رهبانية الديرين

الحياة الرهبانية

قديس اليوم

زيارة لديـر القديس جاورجيوس

زيارة لديـر الشيروبيم  ( رؤساء الملائكة )

البحث في الموقع

الوصول إلينا

..............ديري القديس جاورجيوس والشيروبيم في صيدنايا...........

صوت الراعي

صوت الديرين

حياة روحية

صنارة روحية

شهادات حية

أيقونة تتحدث

ملتيميديا

سؤال وجواب

إصدارات الدير

نشاطات

المكتبة

أخبار

مساهمات القراء

ارتباطات

 

ذاتيةٌ لأخٍ يشعر بدعوةٍ رهبانية يريد بسببها الانضمام لديرنا في صيدنايا

 

عندما أتيح لي أن أنظر إلى حياتي في صمتٍ وسكينة، وقفت بذهولٍ أمام ما وجدته من سعادة لم أكن أحلم بها حتى ......

لا أدري ما الذي أعادني إلى طفولتي...... إنني أستعيد من طفولتي ذكرياتٍ غريبة إن هذه الذكريات تتعلق بشخصيتي .....

كنت أفكر في طفولتي في كثير من الأمور التي لا يجب إن يفكر بها الأطفال، أو ربما هكذا كنت اعتقد. فكنت أتساءل: "لماذا أنا أفكر بهذه الأمور، وغيري من الأطفال لا يفكرون بها؟"

كنت أفكر مثل الكبار وكان يزعجني ذلك. فمثلاً كنت أنظر إلى وجوه الناس البائسة وأضع صورةً في ذهني للحياة التي يعيشها صاحب هذا الوجه كما كنت أتخيلها، وغالباً ما كانت تتراءى لي حياةٌ تعيسة أو قاسية كما تبدو لي في وجهه فكان هذا يحزنني ويدعوني إلى هز رأسي لأبعد هذه الأفكار عنه.

لا أدري ما الذي جعلني أتذكر هذه الأمور الآن, لكن ربما استطيع أن افهمها أكثر لاسيما إنني أفكر بنفس الطريقة أحياناً, خصوصاً إن احتكاكي بالمجتمع أصبح أكبر وأوسع وكثرت الوجوه التي تؤثر بي، لكن علاجي للأمر أصبح مختلفاً فلم اعد أهز رأسي لإبعاد هذه الصور، إنما تحول ذلك إلى صلاة دائمة من أجل هؤلاء الأشخاص، وبالوقت نفسه صلاة من أجل كل البشر. إن هذا يريحني أكثر من الحزن عليهم.

لقد تغيرت معالجتي للأمور بين طفولتي وشبابي فتحول الحزن على الناس إلى صلاة من اجلهم .

صحيحٌ أنني عرفت يسوع في طفولتي وأحببته لكنني لمسته في بداية شبابي.

بدايةُ فترة المراهقة بالنسبة لي كانت مثل كل الشبان فقد نبض قلبي لفتاةٍ جميلة، وكنت أملئُ فراغي بتتبعها والتفكير بأمرها. وهذا ما كان يفعله كل من في عمري.

لقد اجتزت مرحلة الطفولة, مرحلة الصمت والأفكار تلك, ودخلت مرحلة الحضور الاجتماعي والحياة الشبابية واثبات الجدارة. لقد كنت قصير القامة بالنسبة لأصدقائي الذين شبوا بالطول في تلك المرحلة, وكان صوتي رفيعاً وناعماً دون أن يطرأ أي تغيير عليه مثل باقي أصدقائي, بالإضافة إلى إنه بالأصل كانت طباعي خجولة. ومع اجتماع هذه الأمور كلها كنت أفضل أن أبقى في صمتي الطفولي الذي كان يشكل لي عالماً أوسع.

سجدت للرب في أولِ مرةٍ عندما كان عمري سبعةَ عشر عاماً, تعلمت في تلك الفترة أن أصغي عند حضوري القداس الإلهي لكل الصلواتِ والترانيم، وتدريجياً بدأتُ أحيا الصلاة بشكل حقيقي فكنت أغوص في تأملي بكلمات الصلوات والترانيم وبالسجود للقرابين المقدسة. هنا وفي تلك الفترة بدأت ألمس الرب يسوع.

كانت حياتي مليئة بالنشاطات الاجتماعية من خلال الأصدقاء أو الأقارب، بالإضافة إلى نشاطات مدارس الأحد الذي كنت مرشداً فيها أساعدُ في الرعاية الأخوية لأطفال يسوع.

