفعلا قد خلص آلاف بالقرب من هؤلاء النساك. بالطبع كان هناك نساك كثيرون مجهولون لم يرجعوا إلى العالم ولكن ذلك لا يعني أن جهادهم ذهب هباء لأن الصلوات التي كانوا يرفعونها لأجل الناس ساعدت كثيرين مساعدة حقيقية، وبعد بلوغ القداسة أصبح هؤلاء شفعاء لآلاف الناس الذين خلصوا بصلواتهم. 

في الختام أودّ أن أقول إن الرهبنة بخلاف الزواج هي مصير المختارين ولكن ليس بمعنى أنهم أفضل من غيرهم بل بمعنى أنهم يحسّون بالدعوة والميل إلى الوحدة. وإذا لم يكن الإنسان يشعر بحاجة إلى الوحدة وإذا كان يملّ منها ومن وجوده مع الله وإذا كان يحتاج إلى شيء خارجي يملأ هذا الفراغ وإذا لم يكن يحبّ الصلاة ولم يقدر على التعمق فيها والاقتراب من الله من خلالها ففي هذه الحالة لا يمكن دخول الرهبنة.

                                                                                                                              المقالة مرسلة من أصدقاء الموقع

                                                                                                                             أعضاء شبكة القديس سيرافيم ساروف

 

الحياة الرهبانية

قديس اليوم

زيارة لدير القديس جاورجيوس

زيارة لدير الشيروبيم  ( رؤساء الملائكة )

البحث في الموقع

الوصول إلينا