عيد رأس السنة الميلادية 2017
أقامت أخوية ديري القديس جاورجيوس والشيروبيم في صيدنايا، مساء يوم السبت في 31 كانون الأول، 2016 سهرانية بمناسبة عيد ختانة الرب يسوع وعيد القديس باسيليوس الكبير، وفي نهاية القداس ألقى قدس الأرشمندريت يوحنا العظة التالية:
باسم الآب والابن والروح القدس الإله الواحد آمين،
نحن في قُدّاس رأس السنة. فما هو الفرق يا تُرى بين هذا القداس، وبين ما مرَّ معنا قبل أسبوع، قدّاس الميلاد؟ هما واحد. ذاكَ وُلد فيه يسوع المسيح، وعظمته تكمن في أن نشعر؛ ما هو المذود الذي وُضع عليه. أما هذا الذي هو بدءُ تاريخ السنة الميلادية. قد يتساءل سائل: أليست السنة الميلادية تبتدئ بالميلاد؟ الجواب هو أن اليوم هو تثبيت الميلاد. يتم تثبيت الميلاد عندما يُختتن الصبي. هكذا كان يحدث في تلك الأيام أي بعد أسبوع من الميلاد، أما الأسبوع الذي يمر بين الميلاد ورأس السنة لا يُحسَب مع تعداد الأيام. اليوم هو تثبيته، بمعنى أنه يجب أن يكون طقس روحي، يدخل فيه الإنسان بعلاقة مع الله. والختن في المسيحية استُبدل بالمعمودية المقدسة. نحن ندخل بعلاقة إلهية مع الله يومَ نُعمَّد، لذلك فإن كثير من الدول المسيحية، كانت لا تُسجِّل اسم المولود إلا يوم عِماده. بغض النظر متى يُسجَّل، فالعلاقة الإلهية تقوم بدءاً من المعمودية التي نستعيض فيها عن الخَتن. ونحن اليوم نستمر من خلال ختن مقدس تُختَن به قلوبنا. على كل واحدٍ منا أن يشعر بأن القلب بحاجة لكي يُنظَّف، لكي تخرج منه تلك الشوائب التي تُبعده عن العلاقة الإلهية. من هذا القبيل نحن اليوم في عيد عظيم؛ عيد تجديد أنفسنا الروحية الداخلية من خلال أننا نتمتّع بقلوب نظيفة.
العيد الثاني لهذا اليوم، هو عيد القديس باسيليوس الكبير، ذاكَ الذي ينتمي إلى أسرة عريقة في المجتمع، وأيضاً في الروح؛ أمه وأخته وأخوه كلهم قديسون. كانوا أغنياء. وزَّع أمواله وعمل في حقل الكنيسة وصار رئيس أساقفة، ومن أَجَلّ أعماله أنه بنى المدينة الباسيلية التي سُميت على اسمه التي صار فيها بيوت ينزل فيها الغرباء، وبيوت ينزل فيها المرضى بمثابة مستشفيات ومستوصفات وبيوت للرهبان لكي تستمر الرهبنة في عهده. ووضع لها أنظمتها المسماة بالأنظمة الباسيلية. عَظَمة باسيليوس أنه استطاع من خلال غِناه أن يصير فقيراً، ومن خلال فَقره أن يصير غنياً ويبني ويبني ويبني، وخاصةً أنه بنى الأنفس البشرية.
أما ما نحافظ عليه في كل عام، هو ما يسمى عيد رأس السنة، ومن الناحية الكنسية، نحن نسعى جاهدين لنقيّم السنة الماضية، ونضع آمال وأماني بل وأحلام للسنة الجديدة. فهل يا ترى نقوم بهذا الفعل وهذا العمل؟ إذا سُئلت: ماذا تنصحنا وكيف نقيم هذا الذي يجب علينا أن نسعى إليه؟ أقول أنه بدءاً من رأس السنة، نحاول أن نكون مسيحيين حقيقيين، نعمل كما يوصي الإنجيل، وكما تعلِّم الكنيسة ونقتدي بالآباء القديسين. وفي نهاية الشهر الأول نقيم مع ذاتنا نوع من المحاسبة، ونُسجِّل ما عَمِلناه بصورة صحيحة، وما لم نعمله بصورة صحيحة، فنسعى من الشهر الثاني أن نُخفِّف الوطأة بنقص أعمال الفضيلة، لتكون الفضيلة هي طريقنا الذي نسير فيه؛ وهكذا الشهر الثاني والثالث حتى نهاية العام. وفي نهاية العام نجمع ما صار محسوباً علينا في أشهر السنة، وما ينقصنا من خلال أننا لن نتقيّد ولن نعمل كما يجب. فالحسابات هنا تصير أقل عندما نُجزّؤها على اثني عشرة مرحلة. بهذه الصورة نستطيع أن نستدرك في عامنا الجديد، بصورة أصح وأفضل، لأنه عندما لا يكون هناك لائحة طويلة تُنسينا ما يجب علينا أن نفعله، وتكون المحاسبة من خلال أن الله هو الذي يُحاسِب، وأن نضع أنفسنا خدّاماً لله في تعاطينا لتقصيرنا في الأحوال التي لم نَقُم فيها كما يجب. نضع الفضائل التي علينا أن نتحلّى بها، كمثل الصدق مكان الكذب، والأمانة مكان الخيانة وهلمَّ جرا، وعلى رأسهم المتابعة في الحياة الروحية وكافة الصلوات لنكون من خلال عملنا هذا مرضيين من الله.
سأُعطي مَثلاً حول عمل ما: فلنقل التاجر. التاجر عليه أن يحاسب نفسه بأنه أخلَّ بأمانته لزبائنه بكذا وكذا، وأنَّ عليه في العام الجديد أن يتقيّد بالملاحظات التي وضعها لنفسه. فلنأخذ مَثَلاً في وسط هذا الـمَثل: يا تُرى تاجر الأسلحة ماذا يفعل؟ عادة الإنسان يطوِّر عمله. هل يطوِّر عمله في صناعة أسلحة مدمرة لقتل أكثر وأكبر؟! من هذا الـمَثَل المتطرف الذي ذكرته علينا أن نتحلّى بكافة الأمثال الأخرى لنقيّد أنفسنا بالمسيح دون سواه.
وعلينا أن نتذكّر في العام الجديد كافة الذين نعرفهم لنصلي من أجلهم، وكافة الذين لا نعرفهم هم أيضاً خليقة الله من كافة الأطياف والأديان والملل، كلّهم بحاجةٍ لكل واحد منا. وكلكم يعرف أننا في آخر القداس، سنقيم طلبة تشمل الجميع من رؤساء الدين، إلى رؤساء الحكومات، إلى كافة الأطياف البشرية. علينا أن نتذكّرهم بقلوب نظيفة طالبين من الله لأجلهم أن يكون عملهم حيث هم عليه، عمل مرضي من الله أيضاً. تلك المحاسبة نادرة في قيامنا بها، فلنسعى من اليوم لأن نُقيّد أنفسنا بهذا الرباط الجميل الذي نتبارك به والذي نُعطى من الله نعمة وبركة لأجل أن نكون، كما يريد الله منا. لن أُتابع أكثر. هذا الكلام على كل واحد منا أن يتابعه مع نفسه اليوم وغداً وبعد غدٍ، لنكون بحق قد مررنا على عام ندمنا فيه كثيراً على أمور كثيرة ومستقبلين عام جديد لنعمل فيه أمور صالحة فوق تلك الأمور التي قمنا بها في العام الماضي. وعلى هذه الصورة نشعر بالفرح، راجياً من الله في رأس السنة الجديدة الفرح لجميعكم.
ونعمة الله فلتصحبكم الآن ودائماً آمين

عيد القديسة كاترينا
بمناسبة عيد القديسة كاترينا الكلية الحكمة، أُقيمت مساء يوم الخميس في 24 تشرين الثاني 2016، سهرانية في كنيسة دير القديس جاورجيوس في صيدنايا، بحضور عدد كبير من المؤمنين وترأس الخدمة قدس الأرشمندريت يوحنا التلي رئيس الديرين وعاونه بالإضافة لآباء الدير، قدس الأب سمعان هيلون، وقد ألقى الأرشمندريت يوحنا في نهاية القداس العظة التالية:

باسم الآب والابن والروح القدس، الإله الواحد، آمين.
مع هذه السهرانية، نتذكّر القديسة كاترينا التي نحتفل بذِكراها اليوم، تلك التي وُلِدت في نهاية القرن الثالث، وكانت من أسرة ملوكية عريقة، وتعلّمت آداب الفكر والفلسفة إضافة إلى ما تعلّمته في بيتها من معرفة حقيقية للكتاب المقدس، ومن ثمّ انتمت إلى مدرسة اللاهوت في الإسكندرية، موطنها. هذا يعني أنها تعرّفت على كافة ألوان المعرفة والفكر بالإضافة إلى الإيمان المسيحي القائم على اللاهوت. وفي مطلع القرن الرابع كانت قد تعمّدت وأنهت دراستها بالتزامن مع حدث في موطنها الذي ينتمي إلى الملك مكسيمينوس، الذي أراد أن ينتقل إلى الإسكندرية ليقيم احتفالاً وثنياً كبيراً، وأراد من كافة أبناء هذه المدينة الحاضرين أن يخضعوا لمشيئة الآلهة الوثنية، فما كان من هذه الفتاة، التي في ريعان شبابها، إلاّ أن تقدّمت إلى حيث كان الملك يقيم وطلبت منه السماح لها بالكلام، فسمح لها، فعبّرت عن ضرورة إعادة النظر بالانتماء للعبادة الوثنية لأن تلك العبادة غير صحيحة، وهناك مجال للانتماء إلى عبادة صحيحة هي عبادة الإله الواحد، حسبما أتى المسيح وعلّمنا، وحسبما نعرفه من الكتاب المقدس.
بُهر الملك بكلامها وبشجاعتها رغم رفضه لكلامها، فأقرّ أن يقيم مناظرة بين كهنة الوثنيين وبينها، فوافقت. ولما حان الموعد، اجتمع حوالي خمسين كاهناً مع هذه الفتاة ليعبر كل منهم عن وجهة نظره بالنسبة للعبادة. فتحدّث رئيس الكهنة بما يليق بعبادة الوثنيين، إلا أن هذا الكلام أُعيد النظر فيه من خلال دور كاترين في الكلام، فبيّنت أن تلك العبادة الوثنية غير صحيحة، وأنها تنتمي لزمن محدد ابتدأت فيه الإمبراطورية الرومانية بتلك العبادة، وأبرزت الموقف الثاني الذي هو ضرورة العبادة لإله واحد، وهذا أقرّه كبار الفلاسفة والأدباء والشعراء اللامعي الاسم، كمثل سقراط وأفلاطون وأرسطو. وتَلتْ من ذاكرتها، بقدر ما يسمح لها الوقت، بتلاوة أشعار لعديد من المفكرين الذين يتحلّون بالمنطق السليم على أن الإله الواحد هو محط أنظار البشرية التي يجب أن ترفض الأصنام وتتبنى هذا الإله الواحد. وانتقلت إلى الفكرة الثالثة كيف أن المسيح أتى وأظهر هذا الأمر وشهد له وكيف أن الخلاص سيتم من الله بواسطة المسيح فالكل مدعو لكي يؤمن بهذا المسيح. الجموع انبهروا من هذا الكلام المبني على الحكمة وحسن الفكر فاستطاعت أن تسيطر على الجمهور وأيضاً الملك الذي كان يغلي غلياناً في رفضه لكل ما تقول. لكنه كان من جهة أخرى مستحسناً جمالها وقدرتها اللفظية التي سيطرت على قلبه، فأمر بأن يُترك هذا الأمر لأيام قليلة يستطيع فيه أن يغيّر رأي هذه الفتاة، أي أنه يريد أن يجعلها من أتباعه. فأتت إلى البلاط إليه وحَدّثها، ولكن حَدّثته على أنها غير قادرة على الانتماء لأي شخصٍ، لأن قلبها استحوذ عليه المسيح وهي خاطبة له، وغير قادرة على قبول أي إنسان آخر، بالرغم من مغرياته كونها ستكون ملكة، مع كافة الرفاهية المقدّمة إليها، كل ذلك كان شيء ثانوي بالنسبة لإيمانها ولعلاقتها الصميمة بيسوع المسيح.
حينئذ سَجنها وعذّبها، وجَلدها، ولما رأى بأنها رافضة قطعياً كل هذه الأمور، أمرَ بصناعة آلة تعذيب جديدة، وهذا هو أمر مشهور بالنسبة للقديسة كاترينا التي تُصوّر دائماً وبجانبها آلة التعذيب وعّذبت على هذه الآلة وتمرمرت بكثرة ما فيها من صنوف ألوان من العذاب، إلا أنها لم تمت فأمر بإخراجها خارج المدينة وقطع رأسها هناك، فاستشهدت كاترين على هذه الصورة.
ويخبرنا التقليد بأن جسدها وُجد، في وقت لاحق في أرض سيناء حيث الآن يوجد دير كبير جداً في مصر على اسمها، وهذا الدير يوجد في المكان الذي قابل موسى الله فيه وشاهد العليقة وسمع اسم الله الذي أجابه: "أنا هو الكائن". والدير موجود حتى اليوم باسم هذه الشهيدة.
ما أُنهي القول به أن الشهادة لله هي أعظم موقف في حياتنا المسيحية، المهم فيه أن الإنسان الـمُعذّب وهو حامل للمسيح في داخله لا يشعر بالآلام، قد يشعر بها كأنها شيء عابر، ولكن ليست شيء مخيف، ليس عند كاترين فقط بل عند كافة الشهداء، لذلك اعتُبر الموت بالشهادة معمودية ثانية، وإنْ كان الشهيد غير معمّد بعد، فتحسب له معمودية. شهادة الدم التي هي استمرار لذكرى الصليب في حياة هؤلاء الشهداء الذين يستعيدون الموت من أجل القيامة. شهيدتنا هي تلك الإنسان المؤمنة والتي عرفت كيف تعيش المسيح وتُسكنه في قلبها، لتكون الآن مع المسيح في قلبه، لتكون شهيدة نقتدي بها ونرفع اسمها كشفيعة لنا. من خلال كل هذا، يهمّنا أن نبقى متذكّرين أنه علينا أن نكرّم تلك الشهيدة مع كافة الشهداء في قلوبنا ليبقى ذكرهم حي وقدوة صالحة.
ونعمة الله فلتصحبكم الآن ودائماً. آمين.

عيد رؤساء الملائكة

بمناسبة عيد رؤساء الملائكة، أُقيمت مساء يوم الأثنين في 7 تشرين الثاني 2016، صلاة الغروب وخمس خبزات في كنيسة دير القديس جاورجيوس في صيدنايا، بحضور عدد كبير من المؤمنين وفي صباح اليوم التالي أقيمت صلاة السحرية  والقداس الإلهي وترأس الخدمة قدس الأرشمندريت يوحنا التلي رئيس الديرين الذي ألقى في نهاية القداس العظة التالية:

باسم الآب والابن والروح القدس الإله الواحد آمين.
لنا كلنا إله واحدٌ هو الإله الخالق. هو وحده الأزلي والأبدي وكل ما بقي هم خليقة الله. وتتميز الخليقة بوجود نوعين اثنين مع باقي الخلائق، الأول الملائكة والثاني البشر. الملائكة بلا أجساد والبشر بأجساد. فهل نحن كبشرٍ وحدنا معرضون للخطيئة لأننا نحمل هذا الجسد الذي فيه رغبة للشهوة، شهوة الجسد وشهوة الطعام. وهل الملائكة معفيون من الخطيئة لأنهم بلا أجساد؟ لا!! حتى الملائكة معرضة للخطأ.
هنالك صفة ثالثة غير شهوة الجسد والطعام هنالك السلطة التي يتمتع بها البشر والملائكة. الملائكة رغبت بالسلطة بأن تحل محل الله فسقطت بالخطيئة. والبشر أردوا بإغواء من الشيطان أن يتحلوا بمعرفة سلطوية أيضاً فوقعوا بالخطيئة. عظمة الخليقة هي أن تبقى كما خلقها الله لا أن تتغير من خلال شهواتٍ أياً كان نوعها إنما بأن تتحلى برغباتٍ روحية تتعالى وتتعالى ليتأله الإنسان ويصير مثل الله بنعمة الله وبركته.
هذه الملائكة التي تحدثنا عنها تختلف عن البشر بنقطةٍ واحدةٍ هي أنهم يتميزون عنّا بوظائف معينة. أليست البشرية تتميز بعضها عن بعض بوظائف مختلفة؟ أليس هنالك الطبيب والمهندس والموظف...إلخ؟ هنالك وظائف تميز البشرية بعضها عن بعض وهناك وظائف تميز الملائكة عن البشر. وكلّنا أي نحن الاثنين عاملون كما يريد الله إن كنا نتحلى بالطاعة، وعندما تخرج الطاعة من مكانها يعمُّ الفساد. في البيت وفي الأسرة الواحدة إذا لم يكن هناك طاعة للمسؤوليات والواجبات التي تتحلى بها كل أسرة فإن هذه الأسرة وهذا البيت ينهار على أصحابه. هكذا الحياة. الإنسان عليه أن يميز الطريق الذي يوصله إلى النجاح والكمال، والأهم الأهم الطريق الذي يوصله إلى الله.
الملائكة اليوم كما نعلم من الكتاب المقدس هي خادمةٌ لله ومقيمةٌ معه في عرشه. كثيرٌ من التلاوات والتراتيل التي أقمنا مرتبطةٌ بعمل الملائكة. عندما نقول قدوسٌ قدوسٌ قدوسٌ فإن الملائكة ترتل مسبحة لله في علياء السماء بصفة الله، القداسة الدائمة. ونحن نردد هذا لنتحلى نحن أيضاً بجزءٍ من قداسة الله عسى أن نصل إلى ما يريد حسب بركته إلينا.
وهناك أمور كثيرة ترتبط بين الملائكة والبشر من بينها أيضاً ان الله كان يرسل مراسلين من قبله إلى البشر ليتلقوا تبليغ معين. هناك كثير في العهد القديم ولكن سأذكِّركم بمثلٍ واحدٍ من العهد الجديد وهو بشارة الملاك المرسل من الله إلى مريم لتحمل الابن الإلهي ونحن ننال الخلاص بواسطته وهذا ما جرى.
أمورٌ كثيرةٌ يمكن الحديث عنها ولكن سأنهي هذه الأمثلة بأمرٍ واحدٍ وهو أن الملائكة أحياناً كانت تأتي إلى البشرية أكثر من أنها مرسلة، وكأن الله محمولٌ بها. فمثلاً عندما أتى ثلاث ملائكة إلى إبراهيم فإن هذه الملائكة الثلاثة تمثل الثالوث الأقدس أي الله الواحد. وإبراهيم بنعمةٍ فائقةٍ من خلال الوحي الإلهي كان يجيبهم تارةً بالمفرد بكونه الإله الواحد، وتارةً بالجمع بكونهم ثلاثة. وإلهنا هو واحدٌ وثلاثة ولكنه ليس متعدد بمعنى أنه هناك ثلاثة آلهةٍ، بل إلهٌ واحدٌ في ثلاثة أشخاص هم كلهم في الجوهر واحد وليسوا ثلاثة.
هذا مُثِّل إلينا من خلال عملٍ ملائكي. وقيسوا على تلك الأمور الكثير. علينا أن نحافظ على التعليم الإلهي وعلى رسالة الملائكة إلينا من أجل أن نبقى بالله متحدين ومن خلاله عاملين وبمشيئته مطيعين ليتحقق لنا ما أراده يوم خلقنا، وهو قد خلقنا على صورته ومثاله. فلنحافظ على هذه الصورة ولنسع أن نبقَ بهذا الوجه الإلهي لنقابله يوم الدينونة ونحن فرحون. 
ونعمة الرب فلتكن هي طريقنا للوصل إليه.

عيد نقل رفاة القديس جاورجيوس

بمناسبة عيد نقل رفاة القديس جاورجيوس، أُقيمت مساء يوم الأربعاء في 2 تشرين الثاني 2016، صلاة الغروب وخمس خبزات في كنيسة دير القديس جاورجيوس في صيدنايا، بحضور عدد كبير من المؤمنين وفي صباح اليوم التالي أقيمت صلاة السحرية  والقداس الإلهي وترأس الخدمة قدس الأرشمندريت يوحنا التلي رئيس الديرين الذي ألقى في نهاية القداس العظة التالية:

باسم الآب والابن والروح القدس الإله الواحد آمين.
إذ نحتفل اليوم بعيد نقل رفاة القديس جاورجيوس إلى بلدته مدينة اللد في فلسطين، حيث بنيت كاتدرائية خاصة تليق بقداسته ليباركها ويُوضع فيها ويتبارك منها المؤمنون. ونحن تيمناً بهذا الحدث نحتفل اليوم أيضاً لنتبارك بمشاركتنا كلّنا في هذا القداس الإلهي من رفاة هذا القديس الذي سُميت هذه الكنيسة على اسمه وبُورك الدير وبُوركت صيدنايا كلها باسمه المبارك العظيم.
هو شهيدٌ والكنيسة بدأت منذ أيام الرسل بتقدير الشهداء الذين كانوا يُقتلون ويعذبون ويموتون من أجل المسيح. بدءاً من استفانوس أول الشهداء ورئيس الشمامسة ومن ثم على التوالي الرسل وكافة الأشخاص المسيحيين الذين تواكبوا على محبتهم لكنيستهم التي أنشأها يسوع بدمه المجيد أرادوا أن يكون لهم نصيباً بعلاقتهم مع هذا الدم الذي سُفك من أجلنا ليخلصنا من خطايانا.
الشهيد إنسانٌ نظر إلى المسيح وأحبه وأراد أن يقتفي آثار خطاه فصار هذا الإنسان مشتركاً مع المسيح بصلبه. صار الصليب الذي علُق عليه المسيح يحمل أيضاً كافة الذين يمرون بالشهادة تلك التي كانت تعطيهم إحساساً مفرحاً. كان العذاب بالنسبة إليهم رغم الآلام حسٌّ فرحيٌّ يأخذونه بكونهم يلمسون بالإيمان جسد يسوع، يلمسون بالإيمان محبة يسوع، ويلمسون بالإيمان أنهم مع يسوع المقيم في ملكوته على يمين العزة الإلهية.
الذي حدث أن الشهداء الذين كانوا يُقتلون يدفنون في أماكن حيث هم قتلوا فيأتي تلاميذهم ويأخذون البقايا التي يحصلون عليها ويدفنونها سرياً في أماكن معينة غالياً تكون خارج المدينة لكي لا يُكشف أمرهم وتأخذ منهم تلك الذخائر وهذا ما حدث لقديسنا جاورجيوس العظيم حيث أن تلاميذه أخذوا الجسد ودفنوه في مكان يعرفونه.
كان هذا الحدث في نهاية القرن الثالث، ومع بداية القرن الرابع أصدر الملك قسطنطين منشوراً يُعلن فيه بسماحٍ للمسيحيين أن يمارسوا عبادتهم ومن ثم صارت الإمبراطورية الرومانية بكاملها مسيحيةً. فما كان من الكنيسة إلاّ أن عمّرت كنيسةً كبيرة في بلدته اللد ونُقل إليها في احتفالٍ كبير. هذا الاحتفال شعر المشاركون به أنهم يتقدسون بنقلهم قداسة القديس. ونحن اليوم نعتز ونفتخر بأننا نحتفل بهذه الذكرى وكأننا نسير في ذات الموكب الذي سار فيه الناقلون بالقرن الرابع.
الشهادة كانت في تلك الأيام، وربما ننظر إليها اليوم بذات المنظار رغم عدم وجود ضرورة لشهداء كمثل ذلك الاضطهاد ضد المؤمنين في ذلك الزمان. كان يشعر المؤمنون بأن الشهيد هو إنسانٌ متميزٌ أحبّ المسيح بمعنى أنه أحبّه كحقيقةٍ مطلقة. أحبه من أجل أن يحيا حياته على صورته وأن يكون مماته على صورته فكان عزٌّ لكل شهيدٍ بأن يصل إلى مذبح الشهادة والمؤمنون الباقون يشاركون وينقلون الاحتفال إلى الكنيسة في الصلاة كما نصلّي نحن اليوم، ينقلون معاني تلك الشهادة، معاني هذا الإيمان، ينقلونه عبر كلمات الترتيل والقراءة والصلاة. ونحن اليوم فعلنا ذات الشيء.
إذاً، نحن نتابع بافتخارٍ وعزةٍ هذا السر العظيم الذي سمته الكنيسة في بداية الأمر سرَّ أن الشهادة بالحقيقة هي سرٌّ. أن نقول بأن الإنسان مقبلٌ على الموت بفرحٍ ودون رعشةٍ وهو يحمل كل آماله وطموحه تحت حدِّ السيف الذي يقطع رقبته، أوليس هذا الأمر لا يدرك؟ وكل ما يدرك هو سرٌّ؟ أنه سرٌّ عظيمٌ لذلك كان الشهداء هم أعظم القديسين واليوم نحن نبجلهم بكونهم هم فهموا أن الحياة الخالدة والباقية مرتبطة بالإيمان دون سواه، مرتبطةٌ بالعلاقة مع المسيح دون أي علاقة أخرى. لا يوجد في حياتنا شيءٌ أهم من أن يكون الإنسان مرتبطٌ بالمسيح ومحبٌّ له ويعمل بموجب وصايا المسيح. حقيقةً لا يوجد أعظم من هذا.
الليتورجيا الكنسية دائماً تذكرنا بتلك الأحداث والصلوات التي تُرفع وبالمناسبات التي نشترك نحن فيها. فمشاركتنا اليوم من المفروض أنها تنقل إلينا كل بركات وعطاءات ونعم السيد المسيح الذي عُذب ومات على الصليب والذي أرتبط به أشخاص كثر ونحن بالإيمان مرتبطون به بذات الشيء عسى أننا في آخر مطاف حياتنا حيث لا يوجد غيابٌ لأي شخصٍ بل انتقالٌ من مكانٍ إلى آخر للحضور مع المسيح والعيش معه.
ونعمة الرب فلتكن هي طريقنا للوصل إليه.