بدأ صوتي بالتدريج يأخذ الخامة الرجولية وكذلك أخذت قامتي طولا مناسباً، مع أن هذه الأمور لم تكن تحد من حياتي الاجتماعية إلا أن مجيئها مع أنه متأخراً جعلني أكثر ثباتاً في المجتمع.

في تلك السنة ذاتها, جاء إلى كنيستنا راهبٌ وأقام عندنا مدة من الزمن، في هذه المدة كنت قد تعرفت عليه مع اثنين من أصدقائي وبدأنا بمشاركته بصلاة النوم كل يوم وكنا نزوره بعد المدرسة أحياناً. كان وجوده في حياتنا متعة حقيقية بالنسبة لنا, فكانت أحاديثه لنا هي كل ما نعرفه بالروح والصلاة التي نتلوها معه "صلاة النوم الصغرى" هي الصلاة الوحيدة التي نعرفها، لذلك أعتقد أنه من هنا كانت بداية حياتي الروحية.

كنت في الصف الحادي عشر عندما قمت بأول رياضة روحية كانت في دير القديس جاورجيوس (صيدنايا) وكنا عندها فرقة مؤلفة من عشرين أخ وأخت أذهلتنا جميعاً حياة الرهبان وكانت هذه التجربة بالنسبة لنا جميعاً تجربة فريدة من نوعها.

كنت في تلك الفترة أتوق لأن يكون لي أب روحي، ولم تتسنى لي الفرصة في تلك الرياضة الروحية لأن أكلم رئيس الدير "الأب يوحنا التلي".

إلا أنني كلمته مباشرةً عند أول زيارة له إلى مدينتي بعد ذلك الحين. وكان كلامي معه عبارة عن اعترافات طفولية منها وشبابية، وهذه كانت خطوتي التالية.  

حاولت دائما أن أحافظ على تواصلي معه فكنت أتصل به باستمرار وأبعث له الرسائل البريدية، كنت دائماً أحاول أن أذكره بنفسي وأعرفه على نفسي أكثر، وطلبت منه أن يكون لي أباً روحياً لأني شعرت أنني بكلامي معه أخاطب الله من خلاله مباشرةً.

بدأت بعدها أزور الدير لوحدي وأقيم فيه عدة أيام, أحيا مع الرهبان, أشاركهم حياتهم في الصلاة والعمل والمائدة, أستمع إلى أحاديثهم وتأملاتهم. كنت صغيراً بالنسبة لهم لكنني سرعان ما تعرفت عليهم جميعا وأحببتهم كثيراً.

كنت في كل زيارة للدير أتمنى ألا أعود إلى المنزل, ليس ذلك كرهاً بمنزلي أو بأهلي أو بحياتي الأرضية التي أحياها مع أهلي وأصدقائي, لا على العكس فحياتي كما كنت أشعر كانت مثالية من جميع هذه النواحي، ولم يكن ينقصني شيء على الإطلاق، وإنما دخولي في الحياة الروحية كان يشكل لي سعادة تفوق كل سعادة أخرى، ففي الحقيقة وخلال فترة إقامتي في الدير لم أكن أشعر بالاشتياق لأبي وأمي وأخوتي، ليس لأنني لا أحبهم بل العكس لأن حبي لهم هو كل حياتي، إنما في الدير كنت أشعر أنني أتواصل معهم أكثر بكثير من وجودي بقربهم, فكنت أصلي من أجلهم وأقترب منهم وأدخل إلى أعماقهم. نعم كانت الصلاة تجمعني بهم، لا بل أكثر من ذلك فقد كانت الصلاة تجمعني بالبشرية جمعاء.

في الحقيقة لا أحد كان يشعر بما كنت أحياه في الدير فلم أكن أستطيع وصف اقترابي الحقيقي من يسوع، عندما كنت أُسأل عما كنت افعله في الدير, كنت أكتفي بالقول :"إن حياة الرهبان لطيفة وأنا استمتع بمشاركتهم إياها عدة أيام".

أما في داخلي فلم تغب صورة أبونا يوحنا عن ذهني وكذلك الإخوة الرهبان, الذين أصبحوا جميعاً جزئاً من حياتي وأصيح الدير كالميناء الذي ترسو عليه جميع أفكاري.

قرأت بعض سير القديسين وتعلمت أن أصلي صلاة يسوع بعد قراءتي كتاب "سائح روسي على دروب الرب". الذي أثر بي تأثيراً كبيراً وجعلني أواظب على هذه الصلاة باستمرار. "يا رب يسوع المسيح, ارحمني أنا عبدك الخاطئ".

