عيد رؤساء الملائكة

بمناسبة عيد رؤساء الملائكة، أُقيمت مساء يوم الأربعاء في 7 تشرين الثاني 2018، صلاة الغروب وخمس خبزات في كنيسة دير القديس جاورجيوس في صيدنايا، وفي صباح اليوم التالي أقيمت صلاة السحرية  والقداس الإلهي وترأس الخدمة قدس الأرشمندريت يوحنا التلي رئيس الديرين الذي ألقى في نهاية القداس العظة التالية:

باسم الآب والابن والروح القدس، الإله الواحد، آمين
إذ نحتفل في هذا القداس المبارك بعيد الملائكة، وأخص بالذكر رؤساء الملائكة، ميخائيل وجبرائيل وروفائيل،الذين نعيّد لهم في هذا النهار المبارك،هم الذين يُشكلون مع كافة الجند السماوي مدخلاً إلى الحياة الروحية لكل مسيحي.بهذه الذكرى تبتدئ حياتنا الروحية مع هذا النهار المبارك، لأن الله أراد أن يكون هنالك ملائكة مقيمة في السماء وتعمل ليل نهار في مدح وتقديس وتسبيح للعزة الإلهية. نحن عندما نرتل "قدوس الله"، فإننا نأخذها من شفاه الملائكة. وعندما نُعلن في القداس الإلهي قائلين "أيها الممثلون الشيروبيم سرياً والمرنمون التسبيح المثلث تقديسه"، فإننا نذكر هؤلاء الملائكة من أجل أن نتشبه بهم. لماذا نريد أن نتشبه بهم؟ نريد أن نكون مثلهم حسب إرادة الله. لذا علينا، كما تقول الترتيلة، أن نطرح عنا كل الاهتمامات الدنيوية.الملائكة لا تهتم بقضايا الدنيا والمادة. تهتم بقضايا الله والروح. ونحن مدعوون للتشبه بهم
ناحية أخرى كانت كوظيفة لهؤلاء الملائكة، أن الله كان يرسلهم لكي يعلن لهم ما يعلنوه للبشر بواسطة الأنبياء وبواسطة الصالحين. كانوا،في العهد القديم خاصة،يحدِّثون البشر بما يريد الله، لدرجة أن الشعب في ذلك الوقت كان ينظر إلى الملائكة وكأن الله هو الذي يتحدث ليس فقط من خلالهم بل بحضوره بشخصهم. كلنا يتذكر كيف أن الملاك قد أتى إلى مائدة واعتلى فيها رئاسة المائدة، وكانيتمثل بملائكة ثلاث، وهؤلاء الثلاث كانوا يمثلون الثالوث الأقدس. هذا يعني أن الملائكة جند سماوي ينقل إرادة الله وينتقل إلينا الله من خلالهم. 
أخص بالذكر الملاك ميخائيل الذي، كما أعلنه الكتاب المقدس، بأنه حارب الشيطان في السماء وعلى الأرض وانتصر عليه. لماذا نقول الشيطان؟ لأن الشياطين كانت ملائكة، وبعصيانها عن أوامر الله تمردت واستقلت عنه. 
هذه هي الحرية التي أعطانا إياها الله لنتصرف من خلالها بأحسن تصرف. لكن أولئك الملائكة الذين خرجوا عن مشورة الله تصرفوا تصرفاً معاكساً. وهكذا نحن البشر عندما نتصرف كما لا يريد الله، فإننا نخرج من عائلته ونصبح منبوذين منه ونصبح جنداً للشياطين لكي يقودونا إلى التهلكة. هذا كله نشعر به من خلال حياتنا التي تدعونا ذكرى هذا اليوم المبارك لنستعيد الفضيلة ونستعيد حسن العشرة مع الله ونتمثل بمثل هؤلاء الملائكة،لكي يكون لله رضىً علينا ونصير في تعداد أبناء الملكوت. هذه هي إرادة الله لنا وهذا هو دربنا المدعون كلنا لنصل إليه.
ونعمته تصحبكم الآن ودائماً.

 

عيد القديس ديمتريوس

بمناسبة عيد القديس العظيم في الشهداء ديمتريوس المفيض الطيب، أُقيمت مساء يوم الخميس في 25 تشرين الأول 2018، صلاة الغروب وخمس خبزات في كنيسة دير القديس جاورجيوس في صيدنايا، بحضور عدد كبير من المؤمنين ثم أقيمت صلاة السحرية والقداس الإلهي. وترأس الخدمة قدس الأرشمندريت يوحنا التلي رئيس الديرين. وفي نهاية الخدمة ألقى الأرشمندريت يوحنا العظة التالية:

باسم الآب والابن والروح القدس، الإله الواحد آمين.

في أمسية هذه السهرانية المباركة التي نحتفل فيها لشهيد وقديس من كنيستنا المقدسة، وهو ديمتريوس الذي عاش في القرن الرابع للميلاد زمن الاضطهادات وقبل تنصّر الإمبراطورية الرومانية. كنيستنا تحمل كلمات الكتاب المقدس الزاخرة بكلمة قديس وقديسين، بمعنى أن كل مسيحي مدعوٌ إلى القداسة: "كونوا قديسين كما أن أباكم السماوي قدوس هو" والمسيحي الحقيقي هو الذي يصل إلى ملء هذه القداسة. كلنا مدعوون ولكن ليس كلنا قديسون. الفرق هو أن القديس يجد ويعمل على نفسه من خلال إيمانه، وبهذا الإيمان الفاعل والعامل يلحظه الرب، فيباركه ويعطيه نعمة القداسة التي تُرى من كافة المسيحيين في أيام زمانه، فيُشهد له ويُطوّب بالقداسة. فكم بالحري إذا كان هذا القديس قد وصل إلى مرحلة الشهادة؟! ديمتريوس استشهد من أجل إيمانه بالمسيح، استشهد في زمنٍ كان فيه الاضطهاد كبير. لم يعمل الشائنة التي تستدعي أن يموت بحكم الإعدام من قبل السلطة الحاكمة، لكنه مات لأنه آمن بيسوع المسيح فقط. لم يتخلّى عن هذا الإيمان عندما كان موقوفاً في سجنه بسبب إيمانه. لو أعلنَ أنه ترك الإيمان المسيحي لما حُكِمَ عليه بالإعدام، لكنه صادقُ وإيمانه كان أكبر من حياته، لم يُقم لحياته وزناً بل أراد أن يبقى مستمراً في هذه الشهادة التي عاش عليها قبلما أن يتوقف.

هو ابن أسرة محافظة، أخذ الإيمان وهو في بيت أبويه، وأخذ العلم الغزير والوفير من مدارس زمانه، وأراد أن يكون معطاءً من خلال هذا الإيمان وهذا العلم. عظيمٌ هو الإنسان الذي يشعر بأن له رسالة يريد أن يؤدّيها ويُسخِّر لها المعطيات التي يحملها، يحمل الإيمان ويحمل المعرفة، فوضع هذين الاثنين موضع الجد، وصار عطوفاً، محباً،مساعداً صديقاً لكل إنسان فصار محبوباً. الأهم أنه شعر بأن هذا الإيمان الذي يحمله يجب أن يُعطى لغيره من الذين لا يؤمنون. عَمِلَ بهذه البشارة وأرشد الناس فأحبوا المسيحية من خلاله، وكثر الوثنيون الذين انتقلوا من وثنيتهم إلى إيمانهم بالمسيح. عُرف بأنه إنسان جديٌّ في إيمانه، مجاهدٌ في مسيحيته، فاعتُقل ووضع في السجن، وعندما كان في سجنه زاره أحد المسيحيين واسمه نسطر والذي أصبح فيما بعد قديساً. هذا دُعي لكي ينازل لهاوش الذي أراد أن يقتل كافة المسيحيين من خلال معركة السيف. كان قوي البنية، جسمه كبير وطويل، وساعده قوي ومفتول، وسيفه حاد. ذهب نسطر إلى ديمتريوس وطلب منه الصلاة لأجله، وهو ليس بقوي البنية كلهاوش، لكنه بالصلاة التي حملها استطاع أن ينتصر على ذاك الذي كان يقتل المسيحيين باستمرار. حَزِنَ الإمبراطور عندما علم بما حدث، فوضع نسطر في السجن ثم قتله وقتل ديمتريوس أيضاً. ما زال دم الشهيد ديمتريوس ساخناً، عندما أتى أحد تلامذته وأخذ الخاتم من يده وغمّسه في دمه الساخن، وأخذ يضعه على كل مريضٍ أو محتاجٍ لشفاء فكان يُشفى. واستمرت عجائب القديس ديمتريوس حتى يومنا هذا.