 

عيد القديس الشهيد ديمتريوس المفيض الطيب

بمناسبة عيد القديس العظيم في الشهداء ديمتريوس المفيض الطيب، أُقيمت مساء يوم الثلاثاء في 25 تشرين الأول 2016، صلاة السهرانية في كنيسة دير القديس جاورجيوس في صيدنايا، بحضور عدد كبير من المؤمنين، وبالإضافة لآباء الدير، فقد شارك في الخدمة التي ترأسها سيادة المعاون البطريركي المطران نقولا بعلبكي الجزيل الاحترام، كل من قدس الأب سيرافيم مسلط، وقدس الشماس باسيليوس موسى. وقد ألقى سيادة المطران نقولا في نهاية الخدمة العظة التالية:

نجتمع اليوم لنحتفل بعيد القديس ديمتريوس في عيده البهي أحد قديسي كنيستنا المقدسة الذين تكللوا بالظفر وشهدوا للرب يسوع حتى آخر نفس. شهدوا للإيمان بالربّ يسوع وبحديقة القيامة التي ينتظرها الإنسان المؤمن.
مرَّ معنا منذ بضعةٍ من الوقت قصة المثل الذي أعطاه الرب يسوع عن مثل الزارع، والذي شبّه فيه الإنسان المؤمن بالأرض التي تكون إما محجرة أو فيها شوك أو أرض طيبة تأتي الكلمة فيها. فالأرض الطيبة تعطي ثمراً كثيراً.
وفي أماكن أخرى من الكتاب المقدس نرى كيف يكون موقع الإنسان. يقول يسوع: "إني أجول وأقرع الأبواب من فتح لي عنده أدخل إليه وعنده أصنع منزلاً". وفي مكان آخر نرى أن الإنسان هو (آنية). إناء يحتوي هذا الكنز، كنز الايمان، نحتوي هذا الكنز بآنية خزفيةٍ ليكون فضل القوة لله لا منا. وفي مكان آخر نرى أن الإنسان هو هيكل يملأه الروح القدس إن كان مؤمناً. فيصبح هيكلاً للمجد الإلهي وفي أماكن أخرى يتكلم الكتاب المقدس أن الإنسان هو عاملٌ وزارعٌ وساقٍ وفلاح، ولكن الفضل في أن الثمر الذي يأخذه الإنسان هو للربِّ الذي ينمي. الإنسان الذي يعمل مع الربّ يزرع ويتعب ولكن الله هو الذي ينمي.
إذاً الإنسان المؤمن هو هذا البيت الذي قد يفتح الأبواب عندما يأتي إليه الرب يسوع. هو هذا الإناء الذي اذا ما امتلأ بنعمة الروح، بكنز النعمة الإلهية يصبح إناء مباركاً. هو هذه الارض إذا كانت طيبة وحلّت عليها كلمة الله أعطت ثمراً كثيراً. هو هذا كلّه الذي يجب أن نتذكره، هذا يقودنا نوعاً ما إلى الوضعية التي نُعيّد لها اليوم. نعيّد لقديس من قديسي كنيستنا. وعندما نتكلم عن القداسة نعلم أن القدوس واحدٌ كما سمعنا منذ قليل. قدوسٌ واحدٌ ربٌّ واحدٌ يسوع المسيح الذي تهتف له الملائكة في السماء وتقول قدوسٌ قدوسٌ قدوسٌ ربُّ الصباؤوت. اذاً القدوس واحد والإنسان يصبح قديساً إذا كان أرضاً طيبةً إذا فتح الباب عندما يطرق الربّ يسوع باب بيته. إذا كان هذا الإناء الذي يفرغ ذاته لكي يمتلئ بالروح والكنز الإلهي. يصبح بيتاً لله ومسكناً له هذا الإنسان يصبح قديساً. ومتى يصبح قديساً؟ عندما يحلّ القدوس في ذاته في هذا الكائن في هذا البيت عندها يصبح الإنسان قديساً.
القديس ديمتريوس هو أحد الأشخاص الذي فتح باب بيته، الذي حوَّل ذاته الى هيكل للروح القدس. هو تلك الأرض التي سمعت كلمة الله فأعطتها الإمكانية لكي تنمو وتثمر وتأتي بثمرٍ كثيرٍ.
بهذه الطريقة فقط يصبح الإنسان قديساً. يتقدس الإنسان - وهي إرادة الله - إرادة الله هو أن نصبح قديسين "كونوا قديسين كما أن أباكم السماوي هو قدوس". كيف نصبح قديسين؟ نتعلّم من القديسين الذين سبقوا، والذين عاشوا، والذين ناضلوا وجاهدوا وتعبوا في إنتاج وحمل هذه النعمة الإلهية، وحمل هذا الكنز الإلهي فقدموه للعالم نوراً بهياً يضيئ في الأمكنة التي يسود فيها ظلال الموت.
هذا الكنز الذي حمله القديسون ونقلوه للعالم فاستنارت بهم المسكونة واستنرنا نحن أيضاً بإيمانهم وبتعاليمهم بالكلمة الإلهية بالنور.
القديس ديمتريوس أحد الأشخاص الذي امتلأ بالقدوس، بالنعمة الإلهية. لأجل ذلك نعيّد له اليوم كمثل ما نعايد لكثيرٍ من القديسين. ونحن اليوم نعايد كلّ الذين تسموا على اسم القديس ديمتريوس من مطارنة وآباء وأحباء. ونتمنى أن تكون بيوتنا وأماكن تواجدنا وذواتنا هياكل دائمة للنعمة الإلهية.
وليكن اسم الرب مباركاً وممجداً على الدوام. آمين.

عيد انتقال القديس يوحنا الحبيب

بمناسبة عيد انتقال القديس الرسول الإنجيلي يوحنا اللاهوتي، أُقيمت مساء يوم الاثنين في 26 أيلول 2016، صلاة السهرانية في كنيسة دير القديس جاورجيوس في صيدنايا، بحضور عدد كبير من المؤمنين قدِموا من مناطق مختلفة من دمشق وريفها، وبالإضافة لآباء الدير فقد شارك في الخدمة التي ترأسها قدس الأرشمندريت يوحنا التلي رئيس الديرين ، كل من قدس الأرشمندريت متى رزق، وقدس الأب باييسيوس الجريس، وقدس الشماس يوسف سلوم، وقدس الشماس باسيليوس موسى. وشاركت في خدمة الصلاة جوقة الملائكة، وقد ألقى قدس الأب باييسيوس في نهاية الخدمة العظة التالية:

نعايد صاحب الغبطة البطريرك يوحنا العاشر الجزيل الاحترام وناعيد أيضاً قدس الأرشمندريت يوحنا التلي رئيس هذا الدير المبارك.
آية12: للهُ لَمْ يَنْظُرْهُ أَحَدٌ قَطُّ. إِنْ أَحَبَّ بَعْضُنَا بَعْضًا فَاللهُ يَثْبُتُ فِينَا، وَمَحَبَّتُهُ قَدْ تَكَمَّلَتْ فِينَا.
المحبة لله لا تنشأ عن رؤيته بالجسد (فاليهود رأوه وصلبوه) ولكن المحبة هي مشاعر يضعها الروح القدس في قلوبنا (رو5: 5). لكن هذه المشاعر لا تنمو ولا تزداد إن لم نحب إخوتنا. فالمحبة تنسكب في القلب الثابت في المسيح. فأن نحب الله فهذا يعني أننا نثبت فيه، والله لا يتحد ويثبت في الكراهية بل المحبة تتحد بالمحبة.
القلب المحب يستطيع أن يعاين الله.
لأن الله في طبيعته التي هي المحبة لن يحتمل الكراهية التي فينا، فمن يحيا في الكراهية لن يسكن الله عنده. فمن يرفض أن يحيا في محبة فهو يقاوم الروح القدس ويرفض حياة المسيح فيه ويريد أن يحيا مثل حياة العالم. والروح القدس مستعد أن يعطينا المحبة ومستعد أن يجدد طبيعتنا فنصير على صورة المسيح إن أردنا.
آية 14 وَنَحْنُ قَدْ نَظَرْنَا وَنَشْهَدُ أَنَّ الآبَ قَدْ أَرْسَلَ الاِبْنَ مُخَلِّصًا لِلْعَالَمِ.
يوحنا رأى المسيح وسمعه ولمسه لذلك يقول نشهد ولكن نظرة يوحنا لم تكن نظرة جسدية فقط. فكثيرين رأوا المسيح وسمعوه ثم صلبوه. ولكن نظرة يوحنا كانت نظرة عميقة بالروح القدس، فعرف حقيقة المسيح. ونحن بالروح القدس صار بامكاننا أن يكون لنا هذه النظرة الإيمانية فنعرفه وهذا ما حصل مع القديس سلوان الآثوسي عندما كان يصلي أن يعرف العالم الرب يسوع كما هو عرفه "وأن يعرفوك بالروح القدس".
آية 18: لاَ خَوْفَ فِي الْمَحَبَّةِ، بَلِ الْمَحَبَّةُ الْكَامِلَةُ تَطْرَحُ الْخَوْفَ إِلَى خَارِجٍ لأَنَّ الْخَوْفَ لَهُ عَذَابٌ. وَأَمَّا مَنْ خَافَ فَلَمْ يَتَكَمَّلْ فِي الْمَحَبَّةِ.
هذا ما قاله القديس أنطونيوس لتلاميذه "أنا لا أخاف الله لأني أحبه". فالمحبة الكاملة تطرح الخوف إلى خارج.
إن الخوف الذي يقصده الرسول هنا هو الخوف من العقاب في جهنم، وهذا هو خوف المبتدئين، أما الأبرار فهم يخافون الله إذ يهابونه، بل الملائكة تهاب الله. الخوف المقدس هو أننا نخاف أن نسيء لله المحب. ومن يحب الله حقيقة لن يعود يخاف ممن يحبه وقد شعر بمحبته.

عيد رقاد السيدة

بمناسبة عيد رقاد القديسة مريم العذراء والدة الإله الفائقة القداسة، أقامت أخوية الديرين مساء يوم الأحد في 14 آب 2016 سهرانية في كنيسة دير القديس جاورجيوس، بحضور عدد كبير من أبناء الكنيسة المؤمنين، وقد شارك في الخدمة بالإضافة إلى آباء الدير قدس الشماس يوسف سلوم، وقد ارتجل قدس الأرشمندريت يوحنا التلي في نهاية القداس العظة التالية:

باسم الآب والابن والروح القدس، الإله الواحد، آمين.
إذ نحتفل اليوم بهذه الأمسية المباركة بعيد رقاد السيدة العذراء علينا أن نتساءل من هي هذه التي لها هذا الاحتفال المهيب. مريم هي التي قال عنها الله بلسان جبرائيل: "أيتها المنعم عليك". الله من علياء سمائه يكلّم العذراء. لماذا؟ لأن الرب أراد أن يكون هنالك مخلّصاً وأن يكون لهذا المخلص أمٌّ تنشئه: هو بألوهيته وهي مربية له بالجسد لكي يصل إلى حالة يسميها بولس الرسول: "ملء الزمان" وتقوم بدورها الكامل من أجل أن يسوع يفتدي البشرية ويخلصها.
أختارها الله من بين كل نساء العالم عبر أجيال امتدت من حواء إلى زمانه. نُذرت من قبل أهلها العاقرين اللذين بصلاة حميمة انجباها ونذراها للرب لتتربى في الهيكل وهذا ما حصل. بقيت في البيت لعامها الثالث وفي الهيكل تغتذي من تعاليمه الروحية حتى السنة الخامسة عشرة من عمرها. مريم هذه عشيرة الله مصغية لكلامه عاملة بحسب إرادته. ألم تقل له "بحسب قولك". وصفها الله من خلال الملاك جبرائيل بأن تكون هذه الإنسانة ممتلئة بالروح والحكمة والنعمة ومعطية كل ما تستطيع وما يفيض من عطاءات الله لتودعها في نفسها لتكون عطاء كبير من خلال عمرٍ سيستمر على مراحل والمرحلة المهمة هي من السادسة عشرة حتى الثالثة والثلاثين عندما بداً يسوع رسالته.
يسوع أعطانا الفداء والخلاص وهو على الصليب وكانت أمه واقفة عنده فقال لها: "بأن تكون ابنة لتلميذه يوحنا" لتعيش مع التلاميذ كأم لهم بعد أن يذهب يسوع. يسوع بعد الفداء سيقوم من القبر وفي الأربعين سيصعد إلى السماء وتكون هذه الأم هي القائدة والملهِمة والحكيمة، هي التي تعزز فكر ودروب طريق هؤلاء التلاميذ الذين سيبشرون في أورشليم وأقاصي الأرض.
بعد هذا الوصف الموجز أنستطيع يا ترى أن نقول من هي مريم العذراء؟ صعب علينا. من الذي يستطيع؟ الله وحده يستطيع. كلنا عاجزون أمام صفاتها ومقدرتها وشخصتها. الحديث عن انتقالها يعبر عن دور الله في حياتها. عاشت حسب ما يقول التقليد حتى العام 58م. أتاها في هذا العمر الملاك جبرائيل صديقها الذي كان يحدثها بين حين وآخر بدءاً من البشارة وقال لها: "أنك بعد ثلاثة أيام ستنتقلين" إنها رسالة من الله يدعوها إليه لتكون مع ابنها كما كان ابنها معها أيام حياتها على الأرض.
لم تسطع أن تخفي فرحها ولكن لم تنسَ البتة أنها لا تريد أن تغادر من دون أن تودع التلاميذ وهم في أماكن بعيدة في بشارتهم. طلبت من الله أن يحضروا فحضروا بأعجوبةٍ. ودعوها وودعتهم والكل يتذكر من خلال هذا الوداع أحاديث الحياة التي اقترنت بقربها هذه الزمرة من التلاميذ. وكيف أن فئات كثيرة من الناس تأتي من أرجاء الدنيا التي بُشرت لتقابل العذراء مريم وتتعرف عليها. كل هؤلاء الناس كانوا بمثابة أبناءٍ لها طمأنتهم بأنها ستحملهم معها في حياتها إلى حيث ستذهب. وفي اليوم الثالث تسجَّت وصار موضوع انتقالها من خلال أن هذا الجسد لم يعد فيه روح. والروح انتقلت إلى السماء. ويسوع استقبل هذه الأم حيث كان مقيم على يمين العزة الإلهية.
لن أطيل الحديث عن مراسم الجناز الذي أقيم لها. ولكن سأقول بأنهم عندما أرادوا وضعها في القبر المعدِّ لها فُتح الصندوق لا لنقلها بل لرؤيتها من خلال أن البعض تأخر في الوصول وأراد أن يقبلها قبلة الوداع. ويا للمفاجأة الصندوق فارغ والجسد رحل بأعجوبة إلى حيث نفسها وروحها يقيمان مع ابنها في علياء السماء.
نؤمن بأن العذراء مريم انتقلت بالروح والجسد. أمرٌ مستغرب للعقل لكنه حلو وعذب للإنسان المؤمن بأن ربنا قادرٌ على كل شيء. لذلك أختم كلامي بآخر آيةٍ تُليت علينا من إنجيل اليوم: "طوبى للذين يسمعون كلمة الله ويحفظونها". وأضيف إليها قول نسيبتها أليصابات: "طوبى للتي آمنت أن سيتم ما قيل لها من الرب". 
ونعمة الله فلتصحبكم الآن ودائماً آمين.

 

عيد ميلاد النبي يوحنا المعمدان

أقيمت مساء يوم الخميس في 23 حزيران 2016، في كنيسة دير القديس جاورجيوس في صيدنايا، سهرانية بمناسبة عيد مولد النبي يوحنا المعمدان، وقد ترأس الخدمة المطران نقولا بعلبكي وعاونه كل من: الأرشمندريت يوحنا التلي رئيس ديري القديس جاورجيوس والشيروبيم مع كهنة الدير، وكل من الأرشمندريت ديمتري منصور والأب بطرس الخوري والشماس باسيليوس موسى، وفي نهاية الخدمة ألقى الأرشمندريت يوحنا العظة التالية:

باسم الآب والابن والروح القدس الإله الواحد آمين،
ببركة صاحب السيادة المطران نقولا نحتفل اليوم بذكرى ولادة النبي الكبير والعظيم يوحنا المعمدان. في هذه الذكرى نستعيد الأحداث التي جرت من أجل أن يوحنا المعمدان سيولد في يوم عظيم. 
ابتدأت أحداث ولادته مع صلاة أبيه زكريا في الهيكل وحضور ملاك الله محدّثاً الأب وباعثاً بقلبه الفرح لأن طلبة زكريا وزوجته أليصابات قد قُبلت ليكون لهما ولد. أتى الإعلان مصحوباً بكلام مهم، وهو أن هذا الذي سيولد بنبوءة، سيكون مبعث فرح لجميع الناس. ونحن اليوم فرحون، نشترك في هذا الفرح الذي سمح الله به، وأتى إلينا يوحنا. إلا أن هذا الحدث المفرح، تبعه أفراح قد تبدو للظاهر بأنها ليست مفرحة، كمثل الشك الذي أصاب الأب، فصمت ليوم ولادة ابنه الطفل الذي سُمي يوحنا. ليست هذه الحادثة بخبر مزعج، إنها فرصة للأب ليعيش تأمل مدته تسعة أشهر قبل استقبال ابنه ونحن نعلم أن كل إنسان مطلوب منه أن يستعد لاستقبال أي حدث من أحداث حياته بأن يكون مقروناً بصلاة سابقة، بعيش تأمل برياضة روحية ليكون هذا الحدث الآتي حدثٌ مبارك باستحقاق. 
النقطة الثانية التي حدثت خلال فترة الحمل وهي أن مريم العذراء بُشِّرت بابن هو مخلص للعالم، هو الله نفسه الأقنوم الثاني من الثالوث الأقدس، وسمح الله ليوحنا أن يزوره هذا الابن الإلهي، فاستُقبل الاستقبال المميز. أليصابات الحامل بابنها الأكبر منذ ستة أشهر صار بداخلها محفلٌ، محفل رقصٍ، إذ أن الجنين الذي تحمله ارتكض في بطنها لاستقبال هذا الآتي، إذاً تم أيضاً تلاقي يسوع مع يوحنا خلال هذه الفترة، فترة الفرح. 
ومرَّت الأيام فولدت أليصابات ابنها الذي فك عقدة لسان أبيه ودعاه باسم يوحنا الذي معناه "الله يرحم". ولكن مجريات الأحداث كانت بطيئة، كبر يوحنا وهو مقيمٌ في مكان بعيدٍ عن السكن، في الصحراء، حيث هنالك تعلّم لغة الله ونادى بها، وصرخ ليقول للناس الكلام الذي استلهمه من ربه، ولكن لا حياة لمن تنادي. استُقبل يوحنا من فئة قليلة من الناس، ولكن الشعب الأكبر والأكثر كان يرفضه، وكأن الأحداث تجري بصمتٍ رغم وجود الكلام فيها. ثم عاد فالتقى ثانية بيسوع المسيح، ولكن اللقاء كان من خلال تواجد يسوع مع الثالوث الأقدس وعمّده، وسُمع صوت الآب خلال تلك المعمودية، فتعرّف على يسوع أكثر وأكثر، وأَعدَّ له الطريق كما كُلِّف من الله بنبوءةٍ يَسلك من خلالها ليكون شمعةً مضيئةً تُري العالم أنَّ هنالك آتٍ وهو يسوع.
قُبِضَ عليه وأُودع السجن وهناك بدأت الوساوس تأتي إلى ذهنه، أمام أحداث فشل كثيرة، ما هذا الذي يجري؟ الله الذي هو وراء كل الأحداث سمحَ بأنْ يكون يوحنا في دربٍ ليس بمُفرحٍ، وهو الذي أعطي الفرح للآخرين. كانت هذه مأساة. ولنتذكّر أحداث حياتنا: أليست أحداث حياتنا مأساة؟ ألسنا في كثير من الأحيان نشعر بأن الله بعيد عنا وكلما شعرنا بأن الله بعيد، يكون قريب أكثر بكثير مما نريد ومما نظن، وهكذا كان مع يوحنا المعمدان، الذي وهو في سجنه أنهى أقوال الرب له، بأنه أعظم مواليد النساء. إنسانٌ يفوق كل بشرٍ ليكون حائزاً على بركة، على صليب آتٍ من الله يرفعه به إليه لكي يكون هو المميز، ولكن من خلال صليب حياته، وكان هذا الصليب بأن قُطع رأسه بعد كل ما جرى.
إنه يوحنا المعمدان الذي نضع أيقونته أمام السيد المسيح في كنائسنا وعندما ننظر إلى تلك الأيقونة وغالباً ما تكون محمولة على طبقٍ رأس صاحبها، ننظر إلى تلك الأيقونة ونتمنى أن نكون متشبهين بصاحبها بيوحنا، وبذات الوقت نجد أنفسنا لا نستطيع أن نتحمّل أي قساوة في الحياة، نتنكر لإلهنا نبتعد عن نِعَمه، ننسى أن هذا الإله العظيم هو الذي جعل من يوحنا المعمدان متميزاً بكونه العظيم بين مواليد نساء العالم، قد اجتاز ذات الطريق.
فلنهلِّل فرحين أننا دائماً مع ربنا يسوع المسيح مع الله الذي ينتشلنا من كل أمرٍ لنصبح مع ربّنا، لنصبح قائمين مع يسوع المسيح. فليكن تفكيرنا مرتبطاً بحياتنا الخالدة الأبدية الباقية أنها حياة صليب يمتد بنا ليوصلنا إلى الحياة الأبدية. 
وبركة سيدنا صاحب السيادة ترافق حياتكم آمين.

الأسقف نقولا بعلبكي يزور الدير

بمناسبة وقوع عيد بشارة سيدتنا والدة الإله لهذا العام في يوم الجمعة الثانية من الصوم الأربعيني المقدس، أُقيمت صلاة الغروب في كنيسة دير القديس جاورجيوس في صيدنايا، ببركة سيادة المعاون البطريركي الأسقف نقولا بعلبكي الجزيل الاحترام، وحضور قدس الأرشمندريت يوحنا التلي رئيس الديرين، وقدس الأب جورج نجمة كاهن دير سيدة صيدنايا البطريركي.

بسم الآب والابن والروح القدس الإله الواحد آمين
يأتي هذا اليوم المقدس يوم بشارة السيدة العذراء في فترة الصوم الكبير المقدس، ليخترق رتابة الصوم ونخرج فيه قليلاً عن حياة الصوم بسببب أهمية هذا العيد، وأهميته القصوى بالنسبة لنا ولأجل خلاصنا فلقد كان عيد بشارة بالسيد زمن تحقيق الوعد الإلهي، الوعد الذي كان منذ زمن السقوط عندما وعد الرب الإله آدم بأنه سيُرسل الفادي الذي سيسحق رأس الحية، وعد الإنسان الخاطئ الأول بإرسال الإنسان الذي سوف يفدي البشرية من خطيئة السقوط. تماماً كما كان حدث البشارة اختراقاً لرتابة الحياة منذ بدء التاريخ.
الإنسان الذي عاش في هذا العالم يعاني ويجاهد ويتعب ويكد أمام صعوبات هذا العالم ومشقاته، فكان دخول السيد في التاريخ البشري نقطة تحوّل. حوّلَ الوضع الإنساني من إنسان يعاني من الصعوبات والمشقات وليس لديه رجاء إلى إنسان يترجّى القيامة والحياة من خلال مجيء السيد وتجسّده في مثل هذا اليوم المقدس. لهذا السبب ليس في هذا العيد انقطاع عن فترة الصوم وإنما نخفف من ترتيب الصوم لأن حدثاً عظيماً قد حدث في هذا اليوم. بدون البشارة لم يكن السيد قد تنازل وأخذ جسداً وصار إنساناً وبدأ في مشوار طريق الخلاص، الذي ننتظر الآن في هذه الأيام المباركة أن نسير فيه لكي نقف أمام ذبيحة السيد على الصليب والفداء الذي قدّمه من أجلنا.
فترة الصوم التي نعيش فيها هي فترة تعبّد، فترة تضرّع، فترة تقشّف، فترة صلاة، فترة جهاد. وكثير من الناس عندما يسمعون بالجهاد، يتساءلون: بماذا يجاهد الإنسان المؤمن؟ إنه يجاهد في هذه الحياة حيث يعمل ويتعب ويعرق؟ هناك جهاد من نوع آخر، أهم من هذا الجهاد البشري. فالكتاب المقدس يتحدث عن الجهاد، فيقول: )مصارعتنا ليست مع لحم ودم(. الإنسان المؤمن هو إنسان جاهز للمصارعة والجهاد والتحدّي. لهذا يقول لنا الرب: (البسوا سلاح الله الكامل)، مثلما كان يلبس الناس في الزمان القديم عندما كانوا يذهبون للقتال والحرب. (منطِقوا أحقاءكم بالحق، واحذوا أقدامكم بأحذية طريق السلام، والبسوا درع البر، ترس وخوذة الخلاص، وسيف الروح الذي هو كلمة الله)، وكأنه يعلّمنا كيف نكون مستعدين لمصارعة وقتال مع أجناد الشر الروحية، مع إبليس وملائكته في هذه الحياة.
وبموقع آخر يقول الكتاب المقدس: كثيرون يركضون في الميدان ليتسابقوا ولكن واحداً يصل أولاً ويأخذ الجائزة. هكذا اركضوا لكي تنالوا. ومَن يريد أن يركض ليأخذ الجائزة، عليه ضبط النفس في كل شيء. في الألعاب الرياضية يتسابقون من أجل جائزة فانية. أما المؤمن يتسابق ويركض ويجاهد لكي ينال جائزة لا تفنى. أنا أركض وكأنني ليس عن غير هدى، أي أركض ولكني أعرف إلى أين أركض. أُصارع ولكن كأنني لا أضرب في الهواء، أعرف إلى أين أُجاهد، نجاهد ونحن أمام أعيننا طريق واحد نسلك من أجله ونجاهد من أجله.
في هذا الصوم هو الذي حدّدته الكنيسة المقدسة، الحياة الروحية. أرى ناموساً في جسدي يحارب ناموس ذهني ويسبيني إلى الخطيئة. هذا الناموس الموجود في داخل الإنسان. الجهاد ضد الناموس الذي يشد الإنسان إلى الخطيئة. الإنسان الذي هو على صورة الله يتطلّع إلى الحق، إلى البر، إلى النور. ولكن يوجد في حالتنا الإنسانية الساقطة ضعف يشدنا دائماً إلى الاثم، إلى الخطيئة، إلى الشر. جهادنا يجب أن يكون في هذه الفترة الصيامية على الأخص، وفي حياتنا عموماً كي نتقوى وننتصر على ما يشدّنا إلى الخطيئة والشر حتى ننطلق في تطلّعنا إلى الأمام إلى فوق.
في صلاة النوم التي نصلّيها في هذه الفترة نطلب من الله أن يساعدنا كي نكون أقوى من شغب الأجساد، من جماح الأهواء، من سهام الشر المـُحماة علينا بغشٍ، إذاً هنالك مجموعة من الضيقات والصعوبات هي التي يجب أن نجاهد ضدها، كي نكون قادرين على أن نسير في طريق النور. كيف يمكن ذلك؟ بمعونة الله. هذا الطريق يتطلب معونة الله بالصلاة وبالصوم وبالتضرع كي نتقوّى وكي نحصل على قداسة الروح: قدِّس أرواحنا، طهِّر أجسادنا، قوِّم أفكارنا، نقِّ نياتنا. نطلب من الله أن يطهِّرنا بالجسد والفكر والروح والنية كي نصبح أناس أنقياء لديهم أفكار طاهرة لا تتطلّع إلا إلى الأمام إلى حيث يشرق نور الرب الإله.
إذا استطعنا من خلال جهادنا الذي يجب أن يكون متواصلاً في فترة هذا الصوم التي هي أربعين يوماً وهي تذكّرنا بالصوم الذي صامه موسى حتى تمكّن من استلام لوحي الشريعة من الله، الصوم الذي صامه إيليا النبي حتى تمكّن من الالتقاء مع الرب الإله، الصوم الذي صامه يسوع حتى تمكن بواسطته من الانتصار على التجارب التي تعرّض فيها في الزمن الأخير، فترة الأربعين سنة التي اضطر فيها الشعب أن يمشي بمشوار متواصل كي ينتقل ويعبر من الخطيئة إلى الخلاص. صومنا المستمر والجهاد الذي لا يتوقف كي نتمكن من الانتقال من أُناس يتغلب فيهم ناموس الضعف إلى أُناس ينتصر فيهم الناموس الذي يشدّنا إلى النعمة الإلهية كي نكون مع الله.
في هذا الصوم كل يوم نرتل عدة مرات يا رب ارحم. في كل لحظة وفي كل يوم وفي كل خطوة نطلب من الله المعونة. لا نعتمد على معونته فقط إنما علينا ضبط النفس والفكر والجسد والنية، ضبط حواسنا وضبط كل ما يمتْ لنا حتى نتمكن بمعونة الله من الوصول إلى النعمة الإلهية. نطلب من الله أن يؤهّلنا في فترة هذا الصوم أن يعطينا المعرفة. فهناك مشكلة إذا كان لدينا قلة علم ومعرفة بما يريده الله منّا. الإيمان يتطلب أمرين مهمين جداً علينا تذكرهم: المعرفة والعمل. هناك كثير من المؤمنين يجادلون في الدين ويتعصّبوا وعندما نسألهم لا يعرفون أبسط قواعد الإيمان. إذا لم يكن الإيمان قائم على معرفة يكون إيمان ضعيف غير راسخ، الإيمان الراسخ يكون مبني على المعرفة والعلم. يعرف بماذا يؤمن، أي أن يؤمن بتعاليم الله الواضحة بالنسبة لنا. هذا أمر أساسي. والأمر الآخر المهم أن يقترن الإيمان بالأعمال. الإيمان بدون أعمال ميت، الإيمان بدون معرفة أعمى. ويعطينا مَثَل في الكتاب المقدس: إذا قلنا لشخص اذهب واشرب ولم نعطه ما يأكله ويشربه فماذا ينتفع؟ إنْ لم يقترن القول بالعمل والفكر فماذا ننتفع؟ نطلب من الله أن نعرف حقيقة إيماننا وأن تزداد معرفتنا كل يوم لا بل كل لحظة وأن نُقرن إيماننا بالعمل الصحيح والجهاد الموجَّه نحو كلمة الله.
وليكن اسم الرب يسوع معنا دائماً. آمين