عندما وصلت إلى مرحلة البكالوريا, في حينها كنت قد وصلت إلى أوج حياتي الروحية فأصبحت الصلاة ترافقني في كل وقت وكان لي قانوناً أصليه كل يوم في غرفتي, هذه الأمور كانت تعوض عن ابتعادي عن الدير فكنت مع استمرار الصلاة في فلبي, أحيا سلاماً لا أستطيع وصفه، ففي هذه الفترة لمست يسوع الذي ملأ قلبي فكانت صلاتي ودموعي تملؤني فرحاً. كانت دموعي تنهمر عندما أنغمر بالصلاة. ليست دموع حزنٍ بالتأكيد، بل إنه حضورٌ إلهي. هكذا كنت أشعر. وهذه المرحلة من حياتي كانت أروع مرحلة أعيشها حتى الآن. ولكن من أنا سوى إنسان ضعيفٌ ومغرور.

كانت البكالوريا بالنسبة لي كابوساً مرعباً فأنا لست متمكناً من المواد العلمية التي أدرسها وأرى فشلي بعيني ولا أدري كيف أتصرف. إن هذا الكابوس قاطع تأملي وصلاتي وجعلني متوتراً حائراً، فما كان لي إلا أن أقصد الدير وأخبر أبونا يوحنا بحالي. فكانت لدي رغبة لا توصف بأن أحافظ على ذلك الشعور بالسعادة الحقيقية التي أحياها بالصلاة فرجوته إن يقبلني راهباً في الدير لأبقى حياتي كلها قرب يسوع. تقبل أبونا شغفي بلطفٍ شديد, ولكنه رفض طلبي بأن أحيا في الدير، واعتبر الوقت مبكراً لاتخاذ قراراً كهذا وطلب مني أن أتابع حياتي وأحافظ على صلاتي وأترك الحديث بهذا الأمر لما بعد البكالوريا وضغوطها.

أحزنني هذا كثيراً وشعرت بأنني سأفشل لا محال. لكن أبونا يوحنا حاول أن يريحني وقال لي بأن أعتبر نفسي ابناً للدير منذ هذه اللحظة وأما الحديث عن الرهبنة فيؤجل لما بعد البكالوريا.

لم يمض وقت طويل حتى وقع في أسرتنا مصابٌ أليم. فقد عادت لأبي أعراض مرضه الذي زامنه سنوات طويلة وعاش حياته في عدٍ تنازلي مدة أربعة شهور حتى أسلم روحه.

بعد أن مرض أبي تغيرت حياة أسرتنا كثيراً، هذه الأسرة التي لطالما أحببتها, كانت أسرتنا لطيفة جداً, كنا نحيا معاني الأسرة الحقيقية. كان أبي لي صديقاً في تلك المرحلة وفي مرضه شعرت أن قلبي قد تحطم والمسؤولية والخوف قد غلباني. حاولت أن أحافظ على صلاتي ولكن بضعفٍ شديد. لقد كان موت أبي بالنسبة لي مصيبة علي اجتيازها بأن أسحق كل معاني الطفولة من أمام وجهي وأواجه الحياة بجديةٍ لم أكن أعرفها من قبل. صادفت وفاة أبي فترة الامتحانات ولم أقدمها.

ابتعدت كثيراً عن الصلاة, وعن يسوع, ابتعدت عن الدير وعن فكرة الرهبنة. لا أدري ما الذي أصابني، لم أعد أفكر بشيء ولا أطمح لشيء ولا أدري ما السبب المباشر لذلك, لم يكن ابتعادي عن الصلاة نفوراً, بل كسلاً وضعفاً، فمحبتي ليسوع كانت لا تزال في قلبي لكن دون صلاة, هذا ما أضعفني وأبعدني عنه كثيراً.

تخبطت الأفكار في رأسي حتى أنني أصبحتُ رافضاً لفكرة الرهبنة وبدأت أشعر أنني غير قادر على عيش الحياة الرهبانية وأني لن أتحملها.

عشت حياتي بعدها بفراغٍ لا يوصف وأعدت تقديم البكالوريا ونجحت فيها بمعدل ضعيف، ولأهرب من فشلي الذي أقع فيه وضعت أمامي طموحات وهمية لأخدع نفسي, لكن قلبي من الداخل كان يشعر أنني سأفشل بها.

كانت تلك الفترة أسوأ فترة في حياتي, كنت أحيا جموداً غير طبيعي وفراغاً كبيراً يجعلني كأنني أحيا باللاشيء.