تحتفل اليوم مدينة تسالونيك في اليونان بهذه الذكرى، فالأنوار الساطعة مشعّة في تلك المدينة لتقيم هذا الاحتفال الذي يشترك فيه كافة شعب تسالونيك، ويشترك معهم أيضاً الأنوار المتلألئة الآتية من السماء، أنوار الله التي تضيء على كل قديس ليعكس بهذا النور كافة المحتفلين بذكراه. فنحن ننال من أنوار هذا القديس في سهرانيتنا هذه ونتبارك بتلك البركة التي بالأساس هي آتية من شخص يسوع المسيح الذي علينا كلنا أن نقتدي بديمتريوس لنكون أكثر قرباً من المسيح بصلواتنا وقراءاتنا لكلمة الله من الكتاب المقدس وبأعمالنا الممتلئة بالرحمة وبمحبتنا التي تغمر قلبنا لنعطي الكثيرين من هذه المحبة.

ونعمته فلتصحبكم الآن ودائماً.

 

عيد رقاد سيدتنا والدة الإله

بمناسبة عيد رقاد السيدة العذراء، أُقيمت مساء يوم الثلاثاء في 14 آب 2018، صلاة الغروب وخمس خبزات في كنيسة دير القديس جاورجيوس في صيدنايا، بحضور عدد كبير من المؤمنين ثم أقيمت صلاة السحرية والقداس الإلهي. وترأس الخدمة قدس الأرشمندريت يوحنا التلي رئيس الديرين. وفي نهاية الخدمة ألقى الأرشمندريت يوحنا العظة التالية:

باسم الآب والابن والروح القدس الإله الواحد آمين
إذ نحتفل اليوم بعيد إنتقال أمنا السيدة العذراء إلى السماء بالجسد نقيم في هذه الأمسية المباركة هذه الذكرى الإحتفالية بليتورجية خاصة إستعملنا خلالها كلمات تدل على معاني هذا الإنتقال. بإختصار شديد، فإن كلمات الخدمة تدلنا على أن (السيدة العذراء إنتقلت إلى القبر وصار اللحد سلمًا نقلها إلى السماء). ضمن هذا المفهوم، جرت الخدمة بكاملها ضمن إطار لاهوتي رائع استمدته الكنيسة من خبرة الإيمان، من المعرفة بمن هي العذراء مريم. هذا الإيمان الذي لا معنى له إلا إذا كان الروح القدس هو الذي يشكِّل في قلوب المؤمنين تلك المعاني التي نشعر من خلالها أننا التقينا مع العذراء مريم بواسطة تلك النعمة الخاصة، نعمة الروح القدس وبمعرفة سليمة استمديناها من كل ما أعطيناه عن شخص السيد المسيح الذي تشكل في أحشائها ليكون الإله المتجسد بواسطة هذه الإنسانة التي بقيت بالرغم من أن المسيح صار خارج ذلك الجسد بعد ولادته إلا أنه بقي داخل الجسد من خلال أن هذا التكوين ترك الختم الذي لا يُمحى وذلك الختم هو أداة الإنتقال الأولى التي نقلت العذراء مريم إلى دار الملكوت السماوي. 
نتساءل هل يا ترى فقط مريم التي انتقلت بعد الرقاد إلى السماء؟ بكل تأكيد كافة المؤمنين ينتقلون إلى السماء، كافة المؤمنين ينتقلون إلى الملكوت السماوي. ونتذكر هنا كيف أن اللص اليميني، لأنه آمن بالرب، وبالرغم من أن إيمانه أتى في لحظة جد متأخرة، نال كل مكتسبات الزمان الفائت، وقال له السيد المسيح "اليوم تكون معي في الفردوس". 
إذاً ما هي الخاصية التي تجعلنا نحتفل بمريم دون سواها. هنالك خاصية مميزة جدًا تجعل من مريم العذراء منتقلة بصورة خاصة، منتقلة لأن هذا الإنتقال تم بإرادة إلهية تفوق الوصف، تفوق مقتضيات الطبيعة، تجعل من العالم السماوي هو الذي يرتب موضوع هذا الإنتقال بشكل خاص ومميز. نقول بأن السيد المسيح تمجد بعد صعوده إلى السماء. والميزة التي اكتسبتها العذراء مريم أنها تمجدت بالمسيح عاملة حسب الإرادة الإلهية وبحسب ما دبَّر المسيح بأن تكون هذه الأم تابعة له في ذات الطريق؛ هو في صعود وهي في إنتقال. ونحن كبشر مؤمن، نصعد منتقلين إلى السماء من خلال إيماننا، فبشرية العذراء مريم تؤهل بشرية كل مؤمن لكي يكون أيضًا هو في عالم الملكوت.
أريد أن أختم بالقول بأن عظمة هذا العيد لا يأتي من أحداث تاريخية ولا يأتي من أقوال إنجيلية، إنما يأتي بواسطة الروح القدس الملهم لكل إنسان لكي يشعر يقينًا بأن هذا الإنتقال فعلاً قد حدث. ونحن بهذا الإيمان نرتقي بإرتقاء إيماننا، فنكون أيضًا مع أمنا العذراء مريم حيث هي موجودة ونحن بتقديرنا لها نشعر بأننا سنكون أيضًا حيث هي انتقلت ليكون الجميع محتضنين بالروح القدس مع المسيح يسوع ومع الله الآب في عالم الملكوت، 
ونعمته فلتصحبكم الآن ودائماً.

عيد القديس الشهيد بندلايمون الطبيب الشافي

بمناسبة عيد القديس بندلايمون، أُقيمت مساء يوم الخميس في 26 تموز 2018، صلاة الغروب وخمس خبزات في كنيسة دير القديس جاورجيوس في صيدنايا، بحضور عدد كبير من المؤمنين ثم أقيمت صلاة السحرية والقداس الإلهي. وترأس الخدمة قدس الأرشمندريت يوحنا التلي رئيس الديرين وشارك فيها إضافة لآباء الدير كل من قدس الأب يوحنا اللاطي وقدس الأب باسيليوس موسى. وفي نهاية الخدمة ألقى قدس الأب يوحنا اللاطي العظة التالية:

أتقدم من رئيس هذا الدير العامر وأخويته المحفوظة من الله ومنكم جميعاً بأحر المعايدة بمناسبة هذا العيد الشريف، عيد القديس اللابس الجهاد والطبيب الشافي بندلايمون الكثير الرحمات.
وبعد،
ككل شهداء الكنيسة يحار الإنسان العادي في حالة القديس بندلايمون أمام ما يجري. شاب طبيب يخيف الأمبراطور نفسه الذي يأمر بقتله كي يتخلص منه. والمحور دوماً واحد. نكران المسيح. لم يعد القديسون ينكرون المسيح لأنهم صاروا مثله لأنهم إن أنكروه كأنهم أنكروا أنفسهم.
بندلايمون صورة نظيفة عن الجندي الصالح الذي لم تثنه هموم الحياة (كما يقول الرسول) عن القتال في ميدان المسيح وعن الفلاح النظيف الذي حصد حصاداً قانونياً ونال ثمار عمله في حقل المسيح. فهم باكراً أن إرضاء الله وإرضاء القريب هو الهم الأول. كطبيب، كل ما له كان للمحتاجين وكل وقته كان للمرضى ؛ وكشهيد، عاد إلى المسيح بكل الكرامة لأنه ما خان. إرضاء الآخر أقل ما يعمل به ويسوع صورة الذي يرضي الله النموذجية.