عيد البشارة

بمناسبة عيد بشارة سيدتنا والدة الإله الكلية القداسة، أُقيمت مساء يوم الخميس في 24 آذار 2016، صلاة السهرانية في كنيسة دير القديس جاورجيوس في صيدنايا، بحضور عدد من المؤمنين وترأس الخدمة قدس الأرشمندريت يوحنا التلي رئيس الديرين الذي ألقى في نهاية القداس العظة التالية:

بسم الآب والابن والروح القدس الإله الواحد آمين،
نحتفل في هذه الأمسية المباركة بعيد أُمّنا العذراء مريم، عندما بشَّرها الملاك، ولذلك يُسمّى هذا العيد بعيد البشارة. ولكن بإمكاننا أن نطلق عليه اسم آخر، إنه عيد الأمومة الإلهية. هذه الفرادة التي حصلت عليها العذراء مريم، بأن تكون أماً للإله. ابتدأ الحدث منذ أن أتى الملاك في مثل هذا اليوم، وبشّرها، ومن بين الكلمات التي أطلقها عليها: (السلامُ عليكِ يا مريم يا ممتلئة نعمة، الرب معك). حدث هذا الأمر والبشرية تئن منتظرة أن يأتي في يوم من الأيام حدث كمثل هذا، بحيث أن السر الخفي يعلن، وأُعلن، بحيث أن ابن الله صار ابن البشر. عظيمة هي الأحداث الإلهية، عظيمة هي أعمال ربنا، عظيم هو الإنسان الذي لهذه الدرجة يهتم به الإله، بحيث أنه يقيم التدابير الإلهية من أجل خلاصه، تدابير ليست بأمر سهل، لأن الله بالابن سيأتي ويُحقّق الخلاص بعملية الفداء المنتظرة التي بها يتحرّر الإنسان من عبودية الخطيئة، إنْ رضي بإرادته وحريته أن يكون مؤمناً بالآتي يسوع المسيح. فالسر الذي أُعلن هو كشفٌ لأمرٍ أطلقه الله من علياء سمائه لقرون طويلة بواسطة أنبياء كثر والكل يجهل كيف يكون، أما نحن اليوم فنعلم كيف كان.
مريم العذراء بُشِّرت من الملاك بحبلٍ إلهي. فسألت تلك الفتاة التي ليست بعمر خبرة لمثل تلك الأقوال قائلة: كيف يكون هذا وأنا لا أعرف رجلاً؟ قد يظن إنسان ما أن السؤال هو شك. لا! إنه استفسار بتواضع جم، لأن تتمة الكلام التي انتقلت إليه العذراء كان: (هاءنذا أمةٌ للرب فليكن لي بحسب قولك). لا يوجد تواضع وقبول أكثر من هذا. العذراء رضيت بأمرٍ من الناحية البشرية لا يُرضى عنه، ولكنها رضيت لأنه أتى بالفعل الإلهي.
أتساءل هنا، وأرجو أن تتساءلوا معي أيضاً: هل العذراء وحدها هي التي نالت من الله دخولاً إلهياً لتكون بواسطته منفردة في هذا الحَمل الإلهي؟ من جهة أولى نعم. ولكن من جهة أخرى وببعد روحي عظيم، نقول بأن هذا الحَدَث يحدث معنا كلنا، يحدث مع كل مسيحي مؤمن إذا فتح أبواب قلبه إلى الله ليدخل إليه، ليُعلن له بإرادته الإلهية أن هنالك شيء ما يخصّك، أيها الإنسان، فاعلم وتعرّف على ما أُعلن إليك لتتحدّث به مع الآخرين. كلنا ننال رسائل من الله، تأتي إلينا بنعمة الروح القدس وتسكن في قلوبنا، تلك القلوب المغلقة بدون إيمان والمنفتحة كل الانفتاح إذا كان الإنسان حقيقة يحيا بتماسٍ مع الله، بتماسٍ مع يسوع المسيح.
الإعلان يجب ألا يبقى مختبئاً، يجب أن يلفظ بالقول، ويُقدّم بالعمل والأفعال، فهل يا ترى مريم عملت بعد حبلها ما يجب أن يكون؟ نعم! لقد سافرت إلى بيت نسيبتها أليصابات، وهنالك أُعلن المستور وكُشِف ليكون معلوم لدرجة أن جنين أليصابات - كما سمعنا في إنجيل السَحَر - ارتكض بفرحٍ في داخلها. ونحن يجب أن نعلن خفايا الله التي تأتينا من خلال إعلاناته إلينا، تلك التي بقدر ما نضع أنفسنا بإصغاء كاملٍ وبقدر ما نضع أنفسنا بروح خدمة حقيقية ليُقال لنا شيء ما، فنتحدّث به عبر الآخرين وننقل إليهم الحديث الذي يجب أن يجري بيننا كلنا لنكون بجميعنا فرحين، وليتحقق هذا علينا أن نكون دائماً وأبداً متأملين بما يريد الله منّا، بكلمات الكتاب المقدس وخاصة الإنجيل، تلك التي تحرّض الإنسان من داخله فيعلم ما لا يعلم وينطق به أمام الجميع.
ونعمة الرب فلتكن معكم جميعاً آمين

عيد رأس السنة الميلادية 2016

بمناسبة عيد رأس السنة الميلادية وعيد القديس باسيليوس الكبير، أُقيمت مساء يوم الخميس في 31 كانون الأول 2015، صلاة السهرانية في كنيسة دير القديس جاورجيوس في صيدنايا، بحضور عدد من المؤمنين وترأس الخدمة قدس الأرشمندريت يوحنا التلي رئيس الديرين الذي ألقى في نهاية القداس العظة التالية:
 باسم الآب والابن والروح القدس الإله الواحد آمين،

إذْ نحتفل اليوم بعيد القديس باسيليوس الكبير الذي أقمنا قدّاسه الإلهي الآن، نحتفل أيضاً بعيد وذكرى ختانة الرب يسوع المسيح الذي حدث بعد ثمانية أيام من يوم ميلاده. يوم مولده لم يُسمّى بأي اسمٍ، أما الاسم فقد أخذه يوم خِتانه الذي يُقابل يوم معموديتنا في هذه الأيام بعد إعلانات يسوع المسيح لهذا الأمر. ويسوع سُمّي بهذا الاسم من قِبل الله بواسطة ملاك بشّرَ العذراء وقال لها بأن اسم المولود الآتي سيكون يسوع.

نحن في حضرة إلهية. ونقيم أيضاً عيد رأس السنة التي هي غير رأس السنة الكنسية تلك التي تبتدئ في مطلع أيلول. نحن في تذكار عيدٍ عالمي، وبالتالي دنيوي، والكنيسة مع آباءها القديسين دائماً تُبارك ما هو صالح في الأمور الدنيوية والعالمية، وتقبله بعد أن تغطّسه بجرن المعمودية ليظهر من جديد بلباس الروح الإلهي الذي يقدّسه، فلا مانع لدينا اليوم من أن نكون أبناء مَن يحتفل بعيد رأس السنة. رتّبت الكنيسة حياة هذا اليوم، بما قرأناه في إنجيل اليوم: كيف أن يسوع بعد ختنه، بدأ "ينمو ويتقوّى بالروح"، وفي آخر الإنجيل "يتقوّى بالحكمة والنعمة". كل هذا يدل على أننا مدعوّون لننمو بمزيدٍ من النمو، بغض النظر عن أعمارنا، ليس النمو فقط للطفل، فكل مَن يكبر يوم وراء يوم يكون عنده نمو جديد. نموّنا هو تذكار رأس سنتنا. علينا أن نُعِدْ لهذه السنة الجديدة القادمة 2016 أن نُعِدْ لأنفسنا تواصلاً مع الله بالروح، لتَدُبْ النعمة في أنفسنا، فننمو بها ونزداد كِبراً حسب ما يريد الله، بحسب تعليم الإنجيل والكنيسة.

مع مزيد من التفصيل كان يسوع وأبويه، أبوه يوسف الذي ربّاه أخذ هذا الاسم إضافةً لأبيه السماوي: الله. فكانت العائلة المقدسة تذهب إلى أورشليم لتتبارك، لتنال من هناك زوّادة تستمر من خلالها بحياةٍ أعدّها الله لهذه العائلة، ويسوع واحد من هذه العائلة، يزداد نمواً، يزداد حكمة، ويزداد نعمة، يزداد تكويناً. هذه المسيرة تؤهّلنا لكي نضع برنامجاً لاستعدادنا للعام القادم، للعام الجديد. الجميل والعظيم في الأمر، هو الحدث الذي بدا وكأنه مُغاير للواقع، عندما نُسي يسوع في أورشليم وذهبت القافلة: الأولاد بمكان والأهل بمكان آخر، وظُنَّ أن يسوع مع الأولاد ولم يُستدرك الأمر إلا بعد مرور يوم، فعادت الأسرة بعد وصولها لأورشليم تسأل في الطريق وفي كل مكان عن وجود الابن ذي الاثني عشر عاماً. هذه الحادثة يهمنا الأمر فيها لنوطِّد أركان عامنا الجديد حسب تعليم الكنيسة، التي وضعت هذا الإنجيل لهذا اليوم، حيث وُجد يسوع في الهيكل يناقش الشيوخ، ويعلّمهم المعاني الكتابية. كان معلم حقيقي، معلم بالروح بامتياز. كيف لا وهو ابن الله؟ هذا يجعلنا نؤكّد على أهمية برنامجنا الذي نُعدّه لاستقبال العام الجديد. يجب أن يكون في مباحثات لاهوتية روحية تعليمية وإنجيلية، لنبتدئ بكل تلك المعطيات لنفتتح عاماً جديداً بقدرة قادرة على التغيير عن ما كنا عليه، لنصير ما نحن مُعَدّون لنكونه، بذات النعمة، بذات الحكمة، وبذات الروح.

أقول أخيراً بأنه لا مانع البتة بأن نحتفل احتفالات دنيوية، بشرط أن تكون مباركة من الله تمتزج حياة الروح بحياة الدنيا. عندما عادوا من أورشليم ظنَّ الأهل أن يسوع مع الرفقة، أي أن الإنسان مع معطيات حياتية يستطيع أن يلهو الولد، كما الكبير أيضاً، ونحن بإمكاننا أن نلهو، ولكن لهونا لا يُبعِد البتة تفكيرنا بمصيرنا، وألا ننسى البتة، ونحن أبناء هذه الدنيا، أننا أبناء الملكوت، وأن كل حياتنا على الأرض هي برنامج يُعِدِّنا لنصل إلى الملكوت. إذا فعلنا هذا ننقل دنيانا معنا، وإذا فعلنا هذا نكون مرضيين من الله. فالحياة فيها ألوان متعددة، ويسوع كان يحضر أمثال تلك الجلسات التي كمثل جلسة عرسٍ أو مناسبة دعوةٍ لمائدة أو احتفال بأي لون آخر، وكان يشرب الخمر. إلا أن يسوع بقي هو ابن الله، وبقيت مواقفه وكلامه من أجل انتقال هؤلاء البشر الذين يحتفل معهم إلى الحضرة الإلهية.

نحن علينا أن نُصحِّح الأوضاع التي تجري اليوم في دنيانا. فمن أجل تهيئة ليلة العيد نترك الكنيسة - أكثر يوم لا يدخله حتى المؤمنون إلى الكنيسة، هو ليلة رأس السنة - لأن الواجبات الدنيوية تأخذنا إلى أقصى مدى. يجب أن نفكِّر بهذا، نُعد سهرة لعيد نسميه رأس السنة بشرط ألا يكون على حساب لُقيانا بيسوع، والذي يبتدئ حفله بالمناولة، إذا حضرنا القداس مساءً، أو باستعدادنا إذا كان القداس صباحي، لكي تكون مناولتنا متناسبة مع هذا اليوم البهي.

ونعمة الرب فلتكن معكم جميعاً آمين

عيد دخول السيدة إلى الهيكل

بمناسبة عيد دخول سيدتنا والدة الإله العذراء مريم إلى الهيكل، أُقيمت مساء يوم الجمعة في 20 تشرين الثاني 2015، صلاة السهرانية في كنيسة دير القديس جاورجيوس في صيدنايا، بحضور عدد كبير من المؤمنين وترأس الخدمة قدس الأرشمندريت يوحنا التلي رئيس الديرين وعاونه بالاضافة لآباء الدير، قدس الأب سيرافيم مسلط كاهن مدينة قطينة وشاركت في خدمة الصلاة جوقة الملائكة، وفي نهاية القداس ألقى الأب سيرافيم مسلط العظة التالية:
باسم الآب والابن والروح القدس، الإله الواحد، آمين.
اليوم، يا أحباء، نُعيّد لدخول سيدتنا والدة الإله العذراء إلى الهيكل، هذا العيد يأتي في الفترة التي نستعد فيها لميلاد ربنا يسوع المسيح بالجسد. وكما يقول الكتاب المقدس: "ولما حان ملء الزمان، أرسل الله ابنه مولوداً من امرأة"، هذه المرأة التي سوف يسكن الرب يسوع المسيح في أحشاها هي السيدة العذراء.
في هذا اليوم، أدخل القديسين يواكيم وحنة السيدة إلى الهيكل لتتربّى بحسب شريعة الله، ولتسمع كلام الله. وهذه القديسة سمعت كلام الله، كما يقول النبي: "اسمعي يا بنت وانظري، وأميلي أذنيك، وانسي شعبك وبيت أبيك، فيشتهي الملك حسنكِ". هكذا تعلّمت السيدة العذراء أن الله لا يسكن في الهياكل الحجرية، بل يسكن في القلوب الطاهرة، فسعَت السيدة العذراء إلى النقاوة والطهارة، لكي تتهيأ لتستقبل الرب، الملك السماوي.
القديسان يواكيم وحنة سلّما الهيكل لتربية ابنتهما، والسؤال المطروح علينا: نحن لـمَن نسلّم تربية أولادنا؟ نحن دائماً نسعى من أن نُقدِّم لأبنائنا أفضل حياة، فنعلّمهم في أفضل المدارس والجامعات، ونتعب لكي يعيشوا حياة اجتماعية وأخلاقية أجل جيدة. كل هذا شيء حسن، ولكن علينا أن لا ننسى شيئاً واحداً: "إنْ لم يبن الله بيتاً فباطلاً يتعب البنّاؤون". نحن ننسى أنه علينا أن نربّيهم بحسب تعليم الكتاب المقدس وبحسب روح الكنيسة. ليس الأهل فقط هم مسؤولون عن تربية الأولاد، كل مؤمن هو مسؤول، لأننا في الكنيسة نحن جسد واحد. وكيف ستكون تربيتنا للأولاد؟ وما يقول القديس بورفيريوس: "بالصلاة والقداسة".
النقطة الأولى هي الصلاة. نحن دائماً علينا أن نصلي من أجل أولادنا، حتى تظلّلهم النعمة وتكون معهم في كل لحظة من لحظات حياتهم. عندما يخطئون لا يكفي أن نوجّههم ونرشدهم بل هناك نقطة أخرى مهمة جداً هي الصلاة، واستدعاء نعمة ربنا كي تظللهم، لأن الإنسان عندما يخطئ يبتعد عن نعمة ربنا، ويصبح بأمس الحاجة كي تعود إليه وتدخل بنفسه ويعيش مع المسيح. النقطة الأخرى هي القداسة، كما يقول الكتاب المقدس: "من أجلهم أُقدِّس أنا ذاتي"، أي عندما نسعى أن يكون أولادنا صالحين، علينا أن نكون لهم قدوة. نحن علينا أن نتقّدس حتى يستطيع أولادنا أن يعيشوا القداسة. كيف نعلّم أولادنا المثال الصالح، إذا كنا نحن لا نعيش هذه القداسة، كي نكون مثالاً لهم في المنزل، في العمل، في كل مكان؟ بالصلاة والصوم نستطيع أن نربّي جيل للمسيح، أبناء صالحين للمسيح. ونحن في هذه الأيام، بأمس الحاجة كي نربّي الأطفال تربية مسيحية حقيقية، كي يكونوا شهود للمسيح في هذه الأرض. نحن بحاجة كي نربي أولادنا كي يكونوا خميرة تخمّر العجين، نحن بحاجة أن نربي أولادنا تربية صالحة كي يكونوا ملح للأرض. وفي هذه الأيام الصعبة نحن بحاجة أن نكون مع بعضنا ومع أولادنا أن نعيش الصلاة والقداسة.
في هذا اليوم نطلب شفاعة القديسة مريم كي تكون معنا، ونرفع صلواتنا من أجل الجميع ونقول: "نودع ذواتنا وكل حياتنا للمسيح الإله".
ونعمة ربنا يسوع المسيح فلتصحبكم الآن ودائماً.

عيد نقل رفاة القديس جاورجيوس

بمناسبة عيد نقل رفاة القديس جاورجيوس، أُقيمت مساء يوم الاثنين في 2 تشرين الثاني 2015، صلاة الغروب وخمس خبزات في كنيسة دير القديس جاورجيوس في صيدنايا، بحضور عدد كبير من المؤمنين وفي صباح اليوم التالي أقيمت صلاة السحرية  والقداس الإلهي وترأس الخدمة قدس الأرشمندريت يوحنا التلي رئيس الديرين الذي ألقى في نهاية القداس العظة التالية:

باسم الآب والابن والروح القدس الإله الواحد آمين.

إذ نحتفل اليوم بتذكارِ نقل رُفات القديس جاورجيوس من مكان دفنه إلى كنيسة اللد في فلسطين، حيث بُنيت الكاتدرائية هناك على اسمه. نتذكّر دائماً بأن هنالك أبطال وشُجعان كُثر، ولكن الذكرى الباقية للقديس جاورجيوس، لا يُدانيها أي ذكر أخرى لبطلٍ في أي مكان. فما هي صفة شجاعته حتى وصل إلى هذا التكريم الذي يستحقه؟ الجواب هو أنه كان يتحلّى (بشجاعةٍ مقدسة).

هناك فرق بين الشجاعة وبين الشجاعة التي تتحلى بصفة معها، وهنا صفة القداسة. كان جندياً، وكان شجاعاً. وعندما كان في عسكريته تلك، لم يكن  مؤمناً،  إنما وهو  بهذه الحالة، تعرّف على المسيح وصار جندياً له، جندياً بالإيمان من أجل يسوع المسيح. فصار هنالك تحوّلٌ في حياته، ارتقى من الشجاعة العامة ليصير مُقلِّداً، كما يقلّد البطل السيف بزنده، بجنبه. صار مقلّداً للقداسة في كل حياته. بتلك القداسة أراد أن يكون بشجاعته تلك، محارباً. فصار يحارب ضعف الإيمان عند الناس، لا بل صار يحارب عدم الإيمان الموجود والمتفشّي في إمبراطورية روما الكبيرة.

بهذه الصورة نرى أن أعداءه هم: عدم الإيمان والخطيئة والأهواء بأشكالها وأنواعها وألوانها. هذا الأمر لم يعجب القيادة المنتمي إليها. فبدأ الصراع القائم بين هذين الاثنين ولا بد من أن ينتصر أحد بعد ذلك. من ناحية الظاهر، ومن الناحية المرئية، يبدو أن النصر ليس للقديس جاورجيوس، ولكن بالحقيقة هو الذي انتصر، فبشهامته الكبيرة قدَّم نفسه جندياً للمسيح، شاهداً وشهيداً. فتأثَّر  الشعب برمته وصار الكل يتمنونَ أن يكونوا مؤمنون بالمسيح مثله، فانتشر إيمانٌ جديد واسعٌ وكبيرٌ، من خلال أن (القديس) جاورجيوس برمحه الروحي، قتل التنين الذي هو عدو المسيح. 

وما ان مضى أربعون عاماً على هذا الحادث حتى تنصّرت الإمبراطورية بكاملها، وصار المسيح هو الاسم الذي يطلق على لسان كل جندي، وكل إنسان في تلك الإمبراطورية.

ونحن اليوم، أمامنا عدوٌ، ونحن بحاجة ماسة إلى شجاعة مقدسةٍ عند المحاربين الصامدين في وجه المقاتلين على هذه الأرض، وهذا الوطن، بما يشمله من كنائس ودور عبادة. فعلينا أن نتحلّى أيضاً بهذا الإيمان الذي نأخذه كأمثولة صالحة من القديس جاورجيوس، لنصل إلى النصر الذي ننتظره والذي نتمناه، والذي لا بد أن يحلّ بعد ذلك. بهذا الإيمان نحن نُعيّد اليوم.

ونعمة الله فلتصحبكم جميعاً.

عيد القديس يعقوب الرسول

بمناسبة عيد القديس يعقوب الرسول أخو الرب، أول أساقفة أورشليم، أقامت أخوية ديري القديس جاورجيوس والشيروبيم في صيدنايا مساء يوم الخميس في 22 تشرين الأول 2015 سهرانية في كنيسة دير القديس جاورجيوس، بحضور عدد كبير من أبناء الكنيسة، ترأس الخدمة قدس الأرشمندريت يوحنا التلي وعاونه كهنة الدير وقد ارتجل قدس الأرشمندريت يوحنا في نهاية القداس العظة التالية:

باسم الآب والابن والروح القدس الإله الواحد آمين

اذ نحتفل اليوم بتذكار التلميذ الرسول يعقوب أخي الرب، الأخ الأكبر ليسوع المسيح من أبيه يوسف، وهو لم يكن من التلاميذ الإثني عشر إنمّا كان القائد الأوّل على كنيسة أورشليم، كان أسقفاً عليها وهناك استشهد وانتقل إلى حيث يسوع يقيم. ترك لنا كتاباً، رسالةً مُرسَلةً إلى المؤمنين من اليهود الذين صاروا مسيحيين ،تشكِّل هذه الرِّسالة الأنموذج السليم للمسيحيّ الذي يريد أن يسير في خطا الرب من خلالها يعرف الإنسان أن قيمته في الحياة من خلال ثقته بالله لا ثقته بنفسه البشرية، إنّما يكتسب بذاته المسيحيّة ثقةً مرتكزةً على الاتّكال على الله، هذه الثّقة هي التي تجعل منه إنساناً فاعلاً في مجتمعه، وعندما يريد أن يَخدم هذا الانسان، علَّمنا يعقوب أنَّ الخدمة يجب أن تكون منوطة بالعطفِ والحنانِ والحبِّ.خدمةٌ جافةٌ غير مقبولة أمّا عندما يريد أن يتكلَّم فالكلام يحتاج إلى انتباهٍ ويقظةٍ ودقّةٍ في الكلام حتى يكون بمستوى الرِّسالة المسيحيّة، أحاسيس الإنسان التي تصل إلى موقع القبول والرضى من الله لا تتم إلى من خلال نفسٍ تائبةٍ باستمرار. أيضا تَعلمنا من القدِّيس يعقوب أنّ الإنسان الذي يسير في خطا الرّب مُقدِّم عطاءاتٍ دائمةً فإنّ العطاءات لا قيمة لها من إنسانٍ يعطي بدون أن يشعر بالشَّرِكة مع الآخرين، الإنسان المشارِك هو المعطاء بجدارةٍ، وكأنّ هذه الملاحظات هي دستورٌ يكتمل معنا عندما نعلم وهو أهم ُّمن كَتب في موضوع العلاقة بين الإيمان و العمل، "الإيمان بدون أعمال ميت" حسب قوله، الإيمان الذي لا يُشكِّل درباً لحياة صاحبه بأعمالٍ تليق بإنسانٍ مسيحيٍّ فإنّ مثل هذا الإيمان لا يقود صاحبه ليصل إلى الخلاص، ونعلم بأنّ البار بالإيمان يحيا، ولكن هذا الكلام الذي قاله بولس الرسول يُفهَم من خلال يعقوب الرّسول أخي الرّب الذي أوضح لنا بأنّنا نحن بإيماننا نقوم بأعمالنا مبرهنين على صدق هذا الإيمان بصحّة تلك الأعمال، إنسان ٌمثل هذا يتجدّدً يتغيّر عبر حياته اليوميّة، يصير أنساناً ذي رونق، إنساناً مبتهجاً بالروح لأنّه عارفٌ كيف يسلك بسلوكٍ مسيحيٍّ حقيقيٍّ وسليمٍ، حينئذ عندما يريد مثل هذا الإنسان أن يصلي فالصلاة المقبولة هي الصلاة الطاهرة، الصلاة التي تحرج من القلب النقيّ الصلاة التي يُعبِّر صاحبها من خلال شفافيته المرئيّة من الله ومن الإنسان معاً، وهو إنسان لا يصلي لنفسه فقط، إنّما يصلي أيضا للآخرين، يرى الآخرين، يشعر بوجود الآخرين، ليس هو إنسانٌ أنانيٌّ لا يشعر إلّا بنفسه وبأهميّة ذاته، لا بل يشعر الأكثر بأنّ الآخر هو مهمٌّ وإن ارتقى كثيراً في الحياة المسيحيّة يصل إلى اليقينٍ بأنّ الآخر هو أهمُّ منه .علمنا يعقوب أخو الرب ضبط اللّسان، بأهميّة أنّ الإنسان الذي يريد أن يتكلّم يَحمل كلاماً مقبولاً من الله ويضبط بلسانه أهواءه ولا يجعل لها منفذاً لا من خلال النفس الداخليّة ولا من خلال الأعمال الخارجيّة، كثيرةٌ هي التعاليم في تلك الإصحاحات الخمسة القصيرة. أختمها بأهميّة أنّ الإنسان يحقِّق ما يريد من خلال الصبر، فالصبور هو الذي يَصل إلى المنتهى .بعد هذا كلِّه يؤكِّد لنا يعقوب بأن كلمة الله التي نزلت إلينا نحتويها من خلال مطالعاتنا الدائمة لما أعلنه يسوع الكلمة وبالتالي هنا خصوصيّة موضوعنا اليوم، أن يَقرأ بصورةٍ دائمةٍ تلك الرٍّسالة التي كتبها يعقوب ليبقى دستور حياة الإنسان المؤمن متجدداً بفعالياتٍ روحيّةٍ مستمرةٍ غير متوقفة، يعقوب هذا كان مثالياً في حياته، مثاليا ًفيما كتب ومثالياً فيما طبّق، كثيرون من الناس يقولون هذا كلامٌ مثاليٌّ لا نقدر عليه ولكنّ المسيحيّ الحقيقيّ هو الذي يَقدر على عيشِ مثاليّةِ المسيح فنعمته تصحبكم الآن ودائماً. آمين .