لطالما اشتقت ليسوع واشتقت لتلك الأيام التي جمعتني به والتي كان فيها يملئ قلبي وحياتي سعادةً وسلاماً واستقراراً. أما في هذه المرحلة فأنا ضائعٌ وحائرٌ وضعفي وكسلي يزيداني بعداً عن يسوع.

أعدت تقديم البكالوريا مرةً ثالثة وفي تلك المرحلة حاولت أن أملأ فراغ قلبي بالحب. فظننت أن قلبي بحاجة لحب فتاةٍ ما, وحصل أن وقعت في حب فتاةٍ كنت أعرفها وحاولت أن أملأ قلبي بحبي لها، وكلمتها وأبلغتها حبي وعشنا فترة تشبه الحب، ولكن قلبي من الداخل العميق كان يتمنى ألا يستمر هذا الحب، وأنا نفسي كنت أتمنى من ناحيةٍ أخرى أن يستمر، فلم أعد أدري ماذا أريد, وتركت نفسي للزمن الذي حل المشكلة لصالح قلبي الداخلي وفشل موضوع علاقتي بتلك الفتاة.

لم يؤثر هذا الفشل على حياتي أبداً ولم أشعر بأني خسرت شيئاً ما بقدر ما شعرت بالاستقرار أكثر, نجحت هذا العام بالبكالوريا أيضاً وسجلت بالكلية التي لطالما حلمت بها من صغري.

هنا وبعد أن بدأ الاستقرار يدخل حياتي، بدأت أعود للصلاة شيئاً فشيء وعادت زياراتي للدير تتكرر وتزداد، مع أني فيما مضى كنت قد أخبرت أبونا يوحنا بأن شغفي للحياة الرهبانية قد ضعف في الفترة الأخيرة إلا أنني حافظت على زياراتي للدير مثل الماضي.

هكذا مرت الأيام وأنا في الجامعة, حاولت كثيراً أن أعيد صلاة يسوع إلى قلبي ولكن كان ذلك يتطلب جهداً كبيراً فأنا مشتاق لتلك الأيام التي كنت فيها ألمس يسوع في قلبي، فليس هناك أروع من هذا الشعور وأنا قررت أن أعود إليه مهما كلفني ذلك من جهد فطالما أنني توصلت إليه في مرحلة من عمري لا بد أني أستطيع الوصول إليه الآن.

أمي الحبيبة ..

أنت تعلمين أنه لدى كل إنسانٍ أسراراً داخلية تحيا في قلبه، وتبقى حتى مماته، لابد أنك تعلمين أنك أكثر شخصٍ أحبه في العالم ولأنك الوحيدة التي يهمني أن تتطلع على حياتي الماضية والحاضرة وحتى على مسار حياتي التي اخترت أن أحياها لذلك سأبوح لك ببعض هذه الأسرار.

في مرحلة من مراحل حياتي نبض قلبي بحب غريب, حبٍ عذب وكامل, ليس كعظمته حبٌ في الحياة, فكان اسم محبوبي ينبض في قلبي في كل ثانية ويملئ أفكاري. أقول في كل ثانية وأنا واثق من هذه الكلمة حيث أن قلبي لم يتوقف عن لفظ اسمه لحظة واحدة.

في حينها امتلأت حياتي بالسعادة، سعادة حقيقية وكاملة, تخيلي أن هذا الحب جعلني أحب كل الناس وأحيا معهم سلاماً حقيقياً، فليس في الحياة ما يزعجني وليس هناك ما يبعد اسمه عن قلبي، تصوري أنني عندما كنت أتأمل في نفسي قبل أن أنام كانت تتراءى صورة محبوبي لقلبي بصورة "غير منظورة" بنظرة كلها حبٌ ورضى, بنظرةٍ كلها سلام ونقاء ترفعني بعيداً عن كل هذا العالم.

نعم سأخبرك بسري إن اسم محبوبي هو "يسوع" نعم يا أمي إن تلك المرحلة كانت أروع مرحلة في حياتي، سعادة لا يمكن وصفها. في الحقيقة كانت سعادة غير بشرية ولا أدري كيف أتكلم عن مشاعري في حينها.

كان ذلك منذ عدة سنوات, أنت كنت لا تعلمين بما أحياه, بل كنتم جميعاً تعتقدون أني في فترة المراهقة وأني واقعٌ في الحب. في الحقيقية أنني فعلاً كنت واقعاً في الحب ولكن الحب الكامل الذي لا مثيل له، حب يسوع.