أيها الأحباء،

يجب أن نكون عارفين الله كي نعمل كل ذلك. ومعرفة الله صارت ممكنة بسبب التجسد. يسوع كشف لنا الله. كشف لنا أن إلهنا ثالوثي محب : آبٌ وابن وروح قدس. وهذا ليس مجرد تصور نتغنى به عقائدياً. هذا واقع. يجب أن ندرك إلهنا.
أنا على صورته يعني أنا ثالوثي وهذا يعني أنني أحب كما يحب الثالوث القدوس. والمحبة من طبعي. أنظروا الرهبان : هائل تيار الحب الذي يجمعهم ويفيض إلى خارج. ليس أجمل من استقبال الراهب. يضيفك ويشربك وتنام في ديره وكله لوجه الله. هذا لأنه ثالوثي. حتى أن الدير يحمي أحقر الناس (اجتماعياً) ويأويهم.
الثالوثية دعوة لكل منّا طبعاً في عمله. بسبب الثالوثية، نحن نضحي في سبيل الآخر ونخدمه ونرحمه على كل المستويات. بدءاً من الوظيفة العادية إلى إدارات الدولة. يجب أن يعي الوزير والرئيس أنه ثالوثي. وإذا ما نجح في ذلك حقق المدينة الفاضلة. ومشاكل العائلات والأزواج تأتي من كونهم لا يريدون أن يكونوا ثالوثيين (على صورة إلههم). نحن نسعى لخير الكل والخلاص مرتبط بعمل الخير للقريب وهنا تكمن معرفة الله كثالوث.

أيها الأحباء،

رئيس العالم (الشرير) لا يستسلم ويخوض معركة نزاع عنيفة وينتزع قدر ما يستطيع من الناس. المعركة صعبة. لكننا مسلحون ثالوثياً. في معركتنا هذه، جسد الرب ودمه هما تماماً عوننا الثالوثي الرئيسي الذي يحفظ حياتنا الروحية بالرغم من جميع التجارب. النار الإلهية (غير المخلوقة) الكامنة فينا بالمناولة تدفع كل شرير وكل وسواس وهوى ليهرب منا، من أعضائنا ومفاصلنا وقلبنا. كل هم الشرير أن يقتلعنا من الثالوث ويدفعنا لنخون المسيح. هذا لن يحصل.
القديس بندلايمون كان ثالوثياً ممتازاً كطبيب وكشهيد. كما تنبأ يسوع، ألقوا القبض عليه واضطهدوه وسجنوه واقتيد أمام الأمبراطور. كان كرمح أمامه. لا خوف في قلبه. مزق وكويت جراحه بالنار وألقي للوحوش وقطع رأسه. وبعد موته، كم جرت من عجائب برفاته. وفي كل الأحوال لأنه ثالوثي والحب يقيده كمبدأ لا يُخان كان يسامح قاتليه.
بندلايمون شاب كان بيتاً للثالوث القدوس.
لنتأمل كل ذلك : أنا الحقير، الثالوث القدوس ساكن في ! يا لعظمة الثالوث، الآب والابن والروح القدس. آمين.

 

عيد الصعود الإلهي

بمناسبة عيد صعود ربنا وإلهنا يسوع المسيح، أُقيمت مساء يوم الأربعاء في 16 أيار 2018، صلاة الغروب وخمس خبزات في كنيسة دير القديس جاورجيوس في صيدنايا، بحضور عدد كبير من المؤمنين ثم أقيمت صلاة السحرية والقداس الإلهي وفي نهاية الخدمة ألقى قدس الأرشمندريت يوحنا التلي رئيس الديرين العظة التالية:

باسم الآب والابن والروح القدس الإله الواحد، آمين
إحتفلنا بالفصح المجيد قبل مضي أربعين يومًا، وها قد أتينا اليوم إلى صعود ربنا يسوع المسيح إلى السماء. إنه أيضًا إعلان بمجيء الروح القدس الذي يُنبئنا عنه يسوع المسيح في "المكوث في أورُشليم لحين ما تأتي عليهم قوة من العلاء" وهو وعد سبق وذكره السيد المسيح بأنه سيرسل الروح القدس إلينا. وهذا سيتم بعد عشرة أيام في يوم العنصرة أو في اليوم الخمسين للفصح المجيد. 
الصعود عيد من أهم أعياد السنة، من أهم أعياد السيد المسيح. إنه صعود إلى السماوات الذي يبزغ فيه نور المجد الآتي، وهو البيت المستمر الذي سنمكت نحن أيضًا فيه مع السيد المسيح مع الثالوث الأقدس في يوم من أيام حياتنا. غالبًا لا نقيم علاقة وطيدة بيننا وبين يوم الصعود، في حين أن العلاقة الوطيدة واضحة وأنه علينا أن نتفهمها لنحياها لنكون مع المسيح صعداء وأن نكون مع المسيح مقيمين في عرشه المجيد. 
يسوع آتانا وهو الأقنوم الثاني من الثالوث الأقدس بصفته الكلمة "في البدء كان الكلمة، والكلمة كان عند الله، وإلهاً كان الكلمة". هذا هو الذي أتى إلينا في أحد الأيام واليوم هو بنفسه سيصعد إلى حيث كان، إلى حيث إقامته الدائمة ولكنه سيصعد بصورة مغايرة للصورة التي أتى إلينا فيها. لقد اكتسب جسدًا، والجسد هو ما يمثل كل إنسان منا ونحن محمولون بصعوده بأجسادنا لأنه حمل أجسادنا بجسده وصعد بهذا الجسد ونحن سنتبعه سنلحق به بأجسادنا تلك. 
حادثة الصعود التي كما ذكرنا أتت بعد أربعين يومًا من القيامة، أي أنه عندما قام السيد المسيح بقي حاضرًا يظهر بين حين وآخر لتلاميذه مرات متعددة ولأشخاص على إنفراد أو كثر أيضًا لمرات عديدة. وفي اليوم الأربعيني ليوم الصعود، أي في مثل هذا اليوم، اجتمع يسوع بتلاميذه وحدثهم، وحدثهم عن الأيام التي قضاها معهم موازية لتلك الأيام التي عاشها من أجل أن يحقق رسالة حضوره، أي من أجل أنه أتى لكي يموت على الصليب لأجلنا ثم يقوم. 
بعد هذا الحديث، انفرد عنهم، وبانفراده هذا بدأ بصعوده إلى السماء. كان الصعود محمولاً بأمور من قبل السيد المسيح من قبل شخص المسيح، ومحمولاً أيضًا بأمور من قبل التلاميذ أي من قبلنا نحن. فالتلاميذ يمثلوننا جميعًا. أتت غيمة ودخل بها، وحينئذ بدأ صعوده. لماذا هذه الغيمة؟ وماذا تعني؟ الغيمة في مجريات العهد القديم تعني الحضور الإلهي، عندما كان الشعب في رحلة الخروج، كان الله يرافقهم بغيمة في النهار وبعمود ناريٍّ في الليل، أي غيمة مضيئة. هذا الحضور الرمزي لله امتثل بالحضور مع يسوع المسيح في الصعود إلى السماء. أما دور التلاميذ فإن عيونهم كانت شاخصة، كانت تنظر إلى يسوع وهو يصعد. عندما تشخص العيون، فإن القلب هو الذي يحقق الفعل. القلب في الإنسان الشاخص هو الذي يتحرك، يتحرك نحو الله، يتحرك نحو المسيح في صعوده، أي أن التلاميذ صعدوا مع يسوع من خلال قلوبهم، خاصة وإنه قال لنا في الكتاب المقدس "يا بني، أعطني قلبك". أعطى التلاميذ القلب الحقيقي لشخص يسوع المسيح. هذا استعداد للصعود اللاحق للبشرية جمعاء من خلال أجسادها، كما صعد يسوع المسيح في الجسد. 
نعم أن يسوع سيظهر لنا بعد عشرة أيام من خلال إعطائه لنا الروح القدس، ذلك الروح القدس الذي سيمكث معنا حتى المجيء الثاني للمسيح. سيمكث معنا ويسوع حاضر وناظر إلينا من خلال أننا نتعامل بصورة صحيحة حقيقية مع الروح القدس. هذا التعامل مع الروح الذي يبتدؤه كل إنسان بمعموديته فإنه يؤكد بأنه باق مع يسوع. يسوع صعد وقلوبنا صعدت معه، ونحن باقون وهو باق معنا. على هذه الصورة تتمثل حياتنا الإيمانية بالحضور الدائم لله بشخص المسيح وبدور الروح القدس، لكي نكون نحن في علاقة تامة ودائمة ومستمرة معه. فلنحافظ على هذه العلاقة وأن لا ننفي أن يسوع حاضر معنا وأننا به "نحيا ونتحرك ونوجد".
ونعمته فتصحبكم الآن ودائمًا.