عيد انتقال القديس الرسول يوحنا الإنجيلي

بمناسبة عيد انتقال القديس يوحنا اللاهوتي الحبيب، شفيع صاحب الغبطة البطريرك يوحنا العاشر الكلي الطوبى والجزيل الاحترام، وشفيع قدس الأرشمندريت يوحنا التلي رئيس ديري القديس جاورجيوس والشيروبيم في صيدنايا، أقامت أخوية الديرين مساء يوم الجمعة في 25 أيلول 2015 سهرانية في كنيسة دير القديس جاورجيوس، بحضور عدد كبير من أبناء الكنيسة، ترأس الخدمة قدس الأرشمندريت يوحنا التلي وعاونه بالإضافة لكهنة الدير كل من قدس الأرشمندريت دامسكينوس كعدة وقدس الشماس يوسف سلوم وقد ارتجل قدس الأرشمندريت دامسكينوس في نهاية القداس العظة التالية:

باسم الآب والابن والروح القدس الإله الواحد آمين
دعونا نتبادل مع بعضنا بعض الأفكار حول القديس يوحنا الحبيب صاحب هذا العيد، قالها لنا في رسالته التي سمعناها اليوم فيقول: "الله لم يعاينه أحدٌ قط، إنْ أحببنا بعضنا بعضاً يثبت الله فينا وتكون محبته كاملة فينا. وبهذا نعلم أنا نثبت فيه وهو فينا: "أيها الأحباء، لنحب بعضنا بعضاً لأن المحبة هي من الله وكل مَن يُحبْ فقد وُلِدَ من الله ويعرف الله ومَن لا يحبْ لم يعرف الله لأن الله محبة. الله محبة ومَن يثبت في المحبة يثبت في الله والله فيه". هنا قد نشعر أن هناك شيء من التناقض: فمن جهة يقول القديس يوحنا الحبيب أن الله لم ينظره أو يعرفه أحدٌ قط ومن جهة ثانية يقول: مَنْ يثبت في المحبة يعرف الله فيثبت في الله والله يثبت فيه. ما هو الشيء الذي يريد أن يقوله الرسول يوحنا لنا؟ علاقتنا مع الله في العمق هي علاقة محبة، لا بل هي علاقة حب وعلاقة عشق. أي أنا أعرف الله فقط عندما أستطيع أن أحبه. وأستطيع أن أحب الله من كل قلبي. وكما يقول في العهد القديم: "يا بُني أعطني قلبك". قد لا أستطيع أن أُعطي شيء مادي لله ولكن الله لا ينظر لذلك فقد قَبِلَ فلسي الأرملة. فعندما أُعطي قلبي للرب أعطيه كل كياني، كل وجودي، كل أحاسيسي، كل مشاعري. ولكن أحب الله لأنه هو أحبنا أولاً، أما كيف نستطيع أن نحب الله؟ فعندما نعلم ما فعل من أجلنا "نحب الله لأنه هو أحبنا أولاً".
وكمثال على ذلك الرسول يوحنا الحبيب الذي اتكأ على صدر المسيح في العشاء السري والذي كان مقرباً من المسيح وتجلت محبته في مواقف كثيرة منها:اختياره عن طريق القرعة للتبشير في أفسس المدينة التي كان سكانها يعبدون الأوثان فقد تذمر في داخله على اختياره لكن محبته لله جعلته يندم على ذلك وانتقل إلى أفسس وبشر فيها وهدى أهلها وأيضاً بشَّر في بطمس التي كانت مملوءة بمعابد الأوثان.
يقول الرسول يوحنا في رسالته: "لا خوف في المحبة، بل المحبة الكاملة تطرح الخوف إلى خارج، لأن الخوف له عذاب أما من خاف فلم يتكمل بالمحبة، نحن نحبه لأنه هو أحبنا أولاً. إن قال أحدٌ أني أحب الله وأبغض أخاه فهو كاذب، لأن من لا يحب أخاه الذي يبصره فكيف يحب الله الذي لا يبصره". يؤكد الرسول على ارتباط محبة الله بمحبة القريب، أما من يحب الله و يبغض قريبه فهو كاذب.
يفسر الآباء الصليب بأنه خشبتان، خشبة شاقولية التي هي علاقتنا مع الله، والخشبة العمودية التي هي علاقتنا مع الآخرين. الصليب لا يكتمل بخشبةٍ واحدة أما علاقتنا مع الله إذا لم ترتبط بمحبة القريب فلا يكتمل الصليب، كما يقول الرسول: "لا خوف في المحبة" فعلاقتنا مع الله لا يجب أن تكون علاقة خوف، الله لا ينتظر أخطاءنا حتى يديننا، لكن الله هو أبي، علمنا يسوع في الصلاة الربانية "أبانا الذي في السموات".
أيضاً يقول الرسول بولس "أبّا أيها الآب" أيها الآب أبي.
يقول الآباء إن علاقتنا مع الرب يسوع فيها ثلاث مراتب أو ثلاث درجات من المحبة.
علاقة العبد: مثل علاقة العبد مع السيد و هي علاقة خوف لا يوجد فيها محبة، فالعبد إذا لم ينفذ رغبة سيده فسيتعاقب، ولا ينتظر مقابل. لكن هذه العلاقة يجب أن تتطور إلى الدرجة الثانية.
علاقة الصديق مع صديقه، أو علاقة الأجير مع أجيره، ننتظر مقابل.
أما الدرجة الثالثة فهي المحبة الكاملة مثل علاقة الأب بابنه، نحن نعمل وصايا الله ليس خوفاً من العقاب ولا من أجل انتظار المكافأة، لكننا نعمل وصايا الله لأننا نحبه. "من يحب الله يعمل وصاياه" وهكذا يجب أن تكون علاقتنا مع الله، فالمسيح بذل نفسه و تعذب من أجل خلاصنا كما نقول في القداس الإلهي: "يا من قام من بين الأموات لأجل خلاصنا". كل ما قام به المسيح لأجل خلاص كل شحص فينا. وذلك من محبته الكبيرة لنا.
نحن موجودون في هذا المكان في عيد الرسول يوحنا الحبيب من أجل أن نتعلم من سيرته، يقول الآباء: محبة القديسين هي التشبه بهم، نحن مجتمعون هنا لعدة أسباب:
محبتنا لله ووجودنا في هذا المكان الذي هو بيت الله.
محبة القديس الذي نعيد له ومحبتنا للتشبه به، كل شخص منا يجب أن يكون لديه هذا الشوق أن يتكئ على صدر الرب يسوع.
المحبة التي تجمعنا مع بعضنا ومحبتنا لصاحب العيد أبونا يوحنا ولذلك نحن معه الآن بالإضافة إلى محبتنا لبعضنا.
الرسالة التي يجب أن نتعلمها من الرسول: محبتنا لله وللقديس ولصاحب العيد ومحبتنا لبعض.
باسم الجميع نعيد صاحب الغبطة سيدنا يوحنا الذي يعيد اليوم أيضاً و نطلب له إلى سنين عديدة، وأيضاً أبونا يوحنا الذي يغمرنا جميعاً بمحبته وإلى سنين عديدة وأتمنى للجميع أن تغمر قلوبنا محبة الله حتى نستطيع أن نعيش المحبة والفرح رغم كل الصعوبات.

عيد رقاد السيدة

بمناسبة عيد رقاد القديسة مريم العذراء والدة الإله الفائقة القداسة، أقامت أخوية الديرين مساء يوم الجمعة في 14 آب 2015 سهرانية في كنيسة دير القديس جاورجيوس، بحضور عدد كبير من أبناء الكنيسة المؤمنين، وقد شارك في الخدمة بالإضافة إلى آباء الدير قدس الأب بولس رزق كاهن دير مارالياس شويا البطريركي، وقد ارتجل قدس الأرشمندريت يوحنا التلي في نهاية القداس العظة التالية:

باسم الآب والابن والروح القدس الإله الواحد آمين،
في هذه الأمسية التي نقيم فيها سهرانيتنا هذه، نذكر ونتذكّر أمنا العذراء مريم التي انتقلت إلى السماء بالجسد، ونحن لهذه المناسبة نقيم هذه الذكرانية التي من خلالها نستعرض كل أحداث أمنا هذه، تلك التي أحبّها الله فاختارها منذ طفولتها لتترعرع في البيت الروحي، في الهيكل المقدس من أجل أن تصل إلى ما يُرضي الله بمسيرتها الروحية التي تحياها. وهكذا ترعرعت كما شاء الله لها، لتتهيّأ لأعظم حدث جرى في التاريخ بحيث أن فتاة تحبل وتلد ابناً لله وتصير أم الله، وتكتسب صفات عظيمة من بينها أنها صارت أكرم من الشيروبيم وأعظم من الملائكة وأن الوحي الإلهي قد فوَّهها بأن تعلن لنا بأن نطوّبها مدى العمر والأجيال.
أمنا هذه نالت من الله كل تلك الأمور وهي لا زالت بشر مثلنا، وهي لا زالت إنسانة تحيا بالإيمان، وهي لا زالت تنال من الله الرضى الكامل عليها. كل تلك الصفات تجعلها مَثَلنا الأعلى. إحساسنا الروحي يجعلنا نشعر بأننا كما هي نالت تلك الأمور التي تفوق الوصف، أيضاً كل إنسان قادر على أن ينالها، إذا عاش بالتقوى، بالسر الإلهي، إذا عاش بحسب ما يوهَب من الله فيتبناه ويعمل من خلاله أن يكتسب تلك المكتسبات.
قيمة العذراء مريم بوَلدها، قيمتها بأنها سمعت كلمة الله وعَمِلت بها، وصارت بعد حملها بيسوع حاملة الطفل بين يديها ورفيقة له في المدى اللاحق. نحن نخاطبها والأهم أننا نرى بأن يسوع لا تفارقه وهو لا يفارقها. طلباتنا منها آتية من خلال أن يسوع ابنها هو الذي يُحقِّق لنا كل ما نطلبه. هي شفيعة لنا. إيّانا بأن نظن بأنها هي التي تفعل المنجزات والعجائب لأجلنا، إنها تقوم بالدور البشري الذي تنقل ليسوع ابنها من أجل أن يعطينا بسببها، وهذا نذكره من خلال الإنجيل عندما ذهبت هي ويسوع إلى عرس قانا الجليل وطلبت منه أن يُقدّم الخمر، فأجاب الجواب السليم: "لم تأتِ ساعتي بعد"، ولكنه من أجلها ومن أجل طلبها ومن أجل كرامتها عنده، اجتاز الجواب ليعطي الجواب الفائق فحقّق تلك الأعجوبة وحوّل الماء إلى خمر. هي قادرة من خلال معطياتها أن تجعل الله يلبي لها أموراً بالرغم من أن ساعته لم تأتِ بعد، كما أجاب يسوع في قانا الجليل.
نعود مع العذراء مريم في مسيرتها مع ابنها يوم الصلب، يوم الخلاص للجنس البشري، لم تفارقه، بقيت بجانبه إلى أن حان أن يودع الروح، فقال لها ويوحنا بالقرب منها: هذا هو ابنك. وله قال: هذه هي أمك. أخذت الدور الذي كان يسوع يقوم به مع التلاميذ من خلال تلك الوصية، من خلال ذلك الطلب. ولما حان موعد انتقالها كان بمنتهى الشفافية حيث ذهبوا بها إلى القبر لتُدفن، ولكن اللحد نقلها بواسطة الملائكة إلى عالم السماوات. قد يقول قائلٌ: إنها صعدت كمثل ابنها. لا! لم تنل هذا الأمر الذي هو أساسي جداً. يسوع صعد إلى السماء بقدرته الذاتية كإله، ومريم أمه صعدت بإرادةٍ إلهيّةٍ محمولة بإيدي الملائكة بالروح. هذا يُدخلنا بفرح عظيم وكبير جداً، أننا نحن أيضاً كأبناء إيمان، كأبناء كنيسة، كأناس يتناولون الجسد والدم الإلهيين، نحظى كمثل مريم بالوصول إلى السماء، إلى عالم الملكوت بدون أن يكون هناك ضرورة للتطابق في ذلك الانتقال، مثلنا كمثلها. هنالك إمكانية الوصول إلى حيث هي مقيمة في عالم الله.
عيد 15 آب الذي نحن فيه اليوم، هو أعظم أعياد السيدة العذراء. هو العيد الذي يحدّثنا القداس الإلهي به بكلمات فائقة الوصف، وخاصة إذا أخذنا صلاة الغروب مع صلاة السَحَر فنجد جمال الكلمات وروعة الحياة الروحية والاشتهاء للتمثّل بأمنا العذراء مريم التي نرجو أن نكون كلنا محظيين بالتشبّه بها لننال المصير معها.
ونعمته فلتصحبكم الآن ودائماً. آمين.

سهرانية بمناسبة عيد رقاد القديسة حنة

بمناسبة عيد رقاد القديسة حنة أم والدة الإله الفائقة القداسة، أقامت أخوية الديرين مساء يوم الجمعة في 24 تموز 2015 سهرانية في كنيسة دير القديس جاورجيوس، بحضور عدد كبير من أبناء الكنيسة المؤمنين، وقد ترأس الخدمة قدس الأرشمندريت يوحنا التلي، الذي ارتجل في نهاية القداس العظة التالية:

باسم الآب والابن والروح القدس الإله الواحد آمين،
في هذه الأمسية المباركة مع سهرانيتنا المقدسة التي نقيم فيها تذكاراً لأمنا حنة والدة السيدة العذراء مريم التي كانت تحيا مع زوجها يواكيم حياة إيمان، حياة تقوى، وحياة فضيلة، فكان أن أعطتنا الطفلة مريم التي تربّت في الهيكل وكان يسوع المسيح آتٍ منها وهو سيد خلاصنا.
نحن لا نعرف، من خلال الكتاب المقدس، شيئاً البتة عن أم مريم العذراء حنة، ولكن التقليد يعطينا بعضاً من المعلومات التي فيها تأكيد على تلك الحياة التي عاشتها. فاختير النص الإنجيلي الذي تُلي على مسامعنا، ليكون بدايةً لنا لنسلك السلوك الذي سلكته حنة ويواكيم. مفاده أن على الإنسان ألا يسعى عبر حياته لأن يخفي أحاسيسه ومشاعره وأفعاله وكل ما يتعلق بأعماله، ألا يخفيها حتى لا تكون ظاهرة، لأن فيها شيءٌ من اللارضى. حياتنا يجب أن تكون كالمنارة: ظاهرة مضيئة مشعة تحمل نوايانا وأفكارنا ودوافعنا فنتحول إلى منارةٍ نعتز بفضلها أننا نحيا حياة يريدها الله، لكي تكون تلك الحياة مسيرةٌ لكلِّ شخص منا، تلك المسيرة التي تقود صاحبها إلى الملكوت، إلى عالم الله في منتهى الأمر، بعد أن يكون قد حقق الإرادة الإلهية في أن يحيا على صورة الله ومثاله.
هكذا عاشت القديسة حنة، وهكذا أيضاً عاش القديس يواكيم، وهكذا ظهرت إلى النور مريم كطفلة، ثم تابعت حياتها بنعمة الله، كما نعرف.
هذا يعني بأن الإنسان مدعوٌ لكي يتقوّى بقوى إلهية، تلك القوى التي تصيّره إنسان مُحقق في حياته لحياة روحية سليمة. الحياة التي نحياها دون تدريب وتمرين ينبثقان من الروح القدس والكنيسة فإنها تقود إلى استهلاكنا بدون نفع، فإذا كانت حياتنا المادية، أي الجسد الذي نحمله، إذا كان هذا الجسد غير متمرّن على تمرين العضلات في الحياة اليومية، فإنه لا يستطيع أن ينجز شيئاً. فكم بالحري الحياة الروحية التي تحتاج إلى صلاة وتأمل ومطالعة كتاب. كل هذا هو دعوة من الله لنا لكي نظهر بمظهر قد يقوّينا لإظهاره بالنعم والبركات الإلهية. هذا يصيّرنا لنصل إلى المنتهى الذي يريده الله في أشخاصنا، تلك التي ستجتاز في عالم المحاكمة الروحية، لكي تصل من خلال ذلك الفحص، إلى المكان الـمُعَدّ لكل واحد منا.
ينتهي الإنجيل بقولٍ ليسوع عندما كان يتحدث فأتت أمه وإخوته وكان المكان مزدحم فقيل له بأن أمك وإخوتك هم خارجاً. ماذا قال؟ عرّف بأمه الكلام التالي: أمي وإخوتي هم الذي يسمعون كلمة الله ويعملون بها. أي أن كل إنسان مُعَدّ لكي يكون كمثل أم السيد المسيح، كمثل تلك الأم التي سمعت كلمة الله وعملت بها، والتي صارت قدوتنا في حياتنا الإيمانية. بهذه الصورة تُبنى الأسرة ويُبنى الإنسان ويُعاش الإيمان في داخل كل شخص، ليصل في نهاية المطاف إلى المسيح، هنالك عالم الملكوت الـمُعَدّ لنا.
ونعمته فلتصحبكم الآن ودائماً. آمين.

عيد مولد النبي يوحنا المعمدان

بمناسبة عيد مولد النبي السابق يوحنا المعمدان، أقامت أخوية الديرين مساء يوم الثلاثاء في 23 حزيران 2015 سهرانية في كنيسة دير القديس جاورجيوس، بحضور عدد كبير من أبناء الكنيسة المؤمنين، وقد ترأس الخدمة قدس الأرشمندريت يوحنا التلي، الذي ارتجل في نهاية القداس العظة التالية:

باسم الآب والابن والروح القدس، الإله الواحد، آمين.
في هذه الأمسية المباركة نقيم سهرانيتنا بمناسبة عيد مولد يوحنا المعمدان. هذا الذي كان يتميز بفرادةٍ من نواحٍ عديدة وكثيرة أهمها ولادته وأيضاً طريقة عيشه ورسالته. هذه وغيرها تشكل ميزةً عند يوحنا المعمدان بحيث أننا نلاحظ عند ولادته أن الملاك قد أعلن قائلاً لأبيه بأن هذا المولود الآتي سيكون مفروزاً لخدمة الله، وعظمة يوحنا أنه أميناً لهذا النذر حتى يوم مماته.
أما مظهره فكان فيه شيءٌ من الغرابة غير المعتادة كان يعيش في البراري، بالرغم من أن الدراسات الحديثة قد أثبتت أن هنالك أديار في تلك البراري وكان ينتمي إليها، وكان لباسه من وبر الإبل (الجمال)، أما طعامه فكان جراداً وعسلاً برياً أي أنه كان يأكل مما هو موجود في أرض تلك البراري.
رسالته تميزت بأنه كان يعلن عن مجيء المخلص، كمثل قوله: "أنا أعمدكم بالماء أما الذي يأتي بعدي فهو أقوى مني ويعمدكم بالماء والروح". هذه المعطيات تدلنا على أن يوحنا كان شخصاً فريداً من نوعه لدرجة أنه عندما كان يعلن بشارته كانت تنطلق نحو موضوع التوبة: "توبوا فقد اقترب ملكوت السماوات". تأثَّر الناس به، حركهم، تحركوا بمعطيات كلامه وصاروا يعملون بسلطان لا يُقاوم. هذا السلطان الآتي ليس من سلطة سياسية وليس من جماعاتٍ دينية إنما كان سلطانٌ قويٌ مودوع بداخله من نعمة الله التي يرتكز عليها فتحركه.
واجه الملك في عصره وطلب منه الاعتراف بخطاياه، قبل الملك هيرودوس شكلاً. إلاّ أن هيروديا زوجته كانت تحاربه وتريد قتله واستطاعت بالتعاون مع ابنتها سالومه أن يطلبا من الملك بقطع رأسه. ظنت هيروديا بأنها عندما تقتل يوحنا فإنها تُسكت الصوت النبوي الذي كان يُعلن منه الحق والحقيقة، ولما كان في كلّ شيءٍ مطيعاً لله. تبين أن الصوت النبوي لا يخمد وأن هيروديا لم تقدر على إيقافه. الإنسان قُتل أما الصوت فلا يمكن إخماده يبقى مدوياً وهو مدوٍّ حتى يومنا هذا.
يوحنّا إنسانٌ بلغ من القداسة الذروة وجعل من رسالته طريقاً لعيش الحقيقة تلك الحقيقة التي أرادها أن تكون طريقاً لكل إنسانٍ يسمع كلماته عسى أن يصل بها إلى السيد المسيح.
هذا كله وغيره حول يوحنا المعمدان يجعلنا نتساءل أهو الوحيد الذي أُتُمن من الله على رسالته؟ الجواب كلا، كل إنسانٍ يحمل رسالة ولكن ليس كل إنسان يكون أميناً على رسالته، كل إنسان يكون أمامه هدفٌ للحياة ولكن ليس كل إنسان يصل إلى هذا الهدف. لذلك علينا عندما نريد أن نبحث عن حقيقة أنفسنا أن نواجه الله بتلك الطاعة التي كانت ليوحنا عسى أننا نتحلى بما تحلى به من أمانة لكي نعيش تلك الحقيقة وننقلها إلى الآخرين.
ونعمته فلتصحبكم الآن ودائماً. آمين.

صاحب الغبطة في صيدنايا

حظيت أخوية ديري القديس جاورجيوس والشيروبيم في صيدنايا ببركة كبيرة تمثّلت بزيارة مولانا صاحب الغبطة البطريرك يوحنا العاشر الكلي الطوبى والجزيل الاحترام، حيث ترأس غبطته خدمة صلاة الغروب في كنيسة دير القديس جاورجيوس عند الساعة الرابعة من بعد ظهر يوم الجمعة في 12 حزيران 2015. رافق غبطته في هذه الزيارة قدس الأم فبرونيا نبهان رئيسة دير سيدة صيدنايا البطريركي مع عدد من الراهبات، وقدس الأرشمندريت ابراهيم داود، وقدس الأرشمندريت ديمتري منصور، وقدس الأب ألكسي شحادة، وقدس الأب جورج نجمة كاهن مدينة صيدنايا، وقدس الشماس جراسيموس كباس وقدس الشماس جاورجيوس يعقوب. وبعد صلاة الغروب ارتجل صاحب الغبطة الكلمة التالية:

أحببت في هذا المساء أن أذكركم وأتذكّر معكم أننا في الأحد الماضي، كنا نعيِّد فيه لجميع القديسين، كان خاتمة لكل فترة الفصح، ابتدأنا بالصوم الكبير بعد الفترة التي ندعوها فترة التريودي، الفريسي والعشار، ... آحاد الصوم... ثم أحد الشعانين ثم الأسبوع العظيم وصولاً إلى يوم الخميس العظيم يوم الصلب، يوم الجمعة دفن السيد، يوم الأحد قيامة الرب ثم نبقى خمسين يوم كي تأتي العنصرة التي هي فسحة القيامة، نعيّد فيها لقيامة الرب، ويأتي في نهايتها عيد الصعود بعد أن نوّدع عيد الفصح ثم يأتي عيد العنصرة. في خاتمة كل هذه الأعياد والمواسم الإلهية، خاتمة كل عمل وتدبير الرب الخلاصي: قيامة السيد المسيح وصعوده إلى السماء ثم إرسال الروح القدس. خصَّص آباؤنا القديسون أن يوجد أحد الآباء القديسين. وهذا مهم جداً.
لست هنا كي أُلقي محاضرة أو عظة، ليس هذا هو المقصود، ولكن عندما أرى نفسي أمام هذه الوجوه الـمُحِبة والطيبة، أردت أن أتحدث ببعض الكلام.
سلامي لكم، مسائي لكم هو أن نذكِّر بهذا الأمر أن الآباء في نهاية أسبوع العنصرة من كل عام، رتّبوا أحد جميع القديسين كي نتذكر أن حياتنا حياة القداسة، وكلنا مدعوون كي نعيش هذه الحياة، وهذا شيء طبيعي. كل واحد منا عندما تغطّس بجرن المعمودية فعندما نعمِّد أولادنا إذ نغطسهم بالجرن ثم نرفعهم منه وهذا يرمز للمشاركة بدفن الرب يسوع، عندما نغطس الطفل بالجرن يرمز لدفن السيد وعندما نخرجه فإنه يرمز لقيامته، وبالتالي فإن المعمودية هي مشاركة مع السيد الذي مات بالجسد من أجلنا والذي قام من بين الأموات وداس الموت كي يجعلنا أبناء الحياة.
خاصة في هذه الأيام، في المحنة الصعبة التي تمر بها كل منطقتنا، وبشكل خاص سوريا، كي نتذكر هذا الكلام ولا ننسى أننا أبناء القيامة، لا ننسى أننا أبناء النور، لا ننسى أنه مهما اشتدت عتمات وظلمات هذا الدهر، ومهما اسودّت الأيام أمامنا، لا ننسى أن نور الرب سيبقى أقوى من كل هذا الظلام وأقوى من كل هذه العذابات. نحن أبناء القيامة، وكلنا نعرف أن الرب يسوع قبل قيامته وانتصاره على الموت وقبل أن يكسّر ويحطِّم أمخال أبواب الجحيم ، مرَّ بدرب الصليب واحتمل كل ما احتمله من إهانة وعذاب وموت ولذلك نحن نبقى متمسكين بهذا الرجاء، نبقى متمسكين بإيماننا. نتذكر القديسين الذين سبقونا والذين ورثنا منهم هذا الإيمان المستقيم ونبقى متمسكين به، وهذا يجعلنا نتحمّل كل خطايا وكل ظلام الدهر الذي يحيط بنا. نحن نبقى على هذا الرجاء، نبقى على هذا الإيمان متمسكين ببلدنا، متمسكين بأرضنا، متمسكين بديارنا لأن هذه كرامتنا وهذه حياتنا.
الرب يحميكم والعذراء تحميكم. من هنا من صيدنايا حيث البركة العظيمة بوجود الأديرة والكنائس والشعب الطيب. ما هي مشيئة ربنا؟ لا شك أن المقامات في صيدنايا هي مقامات مقدسة: دير العذراء ودير مارجريس وكل الأماكن هي أماكن للحج والتبرك كي نأخذ بركة العذراء وبركة القديس جاورجيوس وبركة كل القديسين، ولكن الهدف من البركة أخيراً كي نتشبّه بهم ونحيا الحياة التي عاشوها. لقد كانوا أبطال وصناديد وقاوموا الشر وقاوموا الخطيئة فنحن يجب أن نكون على شاكلتهم. صلاتنا بشفاعة العذراء مريم شفيعة صيدنايا وشفاعة القديس جاورجيوس وشفاعة كل القديسين الذي عيّدنا لهم في الأسبوع الماضي أن يحموكم ويحموا بلدنا ويحموا العالم كله وأن يعطونا السلام والطمأنينة والاستقرار.
نصلي في كل صلاة، ونحن اليوم صلينا في صلاة الغروب، عندما قال أبونا في بداية الصلاة الطلبات: بسلام إلى الرب نطلب، من أجل السلام الذي من العُلى إلى الرب نطلب، من أجل سلام كل العالم إلى الرب نطلب ... الخ، نسأل السلام أن يحل على بلادنا على سوريا وأن يعطينا الأمان والطمأنينة.
أطال الله بعمر أبونا يوحنا والإخوة الرهبان والآباء والأم فبرونيا مع الأخوات الراهبات.