لكني في تلك الأيام كنت لا أزال غصنا غضا، واعتقدت أني بهذه السعادة التي حييتها قد توصلت إلى أجمل شيء في الدنيا وبسبب ضعفي بدأ قلبي يبرد وبدأت أتراخى في الصلاة, ولم يعد عقلي ينشغل بما ينبض به قلبي, فأهملت حبيبي وابتعدت عنه تدريجياً دون أن اشعر. مع أنني أعلم أن سعادتي تزول بدونه إلا أنني لم أجهد نفسي ولو قليلاً للحفاظ عليها، هكذا بدأت حياتي تدريجياً تعم بالبرود والفراغ والضياع، مع أنني كنت لا أزال أحيا بذلك الذهول بعظمة الإله الذي ملأ قلبي وأنا حتى الآن أحيا بذاك الذهول إلا أنني لا ادري كيف فقدته!

ربما لم أكن افهم إن ذلك تواضع من الرب إلى قلبي وليس صعوداً من قلبي إلى الله، نعم إن الرب دعاني, وأنا أطربني النداء, ولكن دون أن استجيب. 

أمي الغالية..هل تفهمين ما أقول ..؟

إن حياتي بعد تلك الفترة أصبحت مليئة بالتعاسة, فما كان يملئ قلبي، أصبح بعيداً. فكيف تتخيلين أن ذلك القلب سيكون؟

لقد حاولت أن أملئ هذا الفراغ بحب أرضي لكن شوقي لتلك السعادة التي حييتها مع يسوع كان يمنعني من الاستمرار.

في الحقيقة يا أمي هذه هي حالي الآن. شوقٌ وحسرةٌ وندمٌ, صحيح أنني أحيا حياتي بشكلٍ طبيعي، ولكن لا أحد يعرف ما بقلبي إلا أنت. أنت الآن فقط من يعلم بأسرار قلبي.

لكني بهذا الشوق إلى تلك الفترة الماضية بدأت أحاول جاهداً إن أعيد تلك السعادة إلى قلبي وذلك بإعادة الصلاة إليه أولاً حتى أتمكن تدريجياً من العودة إلى يسوع الذي زارني يوماً ولم أستطع أن أتشبث به. أعلم أن كل ما تريدينه من هذه الدنيا هو سعادتي وها أنا قد ذكرت لك أين تكمن سعادتي وأين كانت تعاستي. إن ما ذكرته لك فيما سبق كان تجربتي في الحياة، وليس كلاماً اعتباطياً. ذكرت لك تجربتي في الحب الأرضي الذي لم أشعر فيه بالاستقرار يوماً، وذكرت أيضاً تجربتي مع يسوع التي لا يمكن أن أنساها يوماً وأنا أتوق لأن أعيدها إلى قلبي.

وبعد تفكيرٍ دام عدة سنوات وبعد خوض تجارب مختلفة في الحياة. قررت أن أنهي ما تبقى لي من دراستي الجامعية ومن ثم بعدها أحيا ما تبقى من حياتي راهباً في المسيح.

نعم يا أمي هذه هي حياتي ولن أحياها بعيداً عن المسيح. وها أنا أخبرك بهذا الآن قبل مدةٍ من تنفيذي لقراري، لكي تكوني أول من يعلم لأنك الوحيدة التي يهمني أمرها في العالم ولكي تتفهمي أمر سعادتي التي شرحت لك عنها كثيراً.

كل ما أتمناه الآن يا أمي ومن كل قلبي هو:

انك عندما ترينني بعد قراءتك لهذه الرسالة أن تبتسمي في وجهي وتقولي لي: "هنيئاً لك حياتك في المسيح" وأرجوك يا أمي أن لا تحولي حبك لي إلى غضب علي، لأن قراري قد أخذته بعد سنوات من الدعوة الأولى، وقراري هذا ليس هرباً من أي شيءٍ في الحياة.

بل اعلمي أنه ليس هناك أجمل من أن يدعو الرب عبده إلى مملكته السماوية وهذا العبد لا يزال يحيا على الأرض.

لذلك أرجوك، افرحي من أجل سعادتي ولا تحوليها إلى معاناة، واعلمي أن حياتي ستكون حياة صلاةٍ من أجلك ومن أجل أبي وأخواتي وعائلاتهم، ومن أجل كل البشر.

فكوني واثقة أنك لن تكوني وحيدة لأن المسيح سيملأ حياتك وسيكون لك الابن والأب والأخ والحبيب.

فصلي لأجلي ولا ترفضي نعمة الرب على حياتنا.

مطلع عام 2009

     

الحياة الرهبانية

قديس اليوم

زيارة لدير القديس جاورجيوس

زيارة لدير الشيروبيم  ( رؤساء الملائكة )

البحث في الموقع

الوصول إلينا