عيد القديس العظيم في الشهداء جاورجيوس اللابس الظفر

عظة سيادة المطران أفرام (معلولي) في عيد القديس جاورجيوس 6 أيار 2018

باسم الآب والابن والروح القدس، الإله الواحد، آمين.
في البداية، يا أحبة، نعايدكم جميعاً باسم سيدنا صاحب الغبطة، كما نعايد أبونا يوحنا وندعو له بطول العمر، ونعايد الأخوية الرهبانية وندعو الله أن يقوّيهم. نعايد زوّار الدير والمصلّين وأبناء بلدة صيدنايا المباركين، بمناسبة عيد القديس جاورجيوس.
كما سمعنا اليوم في الإنجيل، وهذا الإنجيل هو من أروع الأناجيل التي يمكن لأي مسيحي أن يقرأها. نقرأ هذا الإنجيل كجزء موجود في أول إنجيل يُقرأ في الخميس العظيم بين 12 إنجيل. نجد حديثا بين الرب يسوع المسيح وبين تلاميذه، وكما نتذكَّر من ذلك الإنجيل، الذي يعتبر طويلاً نسبياً، يبدأ الحديث عندما يجيب ربنا تلاميذه رداً على أسئلتهم. سألوه بعض الأسئلة ومن خلال الأجوبة قالوا له: إننا لا نفهم شيئاً. إذ قال لهم: ها أنا منطلق، بعد قليل ترونني وبعد قليل لا ترونني. في البداية لم يفهم التلاميذ قول الرب. لكن في القسم اللاحق، يتحدّث بصراحة، فيقول لهم: أنا ذاهب للآب. عندها يقول له أحد التلاميذ: الآن أصبحنا نفهم ما تقوله، وإلى أين أنت ذاهب. أصبح التلاميذ بعد فترة من "الأخذ والرد" يفهمون. 
في نهاية الإنجيل، كما قرأنا اليوم، يصبح ربنا صريحا بشكل أكبر مع التلاميذ، إذ يريهم وجهاً آخر، وجه الصلب، لأنهم قبل ذلك كانوا ينظرون المسيح المتجدد. كانوا يرون النور، كانوا يرون العظمة والمجد، لاحقاً ابتدأ الرب يشرح لهم عن الصلب وعن الآلام وعن الاضطهادات وعن العذابات. فيحدّثهم عن ذلك بطريقة رائعة، إذ يقول لهم: إذا كانوا اضطهدوني فسيضطهدونكم. إذا كانوا قد عذبوني فسيعذبونكم. وإذا سمعوا كلامي فسيسمعون كلامكم. فليس عبدٌ أفضل من سيده. فإذا عانى السيد العذابات فلن يكون العبد أفضل منه بل سيعاني مثله. ثم قال لهم: سيسوقونكم إلى المجامع، أخيراً يقول لهم: كل مَن يقتلكم فإنه سيظن نفسه أنه يقدّم ذبيحة لله. كل ما سبق أن ذكرناه سمعنا عنه ونعرفه، لكنه يقول لهم: أنتم ستشهدون لي، أي أنا أقول لكم أن كل هذا الذي أقوله لكم سيحدث معكم وأقوله لكم كي تعلموا أنني أنا قد قلته لكم. هذه الجملة هي الأهم في كل إنجيل اليوم. يقول لهم: عندما تعانوا وتقاسوا ستعلمون أنني أنا قد قلته لكم. نحن في كثير من الأحيان، وفي حياتنا اليوم ننتظر شيئا من ربنا، ننتظر مصلحة أو غاية لنا، أو شيئا يوافقنا، أو شيئا نحبه وعندما لا نحصل عليه، نتهم الله بأنه لا يستجيب لنا، وأنه لم يسمع كلامنا ولم يصغي لما نريد أن نتحدث به. لكنه أوضح لنا الطريق الذي علينا أن نسلكه عندما نتبع الرب يسوع، أي عندما نكون مسيحيين بالفعل وليس بالاسم. لقد أوضح لنا الطريق مسبقاً طالباً ألا نتذمر منه، فمَن أراد أن يتبعني فليحمل صليبه ويتبعني، فهو لم يخفي عنا أي شيء.
اليوم في عيد القديس جاورجيوس، لدينا أعظم مثال عما تحدّثنا به وهو القديسين وعلى الأخص القديس جاورجيوس الذي كان قائداً عظيماً في الجيش، وكان باستطاعته - من أجل مكانته ومن أجل غناه ومصلحته - أن يتخلى عن المسيح ويسجد لإله الأوثان، عندما طلب منه الإمبراطور ذلك. لكنه لم يفعل ذلك عالماً أن المسيح قال له أنك ستكابد هذه العذابات. كل واحد منا، ليس شرطاً أن تكون عذاباته كعذابات القديس جاورجيوس، أي أن يوضع على الدولاب، أو يقطعوه، أو يسمموه أو يقطعون رأسه....الخ. يمكن أن تكون العذابات في حياتنا اليومية مختلفة الأشكال: التجارب، الصعوبات، الضيقات، الأحزان، ونحن منذ سبع سنين في بلدنا الحبيب، كل عائلة منا، كل شخص منا مرَّ بحزن ما، بصعوبة ما، بضيق ما. وخلال هذا الحزن أو الضيق، هل تذكر أن الرب موجود؟ يمكن أن نكون قد نسينا الرب أو بالأحرى تساءلنا: هل هو موجود أم غير موجود؟ أي أننا شكينا قليلاً. لكن إن قرأنا إنجيل اليوم، الذي جاء فيه: "اعلموا أني أنا قد قلته لكم"، أي أنا أخبرتكم. يقول أحد الآباء: إذا فتشنا كل الكتاب المقدس، لا نجد أي وعد أرضي لنا نحن المسيحيين. أي لا يوجد وعد لنا من الرب أننا سنكون مثلاً أغنياء على هذه الأرض، سنكون مرتاحين على هذه الأرض، سنكون فرحين على هذه الأرض... بل على العكس، قال للباكين: طوبى لكم. للحزانى: طوبى لهم. للجياع: طوبى لكم. للعطاش: طوبى لكم. للمساكين: طوبى لكم.... إذاً يخبرنا ربنا مسبقاً عما سنعانيه. ولكن قد يقول أحدنا: سيدنا، يا ترى ربنا هل يحب العذاب والحزن والألم؟ لا! ربنا يحب الفرح لكننا نسينا أننا نحن عصينا الوصية واخترنا بذات أنفسنا أن ننزل إلى هذه الحياة الأرضية، أن ننفصل عن الرب يسوع، ودائماً نوقع اللوم على الله. وننسى أمراً آخر، أنه بالرغم أننا اخترنا أن نبتعد عنه، فهو لم يبعد عنا، بل بقي قريب منا. بهذه الطريقة يبرر لنا بأنه إنْ تحمَّلنا الضيقات فسنكون معه في ملكوت السماوات وهي المكافأة الأعظم لنا من الرب والتي ننساها في كثير من الأحيان ونتوقّف فقط عند الألم والحزن والضيق. ولنا مثال القديس جاورجيوس الذي بالرغم من كل الضيقات والأحزان لم تفصله عن محبة المسيح، فبقي مستمرا في جهاده، واليوم نجتمع ونطلب شفاعته، 
ربنا يحمي الدير، ويحمي صيدنايا ويحميكم جميعاً، ويعطي الصحة لأبونا يوحنا، والقوة للأخوية جميعاً، ويباركنا جميعاً آمين
.