 

 

 

عيد البشارة

بمناسبة عيد بشارة سيدتنا والدة الإله مريم، أقامت أخوية الديرين مساء يوم الثلاثاء في 24 آذار 2015 سهرانية في كنيسة دير القديس جاورجيوس، بحضور عدد كبير من أبناء الكنيسة المؤمنين، وقد ترأس الخدمة قدس الأرشمندريت يوحنا التلي وعاونه بالإضافة إلى آباء الدير، قدس الأب بولس رزق كاهن دير مار الياس شويا البطريركي، وفي نهاية القداس ارتجل قدس الأرشمندريت يوحنا العظة التالية:
باسم الآب والابن والروح القدس، الإله الواحد، آمين.
في هذه الأمسية المباركة، رتلنا الطروبارية التي تقول: "اليوم رأس خلاصنا وإعلان السر الذي قبل الدهور...". هذا الكلام يعني أن هنالك سرٌ خلاصيٌ مودوعٌ عند الله الآب من أجلنا، وسيحقّقه في يومٍ من الأيام. هذا ليس بغريب عنّا، كُلّنا يعرف بأن الله يُعِدُّ لنا خلاصاً. ونحن ننتظر هذا الأمر، ونعلم بأنه سيأتي هذا الخلاص بتدبيرٍ إلهي. أما أن يكون هذا التدبير بعونٍ بشري، فهذا فوق إدراكنا. نحن لا نستطيع أن ندرك بأن التدبير الإلهي يحتاج إلى عونٍ بشري، نعلم دائماً العكس: أي أننا نحن المحتاجون دائماً من الله أن يُحقِّق لنا ما هو مفيدٌ ونافعٌ لنا. اليوم يأتي هذا التدبير وليس من أيٍ كان، هو من الله، ليُحقِّق لنا خلاصاً يتم بمجيء مخلِّصٍ، فالأمر يحتاج إلى امرأة تلد هذا الابن، والابن لن يكون ابناً للمرأة وحدها، إنما هو ابنٌ لله.
قضايا صعب علينا إدراكها، سرٌ خفيٌ علينا، ولكنه أُعلن لنا. هذا الإعلان أتى عندما شاء الله أن يلد لنا ابنه من امرأة، وتلك المرأة تستوفي الشروط المطلوبة في النقاوة، في المحبة، في البساطة، في العطاء، في القدرة التي يحتوي حضنها مكانٌ ليترعرع فيه الابن الإلهي.
حافز لنا اليوم لنُهيّئ أنفسنا في
كل حين، وفي كل آن، لأمورٍ يريدها الله منا. الله لم ينهي تدابيره، هي دائمة موجودة ومستمرة، ويحتاج إلى أعدادٍ كبيرة من البشر، ونعلم أن هنالك قديسون عديدون لبّوا الطلبات وحقّقوا المنجزات. ولكن علينا أن نعلم أيضاً أن هنالك أناسٌ خاطئون، يقومون بأدوارٍ غير مُشرّفة، والله يسمح بذلك للوصول إلى الخلاص المنشود. بيلاطس الحاكم الظالم لولا إرادة الله لما فعل ما قد فعله، وكذلك يهوذا الذي لقبه يسوع بالشيطان، لولا إرادة الله لما خرج عن تلمذته ليسوع كي يسلِّمه وهكذا... والإنسان يُصنّف إما مع هؤلاء القديسين أو مع أولئك الظالمين. فهؤلاء لهم مكان، وأولئك لهم مكان آخر. ونحن باختيارنا ندبّر مكان أبديتنا، إما في الفرح الأبدي الذي هو نعيم لا يُدانيه شيءٌ من الابتهاج، أو مكان فيه عذاب أبدي لا يُدانيه شيء من الحزن والشدة. هذا أمر أول. 
الأمر الثاني: الإنجيل الذي تُلي على مسامعنا اليوم، يعطينا معلومات كثيرة، ونحن بمعرفتنا إياها، ندرك أنه علينا دائماً أن نناشد الله لكي يُحقِّق لنا خلاصنا. لن أسرد الأحداث الكثيرة التي مرّت في الإنجيل، إنما سأكتفي ما ورد في نهايته بعدما أن سمعت ما سمعته تلك الطفلة التي هي في ريعان صباها والتي هي غير مدركة لسماع أقوال كهذه. وُضِعت في أمر صعب، والله أرادها في هذا المكان، ويعلم أنها عاجزة عن إدراك المقتضيات التي ستمر بها. الله عالم بأنها عاجزة عن فهم الأحداث التي ستمر بها. هذا هو امتحاننا. كلّنا معرّضون لمثل تلك الصعوبات، فما الحل؟ أين نجد الجواب؟ الجواب يأتي من فم تلك القديسة أمنا العذراء مريم، عندما قالت للملاك: "هاءنذا أمة للرب - فأنا خادمة لربنا - ليكن لي حسب قولك"، فأنا مستعدة لتنفيذ كل شيء سواء كنت أفهمه أم لا.
بهذه الصورة يحيا المؤمن في عهدٍ دائمٍ مع ربه ليقول له: نعم، ليقول له: شكراً، ليقول له: ما تشاء أنت أنا أعمل. هنا تظهر قوة انعدام المشيئة الذاتية وظهور المشيئة الإلهية بقوة، ونحن مخيَّرون في أن نتبنى مشيئتنا الذاتية التي تُدمّرنا، والتي تجعلنا في فلك الانحطاط. أو أن نتبنى المشيئة الإلهية التي ترفعنا في صعود إلهي نحو العزة الإلهية لنُمثِّلها هنا على الأرض خلال حياتنا، خلال الدور الذي يريده الله منا عبر سنوات وجودنا. لكل منّا رسالة، فلنتيقّظ ولنهتم بأن تكون تلك الرسالة معمولٌ بها بأفضل ما يمكن، بأقدس ما يمكن. بهذه الصورة نشعر أننا نفهم الله، لا لأننا كشفنا أسرار كلماته، إنما لأننا عملنا بإرادته. 
ونعمته فلتصحبكم الآن ودائماً. آمين.

 

سهرانية عيد القديس أفرام السرياني

حظيت أخوية ديري القديس جاورجيوس والشيروبيم في صيدنايا، يوم الثلاثاء الواقع في 27 تشرين الأول 2015 ببركةٍ كبيرةٍ، تمثّلت بزيارة صاحب السيادة الوكيل البطريركي المطران أفرام معلولي الجزيل الاحترام، الذي ترأس صلاة السهرانية  في كنيسة الدير بمناسبة عيد القديس أفرام السرياني، التي ابتدأت بصلاة النوم الصغرى ثم تلتها صلاة الغروب، والسحرية والقداس. رافق صاحب السيادة في هذه الزيارة قدس الأرشمندريت د. أرسانيوس دحدل وقدس الشماس بطرس الخوري. ترأس سيادة المطران أفرام الاحتفال بالقداس الإلهي وعاونه كل من قدس الأرشمندريت يوحنا التلي رئيس الديرين وقدس الأرشمندريت أرسانيوس دحدل وقدس الأب جورج نجمة كاهن بلدة صيدنايا وقدس الأب سلوان الجوجو وقدس الشماس بطرس الخوري. وحضر السهرانية عدد كبير من المؤمنين، وبعد الإنجيل ألقى سيادته العظة التالية:

باسم الآب والابن والروح القدس، الإله الواحد آمين.
كما سمعنا اليوم، يا أحباء، في رسالة العيد التي تقول: إذا كنا نريد أن نكون أقوياء، يجب علينا أن نحتمل إخوتنا الضعفاء. أمر آخر علينا أن ننتبه له: إذا كنا نحن فعلاً أقوياء، فعلينا أن ننتبه بألا نسقط. القوي هو الذي يحتمل الضعيف. يقول القديس بولس الرسول: في البيت، المرأة المؤمنة تكون رأساً لرجلها، إذا كانت المرأة هي الأكبر بالعقل، وبنفس الوقت يكون الرجل هو الرأس إذا كان هو الأكبر بالعقل، وهذا يعني: الأقوى هو الذي يحتمل الضعيف. ولكن بنفس الوقت، يجب ألا ننسى الوصية الثانية بأنّ ينتبه هو لنفسه لئلاّ يسقط، لأنه كما يقول المثل: "غلطة الشاطر بألف" لأن مَن يعتبر نفسه قوياً ثم يسقط، هو أتعس من الضعيف الذي يسقط. 
الأقوياء، الذين على الأقل يعتبرهم الناس أقوياء هم الرهبان، ويُنظر إليهم بأنهم أقوياء. هم بالفعل أقوياء بصلاتهم، وبصومهم، وبمحبتهم، وبحياتهم بالمثال الذي يُقدِّمونه للناس، وهذه هي القوة. لكنهم أقوياء بشيءٍ آخر: كلّنا نُنفّذ وصايا الرب التي قالها، وكلنا نُنفّذ تعاليم الإنجيل، ولكن الرهبان ليسوا هم الذين ينفّذوا وصايا الرب فقط بل هم الذين صعدوا من مستوى تنفيذ وصايا الرب إلى مستوى أعلى بقليل بأن ينفّذوا نصائح الرب.
كلكم آباء وأمهات وتعرِفون بأن الأب أو الأمّ يقول لابنه لا تفعل كذا وكذا ولا تذهب إلى المكان الفلاني. هذه وصية، والوصية يجب أن تُطاع، فإذا أطاع الولد وصيةَ أهله، يكون كما يقول الإنجيل: "إذا فعلتم كلّ ما أُمرتم به فقولوا إننا عبيدٌ بطّالون". إذا انتقلنا للمستوى الثاني: وهو إذا نصح الأب أو الأمّ ولدهم من خلال خبرتهم أن هذا الشيء صالح أو هذا الشيء غير صالح، فإذا سمع بنصيحة أهله، وليست هي وصية، فيكون قد فعل شيء أعظم من أنّه نفّذ ما أُمر به. يفوق الراهبُ بقيةَ المؤمنين بشيءٍ واحد، فصحيح أنّه نفّذ كلّ الوصايا ولكن سمع وصية الربِّ التي قالها للرجل الغني: "شيءٌ واحدٌ يعوزك بعد". هذا حفظ كلّ الوصايا فقال له: "ينقصك شيء واحد، بعْ كل مالك وتعال اتبعني". 
نذروا العفة، وهي ليست وصية، فالإنجيل لا يقول بألا تتزوجوا، ولكن هم نذروا العفة كي يقدّموا شيئاً إضافياً للرب، ونذروا الفقر، والمسيح لا يقول في الإنجيل على الإطلاق بألا نملك شيئاً، أما هم فقرّروا أن يقدّموا كلّ ما يملكونه للربّ، حتى أنهم قدّموا إرادتهم أيضاً للرب، لذلك نذروا الطاعة. إذاً بنذورهم الرهبانية فاقوا ما نقول عنه أنه الوصية الإلهية. لذا هم أقوياء. وبما أنهم أقوياء فعليهم يقعُ أمران: أن يحتملوا ضعف إخوتهم الضعفاء، وأن ينتبهوا ألاّ يسقطوا هم في نفس الضعف. طبعاً في النهاية كلنا بشر وكلنا يحاربنا الشيطان. 
قرأتُ في كتاب عن ناسكة اسمها سارة، كانت تعيش في الصحراء وحاربها شيطان الزنى مدة 20 سنة، ولم يستطع الإيقاع بها، فظهر لها الشيطان كمثل كل مرة ولكن ليس ليُحاربها، بل أتى لكي يتوّجها، فيقول لها: يا سارة لقد غلبتِ الشيطان. أراد أن يجربها الشيطان لتسقط، ولكن بما أنها قوية فانتبهت أن عليها ألا تسقط، فأجابته: لم تغلبكَ سارة بل يسوع المسيح. فصحيح أنه قد أبعد عنها شيطان الزنى، لكنه حاول معها بطريقة أخرى كي يوقعها في الكبرياء بأن يقول لها: أنت قوية. لذلك إذا كنا أقوياء يجب أن نمتلك الحرص بألا نسقط.
كل ما سبق وتحدثنا عنه كي نقول أن القديس الذي نعيّد له اليوم هو أيضاً راهب، وكما تصفه الكتابات بأنّه (قديس التوبة) الذي بدموعه غسل خطايانا. حتى وصل هذا القديس إلى قوة كبيرة، فهو مَن تجرأ أن يقول جملةً قويةً قبل مماته: "لم يُغضب أفرام الله في حياته". مَن منا يتجرّأ أن يقول هذه الجملة؟ لقد وصل لهذه الدرجة من القوة. القديسون على علمهم بضعفاتهم إلاّ أنهم أحياناً بمثالهم وبكلماتهم وبحياتهم بشكلٍ عام يحاولون عدم الحديث عن أنفسهم وإنما يعطونا إرشادات لنكون على الطريق السليم، ولذلك ربّنا يمنحهم نعمةً كبيرةً جداً. القديس أفرام كان يصلي إلى ربه ويقول له: "يا رب هدئ أمواج نعمتك عني". تخيلوا!! فالناس تطلب من الله أن يمنحها نعمته، ولكن هل هناك أحدٌ يقول: "يا رب هدئ أمواج نعمتك عني". معنى ذلك أن قديسنا يقول لله "أن نعمتك غمرتني فأرجو منك أن تخفف عني هذه النعمة الكبيرة! لم أعد أحتمل". بهاتين الجملتين وهذين الموقفين يظهر لنا كم كان القديس أفرام عظيماً.
يشهد القديس غريغوريوس النيصصي (وهو أخو القديس باسيليوس الكبير) للقديس أفرام ويقول عنه: "من يقول أني لا أعرف أفرام، كأنه يقول لي أني لا أعرف باسيليوس". فبشهرة القديس باسيليوس كان مشهور القديس أفرام. ولكنه بنفس الوقت كان ينتبه لنفسه لئلاّ يسقط. ولذلك ربّنا منحه نعمةً كبيرةً جداً لكي يتمكن من المحافظة على المستوى الذي وصل إليه. أطلب من الله أن نصل جميعنا لمستوى القديس أفرام والذي تسميه الكنيسة "فرات الكنيسة" فبقدر ما كان نهر الفرات غزيراً وقوياً كان القديس أفرام كذلك، والذي معنى اسمه بالأصل أيضاً "الخصب".
لكي لا أبتعد كثيراً إلى القديسين القدماء فقد سمعتم بالفترة الأخيرة أن الكنيسة البطريركية المسكونية أعلنت قداسة راهب قديس وهو أبونا باييسيوس. جميعكم يعرفون هذا القديس، والذي قرأ عنه يدرك كم هو راهبٌ يملك قوةً كبيرةً، إلاّ أنه كان يحافظ على نفسه لئلا يسقط محتملاً ضعف الآخرين.
سأذكر لكم قصةً صغيرةً ومثالاً صغيراً يُظهر لنا كيف استطاع القديس باييسيوس (وهو بشرٌ مثلنا) بفكره أن يصل لهذا المستوى من الحياة الروحية الحياة مع المسيح فاستحق لقب القداسة، وكل منّا يقيس نفسه على فكر القديس باييسيوس. 
سُئل القديس باييسيوس مرةً: ما هي المحبة الكاملة؟ فأجاب: إنها مكتوبة بالإنجيل برسالة القديس بولس "المحبة لا تحسد، لا تظن السوء، لا تطلب ما لنفسها، تستر عيوب الآخرين.. الخ". إنها مكتوبة بالإنجيل وكلكم تعرفونها وهذا شيء جيد، لكني أريد أن أخبركم شيئاً إضافياً: بأنني أتخيل نفسي أن لدي هذه المحبة عينها التي يصفها القديس بولس الرسول، وفي يومٍ ما عندما أموت وترتفع روحي إلى السماء، وهناك يخبرني الملاك الواقف عند باب الجنة، وهو الملاك الحارس الذي يحمل في يده أسماء المستحقين الدخول إلى الملكوت، بأن اسمك موجود لكنك لا تستطيع الدخول لأن الملكوت قد امتلأ من المؤمنين، فأسأله ماذا علي فعله الآن؟ فيخبرني بأن عليك الرجوع إلى الأرض. وبالفعل يعود أبونا باييسيوس إلى الأرض، وهنا يخبرنا القديس باييسيوس عن المحبة الكاملة، وكل منا يقيس محبته على هذا المقياس، يقول: "تكتمل محبتي الكاملة عندما أعود على الأرض وأمارس المحبة نفسها وأنا عارف بأنني لن أدخل ملكوت السموات ويكفيني أن ملكوت السموات قد امتلأ من إخوتي".
إن شاء الله نصل لمثال هؤلاء القديسين، بفكرهم القوي الذين أنعكس على حياتهم، ولذلك هم بالفعل أقوياء، وينتبهون لأنفسهم؛ بأن يحتملوا ضعف أخوتهم أولاً، وألا يسقطوا ويعثروا هم ثانيا
ً.
ليكن الله معكم ويعطيكم القوة. آمين.

ليلة الميلاد ينبت الحب

بمناسبة عيد ميلاد ربنا يسوع المسيح له المجد، أقامت جوقة الملائكة في مدارس الأحد الأرثوذكسية في صيدنايا أمسية أناشيد وتراتيل ميلادية بعنوان: "ليلة الميلاد ينبت الحب"، وذلك مساء يوم السبت في 27 كانون الأول 2014 في صالون القديس جاورجيوس للمناسبات في صيدنايا، وقد حضر الأمسية حشد كبير من أهالي بلدة صيدنايا، تقدّمهم قدس الأرشمندريت يوحنا التلي رئيس ديري القديس جاورجيوس والشيروبيم وقدس الأب جورج نجمة كاهن البلدة وقدس الأب اندريه اسكندافي وقدس الأب رامي معمر، وفي نهاية الأمسية ارتجل قدس الأرشمندريت يوحنا الكلمة التالية:

ميلاد مجيد للجميع، وكل عام وأنتم بخير،
بعد الذي سمعناه، لم يبقى هناك ضرورة لكلمات، في الحقيقة أتحفونا وجعلونا بمسرة وكأننا حقاً بمسرة المغارة التي وُلِدَ فيها يسوع. كل ما جرى جعلني أشعر أنني حضرت ليلة الميلاد التي كانت قبل أكثر من ألفي عام.
عظمة الاحتفالات أن تضعنا بمكان المناسبة، واليوم كنا حقاً في مكان المناسبة. الأهم هو أن نخرج من هنا ونحن حاملون رسالة من هذه الشبيبة وهؤلاء الأطفال الذين قدّموا لنا ما يجب أن يستمر في حياتنا، والاستمرار مرتبط بمَن وُلِد، بشخص المسيح الذي هو، كما سمعنا بترداد كثير: "الله معنا"، نعم "الله معنا". يجب علينا أن نحمله، والمحتفلين بما أنشدوا، وضعوه حقاً في قلوبنا، وكأنهم يشتركون مع الله في تحقيق حمل هذا الإله، الذي بدونه نحن بلا حياة. المسيح هو حياتنا. معنى وجودنا، الله بكونه هو الذي يعطي لهذا الوجود معنى.
فلنخرج بعد قليل من هذه الصالة، ونحن قد اغتنينا بما سمعنا، وفتحنا قلوبنا ليسكن المسيح فيها.
إنني لا أرى في هذه الصالة، كما هو معهود، مغارة ميلاد أو شجرة، أشكر الله أنه لا يوجد، لأن هؤلاء الذين أمامنا هم المغارة وهم الشجرة وهم حاملو الطفل. وأشكر الله أننا جُعلنا كأننا واقفون معه وكأننا تلقّينا نحن أيضاً قدرة روحية تجعل أفئدتنا صالحة، لكي يرضى المسيح بأن يولَد فيها. في الماضي لم يرضى أن يولد في بيوتٍ، ولكن في مغارة، في مذود. واليوم مذود المسيح هو نحن، فلنحمله الآن ودائماً، عسى أن يتحوّل الوطن من خلالنا إلى ذلك المذود، إلى تلك المغارة، لكي تنتهي كل حرب قائمة، لكي ينتهي القتل وتبدأ رحلة جديدة أعطانا إياها يسوع، هي رحلة السلام. فليكن السلام هو رفيقنا. 
أختم بشيء له علاقة خارجة عن الموضوع، ولكن هو من اختصاص هؤلاء الشبيبة. سألني أبونا جورج ونحن جالسون ومنسجمون بإمكانية تحقيق سفرة أو أسفار إلى هنا وهناك من مدن العالم، لكي تقيموا مثل هذه الاحتفالات، فتح ذهني لإمكانية يجب أن نسعى لتحقيقها، ولذلك نطلب منكم أنتم أعضاء هذه الجوقة مزيداً من الدقة، لكي تتناسب مع قدرتنا لنقلكم بأسفار لكي تفرحوا ونفرح معكم.
ميلاد مجيد، وكل عام وأنتم بألف خير.

عيد ميلاد الرب يسوع

بمناسبة عيد الميلاد المجيد، أقامت أخوية الديرين مساء يوم الأربعاء في 24 كانون الأول 2014 سهرانية في كنيسة دير القديس جاورجيوس، بحضور عدد كبير من أبناء الكنيسة المؤمنين، وقد ترأس الخدمة قدس الأرشمندريت يوحنا التلي وعاونه آباء الدير، وفي نهاية القداس ارتجل قدس الأرشمندريت يوحنا العظة التالية:

باسم الآب والابن والروح القدس، الإله الواحد، آمين.
في هذا اليوم المقدَّس والعظيم يقول لنا الكتاب المقدس: "لقد وُلِدَ لكم مخلِّص"، يا لفرحنا! بل يا لفرح المسكونة عامة! البشرية والخليقة بأجمعها تتهلّل اليوم، لأن الـمُخلِّص قد وُلِدَ وسننال هذا الخلاص الذي ينقلنا من حياة الألم والعذاب إلى حياة الراحة والسعادة. الدعوة للجميع ولكن ليس الجميع يكتسبها إنما الذي يعمل من أجل أن يكون مع الـمخلِّص فاعلاً بإرادته لكي ينال ويحصل على هذا الذي أُعطيناه. 
البارحة كان بارامون العيد، الخدمة غنيةٌ أكثر من اليوم، بالرغم من أن ما نناله اليوم في الولادة هو الأعظم، ولكن خدمة البارحة كانت تطل علينا بأخبار عبر آلاف السنين، التي يتفوّه الله بها من خلال أنبيائه، ليقول لنا: اطمئنوا! سيأتيكم هذا الفرح الذي سيكون بولادة ابن من عذراء. واليوم تمَّ هذا الأمر، "ها إن العذراء تحبل وتلد ابناً ويسمى عمانوئيل، أي الله معنا". 
أُكرر قائلاً: يا لفرحنا! ابتدأ الأمر بأن أغسطس قيصر أراد أن يقيم إحصاءً للمسكونة عامة. أحقاً أن الأمر مرتبط بهذا الملك؟ لا! هذا الملك يعمل ما اؤتمر به من الطفل يسوع، لكي يتم هذا الأمر الهام من أجل أن يبقى ذكرى لولادة، لا زالت البشرية تعمل بتاريخ هذا الميلاد وليس هذا الإحصاء. كل أمر لا يتم من خلال الله فهو باطل، وهذا الإحصاء عظيم لأن ولادةً تأرّخت به، وصار صاحب التأريخ هو يسوع وليس القيصر. 
مجوس أتوا من المشرق لكي يُعاينوا هذا الذي أعلنت عنه النجوم بأنوارها الساطعة إليهم، ونحن اليوم بهذا النور الذي هو ليس من النجوم، بل من خالق النجوم من الله سبحانه، نهتدي ونسير ونعمل حسب إرادة صاحب تلك الأنوار. فهل نهتمُّ بالنور الإلهي؟ هل نسعى لكي يكون الضوء الذي به تستنير أفكارنا وعقولنا آتية من لدنه سبحانه؟ لكي يكون طريق نسير به مهتدين لنصل من خلاله، ليس إلى بيت لحم بل إلى المولود في بيت لحم، لا لنراه فقط بل لننقل مسكنه من المذود إلى قلوبنا، لتصبح تلك القلوب مذوداً حقيقياً يولَد فيه الرب.
أيضاً هنالك رُعيان يسهرون الليل بطوله يهتمون بأغنامهم، حضرت الملائكة لهم قائلة: "المجدُ لله في العُلى وعلى الأرض السلام وفي الناس المسرّة". يا لعظمة هذا الإعلان! ويا لعظمة هذا التسبيح الذي يُناشدنا لكي نكون مسرورين، لكي تبقى المسرة في أفئدتنا، من خلال أن ولادةً إلهيةً تمّت وتحقّقت وأُعلنت إليهم. فذهبوا إلى المكان الذي وُلِدَ فيه يسوع فرأوا وسمعوا وعاينوا. هل نعلم ماذا رأوا، وماذا سمعوا، وماذا عاينوا؟ هذه وظيفتنا اليوم، أن نخرج من بشريِّتنا، لكي نصل إلى معرفةٍ آتيةٍ من الله بها ندرك ماذا سمع هؤلاء. نحن مدعوون لنسمع أيضاً إذا فعلاً انتقل المذود إلى قلوبنا، سنسمع بدواخل أنفسنا الصوت الذي هو مذيع لكلِّ الأخبار، لكلِّ ما على المسكونة أن تسمع. يجب علينا أن نهتم بمثل تلك الأمور ليتحقّق لنا ما تحقّق للرعيان. ماذا تحقّق لهم؟ الفرح. كلمةٌ هامةٌ من دونها لا معنى لحياتنا. نحن مدعوون من الله للمسرّة وللفرح، فلنفرح ولنبتهج، لأن هنالك مَن يُكلمنا، هنالك مَن يقودنا، هنالك مَن يُخلِّصنا. بهذه المسرّة يتحقّق لنا ما لا يتحقق لإنسان آخر، ويجب علينا ألا نحتكر تلك الأفراح والمسرّات، بل أن ننقلها للآخرين للجميع لكي تبتهج المسكونة بكاملها من خلال أن أفراحاً حقيقيةً تعمُّ العالم، ولكن ليس الكل يبتهج بها، فلنشجِّعهم على هذا الابتهاج. 
ماذا بإمكاننا أن نتحدث في يوم الميلاد؟ أمور كثيرة لا تُحصى، ولكن سأختم كلامي بأن هنالك دعوة من الله الذي أتى ليُصالحنا، من أجل أن يُعفينا من خطايانا بتوبتنا، هنالك دعوة من الله في هذا اليوم لتتصالح البشرية كلها بعضها مع بعض، لكي لا يبقى هناك أحد خارج نطاق المذود، لكي لا يكون هنالك إنسانٌ محتفظٌ بقلبٍ شريرٍ أسود، يُبعِد عن نفسه المسرّة التي تأتيه إنْ أحبَّ، إنْ انطلق إلى الإنسان الآخر، ذاك الذي ينتظره، لكي يكون الجميع باحتفالٍ واحدٍ، احتفال الصلح والمسرّة التي تأتي من خلال هذا الصلح. 
دعوة الميلاد لنا اليوم أن نتحابب بعضنا مع بعض، أن ننظر بعين الرحمة والرأفة والمحبة كلٌّ نحو الآخر، لكي تكون نظراتنا آتية ليس من بشريتنا، فبشريتنا ضعيفة، إنما آتية من الله الساكن فيها، فلا نحرم أنفسنا من سكنى الله، ونبقى معزولين دون أن نحقق ما يريده هو إلينا.
ونعمته فلتصحبكم الآن ودائماً. آمين.