أحد المخلع

عظة الأب بطرس الجمل من أبرشية حمص، في أحد المخلع 29-4-2018
في هذ الأحد المبارك، أحد المخلع قرأنا فصل من أعمال الرسل، وإنجيل يوحنا:
في فصل أعمال الرسل اليوم سمعنا عن حادثتي شفاء قام بهم الرسل القديسين: شفاء المخلع إينياس وأيضًا شفاء الصبية طابيثا أو ظبية. من خلال هالنص يلي قرأناه بنشوف نعمة القيامة، كيف كانت فاعلة في حياة الجماعة الأولى وحياة الكنيسة الأولى وهدا يشجعنا نحن كمؤمنين اليوم لنكون كنيسة حية، على مثال كنيسة القيامة، على مثال الكنيسة الأولى والجماعة المسيحية الأولى.
في نص الإنجيل، الرب يسوع المسيح اليوم يشفي مخلعاً كان ناطراً عند بركة بيت حسدا - بيت حسدا تعني بيت الرحمة - وبالتالي أثر القيامة في حياتنا هو عمل الرحمة، هو صنع الرحمة، وفعل الرحمة. وبالتالي نحنا كمسيحيين اليوم نعيش القيامة المجيدة. مطلوبٌ منا أن نكون متشبهين بالرب يسوع المسيح ونكون أصحاب رحمة في هذا الكون الذي نعيش فيه اليوم، نكون صناع رحمة في أسرنا في مجتمعنا، وفي كل مكان ممكن نحنا نكون متواجدين فيه.
هذا المخلع كان له 38 سنة ينتظر وما فقد الصبر، ما يأس من رحمة الرب. 38 سنة كان منتظراً الشفاء ونحن أيضًا نريد أن نتعلم الصبر حتى ننال رحمة الرب ونكون مرضيين للرب في حياتنا. أيضًا الرب يسوع المسيح حضر، وكان هذا المخلع منتظراً الملاك، ليأتي ويحرك الماء في بركة بيت حسدا. واليوم الرب يسوع المسيح يرسلنا نحن اليوم لنكون ملائكته على الأرض. نحن المسيحين اليوم نعيش القيامة المجيدة نحن نريد أن نكون ملائكة الرب، مرسلي الله في هذه الأرض نحن نحرك هذا الكون ليكون كون يعيش بسلام، يعيش بوئام يعيش برحمة. هذا الأمر لا يصير فقط بالتمنيات، يصير من خلالنا، الروح القدس من خلالنا يفعل. القيامة تكون فاعلة من خلالنا نحن المسيحيين الذين نحيا حالة القيامة التي استمددناها من الرب يسوع المسيح. أيضًا البشر اليوم كيف كانوا ينتظرون. لم يحرك أياً منهم المخلع لوضعه في البركة. أيضا نحنا ربما في كثيرٍ من الأحيان نتشبه بهم نرى كثير من الحالات التي بحاجة لتدخلنا نحن البشر، ونكتفي ربما بالتمنيات ونكتفي بالتعاطف أحيانًا، لكن لا نكون فاعلين. المطلوب نحن أن نكون فاعلين على مثال الرب يسوع المسيح، ونقدر نساعد الناس المحتاجين لنضعهم في حضرة الله وينالوا النعمة وينالوا الرحمة وينالوا البركة. ولا نكون أبدًا أبدًا مثل هؤلاء الناس الذين بالشكل رأوا كيف أنت حامل سريرك يوم السبت وبالتالي إنتقدوه. حفاظهم على الشريعة، على شكل الشريعة منعهم من رؤية النعمة المنبثقة من الشريعة. نحن كأبناء للكنائس الطقسية اليوم كثير ممكن أن نقع بالخطأ، وممكن نحن أن نكرر أخطاء اليهود أو الناموسيين الذي كانوا في ذاك الوقت، وقت نحن المهم نعتني بالشكل حتى الإيمان ينتقل من جيل إلى جيل، لكن يجب ألا نبقي الشكل يحجب عنا حقيقة الإيمان ونعمة الرب يسوع المسيح وفاعلية الروح القدس الفاعلة من خلالنا في هذه الأرض. 
فدعوة الكنيسة لنا اليوم يا أحباء بهذا الأحد المبارك لنكون أناسٌ قياميين بالفعل، لنكون أبناء الإيمان حقيقةً من خلال عمل الرحمة وصنع الرحمة على مثال الرب يسوع المسيح الذي له المجد إلى الأبد آمين.

سهرة المصلوب

الكلمة الروحية المرتجلة لقدس الأرشمندريت يوحنا التلي بتاريخ 5 / 4 / 2018 أثناء اجتماعه السنوي بأسرة الدير وزواره الذين فاق عددهم الأربعين شخصاً.. تحضيراً لسهرة المصلوب الممتدة حتى الصباح.. كلمة مميزة عبر من خلالها على معاني أسبوع الآلام وخاصة الثلاثة أيام الأخيرة منه وواجبنا تجاهها ..

نجتمع اليوم بعد خدمة الخميس العظيم الذي تم خلاله تلاوات تخص الآلام علاوة على غيرها وأهمها قراءة اثنتي عشر مقطع إنجيلي من الأناجيل الأربعة يضم كافة الأحداث المذكورة بتلك الأناجيل والمتعلقة بمرحلة القبض على يسوع وعذابه وآلامه وصلبه. كلها تحمل البعدين الأول الخلاصي في العمل الفدائي ليسوع، والثاني العاطفي المتعلق بأحاسيسنا ومشاعرنا تجاه ما جرى له من أجلنا. 
أتيتم إلى الديرلنقضي معاً هذه الليلة بلا نومٍ في سهرتنا بالكنيسة مع المصلوب لنستقبل يوم الجمعة ونحيا المسيح بآلامه من خلال المشاركة بخدمة جنازه وبذات الوقت مترقبين قيامته بفرح يغمرنا. إذن نحن الآن نحيا حسب تعبير الأب ألكسندر شميمن بحزنٍ بهي.
يبقى أننا غداً الجمعة سنكون مكملين يومنا هذا بهذا التصرف الذي سيحجب عنا رغبتنا عن الطعام والأفكار وباقي التصرفات، كاستعمال وسائل الإعلام، النت، وما شابه ذلك وغيرها.
بمعنى أن أسبوع الآلام إذا لم يكن حدث معاش فهو ليس مجردقصة تاريخية. صحيح أنه قصة تاريخية حقيقةً، ولكن أهميتها بالنسبة لنا أنه حدثٌ معاش.
تتمايز أيام أسبوع الآلام بعضها عن بعض، ولكننا نميز الخميس والجمعة والسبت بامتياز يفوق الأربعةالأيام الأولى، مثلماميز يسوع المسيح ثلاثة تلاميذ عن باقي التلاميذ لأن عندهم قدرة روحية أكبر، ليقدرواأن يعيشوا الحدث الذي كان يميزهم فيه أكثر، والـثلاثة أيام هذه مميزة لأنها بدءاً من الخميس تبتدئ عملياً الآلام.. خاصة اجتماع العشاء السري الذي أعطانا فيه يسوع ذاته قبل أن نعود ونراه في القيامة.. أعطانا ذاته، أي جسده ودمه وأنهى رسالته بهذه الصورة.. بقيت التكملة التي هي اليوم هي العمل الغير مرتبط مباشرة بتلاميذه وبباقي الناس، وإذا كنتم جميعكم في الكنيسة فلابد أنكم انتبهتم للإثني عشر إنجيلاً مقروءاً الذين يشتملون على كل أحداث الآلام كما دونها الإنجيليون الأربعة.. نجد تكراراً لأن كل إنجيلي كتب بأسلوبه وبطريقته، وعاد فذكرها إنجيلي آخر بأسلوبه وبطريقته، فصار هناك نوع من التكرار للحدث ذاته.. لكن لكل إنجيل من الأناجيل الأربعة نكهة خاصة مميزة وخاصة إنجيل يوحنا الذي تعتبرآحداث الآلام فيه أحداث عميقة جداً للغاية.. لا بد أنكم لاحظتمهذا الأمر بعد هذه الخدمة التي خرجتم منها وجئتم لهذا الاجتماع.
الأيام الـثلاثة هذه، (وهي تعتبر يوماً واحداً) يبقى بينها يوم الجمعة هو الحدث المميز، خاصة أننا نحمل مع روحنا وفكرنا وعقلنا، نحمل عواطفاً.. فإذاً نحننعيش حدث الصلب بالروح بالدرجة الأولى، بمعنى أننا نستشف عمل يسوع الخلاصي والفدائي والذيأخذ منا كلنا خطايانا وحملها هو وبها تألم.. نقول أنه سمرها على الصليب لأنه ترك الصليب وقام بعد خروجه من القبر.. فالحدث مؤثر جداً
هذا الحدث يذكرنا بدرب الآلام الذي مر فيه يسوع ريثما وصل للصليب.. يذكرنا بالجَلْدِ الغير محمول.. يذكرنا بتثبيت المسامير بيديه التي عانى منها يسوع أكثر حتى من الجلد.. يذكرنا بأنّاته الهادئة المسالمة الوديعة وهو في الوقت نفسه شعلة من نار تحترق من الألم والوجع.
نحن نحسّ بالبعدين: البعد الروحي وبعد الآلام
يوم الجمعة هو يوم الدموع الذي لا يقدر الإنسان مهما كان قاسٍ وجاف(وأرجو من الله أن لا يكون أحدكم كذلك)، لابدأنتترغرغولو دمعة صغيرة من بؤرة عينيه حتى تعبّر بشكل عفوي عن مشاركة كل أحد منا عن الحدث الذي جرى في هذا اليوم وخاصة على الصليب..
لها السبب يوم الجمعة إجمالاً لا يتكلم الإنسان أكثر من عشر كلمات، بمعنى أنه فقط يتكلم الكلمات الضرورية جداً جداً جداً.. (وخاصة أولئك الذين يحبون كثيراً الكلام) وإذا أردنا أن نعبّر بطريقة معينة (اسمحوا لي قول كلمة غير مستحبة) يكون هناك ثرثرة أحياناً.. رغم ذلك هؤلاء المثرثرين لا بد أن يحجبوا كلماتهم يوم الجمعة لأن الإنسان غير قادرأن يتكلم وهو (فلنحفظ هذه الكلمة)حامل الحدث، حامل مسؤوليته أمام ما يجري، أمام هذا الذي يمر به يسوع المسيح.
أيضاً المعدة تصبح غير قادرةعلى القيام بالإفرازات الناتجة عن شهية الطعام والتي تجعل الإنسان إلى حد ما يتوقف عن تناول الطعام، وإذا كان لابد، فليتناول الشيء الأقل من القليل، وعادةًيكون شيء غير مطبوخ من أجل الغير قادرين مع قليل من الماءوإن كان هناك ضرورة فنجان ساخن..
هكذا وكثير من الأمور غيرها تجعلنا نشعر أننا مكرسون على الأقل أسبوع بالسنة بشكل عام، ويوم بالسنة بشكل خاص هو يوم الجمعة.. مكرسون للرب لكي نشارك معه آلامه.. وإذا شاركنا معه بهذه الصورة لامعنى لها إذا ما لم يكن عندنا حس بأن مشاركة يسوع بالآلام كانت من أجل البشر، فالبشر مدعوون لنقل هذه المشاركة للتعامل بعضهم مع بعض عن طريق تفضيل الآخر على الذات.. 
هذا الحس يجب أن يرافق حياتنا خلال العام كله بقدر ما نستطيع.. أكيد هناك أناس تقدر أكثر من غيرها، وأناس تهتم أكثر من غيرها، فليكن.. لكن المهم هو أن لا تنعدم هذه الحساسية التي يكتسبها الإنسان من التصاقه بالرب يسوع المسيح يوم الجمعة كي يعيشها ويعبر عنها خلال باقي أيام السنة..
يأتي السبت، فتشرق أنفسنا مع النور الذي يطلع من القبر، ونحس بطاقة فرح غير مرئية ولكن محسوس بها، تكبر وتكبر وتكبرمن أجل أن يأتي يوم الأحد عندهاتتسع دائرة ابتسامتنا ويكبر فرحنا ويتكثف الألم فينا ولكنهالألم الذي يُظهر الفرح لأنه حقاً..المسيح قام.. نقولها مع القديس سيرافيم: يا لفرحي المسيح قام.. حقنا أنو نفرح والكنيسة تعلمنا أن نفرح.. اسألوا المرتلين الموجودين معنا الآن كم هي بهجة التراتيل القياميةالتي تتغلغل داخلنا، والتي تجعل النفس البشرية -التي قلنا عنها قبل قليل أنها تحمل العواطف - تترونقويصير عندها حس بفرح يوم القيامة.. حتى ولو كانت تلك النفس من حجر وليست من لحم ودم.
هذه الأمور هي كلها التي سوف نعيشها في هذا الليلة مع سهرة المصلوب.. نبدأ معه ونفسنا موقنة أنه بعد غدٍ سيقوم، ولكننا نعيش الآن وليس بعد غد.. نعيش أزمة الألم وإن كان في داخلنا مكان معين لا يغيب عنه الفرح إطلاقاً.. فرح القيامة لا يغيب حتى بذروة الآلام، لأن هذا الأمر مرتبط بالصليب.. لا يوجد قيامة بدون صليب.. لا يوجد انتصار بدون آلام.
اسمحوا لي أُدخِل أحداث بلدنا كمَثَلٍ أختم فيه.. 
هذه السبعة سنين ونيف التي عشناها، تقبّلنا ألم الأحداث التي جرت وصبرنا وصبرناوصبرنا.. نتمتع بسعادة الفرح، فرح الانتصار الذي دخلنا فيه الآن.. وكأننا نحيا اليوم، بيوم السبت بالنسبة لقضية الوطن، والفرح القيامي للوطن سيتحقق إن شاء الله عن قريب
هكذا يجب أن يكون معنى القيامة بالنسبة لحياتنا.. غير معزول عن الأحداث السياسية، الأحداث الأسرية، الأحداث الاجتماعية، والأحداث بمكان العمل.. لا يوجد فصل بين هنا وهناك.. هنا وهناك هو الآن كما يقول يسوع المسيح في إنجيله مكرراً مرات ومرات كلمة "الآن".. دائماً فيه الزمن الحاضر المستمر بحياتنا الذي نأخذه من دمج الصليب بآلامه والقيامة بأفراحها
هذا هو الذي يشكل فكر وسلوك ومسيرة الإنسان المسيحي بصورة دائمة ومستمرة
أعود وأقول: أحداثنا هي ليست مجرد أحداث تاريخية.. بل هي تاريخية ومعاشة كيانياً من كل جوارحنا..
كلي أمل أن نحافظ على بعض الأمور حتى يوم القيامة، كأن لا نعبّر عن الأشياء المرضِيّة لنا إلا ببسمات خافتة، أما السعادة المفرحة فلنحتفظ فيها لأول تلاوة المسيح قام في خدمة الهجمة، خدمة القيامة التي نحن مقبلون عليها..
والآن بما أنكم قادمون جميعكم من كل حدب وصوب لتشتركوا مع أسرة الدير بهذه الأيام الـثلاثة، أخص بالذكر يوم الجمعة.. فرتبّنا برنامج السهرة مع المصلوب، مع الأخذ بعين الاعتبار برغبات الأشخاص بتوقيت المناوبات التي يفضلونها
سوف يكون عنا 5 مناوبات يتبعها صلاة الصباح..
فإلى اللقاء كلنا مع يسوع المصلوب.

 

الأحد الثاني من الصوم (أحد القديس غريغوريوس بالاماس)

أقيمت صلاة السحرية والقداس الإلهي يوم الأحد في 4 آذار 2018 في كنيسة دير القديس جاورجيوس في صيدنايا، برئاسة سيادة الوكيل البطريركي المطران أفرام معلولي الجزيل الاحترام الذي ألقى بعد الإنجيل العظة التالية:

باسم الآب والابن والروح القدس الإله الواحد آمين
اليوم يا أحبة، كما سمعنا في مقطع الإنجيل المقدس الذي سمعناه حيث يتكلم عن أحداث عجيبة صنعها الرب يسوع بوجود أشخاص شهِدوا هذه العجيبة، ولكن للأسف، كان لهم موقف سلبي. قال ربنا للمخلَّع: "مغفورة لكَ خطاياك". يعترض بعضهم قائلين جملة منطقية جداً هي: مَن يقدر أن يغفر الخطايا إلا الله؟ مَن له الموهبة ومَن له القدرة أن يغفر الخطايا إلا الله. بمعنى آخر: مَن يَحسب نفسه ذلك الشخص الذي قال: "مغفورةٌ لكَ خطاياك". إنسان يقول لإنسان: "مغفورة لكَ خطاياك". لذا قال ربنا بمعرفته الإلهية: لم أنتم مرتبكين بهذا الموضوع؟ أيهما أسهل أن أقول له مغفورةٌ لكَ خطاياك، أم أقول له: قم واحمل سريرك وامشِ. ولكن كي تتعلموا وتتّعظوا. قال للمخلّع: قم واحمل سريرك وامشِ. فقام المخلع ومشى. عندها صدّقت الناس كلامه.
نحن في كثير من الأحيان في حياتنا نكون كمثل هؤلاء الأشخاص، ربنا أمامنا ويعمل عجيبة ما، ويغفر للناس خطاياهم، لكننا نقول: مَن هو الذي يغفر للناس خطاياهم؟ مَن هذا الكاهن الذي يصلي؟ مَن هذه الأم التي تربي؟ مَن هو المطران الذي يتحدث إلينا بفصاحة؟ مَن ومَن ومَن؟ ونبدأ بإدانة جميع الناس، بمن فيهم ربنا يسوع المسيح. فنحن لا نصدق أمراً واحداً، وهو أن هذا الذي يتصرف أمامنا، هو هو، لا بل نقلِّل من قيمته. وكما قلنا سواء الأم التي تربي وصولاً إلى المرشد والأب الروحي....الخ. مَن هو كي يعظنا؟ مَن هو كي يرشدنا؟ مَن هي أمي حتى تأمرني أن لا أخرج ولا أعمل هذا ولا أفعل ذاك؟ الفكرة من كل هذا، أنني أنا أعرف وأنا قادر لا بل أنا لدي كامل المعرفة، وبالتالي ليس لأحد سلطة عليّ أن يزيد معرفتي، ولو بشيء صغير لأني أنا أعرف. أنا كلي المعرفة، وأنا كلي الصلاح، وأنا كل شيء حسن. هذه الكبرياء الكبيرة التي تكون موجودة لدينا، في كثير من الأحيان، تمنعنا للأسف أن نرى الحقيقة الموجودة أمامنا، لا بل تمنعنا أن نرى ربنا الذي هو أمامنا والذي يقول لذلك الشخص: "مغفورة لكَ خطاياك". يقول لنا ربنا، كما في كثير من مواقف حياتنا: ألهذا المقدار عقلكم صغير؟ أهكذا تفكيركم محدود؟ فيقول: أيهما أسهل أن أغفر خطاياك؟ أم أن أقول: قم واحمل سريرك وامش. طبعاً من الأسهل أن أقول: قم واحمل سريرك وامش. لأن الجملة الثانية لا تستوعبونها أو أن تفكيركم لم يصل لذلك المستوى. لذا نزل ربنا إلى المستوى الذي تفكِّرون به، أي إلى المستوى المحسوس، إلى المستوى المادي. وللأسف نحن الذين نحضر القداس الإلهي في الكنيسة، لا نستوعب أنه في كل قداس إلهي، هناك عجيبة تحدث، فهناك خبز وخمر يصيران جسد ودم ربنا يسوع المسيح. وهذا أمر غير سهل إطلاقاً. وكذلك نحن الموجودين الغير المستحقين، وبوقت من الأوقات، نتحد بهذا الجسد والدم ويصير حياتنا وموجود فينا. ونحن لا نقدّر هذا الشيء. نحن نخرج خارج الكنيسة، ونقول لبعضنا مثلاً: لقد ذهبنا للكنيسة وللقداس وصلّينا، وكم من مرة وقفنا مقابل الأيقونة وصلّينا وطلبنا؟ فهل استجاب ربنا؟ أنا طلبت أن ينجح ابني، لكنه لم ينجح. وأنا طلبت أن يوفقني بعمل جيد، لكني لم أتوفق. وأنا طلبت الأمر الفلاني ولم يتحقّق.... فأين هو ربنا؟ لكني نسيت أني منذ قليل كنت في الكنيسة واتحدت بربنا، وصار ربنا موجود فيَّ. أي أنه صار بإمكاني أن أعمل العجائب. يقول ربنا في الإنجيل: إذا كان لديكم بعض الإيمان تستطيعون أن تجترحوا العجائب، كما يقول: إذا طلبت أي شيء باسمي يُعطى لكم. هكذا يقول الإنجيل. لكننا نضع كل هذا بعيداً عن تفكيرنا، ونريد الشيء الملموس، نريد الشيء المحسوس. أي أنني إذا أردت أن أتوفّق بشيء ما الآن، فإني أحضر الآن إلى الكنيسة وأقف أمام الأيقونة وأريد من ربنا أن يحقق لي ما أريد الآن. فإذا لم يُحقق لي ما أريد فإن كل الصلوات والاتحاد بالرب وتناول جسد الرب ودمه، والصيام والاعتراف،...الخ هذه أمور ليس لها معنى. ماذا تعني جملة "مغفورة لك خطاياك" لي؟ ليس لها معنى بالنسبة لي. إنها أعظم شيء. يقول ربنا بما معناه: يا غشماء، أيهما أعظم؟ أن تقول لشخص: مغفورة لكَ خطاياك، أم أن تقول له قم واحمل سريرك وامشِ. لكن بما أنكم تريدون المستوى الأدنى، قال للمخلّع: لكَ أقول قمْ واحمل سريرك وامشِ. للأسف، كما قلنا في كثير من الأحيان نكون متحجرين وقلبنا قاسي ولا نفهم النعمة الإلهية التي حولنا. يقول القديسين: مَن يتوب هو أعظم ممن يقيم الموتى. نحن للأسف نريد أن نقيم الموتى، وإذا لم نتمكن من إقامة الموتى فلن نصدّق أن ربّنا قادر على كل شيء. نحن نريد إذا كنا مرضى أن يشفينا، 
وبعد ذلك موضوع أن أتناول وأُصلي له، فهذا شيء ثانوي، ليس له علاقة بأني أنا أؤمن بأنني إذا صليت لله فإنه يشفيني فوراً. أحياناً يقف إيماننا عند أشياء مادية، ولا ننظر إلى أبعد من ذلك، الذي هو خلاصنا. ننظر إلى فائدتنا، إلى مصلحتنا، لكننا لا ننظر إلى خلاصنا. فكلنا لو كنا في زمن تلك العجيبة، لكان واحدنا تساءل مع الآخر: ماذا استفاد المخلَّع من قول الرب له: مغفورة لكَ خطاياك، بما أنه ما زال مقعداً على السرير؟ هذه هي نظرتنا، إنها نظرة مادية بسيطة وسطحية، وتحتاج لكثير لترتقي إلى مستوى ربنا. نحن نفكر دائماً بالحياة الحاضرة، ولا أحد منا يقيم حساباً للمستقبل، نفكر بالأشياء المادية ليومنا الحاضر، فنريد طعامنا اليومي وحاجتنا اليومية فقط. أن تفكر بالغد وبخلاصك، أن تفكر بمصلحتك الروحية وليس فقط بمصلحتك المادية لدرجة أنه في كثير من الأحيان حوّلنا الكنيسة بفكرنا نحن إلى مؤسسة استهلاكية فقط، مثلاً ماذا ينفعنا الكاهن الفلاني؟ وإذا ذهبنا إلى الشخص الفلاني فهل يعطينا شيء؟ لكننا لا نسأل أنفسنا: إذا ذهبنا إلى الكنيسة ووقفت أمام الأيقونة، وطلبت من أبونا أن أعترف و...الخ. فممكن للمصيبة أن تبقى، أي يمكن للشخص المقعد أن يبقى مقعداً على السرير ولا يقوم، لكن يمكنه بعد وقت أن يكون في ملكوت السموات. وممكن له أن يقوم بدون أن يكون لديه الإيمان والثقة أنه سيحصل على ملكوت السموات أو ربما لم يخطر على باله ذلك أبداً. إيماننا يقتصر أحياناً على هذا الشيء.
هناك مَثَل موجود في الكتاب المقدس، نرتله في كاطافسيات صلاة السحرية وهو مَثَل الفتية الثلاثة، حيث نقول: " إنَّ الفتية المتألهي العقول لم يعبدوا الخليقة دون الخالق" أي لم يفضّلوا الخليقة على الخالق، لم يفضّلوا: "قم واحمل سريرك وامشِ" على: "مغفورة لك خطاياك". نحن للأسف، نعمل عكس ذلك، نعبد الخليقة دون الخالق. "إنَّ الفتية المتألهي العقول لم يعبدوا الخليقة دون الخالق، بل وطئوا وعيد النارِ بشجاعةٍ، فرتّلوا فرحين: مباركٌ أنت يا إله آبائنا". هؤلاء الفتية الثلاثة من العهد القديم، عاشوا زمن الملك نبوخذ نصر الذي صنع تمثال كبير جداً، وطلب هذا الملك من كل أفراد المملكة أن يسجدوا لهذا التمثال، ودعا الجميع إلى ذلك. فأتى الجميع نتيجة المصلحة والخوف والسلطة وسجدوا وركعوا أمام التمثال العظيم. ثم يحضر أحد الحاشية إلى الملك ويوشي له ويقول له أن هنالك ثلاثة فتية لم يسجدوا للتمثال. فيستدعيهم الملك ويأمرهم أن يسجدوا فيجيبونه: (نحن للرب إلهنا نسجد، وإياه وحده نعبد). وهذه نحن نقولها أيضاً. فقال لهم الملك كي يخيفهم: إذا لم تسجدوا فسأضعكم في النار وأحرقكم. فأجابوه: "نحن لنا الله الذي نعبده وإياه وحده نسجد وهو يُنقذنا". وهذه أيضاً نقولها نحن، فعندما يقترب الضيق والحزن والصعوبات... الخ فإن الله والعذراء والقديسين سينقذوننا. بعد ذلك أمر الملك أن يوضع الفتية الثلاثة في النار وتُضرم سبعة أضعاف كي تصعب عليهم المواجهة. قال لهم: سأضعكم في النار وأحرقكم ثم لنرى إنْ كان الإله الذي تؤمنون به يحضر لينقذكم؟ هنا تكمن الصعوبة، لما صارت التجربة حاضرة وما هو موقفنا؟ هنالك مواقف مختلفة للبشر من التجربة؛ فهناك مَن يقبلها وهناك مَن يهرب منها،...الخ تميز الفتية الثلاثة بموقفهم القوي، لذلك نذكرهم في كل صلاة سحرية، إذ قالوا: نحن لنا إله وهو ينقذنا، وأضافوا جملة جميلة جداً: "وإنْ لم يُنقذنا إلهنا فلن نعبد سواه"، فحتى لو وضعتنا في النار واحترقنا ولم يأتِ إلهنا لينقذنا فلن نعبد سواه. هذا سر الإيمان الموجود بالفتية الثلاثة، وهو صعب جداً بالنسبة إلينا. 
هذا المستوى الذي وصله الفتية الثلاثة يتعارض جداً مع أولئك اليهود الذين حضروا عجيبة شفاء المخلع، وبعد فترة هم نفسهم نادوا: اصلبه، اصلبه.. وهم الذين صلبوه وسلّموه إلى بيلاطس الذي حكم عليه بالموت. إن شاء الله أن نكون في حياتنا ليس كمثل أولئك غير المصدقين وغير الصادقين، بل نكون كمثل الفتية الثلاثة الأمناء الذين يقولون لربنا: أنتَ إلهنا ولن نعبد سواك حتى لو لم تنقذنا. هذا يتطلب الكثير من القوة وكثير من الإيمان، لكن صدّقوا عندما نصبح كذلك، فإننا نجبر ربنا كي ينقذنا. وهذا ما حصل مع الفتية الثلاثة، كما تقول الطروباريات: "فكانوا منديين" أي كان عليهم الندى مع أن النار كان مضطرم لسبعة أضعاف، وكانوا فرحين. تقول الكاطافسية: "فرتلوا فرحين". تخيّلوا شخصاً يحترق بالنار وهو يرتل فرحاً: مباركٌ أنتَ يا إله آبائنا. إن شاء الله كلنا نرتل: مباركٌ أنتَ يا إله آبائنا، وأن تكون فترة الصوم حتى نحسم موقفنا إلى أين سنذهب؟ أإلى جهة الفتية الثلاثة أم إلى جهة أولئك اليهود الذين دانوا ربهم. 
قوّاكم الله وقوّى أبونا يوحنا رئيس الدير مع الرهبان جميعاً، وقوّى هذه الجوقة الجميلة، وأدامكم جميعاً وبارككم.