سهرانية بمناسبة عيد دخول السيدة إلى الهيكل

بمناسبة عيد دخول السيدة إلى الهيكل، أقامت أخوية الديرين مساء يوم الخميس 20 تشرين الثاني 2014 سهرانية في كنيسة دير القديس جاورجيوس، بحضور عدد كبير من أبناء الكنيسة المؤمنين، وقد شارك في خدمة السهرانية بالإضافة إلى آباء الدير قدس الأب سيرافيم مسلط كاهن رعية قطينة، وفي نهاية القداس ارتجل قدس الأرشمندريت يوحنا العظة التالية ثم التئم الجميع على مائدة المحبة:

باسم الآب والابن والروح القدس الإله الواحد آمين

نحتفل اليوم في هذه السهرانية المباركة بعيد دخول أمنا وسيدتنا والدة الإله إلى الهيكل، التي كان عمرها آنذاك ثلاث سنوات. والمعلومة التي نعرفها غير آتية من الإنجيل، الإنجيل لم يتحدث عن هذا الأمر، كما أنه لم يتحدث عن أمور كثيرة داخلة في نظام تقليدنا المسيحي، ولكننا نعرف هذا الأمر من خلال التقليد الإلهي الشريف الذي تناقلته الأجيال، إضافةً إلى أن هنالك أناجيل منحولة أي غير رسمية ذُكر فيها هذا الأمر بعدة مصادر. والكنيسة كانت ترتقي بالتدريج، لثبيت عقيدة من العقائد أو أمر من الأمور المسيحية، بحيث تكون دارجةً في النظام المسيحي، الذي أخذ أجيالاً وأجيال، ليكون كل ما هو معمولاً به مقدساً من خلال المؤمنين الذين يُقدّسون كلّ ما هو صحيح.

فالدخول أخذ موقعه في وقتٍ متأخر، من حياة الكنيسة، في الشرق والغرب، الكنيسة الأرثوذكسية والكاثوليكية قبلا بهذه المعلومة واعتمداها في ترتيب أعيادنا الكنسية، وخاصةً في الليتورجيا التي نسمعها من المرتلين فهي ممتلئة بذِكْر هذا الحدث وإعطائه الأهمية البالغة لكي يكون جزءاً أساسياً من أجزاء إيماننا.

إذاً مريم دخلت الهيكل بتدبير من الله، لأمر محدد. ما هو هذا الأمر؟ ما أراده الله بسماح هذا الأمر هو أن هذه الطفلة مريم ستكون هي الهيكل، هي الهيكل الذي يتربّع على عرشه الطفل يسوع عندما يولَد، ولهذا وُضِع التاريخ ضمن فترة التهيئة لعيد الميلاد، إذ نحن اليوم نستعدُّ لاستقبال طفل المذود، نعلم يقيناً بأننا سنسجد له في اليوم المحدد، بعد أن يكون قد أتى من عرشٍ، رضي به الله، هو الهيكل الذي تمثّله شخصية العذراء مريم.

يتمثّل الدخول بحسب تلاوات الليتورجيا بأن السيدة العذراء بطفولتها ارتبطت ارتباطاً وثيقاً بالطهارة والقداسة، هذان الأمران هما اللذان سيكونان مرافقان لعطاء يسوع لمريم في قبوله أن يُولَدَ منها. هما الأساس في قبول الربّ، عزَّ وجَلّ، بأن يجعلَ من هذه الطفلة مسكناً يُقيم فيه يسوع الطفل بتلك القداسة وذاك الطُّهر. أمرٌ آخرٌ مهمٌّ جداً، وهو أنه علينا أن نقيم مقاربةً بين الهيكل اللحمي الذي تمثّله العذراء مريم والهيكل الحجري الذي نحن فيه الآن. نتذكّر من خلال هذه المقاربة بأن يسوع قد جعل الهيكل الأول والأهم هو الإنسان. يقول الربّ: "أجسادكم هياكل للرب". "أجسادنا هياكل للروح القدس"، كل هذا أتى الإنجيل على ذكره، فكم بالحري أن مريم هي صاحبة هذا الهيكل بالأساس؟! ونحن من خلالها نستمدّ قوةً روحيّةً لكي يكون جسدنا أيضاً هيكلاً متقدّساً يتقدَّس من مريم صاحبة الاسم الأول للهيكل ومن شخص يسوع المسيح الذي ترعرع في هذا الهيكل. إذاً هنالك مطلب يفرض نفسه علينا، وهو أن علاقتنا بالسيدة العذراء علاقة وطيدة لا يمكن أن ينفصم عُراها. ونتذكّر عندما بُشرِّت من الملاك، أنّها قالت من خلال الوحي الإلهي "تطوّبني جميع الأجيال".

نعم يا أمنا مريم نطوّبك، ونرضى بك هيكلاً نستمد بعلاقتنا بك أن نأخذ منه تلك القداسة، التي نحملها نحن أيضاً بسبب أن الله أعطاكِ تلك القداسة التي تمتد لأشخاصنا ولأجسادنا أيضاً. على هذه الصورة نشعر بأننا حقاً نتهيأ لاستقبال الطفل يسوع، لاستقبال المخلص، لاستقبال الفادي الذي سيُنقذ حياتنا. كلنا خطأة وأعوزنا مجدَ الله، ومجد الله سيأتينا يوم الميلاد لكي يسامحنا على خطايانا الكثيرة بنعمته الإلهية ويرضى بنا أننا متقدّسون من خلال علاقتنا بأمه.

هذا سعينا فلنحافظ عليه ولننمّيه من أجل أن نكون الآن ودائماً بعلاقةٍ وطيدةٍ مع إلهنا.

ونعمته فلتصحبكم الآن ودائماً. آمين.

عيد القديس يعقوب أخو الرب

أقامت أخوية ديري القديس جاورجيوس والشيروبيم في صيدنايا مساء يوم الأربعاء في 22 تشرين الأول 2014 سهرانية في كنيسة دير القديس جاورجيوس، بمناسبة عيد رقاد القديس يعقوب أخو الرب، بحضور عدد من أبناء الكنيسة المؤمنين وشارك في الخدمة آباء الديرين، وفي نهاية القداس ارتجل قدس الأرشمندريت يوحنا العظة التالية:

في هذه الأمسية التي نقيم خلالها سهرانية القديس يعقوب أخو الرب يطيب لنا أن نشعر بأننا ننهل من شخصيته تلك الصفات التي تميز بها والتي أن استطعنا أن نتحلى ببعض ما لديه، يكون لنا نصيب كبير في حمل القيم المسيحية والكتابية بحياتنا التي نحياها من أجل ان نرضي الرب وننال الخلاص ونحيا بكنيستنا المقدسة حياة الإيمان السليم.
يعقوب هو أحد الانسباء ليسوع المسيح ولقب بأخي الرب لأنه كان من نسلٍ قريبٍ ليسوع، فهو ابن يوسف النجار قبل خطوبته من مريم. عاش حياةً فريدةً من نوعها كان تقياً ومُلماً بمضمون العهد القديم وخاصةً أسفار موسى الخمسة؛ بحيث أنه استطاع أن يعيشَ كما يريد الله من عِباده الصالحين. علاوةً على تُقاه كان متواضعاً جداً ووديعاً أيضاً، كان هادئاً وصامتاً، وإن تكلّم فإنه يتكلّم بوقارٍ وحكمةٍ ويتكلّم بمضامين الكتاب المقدس. لذلك لُقب بالبار. كان باراً جداً. وبكونه مؤمناً بالمسيح ومن تلاميذه صار أحد الأعمدة الثلاثة في الكنيسة (بطرس ويعقوب ويوحنا). بالرغم من انتمائه إلى المسيح فإن اليهودَ كانوا يحبونه جداً لكثرة الصفات التي كانت محبوبة إليهم لديهم.
كل هذا جعله قابلٌ لأن ينال رئاسة الكنيسة، كنيسة أورشليم. الكنيسة التي أسسها يسوع المسيح بدمه الطاهر. كان هو القائد والرأس لتلك الكنيسة. وخلال خدمته صار هنالك نزاعٌ بين الرسل لبعض مواضيع تدرج بالقرارات الكنسية ويجب أن تُؤخذ بصورةٍ صحيحةٍ وعلى رأسها أن الوثنيين يستطيعون أن يكونوا منتمين للمسيح دون الدخول باليهودية في حين أن بعضٌ آخر من التلاميذ، كبطرس وغيره، أرادوا أن يكون بالتدرج بحيث ينتمي أولاً إلى اليهودية ومن ثمّ إلى المسيحية.
هذا الخصام الذي كانت عليه الكنيسةُ الأولى جعلت يعقوب يدعو إلى مجمعٍ مقدسٍ هو المجمعُ الأول في عام 50 للميلاد وخلاله اتُخذت القرارات التي كان يُطلقها بولس الرسول بأنه ليس من الضروري أن يدخل الإنسان في اليهودية قبل أن يصير مسيحياً. وافق المجمع بالإجماع على رأي بولس فأعلن يعقوب وقال: "رأى الروح القدس ونحن" بأن القرار الذي اعلنته إليكم بعدم دخول الوثني لليهودية بل بالمسيحية مباشرةً على أن يتقيد بالوصايا إن كانت الوصايا العشر أو كانت وصايا وتعاليم السيد المسيح. وبهذه الصورة عاد السلام والوئام للكنيسة. لا نخاف يا أحباء أن يكون هنالك آراءٌ متضاربةٌ بل نخاف ألا يكون محبةٌ واحدةٌ تجمعنا عندما نتباحث من أجل مثل تلك القضايا. 
الخصام المؤقت الذي يُولِّد آراءً تختلف بين شخصٍ وآخر يجب ألا تحرك القلب في ابتعاده عن سكنى يسوع المسيح فيه من أجل أن يأخذ الإنسان الرأي الصحيح والسليم. لا أن يأخذ الرأي الذي فيه نوع من الانحياز لفلانٍ أو لآخر. هذا ما يعلمنا إياه يعقوب أخي الرب من خلال مجمعه المقدس الذي حدثتكم عنه. 
يعقوب هذا بوقاره الشديد صار يجذب اليهود ليصيروا مسيحيين. فاشتد غيظ الرؤساء من الكهنة والفريسيين في بغضهم له رُغم إعجابهم بأنموذج شخصه. فصارت مؤامرةٌ عليه بأنهم أخذوه بحيلةٍ إلى جناح الهيكل، وبينما كان واقفاً هناك بموجب تلك الحيلة رموه من علو الهيكل إلى أسفل فتهشم وتحطمت بعض أضلاعه. ولكنه لم يمت. وبدأ بصلاته قائلاً: "يا رب اغفر لهم لأنهم لا يدرون ماذا يفعلون". تلك الصلاة التي قالها يسوع عندما كان على الصليب كما قالها استفانوس عندما كان يُرجم بالحجارة، وهو كررها مصلياً للناس بالغفران والمسامحة، ولكن الغيظ الذي يحمله البعض ضده جعلهم يتابعون قتله برجمه فقال البعض منهم: "اسمعوه يصلّي لكم" وهم كهنة من اليهود تأثروا بكلامه، فابتعدوا عنه وأنقذوا حياته. ولكن أحد الاشخاص وكان يحمل بيده قطعة حديدٍ ضربه بها وأماته وكان ذلك عام 63 للميلاد. 
نحن نتذكر هذه الشخصية العظيمة وخاصةً أنه كتب لنا أول قداسٍ إلهيٍّ لأنه الأسقف الأول للكنيسة آنذاك. وذاك القداس المسمى باسمه وليس القداس الذي أقمناه اليوم إنما قداسٌ بترتيبٍ آخر. أُخذت منه كافة القداديس الأخرى مع بعض التغيير المناسب للعصور والقرون المتتالية. هذا من جهة، ومن جهةٍ ثانيةٍ فقد ترك لنا رسالةً عظيمةً جداً من أجمل الرسائل المكتوبة في الكتاب المقدس والتي يُناشد فيها من كتب إليهم بأن يتمسكوا ويتحلّوا بالحياة المسيحيةِ الصحيحةِ المطلوبةِ منهم مع بعض الوصايا التي أرجو أن يقرأها كلّ واحدٍ منّا الآن ودائماً لأنها رسالةٌ عمليةٌ من الناحية المسيحية. وأميِّز ما فيها نقطتين: الأولى أن الإنسان المسيحي هو إنسانٌ مؤمنٌ ولكن إيمانه باطلٌ إن لم يقترن بالأعمال. النقطة الثانية هي أنه أعلن لنا بأن حاجة الإنسان النفسية والجسدية للشفاء، والشفاء يأتي بدعوة كهنة الكنيسة من أجل أن يمسحوا هذا المريض أو المحتاج لسببٍ ما لشفاءٍ معينٍ بأن يُدهن بالزيت المقدس. أكرر بأن الرسالةَ مهمةٌ وعلينا معرفتها بتفاصيلها.
ونعمته فلتصحبكم الآن ودائماً. آمين

سهرانية بمناسبة عيد انتقال القديس الرسول يوحنا اللاهوتي

بمناسبة عيد انتقال القديس الرسول الإنجيلي يوحنا اللاهوتي، شفيع صاحب الغبطة البطريرك يوحنا العاشر الكلي الطوبى والجزيل الاحترام وشفيع رئيس ديري القديس جاورجيوس والشيروبيم في صيدنايا قدس الأرشمندريت يوحنا التلي، أقامت أخوية الديرين مساء يوم الخميس 25 أيلول 2014 سهرانية في كنيسة دير القديس جاورجيوس، بحضور عدد كبير من أبناء الكنيسة المؤمنين، وقد ترأس القداس الإلهي قدس الأرشمندريت يوحنا التلي رئيس الديرين بمعاونة آباء الدير وقدس الشماس يوسف سلوم وفي نهاية القداس ارتجل قدس الأرشمندريت يوحنا العظة التالية ثم التئم الجميع على مائدة المحبة:

باسم الآب والابن والروح القدس الإله الواحد آمين

في هذه الأمسيةِ المباركة، نحتفل بذكرى انتقالِ القديسِ الرسولِ يوحنّا الإنجيلي، الذي أطلقت عليه الكنيسة اسم اللاهوتي، واللاهوت عند يوحنا ميزةٌ لم يأتِ بمثلها قديسٌ آخر على هذه الصورة. لاهوت يوحنا هو الذي يميّز إنجيله بأنّه ينقلنا من خلال كلماته من أحداث الدنيا وما يرتبط بها لتكون قائمة بأحداث تتأثر من خلالها بواسطة اللاهوت أي الألوهة تلك التي تصبغ حياتنا إن ارتبطنا بيسوع المسيح، كما أتى عليه هذا الإنجيل.
في إنجيل يوحنا أحداثٌ كثيرةٌ نتذكّرها كلّنا من خلال تلاوات الإنجيل وأخص بالذكر: خبز الحياة، الوداع الأخير، الذكر الدائم لِكَوْن السيد المسيح هو ابن الله، هذه العلاقة الإلهية التي تُذكَرُ بصورةٍ دائمةٍ ومستمرةٍ في إنجيل يوحنا، ومن ثم نتذكّر في العشاء الأخير كيف أن يوحنّا الإنجيلي اتكأ على صدرِ يسوع وانتهل المعاني الإلهيّة، تلك التي هي صبغة يصطبغ بها هذا القديس بتلك الصورة التي سنتعرّف من خلال عظتنا على شيء منها.
ولا ننسى أبداً أن قوة المحبّة التي أطلقها يوحنا الإنجيلي من معلّمه يسوع المسيح شيءٌ نادرٌ وغير موجودٍ إلاّ في كنيسة المسيح، من خلال هذا الإنجيل ومن خلال رسائل كاتب هذا الإنجيل. لدرجة أن يوحنا عندما كان يُسأل لماذا تتحدّث بهذه الصورة وبهذه الكثرة عن المحبة التي يستفيض كلامك بغزارتها بصورةٍ مذهلة؟ كان يجيب لأنني لم أتعلّم من المسيح إلا شيئاً واحداً وهو المحبة، يعني أن من يحيا المحبة يحيا معرفة المسيح في كلِّ الأحداث الإنجيلية.
أهم ما أريد قوله هو الآتي، أن يوحنّا انفرد مع تلميذين آخرين في بعض أحداث خصّهم بها السيد المسيح، وذروة هذا الاصطفاء كانت حادثة التجلي، في التجلي شوهِد يسوع المسيح بحقيقته التي لا نستطيع أن نراه بها إلا بالإيمان، وليس الإيمان فقط، بل بالإيمان العميق، بهذا الإيمان استطاعت أعين هؤلاء الثلاثة، الذي يوحنا واحدٌ منهم، أن ينتقلوا من الرؤية البصريّة، من الرؤية الحسية، إلى الرؤية الروحية، فكشفوا أن يسوع المسيح هو نور، وشوهد، حتى بثيابه مشعةً بضياءٍ باهرٍ أقوى من ضياء الشمس. تغيّر التلاميذ وصاروا هم هذا النور لأنهم عاينوا النور غير المخلوق هذا الذي تبتغي المسيحيّة أن تصل إليه لتصل إلى الله.
دعونا ننتقل مع يوحنا بهذه الصورةِ التي كان عليها في جبل ثابور، ومع هذا النور، لننتقل إلى يوم صلبِ السيد المسيح حيث كان واحداً فقط من التلاميذ عند قدمي يسوع أثناء صلبه وهو يوحنا، استطاع يوحنا أن يكون قادراً بالنعمةِ الإلهيةِ المعطاةِ له أن يرى بصليب المسيح المجد الإلهي، أي انه رأى بصليب يوحي بالضعف والذل والعار، رأى المجد الإلهي الذي هو النورُ الإلهي، النور غير المخلوق، الذي هو المسيح في ألوهته. استطاع يوحنا أن يُدرك ويرى من خلال تلمذته التي كلنا مدعوون لنكون تلاميذ، لنصل إليها. استطاع أن يرى في المسيح مجده، لا يوجد شيءٌ أكبر من هذا في الدنيا، لا أحد يقدر أن يصلَ ليرى ما لا يُرى إلاّ إذا كان جهاده الروحي يقوم في محاولةٍ عميقةٍ للسعي الكنسي القائل: (وبنورك نعاين النور).
نعم لقد بقي يوحنا عند الصليب بصورته الهادئة غير المنفعلة، وهو يتأمّل ويُبحِر وكأنّه في سفرٍ غير مقاسٍ بقياس الزمن، ليصل منه إلى عالم الله، المسيح هو الله، المسيح هو المخلّص، المسيح هو الذي سيقوم وسيقيمنا معه، المسيح هو إلهنا.
من كان واقف بالقرب منه؟ أمّه. إذا كان المسيح هو الله فإن مريم هي أم الله، هي أيضاً بسكونيتها التي تعلو على قدرة كلِّ بشر في سكينته، فنظر يسوع الإله إلى هذين، وقال لأمه: "هذا هو ابنك"، وقال ليوحنا هذه "هي أمك". تلك اللحظة لحظةٌ رهيبةٌ في التاريخ، أُعطيت الرسالة التي هي للمسيح من أجل خلاص الجنس البشري، أعطيت لأمٍّ المسيح، اعني أم الله لتقود التلاميذ من خلال أمومتها لشخص يوحنا، هذا أمرٌ يجب أن نُدركه ومن خلاله نقيم العلاقة، إن كان بيسوع كمخلّص وإن كان بالرسل كمتمّمين للرسالة، وإن كان بالسيدة العذراء التي هي القائدة لتلك المجموعة.
بهذه الصورة تشكّلت الكنيسة من خلال أن يوحنا حضر حفل الصلب، ومن خلال أن مريم كانت واقفة أمام ابنها، وأن الرسالة أُعطيت لهذين، وهي مستمرة إلى اليوم إلى الآن، ونحن، باختصار شديد، نقول بأننا أخذناها لنتوّج بها حياتنا الليتورجية بالقداس الإلهي الذي من خلاله نتناول الجسد والدم الإلهيين.
فيا لِفرَحِنا أننا أبناء كنيسة فيها أناس مثل يوحنا وغيره، ويا لِفرَحِنا أننا مستمرون، ويا لِفرَحِنا أننا الآن نقيم هذه الذكرى، أي أننا راضون بأن نتابعَ ذات الطريق.
ونعمة الله فلتصحبكم الآن ودائماً. آمين.

عيد رقاد سيدتنا والدة الإله العذراء

أقامت أخوية ديري القديس جاورجيوس والشيروبيم في صيدنايا مساء يوم الخميس في 14 آب 2014 سهرانية في كنيسة دير القديس جاورجيوس، بمناسبة عيد رقاد القديسة مريم والدة الإله،  بحضور عدد كبير من أبناء الكنيسة المؤمنين وشارك في الخدمة آباء الديرين، وفي نهاية القداس ارتجل قدس الأرشمندريت يوحنا العظة التالية:

باسم الآب والابن والروح القدس الإله الواحد آمين،

إذْ نحتفل اليوم بعيد انتقال أُمنا العذراء مريم إلى ملكوتِ السماوات محمولةً بالجسد، لتكون لنا شفيعة حيث يسوع يُقيم هناك، كما واعتدنا عندما نودِّع أحد الراقدين أن نتحدث في بعض الأمور المتعلقة بهذا الراقد، فكم بالحري عندما يكون الأمر مرتبط بأمنا العذراء مريم التي انتقلت إلى الأخدار السماوية؟!

الحدث فريدٌ من نوعه، ولم يكن محتفلاً به في القرون المسيحية الأولى، إنما بدأ في القرن الخامس من أورشليم ليعم المسكونة برمتها، وصار الحديث في الكنيسة كبير ومتّسع بعد ذلك، وخاصة في القرن الثامن بلسان القديس يوحنا الدمشقي الذي تأمَّل وتأمَّل بحياة أُمنا العذراء، فكتب لنا الشيء العظيم والمهم والعميق بما يتعلق بهذا العيد. المعلومات التي عرفت عن هذا الموضوع ليست من الإنجيل، الإنجيل يتحدث خاصة عن السيد المسيح وعن البشارة، أما حياة الكنيسة وأشخاصها فهي في كتب الكنيسة، ومن الكنيسة عُرف هذا الأمر، لدرجة أن الآباء من الكتَّاب والشعراء الأولين كتبوا كتابات دخلت في صميم الليتورجيا التي نصليها ونتلوها في كل أحد، وخاصة في هذا العيد.

ما يهمنا أن نقوله أن العذراء مريم كانت قديسةً منذ ولادتها، فالرب اختارها لتكون حاملةً لابنه، وفي البشارة عرفنا ذروة قداستها، وفي حديثها مع نسيبتها أليصابات اطّلعنا على كلام يجب علينا ألا ننساه: "تطوبني جميع الأجيال". هذا كلام الروح القدس في الإنجيل الشريف عن أمنا العذراء، هي نقلته إلينا لكي ينتقل مع البشارة ونبقى مطوّبين لها بالرغم من الذين ينكرون تطويبها إلا أن الإنجيل باقٍ وهو الشاهد على أن هذا التطويب هو من الله آتٍ ونحن علينا أن نُبجّله.

من هذا القبيل ندرك أنه مطلوب منا، أن ندخل في عمق حياتها الذي يوصلنا إلى ذات التطويب الذي تمَّ باسم الروح القدس مع شخص الملهَم والكاتب للإنجيل، بحيث لا يتركنا بعيداً عن إلهامات الروح التي تُدخلنا نحن أيضاً بمعرفة حقيقية لشخص هذه المطوّبة إنْ كنا مصلّين حقيقة. فنُدرك مَن هي العذراء، تلك التي في آخر المطاف - كما يقول الإنجيل - سُلِّمت من يسوع المسيح رسالة الأمومة وقدّمتها للتلاميذ كافة، من خلال قولها ليوحنا الإنجيلي "أيتها المرأة هذا هو ابنك" وصارت أم ليوحنا، ويوحنا مجهول اسمه في إنجيل يوحنا لكي يكون هو ممثل للتلاميذ كافة. فالرسالة بعد الصلب بدءاً من العنصرة مع الصعود وحتى يوم المجيء الثاني ستبقى إلهامات أمنا العذراء باقية في الكنيسة، باقية مع التلاميذ، باقية مع مَن سيكون من التلاميذ تلاميذ، ستكون الكلمة للأم من خلال أبناءها الذين هم مؤمنو الكنيسة. من جهة ثانية، عندما صعدت إلى السماء، كما تُعلّمنا الكنيسة، لم يكن هذا الأمر بمثابة عقيدة، فالمجامع المسكونية لم تُطوِّب العذراء بأنها انتقلت بالجسد إلى السماء، ولكنها تركت لنا هذا الحديث المستمر ليكون حديث اللغة الروحية للمؤمن الحقيقي، لنشعر من خلاله بأن العذراء مريم مُجِّدت، وعندما نقول مُجّدت نعني أن الممجِّد هو الله بابنها يسوع المسيح. يبقى يسوع هو الأساس، هو الركيزة وهي من خلال ابنها يسوع لها ملء القداسة ولها أيضاً ملء الشفاعة، تلك الشفاعة التي نستطيع أن نأخذها بالتواصل مع المسيح مباشرة ولِما لا؟ نأخذها زيادة وأيضاً كما في عرس قانا الجليل، من أمّنا العذراء لتملأ جرار الخمرة المفرحة التي تملأ الإنسان بالروح القدس ليكون بواسطتها نال الإنسان المؤمن من يسوع المسيح الأمر الذي يطلبه من تلك الشفيعة.

جديرٌ بنا أن نحتفل اليوم بالروح، جديرٌ بنا أن نتتلمذ على يد الله، كما عملت مريم في طفولتها ومن ثم من الابن كما تابعت مريم بعد ولادة ابنها. يسوع هو الممجِّد، ونحن نطلب هذا المجد الذي سنناله يوم القيامة العامة. فلنستعد له حتى لا نكون خارج بوابة الملكوت.

ونعمته فلتكن معكم الآن ودائماً آمين.

سهرانية بمناسبة عيد القديسة مريم المجدلية

بمناسبة عيد  القديسة مريم المجدلية، أقامت أخوية ديري القديس جاورجيوس والشيروبيم في صيدنايا مساء يوم الاثنين في 21 تموز 2014 سهرانية في كنيسة دير القديس جاورجيوس، بحضور عدد من أبناء الكنيسة المؤمنين وترأس الخدمة قدس الأرشمندريت يوحنا التلي رئيس الديرين، وفي نهاية القداس ارتجل قدس الأرشمندريت يوحنا العظة التالية:

باسم الآب والابن والروح القدس، الإله الواحد، آمين.
نحتفلُ اليوم في هذه الأمسيةِ الروحيةِ المباركة بعيد قديسةٍ عظيمةٍ، بل عظيمةٍ جداً، وهي مريمُ المجدلية تلك التي عرّفتنا على وضع المرأة في زمانها.
كانت المرأةُ في عهدها بوضعِ انحطاطٍ اجتماعيٍّ كبير، وتُعتبر أكثر من درجةٍ ثانيةٍ بالنسبةِ إلى الرجل. إلاّ أن يسوع أعادَ لها الاعتبار إلى الوضعِ الطبيعي السليم، هذا الوضعُ الذي أراده اللهُ يوم الخلقِ إذ جعلَ من المرأةِ وضعاً كوضع الرجل، إن آدم وحواء هما الخليقةُ الأولى التي نالت ذات الكرامة، واتصفت بأن كلَّ من هذين الوجهين قد خُلِقَ على صورة اللهِ ومثاله. هذه هي مسيحيتنا التي تجعل من الكلِّ واحداً، لا تباين ولا اختلاف إلاّ في حقيقةِ الإيمانِ الذي يحملهُ الإنسان ليكون قريباً من المسيح أو بعيداً منه.
مريمُ المجدلية هذه كانت محتاجةً لتقتربَ من المسيحِ ليبعد عنها ثقل خطاياها، لقد أخرج منها كما يعلّمنا الإنجيلُ سبعةَ شياطين فعادت إلى الرونق الروحيِّ السليم، عادت لتحيا توبةً دائمةً منذ تلك اللحظةِ وحتى يوم انتقالها، بتلك التوبة عرفناها أنها كانت ذاتَ وجهٍ مشرقٍ مضيءٍ، استطاعت أن تعلن النورَ في وسط الظلمة في مجتمعٍ يحتاج إلى نور المسيح. شعرت بالنّعمة التي حلّت عليها يوم أعطاها يسوع هذا الغفران، فعاشت بشكرٍ دائمٍ تجاه ربها وخالقها، وعاشت بطاعةٍ كاملةٍ أيضاً تجاه من كانت تنال منه كلّ الخيراتِ والبركات.
مريم المجدلية أمثولةٌ عظيمةٌ بالنسبة لنا لأنها كانت تحمل الإيمانَ ببساطةٍ وعفويةٍ ولكن بعمقٍ كبيرٍ، فنالت مكافأةً لها أن استطاعت أن تبقى عند صليب المسيح في محنته، ولكن أيضاً استطاعت يوم أرادت أن تُطيِّب جسده كعادة ذلك الزمان أنها نالت رؤية القبر الفارغ، واستطاعت أن ترى يسوع الناهض من القبر، لا بل أهم من هذا أنها كانت أول من رأى يسوع في قيامته المجيدة.
مريم هذه أطلقت عليها الكنيسة اسمٌ كبيرٌ جداً (معادلةٌ للرسل) لأنها انطلقت في بشارتها للقيامة التي نالت مكافأةً أن ترى ذلك الحدث، واستطاعت هي أن تُبشّر التلاميذ بتكليفٍ من السيّد الناهضِ من القبر لكي يروا يسوع المسيح في قيامته المجيدة، ذلك الحدث الذي لم يكن ضمن توقعاتها ولا توقعات التلاميذ لكنها نالت معرفة قيامته وأدركت بالإيمان والنظر سرَّ القيامة المجيدة.
أحداث هامة هذه، وهي موضوع إيماننا، هذا الموضوع الذي من خلاله نحن نتقرّب من السيّد المسيح اليوم. فلنكن مقتدين بهذه القديسةِ العظيمةِ التي جعلها الربُّ في مصافِ القداسة العليا التي وصلت إليها. نحن بحاجةٍ إلى كلِّ ما اتّصفت به مريم، وأخصُّ بالذكر التوبة، لكي نرى القيامةَ بعيونِ الإيمان، تلك العيون التي تؤهّلنا لرؤيةِ الله له المجد.
ونعمته فلتصحبكم الآن ودائماً. آمين.

عيد ميلاد النبي يوحنا المعمدان

بمناسبة عيد ميلاد النبي السابق المجيد يوحنا المعمدان، أقامت أخوية ديري القديس جاورجيوس والشيروبيم في صيدنايا مساء يوم الاثنين في 24 حزيران 2014 سهرانية في كنيسة دير القديس جاورجيوس، بحضور عدد من أبناء الكنيسة المؤمنين وترأس الخدمة قدس الأرشمندريت يوحنا التلي رئيس الديرين، وفي نهاية القداس ارتجل قدس الأرشمندريت يوحنا العظة التالية:

باسم الآب والابن والروح القدس، الإله الواحد، أمين.
إذ نحتفلُ اليومَ بعيدِ ميلادِ القديس يوحنّا المعمدان، نشعرُ مما سمعناه من إنجيلِ اليوم بأنّنا أمام ولادةٍ تختلفُ عن كلِّ الولادات التي نعرفها بالرغمِ من أنها ولادةٌ طبيعيةٌ تماماً كما هي ولادة كلِّ طفلٍ وُلِد في هذا العالم.
أول ما يستدعي انتباهنا أن الولادةَ تشكّلت معطياتها داخل الهيكلِ عندما أتى ملاكُ الربِّ إلى زخريا وقال له بأن ولادةً سوف تحصلُ في موعدها الطبيعي. الهيكلُ ليس أمراً عادياً هو أكثر من عادي لأن ساكنه هو الروحُ القدس، هذا الروحُ الذي علينا كلّنا أن نتعاملَ معه لكي يخترقَ شؤونَ الحياةِ من أجلنا، نحن في كثيرٍ من الأحيان نطلبُ من الله أموراً وأموراً ولكن بالكلام دون معطيات الروح، عندما يريد الروح أن يحقق أمراً ما فإن هذا الأمر سيتحقق، دورُ الروح القدس هو موضوعُ ولادةٍ ستكون للطفلِ يوحنّا.
الجميل في الأمر بأن هذا الملاك أكّد بعضاً من الأمور ستكون مرافقةً لشخص المولودِ الجديدِ، منها أن هذا المولود سيكون ممتلئً بالروح وأنّه سيكون حامل روح النبي إيليا الذي صعد إلى السماء بعربةٍ فهو سيكمل - أي أن يوحنا عندما يبلغ سيكمل - تلك النبوءات، تلك الأعمال النبوية التي أتى بها إيليا والتي ستكون مستمرةً بشخص يوحنا. نبوءةٌ عظيمةٌ فعلاً أنها تحققت عندما وبخ يوحنّا كما إيليا في السابق وبخ الملك والملكة لأمورٍ فيها خطيئة، أيضاً قال الملاك بأن هذا الطفل سيكون له مهمةٌ وهي أنّه سيتقدّم أمام يسوع المسيح عندما سيقوم برسالته لكي يعدَّ الشعبَ والناس لما سيعطيه يسوع المسيح من أجلِ خلاص البشر من أمورٍ وأمور.
انتهت النبوءات بأن فرحٌ عظيمٌ سيكون مرافقٌ لشخص يوحنا، نعم بالرغم أنه مات مقطوع الرأس إلاّ أن الفرح الذي أعطاه للناسِ من خلال أنّه كان يعدّهم بتوبةٍ لينالوا تكملة المعمودية بشخص يسوع المسيح فإن هذا لمفرحٌ حقاً. معطيات هذه الولادة أن كلَّ شيءٍ فيها محبوكٌ من خلال ربِّنا وإلهنا، من خلال الروح القدس، من خلال أن هناك عمل ٌ إلهيٌ، هذا يعطينا درساً لكي كل ما نتعاطى به يكون من خلال علاقة بالله، من خلال الدورِ للروحِ القدس في حياتنا، هذا يعطينا قوةً بأنّنا نحن والله يدٌ بيد وأن الله يعملُ معنا ولأجلنا وأن حياتنا مقرونةٌ بالإرادة الإلهيّة. أحياناً بعض الناس يفضلون كلّ الأشياء الدنيوية على الإرادة الإلهيّة ويعاتبون من ثمّ الله على أنّه لم يقف معهم، الله يقف معنا، الله يحبّنا، الله يريد كلّ شيءٍ يتحقق بصورةٍ صحيحةٍ وسليمةٍ من أجلنا،
الله أرسل ابنه لنُفتدى نحن بخلاصٍ حقيقيٍّ ولكن هنالك شيءٌ من الضرورة التي علينا أن نتحلى بها ألاّ وهي أن يكون لنا علاقةُ وطيدةُ بربّنا وإلهنا.هذا الميلاد يضعنا أمام كلّ هذه المعطيات من أجل أن نفتح ليس فقط أعيننا بل أيضاً قلوبنا من أجل كلّ ما نتمناه أن يكون لنا.

ونعمته فلتصحبكم الآن ودائماً. آمين.

صاحب الغبطة بطريرك أنطاكيا وسائر المشرق يوحنا العاشر في صيدنايا:
قام صاحب الغبطة البطريرك يوحنا العاشر الكلي الطوبى والجزيل الاحترام، يوم الخميس 29 أيار 2014 بزيارة رعوية تفقدية لرعيته في مدينة صيدنايا، بدأها من دير الشيروبيم الذي خصّه بزيارة خاصة للإطمئنان على الرهبان ولتفقد الأضرار المادية والعمرانية التي حدثت في الدير نتيجة الحرب الدائرة، وكان في مقدمة مستقبليه رئيس الدير الأرشمندريت يوحنا التلي مع رهبان الدير. وقد رافق صاحب الغبطة في زيارته سيادة المطران نقولا بعلبكي مع بعض الكهنة الأجلاء، والمهندس سامر لحام. ومن ثم انتقل الوفد إلى دير السيدة حيث زار الكنيسة وصلى في الشاغورة. بعد ذلك توجه الجميع إلى دير القديس جاورجيوس، حيث زار صاحب الغبطة كنيسة الدير، لينتقل الجميع بعد ذلك في محطة استراحة إلى صالون الدير الرسمي، ليستريح صاحب الغبطة ويجلس مع الأخوية الديرية في حديثٍ روحي لطيف مليء بالمحبة الأبوية. ليغادر بعد ذلك تاركاً بركته لنا، ومُحَملاً بصلوات الرهبان وأدعيتهم.

سهرانية بمناسبة عيد القديسين قسطنطين وهيلانة المعادلا الرسل

بمناسبة عيد القديسين قسطنطين وهيلانة، أقامت أخوية ديري القديس جاورجيوس والشيروبيم في صيدنايا مساء يوم الثلاثاء في 20 أيار 2014 سهرانية في كنيسة دير القديس جاورجيوس، بحضور عدد من أبناء الكنيسة المؤمنين وترأس الخدمة قدس الأرشمندريت يوحنا التلي رئيس الديرين، وفي نهاية القداس ارتجل قدس الأرشمندريت يوحنا العظة التالية:

باسم الآب والابن والروح القدس، الإله الواحد، آمين.
إذ نعيدُ اليومَ في هذه السهرانية المباركة لعيد القديسين قسطنطين الملك وأمِّه الإمبراطورة هيلانة، اللذين عاشا في نهاية القرن الثالث، إلاّ أن أحداث حياتهما مرتبطةٌ بالثلثِ الأول من القرن الرابع.
الشيءُ الملفتُ للنظر أن قسطنطين إمبراطورٌ للدولة الرومانية وثنيٌّ هو. أمّه هيلانة تحولت إلى المسيحيّة ولا نعرف كيف، والملك تأثر أو لم يتأثر بإيمانها المسيحيّ، هذا وجهٌ غامضٌ علينا. إلاّ أن الحدثَ الهامَ في حياة هذا الإنسان هو أنّه كان مقبلاً على حربٍ يتحدد من خلالها موقفاً جديداً لإمبراطوريةٍ عظيمةٍ هي روما.
في أحدِ الأيام نظر إلى السماء فرأى نوراً عظيماً بشكلِ صليبٍ كُتب عليه: (بهذه الإشارة تغلب)، أي إلى الصليب. قسطنطين تأمل وتأمل وازداد تأملاً أمام هذه الرؤية ليعرف ماذا يجب عليه أن يفعل. سنترك قسطنطين هذا ونعود إلى الرسالة التي قُرأت علينا اليوم. بولسُ الرسول الذي لم يكن مسيحياً بل كان مضطهداً للمسيحيّة وهو في ذروةِ حملته الاضطهادية حدث أمراً غريباً جداً بحيث أن السماءَ أعطته نوراً يصفه بأنه أقوى من نور الشمس. لدرجة أنّه سقط على الأرض من حصانه هو والجند الذين كانوا معه. بعد هذا بدلاً من أن يرى صليباً كمثل قسطنطين سمع صوتاً يقول: "له شاول شاول لماذا تضطهدني" وكلّنا يعرف قصة بولس الرسول كيف أن المسيح كلّمه ليَهديه إلى المسيحيّة التي بها يظفر بالإيمان. وهكذا حدث.
اليومَ مع قسطنطين ظفرٌ من نوعٍ آخر، ظفرٌ أمام نوعٍ دنيويٍّ من أجل أن يكون هنالك سلطةٌ وحكمٌ وشعبٌ يسير بمسيرةٍ جديدةٍ إن غلب حقاً، ولكن بالفعل فإن قسطنطين استطاع أن ينتصر ويتحول إلى إنسانٍ مسيحيٍّ. المنجزات الكبيرة التي نستطيع أن نحصدها من خلال هذين الرجلين هي أن قسطنطين استطاع أن يُخرج المسيحيةَ من انغلاقها الصغير لأنها كانت في بيوتٍ ومجتمعاتٍ صغيرةٍ خوفاً من الاضطهادِ السلطوي وتحولت بقسطنطين لكي تغزو أوروبا والقسمَ الكبير من آسيا وتتحول المسكونةُ آنذاك إلى شعبٍ مسيحيٍّ.
ظفرٌ نستطيع أن نستدلَ بأن الله دبره من أجل أن ينشر الإيمانَ المسيحيّ بوساطة هذا الإمبراطور حسب لغةِ ذلك الزمان، لأن الإيمانَ كان يصل إلى الشعوب من خلال ملوكها، فالشعوب قبلت بالإيمان الذي قَبِلَ به قسطنطين. أما بولس الرسول فاستطاع أن يخرجَ من الانغلاقِ اليهودي الذي كان به إلى انفتاحٍ أمميٍّ حيث أنه بهدايةِ هذا النورِ ينشر تعاليم كثيرة في المنطقة التي استطاع أن يبشرَ بها، وكانت المنطقة اليونانية الرومانية آنذاك.
هذا يوصلنا إلى رؤيةِ أن عملَ الله بالنور الذي أوصله إلى هذين الشخصين حققا انتصاراً أبعد من بوتقةِ الجغرافية المحليّة التي كان يعيش فيها كلٌّ منهما وصارت أممية. نورُ اللهِ بالمسيح يأتي لأناسٍ كثر ويأتي إلينا أيضاً، وما علينا إلا أن نكون صادقين في مسيحيتنا، منفتحين في محبتنا، مدركين لصحة العقيدة المسيحيّة التي نحملها. حينئذٍ الله يعمل في العالم من خلالنا.
هذا بالنسبة لقسطنطين ولمن كان على شبهه بولس. أما هيلانة الأمُّ المسيحيةُ العظيمةُ التي عاصرت حياة ابنها أرادت برغبةٍ من الملك أن تأتي من مقرِّ مملكتها روما ومن ثمّ القسطنطينية لتزور أورشليم، أي فلسطين بلغة هذا الزمان، وتفتش باحثةً عن الصليب الذي صُلِبَ عليه المسيح وأن تعمّر كنيسةً في المكان الذي دُفن فيه المسيح، وهي كنيسةُ القيامة الموجودة اليوم، كما بنت عدة كنائس في عدة مدنٍ في فلسطين، في المناطق التي كان للمسيح دورٌ فيها كبيتَ لحم، كنيسة الميلاد.
الكنيسة أطلقت على كلٍّ من قسطنطين وهيلانة صفةً عظيمةً جداً (معادلا الرسل) كان كلٌّ منهما ببشارته التي قام بها معادلاً للرسل الذي جابوا أقطارَ الدنيا مبشرين بالمسيح.
هذه هي مسيحيتنا العظيمةُ فلنحافظ عليها بإيماننا، وأيضاً بلغتنا البشارية لكلِّ إنسانٍ نتحدث وإياه.
ونعمته فلتحفظكم الآن ودائماً. آمين.

عيد القديس جاروجيوس

ابتدأت الاحتفالات مساء يوم الإثنين في 5 أيار 2014 بصلاة الغروب وكسر الخبزات، بحضور عدد كبير من أهالي مدينة صيدنايا امتلأت بهم الكنيسة جلوساً ووقوفاً، وقد ترأس الخدمة قدس الأرشمندريت يوحنا التلي رئيس الدير وساعده كل من قدس الأب جورج نجمة كاهن بلدة صيدنايا وكهنة الدير.

أما في اليوم التالي الثلاثاء 6 أيار 2014، فقد حظيت أخوية ديري القديس جاورجيوس والشيروبيم في صيدنايا، ببركةٍ كبيرةٍ، تمثّلت بحضور صاحب السيادة المطران نقولا بعلبكي الجزيل الاحترام، الذي ترأس خدمة القداس الإلهي في كنيسة الدير،  وعاونه كل من قدس الأرشمندريت يوحنا التلي رئيس الديرين وقدس الأب جورج نجمة وقدس الأب يعقوب عساف وآباء الدير وقدس الشماس يوسف سلوم وبحضور كبير من المؤمنين وبعد الإنجيل ألقى سيادته العظة التالية:

المسيح قام من بين الأموات ووطئ الموتى بالموت ووهب الحياة للذين في القبور.
مع هذا الموسم الفصحي، في هذه الفترة المقدّسة التي نعيش فيها أفراح عيد الأعياد وموسم المواسم، أساس إيماننا المسيحي قيامة الرب يسوع من بين الأموات. مع هذه المواسم، وهذه الفترة الخلاصية التي نجتمع فيها، أيها الأحباء، لنعيّد للقديس العظيم في الشهداء جاورجيوس واللابس الظفر.
بهذه المناسبة، أُعايد أولاً الأب العزيز والحبيب بالرب، الأرشمندريت يوحنّا رئيس هذا الدير العامر، وسائر رهبان هذا الدير، والأب العزيز جورج الذي يُعيّد بعيد شفيعه في هذا اليوم، والآباء الموجودين معاً وسائر الحاضرين من أصحاب العيد من الذين يتسمّون باسم القديس جاورجيوس، من زوّار هذا الدير ومكرّميه، ومن أبناء هذه البلدة، وجميع الموجودين فيها، نسأل لهم أياماً مباركةً صالحة، تتحقّق فيها مشيئة الرب الإله العلي، ونطلب شفاعة القديس جاورجيوس اللابس الظفر، لنيل رضى الرب يسوع الذي له المجد والكرامة والسجود على الدوام، آمين.
عندما نُعيّد لهذا القديس، فنحن لسنا نُعيّد عيداً لموته ولا لاستشهاده فقط. إنما الأمر الذي نذكره في هذه المناسبة، أن هذا القديس قد حفظ الأمانة إلى آخر نسمةٍ في حياته، حفظ الإيمان، جاهد ودافع عن الإيمان، عن تلك الرسالةِ التي تلقَّفها من الربّ يسوع ومن رسل الكنيسة، حفظ الأمانة وجاهد فيها حتى النسمة الأخيرة. ونحن إذ نُقيم تذكار هذا القديس، إنما نذكر أنّه لم يتردّد، وأن إيمانه بقي ثابتاً لم يتزعزع، رغم كلِّ ظروفه التي مرَّ بها بقي أميناً. تحقَّق فيه سفر الرؤيا: "كن أميناً حتى الموت فأُعطيك إكليل الحياة". والقديس حسب تاريخ الكنيسة: بدأت الكنيسة برسل المسيح الذين جابوا العالم مبشِّرين، ثم مرّت فترة الشهداء، الذين قدَّموا ذواتهم للرب يسوع، وهم يحفظون الإيمان غير منثلم ثم جاء دور النسّاك والرهبان الذين أدّوا الشهادة الجديدة، التي هي شهادة الدموع التي يؤكّدون فيها على ذلك الإيمان الأصيل، على الرجاء الذي غرسه الربّ الإله في الإنسان، فينا جميعاً بعد أن كنا خاضعين وعبيداً للخطيئة والموت. جاء الرب يسوع وحرّر الإنسان، حرّرنا من الخطيئة ومن الموت وأهّلنا إلى أن نعود إلى فرح القيامة، فرح العودة إلى الفردوس، لكي نكونَ مع الربِّ يسوع ونتمتّع بنور بهاءِ وجهه الذي هو الحياة.
يقول الكتاب المقدس: "إنْ كانت لي الحياة هي المسيح فالموت ربحٌ". بالنسبة لنا، أيها الأعزاء، الحياة تساوي المسيح، الحياة دون المسيح هي موتٌ للمؤمن، فالإنسان الذي يعيش بعيداً عن الرب يسوع هو ميتٌ وليس الذي يوضع في القبر وإنما كلّ إنسانٍ يعيش بعيداً عن الربّ يسوع يكون قد فَصَلَ نفسه عن عنصرِ الحياة ومرتعها. فَصَلَ نفسه عن الحياة فالربّ يسوع هو الحياة، الذي به "نحيا ونتحرّك ونوجَد". مَن عاش بعيداً عن السيد له المجد فهو الميت، أما الذي يموتُ بالمسيح فهو الإنسانُ الحي، لأنه كما قال الكتاب: "الحياة هي بالنسبة للمسيح فالموت هو ربحٌ" لأنه يجعل المؤمن إلى جوار الرب يسوع في ملكوته.
في هذه الحياة وفي قصة القديس جاورجيوس التي نراها أمامنا، نعرف أنه المجاهد العظيم الذي جاهد حسبما ورد في الكتاب المقدس. كلّ مؤمنٍ هو إنسانٌ مجاهد، منذ لحظة معموديته، "أنتم الذين اعتمدتم بالمسيح المسيح قد لبستم". الإنسان المؤمن هو الذي يلبس المسيح له المجد. لهذا يقول: إن جهادنا في هذه الحياة، جهاد الإنسان المؤمن في هذه الحياة التي لم يعرف الرب الإله فيها الهدوء والسلام. إنها حياة جهاد، جهادنا مع الرؤساء والسلاطين، مع قوى الشرِّ الروحية، مع الخطيئة، يعيش في هذه الحياة وهو يجاهد ضد الخطيئة في كلِّ لحظة، في الصباح والمساء، في يقظته وفي نومه، في صحته وفي ضعفه وفي قوته. الإنسانُ المؤمنُ هو الإنسان الذي يجاهد في هذه الحياة على الدوام. لهذا يقول الرسول بولس: "البسوا سلاح الرب الكامل" كما لبسها القديس جاورجيوس. وتمنطقوا بالحق. علينا الانتباه ألا نأخذ الأيقونة على أنها هي مجرد صورة أو شكل، الحزام هو حزام الحق الذي يتزنر به الإنسان المؤمن كي يجاهد في هذه الحياة هو حزام الحق ودرع البر الدرع الذي يلبسه الإنسان ساعة دخوله ساحة الوغى هو درع البرّ، استعداداً لبشارة المسيح والسير في طريق الرب. واتخذوا أيضاً "خوذة الخلاص" والتي لها شكل ولكن لها معنى آخر هو "سيف الروح" الذي هو كلمة الرب الإله التي تفصل الحقّ عن الباطل.
لهذا السبب جهادنا كما جاهد القديس جاورجيوس والذي قتل التنين العقلي الذي هو التجربة أي إبليس المجرّب الذي يقوده إلى الخطيئة والسقوط، وكان يدافع عن الفتاة التي هي عروس المسيح أي الكنيسة التي تنتظر مخلِّصها وقد أرسل الربّ الإله القديسين لكي يجاهدوا مدافعين عن كنيسةِ المسيحِ بالجهاد ضد الخطيئةِ وضد الشر، وكما قال بولس الرسول "ضد قوى أجناد الشر في السماوات" أي ضد تجارب إبليس ومكائده. هذا هو الجهاد الذي انتصر فيه القديس الشهيد جاورجيوس انتصر بجهاده بالإيمان في التجارب. كان على مثال سيده عندما جُرِّب في الجوع، وجُرِّب في التشكيك، وجُرِّب بالطمع ولكن الرب يسوع قال لإبليس: "ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان بل بكل كلمة تخرج من فم الله". وقال له أيضاً: "لا تجرب الرب إلهك"، وقال له: "للرب إلهك وحده تسجد وإيّاه وحده تعبد". هذا هو برهان انتصار السيد على التجربة وانتصار القديس جاورجيوس الذي نُعيّد لانتصاره على التجربة اليوم حتى النسمة الأخيرة.
نسأل الرب الإله أن يهبنا ويجعلنا من المنتفعين بشفاعته وأن يؤهلنا للسير على طريقه لكي نبلغ إلى شاطئ الأمان والخلاص.
المسيح قام من بين الأموات ووطئ الموتى بالموت ووهب الحياة للذين في القبور.

عيد بشارة والدة الإله

بمناسبة عيد بشارة سيدتنا والدة الإله أقامت أخوية ديري القديس جاورجيوس والشيروبيم في صيدنايا مساء يوم الاثنين في 24 آذار 2014 سهرانية في كنيسة دير القديس جاورجيوس، بحضور عدد من أبناء الكنيسة المؤمنين وترأس الخدمة قدس الأرشمندريت يوحنا التلي رئيس الديرين، وفي نهاية القداس ارتجل قدس الأرشمندريت يوحنا العظة التالية:

باسم الآب والابن والروح القدس، الإله الواحد، آمين.
البشارة التي نحتفل بذكراها اليوم، تُعيدنا لبدء الخليقة يوم التكوين عندما أراد الله أن يوجِد الجنس البشري بشخص آدم وحواء. حواء تلك التي أبدعها الله بالطريقة التي نعرفها، خرجت عن طاعته بمعصية، فكان كلام الله لها بعد ذلك: إنك "بالعذاب والآلام ستحبلين وتلدين". هذا أمر غير مُسرّ والله لا يريده ويجب أن يأتي وقت يقف فيه هذا اللون من النظر إلى المرأة التي أخطأت فصار حضور جديد لامرأة جديدة نذرت نفسها للرب، وقدّمت ذاتها قرباناً تحيا وهي تتعلم المشيئة التي يريدها الله في هيكله المقدس، فكانت ابنة الطاعة بدلاً من العصيان كمثل حواء. بهذه الصورة اصطفاها الله، وأراد لها أن تكون مُجدِّدة للخليقة، ليس عن طريق أن هنالك ذريّة تأتي منها في الجسد، إنما بالجسد الذي أعطته لابنها صار هنالك ولادة روحية للجنس البشري برمّته.
هذه هي أمنا، حواء الجديدة، هي مريم التي أتاها الملاك وقال لها: "السلام عليك أيتها الممتلئة نعمة، الرب معك، مباركة أنتِ في النساء". بهذا الكلام الذي سمعته مريم اضطربت. أهي تستحق أن يُقال لها هذا؟! يا لهذا التواضع الذي نذرت نفسها عليه! والذي جعلها تتساءل قائلة بكلام مستغرب أنها هي جديرة بأن تكون حاملة تلك النعمة التي أرادها الله لها. فطمأنها الملاك وبشّرها وأعطاها النبأ الذي تئن البشرية برمّتها منتظرة من الله أن يبدأ بالترنيم للجنس البشري من خلال شخص ابنها يسوع الذي سيكون فادياً ومخلِّصاً. نعم، لأن الملاك طمأنها بأن النعمة التي تحل عليها ستُظللها. هذا الظل الذي نعرفه من العهد القديم بأنه الله بذاته عندما كان يظلل تابوت العهد الذي يحمل الوصايا، واليوم صاحب العهد الابن يسوع هو الذي سيحظى بهذه المظلة الآتية من مريم العذراء بالروح القدس.
البشارة هي أن مولوداً سيأتي بواسطة النعمة الإلهية التي حظيت بها مريم، ولكن الجسد الذي أُعطي من مريم هو جسدنا كلنا كل واحد منا يحمل هذا الجسد، إلا أن مريم أعطته وصار جسداً جديداً بلا خطيئة، لأنه من الله مباشرة تكوّن في أحشائها، ونلنا نحن بفضل تلك البشارة وبفضل مريم، نلنا، من الله الذي أحبنا فأراد لنا أن نتابع حياة جديدة، مسيرة جديدة تبدأ بما أراده ذاك المولود أن يكون لنا حياة ننهل منها الِّنعم الإلهية بفضل قبولنا لأن نكون هؤلاء المحظيين بفعل نقوم به ونقدّمه لله ألا وهو التوبة. ثمن البشرية يتحقق ويكتمل عندما نشعر بأننا خطاة وأننا بالتوبة يزيل هذا المولود عنا كافة خطايانا. بالبشارة تبدأ الحياة الجديدة للبشرية. اليوم ولدنا بالروح ليكتمل هذا الروح فينا يوم معموديتنا، وننهض من المياه مستقيمين لكي تكون حياتنا باستقامة ننهلها من الله، فنحظى بالفعل الذي حققه لنا يسوع ألا وهو الفداء الذي نناله من خلال أن البشارة قد أتت، وأن مريم قد نالت من الله ما أعطتنا إياه، فلنحافظ عليه بإيماننا.
ونعمته فلتصحبنا الآن ودائماً. آمين.

أحد الأرثوذكسية (أحد مستقيمي الرأي)

حظيت أخوية ديري القديس جاورجيوس والشيروبيم في صيدنايا، يوم السبت الواقع في 8 آذار 2014 ببركةٍ كبيرةٍ، تمثّلت بزيارة صاحب السيادة الوكيل البطريركي المطران أفرام معلولي الجزيل الاحترام، الذي ترأس صلاة الشكر في كنيسة الدير، ومن ثم تلتها صلاة الغروب، رافق صاحب السيادة في هذه الزيارة قدس الأرشمندريت غريغوريوس خوري وقدس الأرشمندريت رومانوس حناة وقدس الشماس باسيليوس خميس. وفي صباح اليوم التالي الذي يصادف أحد الأيقونات تم الاحتفال بالقداس الإلهي الذي ترأسه سيادة المطران أفرام وعاونه كل من قدس الأرشمندريت يوحنا التلي رئيس الديرين وقدس الأرشمندريت غريغوريوس خوري وقدس الأرشمندريت رومانوس حناة الذي قاد الجوقة وبحضور كبير من المؤمنين وبعد الإنجيل ألقى سيادته العظة التالية:

.باسم الآب والابن والروح القدس، الإله الواحد، آمين.
أولاً، يا أحباء باسم سيدنا صاحب الغبطة أنقل لكم المعايدة بمناسبة أول أحدٍ في الصوم، والذي نسميه أحد الأرثوذكسية (أحد انتصار الأيقونات).
بجمال هذه المناسبة نجتمع اليوم كلّنا معاً في مكان -كما تصفه النصوص الآبائية - بواحةٍ روحيّةٍ، موجودون في ظل صلوات أبونا يوحنا والأخوة الرهبان، وبمعيتكم جميعاً. نقول أولاً كل عام وأنتم بخير بمناسبة أحد الأرثوذكسية.
هذا الأحد له تاريخٌ كبيرٌ في كنيستنا، يمتد إلى مئات السنين الماضية. والتاريخٌ مفيدٌ لنعرف بأنه كان هناك ملكة اسمها ثيوذورة، وبطاركة أحدهم يُدعى ملاتيوس وغيره آخرين من الشخصيات التي جاهدوا ودافعوا عن الأيقونات، ليس فقط عن الخشب والألوان، ولكن عن إيماننا الذي نرسمه في الأيقونة، من خلال اللون والخشب.
التاريخ مفيد، ويجب أن نعرفه لكي نعرف أننا ممنونون لأشخاص كُثر سبقونا وعانوا وجاهدوا واحتملوا لكي نوجد اليوم مجتمعين في هذا الدير. ولكي نحن أيضاً نجاهد ونقوى ونصبر لكي يوجد بعدنا أجيال وأجيال ليس فقط في هذا الدير ولكن في أرضنا كلِّها.
كما قلنا إن التاريخ مفيد، ولكن هذا يدفعنا أيضاً للذهاب إلى مكانٍ آخر، أيّ أننا لا نقف عند التاريخ فقط، ولكن ننتقل إلى ماهو أبعد من التاريخ؛ ألا وهو الإنسان نفسه، والذي مداه الأخير أن يصل إلى ربّه. نحن اليوم نرفع الأيقونات، ولكن الأهم من هذا أن نتذكر أننا نحن - بشخصنا - على صورة الله ومثاله، نحن أيضاً أيقونة لربّنا وهذا يستدعي منّا:
أولاً، كل منا على الصعيد الشخصي عليه أن يُجمِّل هذه الأيقونة، أيقونة ربّنا هذه، يستطيع بجهادٍ روحيّ، بصومه، بصلاته، بمحبته، بمسامحته، بتواضعه، أن يجمِّلها ويجعل منها أيقونةً جميلةً جداً تليق بالصورة الإلهيّة، وكلنا نعرف ما معنى هذا الكلام.
ثانياً، ليس فقط أن نجمِّل أيقونتنا بل أن ننظر أيضاً إلى الآخر على أنّه هو أيضاً أيقونة المسيح، وبالتالي يصبح علينا ليس فقط واجب، وإنما يكون مثل دافع ذاتي بأن نحبّ الآخر، وأن نحترم الآخر، وأن نسامح الآخر، وهكذا نمارس كلّ فضائلنا تجاه الآخر لأنه هو أيضاً أيقونة المسيح.
مهما فعلنا في المسيحية تبقى هذه العلاقة موجودة، وموجودة في كل مكان وهي علاقة الصلاة، تتجمَّل أيقونتنا تجاه ربنا، وأيقونة الآخر نحترمها، فهذه العلاقة بيننا وبين ربّنا، وبيننا وبين الآخر، تُرسم بكل محبّة، لذلك الصليب لا يغيب عن الأيقونات، بل نضعه على الأيقونسطاس في أعلى مكان لأنّه أعظم أيقونة بالنسبة لنا.
إن شاء الله بصلوات الآباء الرهبان أن يكون هذا العيد خيراً على بلادنا، وخيراً علينا جميعاً ويعيد لنا كل مخطوفٍ وكل مشرَّدٍ إلى بيته إن شاء الله، آمين.

عيد القديس الشهيد والطبيب الشافي اليان الحمصي

بمناسبة عيد القديس اليان الحمصي أقامت أخوية ديري القديس جاورجيوس والشيروبيم في صيدنايا مساء يوم الخميس 6 شباط 2014 سهرانية في كنيسة دير القديس جاورجيوس، بحضور عدد من أبناء الكنيسة المؤمنين وترأس الخدمة قدس الأرشمندريت يوحنا التلي رئيس الديرين، وفي نهاية القداس ارتجل قدس الأرشمندريت يوحنا العظة التالية:

سهرانيتنا اليوم لقديسٍ عاش في ذات الزمن الذي كان يعيش فيه قديس ديرنا جاورجيوس، في الربع الأخير من القرن الثالث. كان القديس اليان الحمصي طبيباً في مدينة حمص، ولكنه لم يكن طبيباً عادياً بل كان طبيباً مؤمناً. كان بعلمه يعرف أن يُشخِّص المرض ويُعطي الدواء، ولكن بإيمانه كان يُلازم الأشفية التي يتمناها أن تكون لمرضاه قائمة على صلاته ليسوع المسيح. كان يستدعي الرب قبل أن يُشخِّص المرض. يسوع هو طبيب نفوسنا وأجسادنا، به نؤمن وإنْ كنا نحترف فناً من الفنون الذي به نقوم به في عملنا، إلا أن الركيزة دائماً ترتكز على إيماننا بشخص يسوع المسيح.
لم يكن يُفرِّق بين الوثنيين والمؤمنين، يهتم بالجميع ويُشخِّص الأمراض للكل، ويجعل الشفاء أمنية له، من أجل أن لا يكون هناك إنسان متألم. هكذا كانت حياته في عصر يُضطهد فيه الإنسان المسيحي من قِبل الحكومة الوثنية في زمانه. سمح الرب بأن يُمسَك أسقف المدينة سلوان مع شماسيه لوقا وموكيوس، ولما شاهد قديسنا كيف يُجَر أسقف مدينته في الطريق ليصل إلى مكان التعذيب، لم يستطع أن يقف مكتوف الأيدي، بل تقدَّم نحوه بلطفٍ طالباً منه البركة والمغفرة. سجد أمامه محاولاً أن ينال آخر بركات هذا الأسقف القديس. ولما رأى الجلاّدون ما رأوا، نسوا أن هذا طبيبهم، نسوا أن هذا يشفي أمراضهم، فشكوه إلى القاضي فأخذه وحكم عليه بالموت واستُشهد.
في إنجيل اليوم، نتذكر أيضاً ليس فقط القديس اليان وليس فقط القديس جاورجيوس، بل كافة شهداء المسيح. إنْ سمعنا الإنجيل بإمعانٍ، لا نستغرب البتة أن جنود المسيح والمؤمنين به، هم أُناس مُعرَّضون للاضطهاد، خاصةً من قولٍ قاله السيد المسيح: "كما اضطهدونني سيضطهدونكم". الإنسان الذي يعرف الله، ليس دائماً مرغوب به ومحبوب من قبل الآخرين. هذا أيضاً جعل يسوع يقول: "أحبوا بعضكم بعضاً". بالمحبة يكون الإنسان المسيحي غير الإنسان الآخر، وعندما يتصرف الإنسان المسيحي، كما يتصرف الإنسان الآخر فالمسيح براء منه. في محنتنا وفي بحبوحتنا، علينا أن نبقى مُحبّين بعضنا لبعض ولكل إنسان في العالم حتى لـمُضطهدينا. هذه هي شهادة من المسيح يُلقيها في وسط هذا العالم، لكي يُعرِّف الآخرين عن هوية الإنسان المسيحي. الإنسان المسيحي هو الذي يحب، الإنسان المسيحي هو الذي لا يكره، الإنسان المسيحي هو الذي لا يعرف البغض، ولا يعرف أن يُقيم علاقة سيئة حتى مع عدوه، فكيف إذا كان هنالك بعض يسمحون لأنفسهم بعلاقة سيئة مع محبيهم، مع أهل بيتهم، مع إخوتهم وأقاربهم؟ هنا تبرز شخصية الإنسان المسيحي بمعيارها الصحيح. عندما أُدرك أنني غير قادر على أن أتحمّل الآخر بحب، علي أن أعرف أني لست بمسيحي. ليست هويتنا المكتوب عليها إنسان مسيحي هي شخصيتنا، بل هي حبنا لكل إنسان آخر. اليان الحمصي بحبه لأسقفه لم يَهبْ الموت. ربما كان مدركاً بأن البركة التي سينالها بحبٍ من سيده، من أسقفه، من قديسه، ستكون سبباً لموته، لم يَهبْ ذلك، تَقدّم بوقارٍ، ونال ما هو بحاجة إليه، وكلنا بحاجة إلى بركات القداسة.
الأمر الأخير الذي يُلفت نظرنا فيه يسوع المسيح بإنجيل اليوم، هو أنه قال لنا: "سيضطهدونكم وسيظنون بأنهم سيفعلون الصحيح بعملهم هذا" أي (يقدم عبادة لله). هذه لم تكن كلمة عابرة، بل كانت نبوءة حصلت عندما شاول أي بولس العظيم اضطهد المسيحيين واضطهد استفانوس وقتله. كان كمثل اليان يموت وهو عالم وعارف بأن كلمة الحق التي يقولها، هي طريق من أجل نهاية حياته. بولس بشخص شاول حينها، ظَنّ بأنه يعمل عمل حق بقتله لشخص استفانوس. كل عمل فيه قتل، كل عمل فيه نقص محبة، نقوم به ظناً منا أننا نفعل الصح، ولكن لا صحة البتة لا في قتل، ولا في بغض، ولا في نقص محبة. علينا أن نعرف أخيراً بأن يسوع بالرغم من درايته الكاملة بأمور حياتنا التي تتعرض لمثل تلك الاضطهادات موجودة وقائمة، إلا أن المهم أن يبقى قلب المؤمن حاملٌ لله. لذلك أرسل لنا، كما يقول إنجيل اليوم: المعزي المعين، روح الحق، الروح القدس ليمكث معنا، لا ليُبعدنا، كما يظن البعض عن الاضطهادات، إنما كي يُقوّينا أمام الاضطهادات، كي يُعطينا دفعاً نرضى من خلاله بأن يكون لنا نصيب في عالم الملكوت.
ونعمة الله فلتصحبنا الآن ودائماً آمين.

سهرانية بمناسبة عيد الظهور الإلهي

أقامت أخوية ديري القديس جاورجيوس والشيروبيم في صيدنايا مساء يوم الأحد 5 كانون الثاني 2014 سهرانية في كنيسة دير القديس جاورجيوس بمناسبة عيد الظهور الإلهي، بحضور عدد من أبناء الكنيسة المؤمنين حيث أُقيمت صلاة الغروب والسحرية أما خدمة القداس وصلاة تقديس الماء فقد أُقيمت صبيحة اليوم التالي وترأس الخدمة قدس الأرشمندريت يوحنا التلي رئيس الديرين، وفي نهاية القداس ارتجل قدس الأرشمندريت يوحنا العظة التالية:

باسم الآب والابن والروح القدس، الإله الواحد، آمين.
بالرغم من أننا لا زلنا في وسط وذكرى وحياة وانتعاش عيد الميلاد المجيد، فإن عيد الغطاس يأتي إلينا لأيامٍ قليلة معدودة بعد ذلك الحدث المؤلّه. لا غرابة في الأمر لأن كِلا العيدين يسمى كل واحدٍ منهما بعيد الظهور الإلهي. في الميلاد ظهر الله بالجسد، وفي الغطاس ظهر الثالوث الأقدس مع نزول الابن إلى مياه نهر الأردن.
أيامٌ ولا أجمل منها ولا أقدس تأتي إلينا من أجلنا لنتقدس بها ومن خلالها، لذا فإن الحدث الذي نحن محتفلين به اليوم يعيدنا إلى بدء أيام التكوين عندما كانت روح الله ترفُّ فوق المياه، واليوم مياه المسكونة متمثلةً بمياه الأردن ترف من خلال نزول الله بشحص يسوع المسيح إليها.
كثيرون يظنون خطأً بأن يسوع اعتمد في هذا النهار بمعنى أنه تقدس، يسوع قدوسٌ هو ليس بحاجةٍ إلى معمودية، ليس بحاجةٍ إلى مزيدٍ من التقديس لأنه هو القداسة بالمطلق، إنما هذا النزول من أجل تقديس الماء بشخص الإله. نحن بحاجةٍ إلى مياهٍ تكوننا من جديد بعدما أن كُوِّنا بمياه التكوين أيام زمان. هذا الأمر يستدعي أن يكون الإنسان بكامل حوافزه الروحية متطلعاً إلى قدسية الماء الذي يأتي إلينا، نحن في هذا اليوم بعد تقديسنا للماء نشرب منه ونقدس أجسادنا به، ولا بل أيضاً نقدس بيوتنا وكلّ شيء محتوىً لدينا، فالقداسة تشمل كل معطيات حياتنا.
بهذه الصورة نلتقي بيسوع المسيح، نلتقي به من خلال ما أعطانا من نعمة التقديس، تلك النعمة التي تجعلنا أناسٌ جدد، أناس يتطهرون ويتقدسون ويتحولون من فعل الأهواء إلى فعل الفضائل بالنعمة. نحن فرحون اليوم لأجل هذا الأمر العظيم، ولكن هل هذا الأمر هو وحده الذي ننظر إليه بعيد الغطاس؟ لا، فهنالك كما سمعنا في إنجيل اليوم تكملة، فعندما ظهر الثالوث الأقدس ظهر الله بصوته القائل: "أنت هو ابني الحبيب" بحسب إنجيل مرقس في السحر. و"هذا هو ابني الحبيب" بحسب إنجيل متى في قداس اليوم. أي أن يسوع المسيح هو الابن الحبيب لله. أمرٌ ليس بمستغرب ولكن من خلال هذا القول وبفعل ذاك التقيس الذي يشملنا يريد الله أن نكون نحن أبناؤه الأحباء. كما انتقلت القداسة بمياه الأردن من يسوع إلى أشخاصنا فإن قداسةً جديدة تأتي إلينا لنكون أحباء لله. أن نسعى دائماً لنحب الله، محبة الله نابعةٌ من محبته إلينا. هو يحبنا، ولذلك خلقنا، والآن يحبنا ولذلك يدعونا لنكون (أبناء له). هذا الجديد الذي نناله هو أن ننظر إلى الله بحبٍ. هنالك مشكلةٌ تعرقل وصولنا إلى الله حبيبنا. الذي يعرق الوصول هو البشر، الله لا يقبلنا بأن نحبه إلا من خلال البشر، لذا علينا أن نتواضع أن ننسحق أن نحبّ الآخرين لأننا من خلال حبنا للإنسان الآخر نخترق الكون المخلوق لنصل إلى الله الخالق.
على هذه الصورة يتكون الحب الحقيقي الذي نحن بحاجة إليه وقد أتانا بعيد الظهور الإلهي بوجهيه الميلاد والغطاس. آملاً أنا وإياكم أن نتكوَّن هذا التكوين الجديد.
ونعمته فلتصحبكم الآن ودائماً. آمين

سهرانية بمناسبة عيد ختانة الرب يسوع والقديس باسيليوس الكبير ورأس السنة

أقامت أخوية ديري القديس جاورجيوس والشيروبيم في صيدنايا مساء يوم الثلاثاء 31 كانون الأول 2013 سهرانية في كنيسة دير القديس جاورجيوس، بحضور عدد من أبناء الكنيسة المؤمنين وترأس الخدمة قدس الأرشمندريت يوحنا التلي رئيس الديرين، وفي نهاية القداس ارتجل قدس الأرشمندريت يوحنا العظة التالية:
باسم الآب والابن والروح القدس، الإله الواحد آمين
إذ نحتفل اليوم بعيد رأس السنة وختانة ربنا يسوع المسيح والقديس باسيليوس الكبير، نتذكّر مع كل عام أننا في مثل هذا اليوم نقف وقفة مهيبة أمام الرب الإله الديّان، نقف أمامه ونحن نحمل مخطَّطين اثنين: الأول نحاسب أنفسنا أمامه، ونعيد النظر في كل ما فعلناه خلال هذا العام، عسى أن الله يغفر لنا ضعفاتنا ويُعطينا من معين قوته، لكي نكتسب موهبة فوق موهبة، ومن خلال هذا نلبس لباساً روحياً جديداً نستطيع من خلاله أن ننتقل إلى النقطة الثانية، ألا وهي أن نرسم لأنفسنا طريق العام القادم، أن نتحدّث أمام الله بعزته الإلهية: ماذا نتأمل وماذا نتمنى؟ بشكل عام، يأخذ الإنسان دائماً لنفسه قدوةً ويتمنى أن تتحقق شخصيته على ضوء تلك القدوة. ومَن لنا غير المسيح قدوة لنا؟ به نتبارك به نتقدّم ومن خلاله نحقق كل ما نرغب وما نريد. المسيح دون سواه هو حامل نظرتنا لشخصنا خلال العام القادم. بالمسيح ننمو ونكبر، بالمسيح نُرى ويُنظر إلينا، بالمسيح نجعل لنا مخططات جديدة، نجعل لنا اهتداءً جديداً، نجعل لنا أمنية عسى أن المسيح يقودنا من خلالها. بفضل هذا يجب علينا ألا نرغب ولا نتمنى لكي يكون لنا أمور لا تتحقق، بل: أن تكون طلباتنا ضمن إطار الممكن والمبارك. وبالتالي نطلب أن يكون لنا ثوب من الكمال والقداسة، ذاك الثوب الذي ارتداه المسيح ولا نرضى عنه بديلاً. فلنخلع أثوابنا العتيقة ونرتدي ثوباً واحداً لبسه المسيح، وبه نصير بالحقيقة والواقع مثله ولِم لا؟ أيضاً علينا أن نسعَ لنكون مبتهجين مسرورين فرحين، وكل فرحٍ لا يباركه الله بشخص المسيح هو يحمل سعادة وقتية عابرة، لا تُغني ولا تُعطي أي مدلول. فلننتبه بيقظة ليكون هذا الفرح فرحاً كمثل فرح الميلاد، الذي نحن بالقرب من مذود الرب، عندما أتى الملاك للرعيان وقال لهم: "وفي الناس المسرّة". نريد هذه المسرّة بل نسعى لتحقيقها، ومَن يحيا حياته بدون هذه المسرّة فهو إنسان بعيد عن معرفة غايات الله فيه.
نظر الآباء القديسون في مسعى الإنسان لمثل هذا اليوم، لكي يحقق أموراً إضافية. على الإنسان أن يتصالح مع نفسه أولاً وقبل كل شيء. نحن في بعض الأحيان نحمل شخصية مزدوجة، يعاتبنا الله عليها ولا يقول هذا بل يقول لنا: اسعوا أن يكون شخصكم الظاهري كمثل شخصكم الباطني لكي تكون أفكاركم التي تعمل بها مشيئتكم. بمثل هذه الصورة نحقق البند الأول. أما الثاني فهو أن يكون لنا مصالحة مع أخينا الإنسان الآخر. بدون الآخر لا وجود لنا، بل والأهم أنه بدون الآخر لا نصل إلى المسيح. عرَّفَ يسوع المسيح الطريق الذي يصلنا به أنه يتحقق من خلال معاملتنا للإنسان الآخر. النقطة الثالثة هي أن يكون هنالك وحدة بين عالم الأرض وعالم السماء، ونقول في صلاة أبانا: "كما في السماء كذلك على الأرض". يجب أن يكون لنا حياة تسعى للملكوت، وتبدأ به حياة على هذه الفانية. أرضنا فانية لا نتمسّك بها ولا نتمسّك بمعطياتها بل نحيا الملكوت فيها لنحوّلها إلى عالم غير فانٍ. النقطة الرابعة، وربما تحمل غرابةً عندما شدّد رهباننا القديسون الذين علّمونا سبل الحياة على ناحيةٍ وهم بعيدون عن الحياة المشتركة بها، ألا وهي وحدة ومساواة الجنس البشري وخاصة الرجل والمرأة. هذا أمر ضروري ألا يتعالى الرجل على المرأة وألا تتباهى المرأة ببعض فضائلها على الرجل. أما النقطة الخامسة والأخيرة، وهذا كله يؤكّد عليه بصورة خاصة القديس مكسيموس المعترف فيقول بأنه علينا ألا نبقى جامدين في دنيانا، أن نحاول الصعود بحياتنا لنتحدّ بإلهنا. هذا الاتحاد بين الإنسان والله تحقق قبل أسبوع بيسوع المسيح الذي بتجسده قد جعل من الذات الإلهية والذات الإنسانية أقنوماً واحداً أي شخصاً واحداً. ونحن علينا بالذات البشرية أن نرتقي إلى عالم الألوهة فكما أن الإله صار إنساناً فعلى الإنسان، أي كل شخص منا، أن يصير إلهاً بالنعمة.
هذا المسعى هو درب حقيقي لكل إنسان يفكّر بعالم السنة الجديدة. قد نفكر بأمور مادية كثيرة، لا بأس! وهذا من ضمن معطيات تفاؤلنا بما نرغب وما نريد ولكن على كل شيء مادي، على كل شيء دنيوي، أن يكون متقدّساً بعالم الله، فيتقدّس هذا الشيء من خلال حياة الإنسان المؤمن. بهذه الصورة نبني سنتنا الجديدة.
سنتنا الجديدة سنة سلام نريدها وإن سعينا لنحققه فإن السلام سيعمّ العالم، لأن الله يعطي العالم إذا احتشد جمهور غير قليل، لا بل وإن كان قليلاً، المهم أن يعمل هذا الإنسان، ويطلب ويسعى. فإن الله يعطي للبشرية كافة طلبات هذا الجماعة الصغيرة التي يسمّيها يسوع "القطيع الصغير" بحيث تتشكل من هذا القطيع خميرة تخمّر الكون برمته مع كافة أبنائه على هذه الصورة يُستنار العالم ويتكوّن لون جديد من الحياة بفضل أناس مصلّين. ولنكن، نحن أبناء هذه الكنيسة، حاملين هذه الصلاة لعامنا الجديد.
ونعمته فلتكن معنا الآن ودائماً. آمين.

أمسية ميلادية في دير القديس جاورجيوس

بمناسبة عيد ميلاد ربنا ومخلصنا يسوع المسيح أقامت مدارس الأحد الأرثوذكسية في صيدنايا أمسية مرتلة قدّمتها جوقة الملائكة وذلك يوم الأحد 29 كانون الأول 2013 في كنيسة دير القديس جاورجيوس وقد حضر الأمسية قدس الأرشمندريت يوحنا التلي رئيس الديرين وقدس الأب جورج نجمة كاهن الرعية وقدس الأب رامي معمر كاهن رعية السريان الأرثوذكس وفي نهاية الأمسية ارتجل قدس الأرشمندريت يوحنا الكلمة التالية:
كلّ عامٍ وأنتم بخير، وميلاد مجيد، وسنة مقبلة مباركة للجميع.
أطلب بركة الآباء الآجلاء، أحيي الجمهور الذي استمع لما قُدِّم وأعطانا شيئاً من النشوة أراها على وجوه الجميع، فيا لفرحنا!
قبل كلِّ شيءٍ أطلب وكأنّني بدعاءٍ للأسرة التعليمية التي ساعدت هذا النّشْءُ في تعلّمه لما قدّمه لنا. ليس فقط الأخ سمعان إنما أُناس أُخر. ليعطكم الربّ العافية ويقوّيكم الله.
الحقيقة أنني أحسست - بينما كنت جالساً - أن هنالك شيءٌ في هذه الدنيا يُشكِّل بنيان العالم. هذا لونٌ من ألوان البنيان، خاصةً وأنّنا اليوم في سورية نشعر بأنّ هنالك محنةٌ كبيرةٌ تُصيب كلَّ إنسان، وكلّنا بحاجةٍ لأمورٍ تُوطِّد أقدامنا في هذه الأرض وتجذّرها. توطيد الأقدام على الأرض يبدأ من الفكر، والفكرُ يحتاجُ إلى غذاء، وما أجمل غذاء الكلمةِ مع النغمات. هذا الذي عُرض علينا اليوم، هو من الأُسس الهامة التي تجعل الإنسان من حيث المبدأ، ومن حيث الفكر، ومن حيث الروح، أن يكون مُقيماً على أرضٍ يُحبها. محبّة الأرض ليست شيئاً مادياً، إنما ماديتها تستقي قيمها من مَعينِ الفكر والروح، من الكلمة والنغمة. لذلك علينا أن نُشجِّع وأن نساهم بمثلِ هذا النشاط الذي بموجبه إنْ طالبنا مسؤولٌ في الدولة أو مسؤولٌ في الكنيسة أو مسؤولٌ في المجتمع بأنّه علينا ألا نتركَ بلدنا، فإن الجوابَ يأتي من حقيقةِ هذا التأهيل الذي يصبح الإنسانُ بموجبه مصغياً لمثل هذه الكلماتِ التي لها مفعولٌ والتي هي مرتبطةٌ بين الإنسان وربّه. الأرض هي التي تجعل الإنسانَ حقيقةً ابن الله.
أعود إليكم يا أحبائي، أنتم الذين ضحّيتم بشيءٍ من درسكم، وبشيءٍ من وقتكم، وبشيءٍ من لعبكم من أجل أن تتعلّموا ما قدّمتموه، فهنيئاً لكم. سُرّرت أنا وكلّ الحضور بهذا الذي قدّمتموه وأسمعتمونا إياه في هذه الأمسيةِ المباركة، شكراً لكم، وشكراً لله الذي سمح أن نُعيّد في صيدنايا عيد الميلاد المكتمِل بهذه الأناشيد، وهذه الأنغام، وتلك الروح الطيبة التي نُقلت إلينا من خلال أفواه ووجوهٍ وحيويةٍ وصلت إلينا في هذا اليوم المبارك.
أختم بسعادةٍ بالغة، راجياً من الله أن يكونَ الحفل القادم ليس كما سمعنا اليوم، بل أقوى وأقوى، والذي بعده أكثر قوة. الحياة دائماً في تصاعد ومَن يقف عند مرحلةٍ فكأنّه يُميت الموهبة والفن اللذين حصل عليهما. لذلك أطلب من الأهالي مزيداً من التشجيع، وأطلبُ من المسؤولين مزيداً من العطاء. وأطلبُ منكم يا أحبائي أن تكونوا مواظبين على مثلِ ما تأتون إليه لكي تُمتِّعونا، وأنتم مزدهرون بمثل تلك الكلمات والألحان.

قوّاكم الله وأعطانا جميعاً نعمته الإلهيّة وروحه الطيبة. آمين.