عيد دخول السيد إلى الهيكل:

بمناسبة عيد دخول ربنا وإلهنا يسوع المسيح، أُقيمت مساء يوم الخميس في 1 شباط 2018، صلاة الغروب وخمس خبزات في كنيسة دير القديس جاورجيوس في صيدنايا، بحضور عدد كبير من المؤمنين ثم أقيمت صلاة السحرية والقداس الإلهي وفي نهاية الخدمة ألقى قدس الأرشمندريت يوحنا التلي رئيس الديرين العظة التالية:

بسم الآب والابن والروح القدس الإله الواحد آمين

          في هذه السهرانية المباركة نحتفل بعيدٍ عزيزٍ علينا، هو عيد دخول السيد المسيح إلى الهيكل. حسب العادات اليهودية في أيام يسوع، كان من الواجب أن يدخل الطفل إلى الهيكل عندما يبلغ الأربعين يوماً من عمره. ولما دخل به أبواه إلى الهيكل، وهما لم يعرفا بعد أنه ليس هو الهيكل فحسب بل هو رب الهيكل أيضاً، إنه المسيح إلهنا الذي وُلِدَ وأتى ليُخلِّصنا وافتدانا بدمه الكريم ليقوم ونقوم معه.

وعندما وصلا إلى الكاهن الذي عليه نوبة الخدمة وكان اسمه سمعان، هذا البارّ والصدّيق عندما وصل إليه الطفل يسوع، شعر بأن هنالك روحٌ تحرِّره لأنه كان قد عَلِمَ من الروح القدس سابقاً بأنه لن يرى الموت قبل أن يرى مسيح الرب. كلمات مجهولة بالنسبة إليه انكشفت الآن، انكشفت وتمَّ اللقاء بين مَن وُعِدَ بأن يرى المسيح مع المسيح الذي يبارك هذا الموعود.

كلمة اللقاء هذه هامة جداً في هذه المناسبة. كم نتمنى نحن أن يحدِّثنا الروح، أن يلهمنا بأن هنالك تلاقي سيتم في يوم من الأيام بيننا وبين يسوع؟ إنْ كنا جدّيين في هذا التمنّي، فعلينا أن نكون مستعدين لتنظيف آذان قلوبنا لتكون طاهرة دائماً لتسمع كلمات الطهر من يسوع بواسطة الروح القدس بأنك مدعوٌ لتلتقي بيسوع، فكُنْ مؤهَّل لهذا اللقاء، وإنْ حدث هذا لنا، فعلينا أن نكون غير منشغلين خاصة بعقولنا وأفكارنا من أجل أن يتحقّق لنا هذا وندركه. لأنه ربما يتم لقاء بيسوع معنا ونحن منشغلين بأمور الدنيا، بهمومها وضوجانها وأشياء أخرى كثيرة. يأتي المسيح فلا نراه، يُحدِّثنا فلا نسمع، ينظر إلينا فلا نرى. لماذا؟ لأننا نحمل عيوناً لا ترى، وآذاناً لا تسمع، والسبب يعود إلى أن الإنسان في كثير من الأحيان يهتم بالأمور التافهة أكثر من الأمور الأساسية.

هذا العيد إنذار لنا، أنْ نتيقّظ، أن ننتبه، أن نكون على استعداد دائم لأن لحظة الكلام تأتي في وقت لا ندركه ولا نعرفه، وكل إنسان مُعدّ من أجل لقاء. فيا ترى سيتحقّق لنا هذا كما تحقَّق لسمعان؟ وخاصة عندما أتت خادمة الهيكل حنة بنت فانوئيل التي صار عمرها أيضاً كبير يناهز المائة عام.

يا لفرح وسرور هذين الشخصين! ويا لروعة الكلام الذي نطق به سمعان بإلهام من الروح القدس! أولاً اشتهى أن يغرب عن هذه الدنيا، سيكتفي بهذا اللقاء ولا يريد شيئاً آخر معه أو بعده، إنه اللقاء الذي سيستمر في حياته إلى الأبد مع خلوده بربه. والجميل أيضاً أنه نطق بكلماتٍ لا تُفهم حينها، عندما عظَّم الأم مريم العذراء، وأنبأها بأنه سيأتي يومٌ سيجوز سيف في نفسها، والسيف هو الألم، وذلك الألم حصل يوم صلب يسوع المسيح، ودخل السيف في نفس مريم، كما سيدخل سيوف كثيرة في أنفسنا. مريم شعرت بهذا الأمر ومجَّدت الله، ونحن علينا عندما تحدث آلام في حياتنا ألا نكفر، وألا نسأل: أين هو الله ولماذا هو غائب عنا؟ هو حاضر لأنه يريد منا أن ندخل إليه بعد أن نتطهّر بتلك الآلام. الآلام طُهرٌ للإنسان أيضاً.

وأختم القول بأنه في هذا اليوم حدّثني شاب بأن الاحتفال في هذه السهرانية سيكون عيدٌ للكهنة، فقلت له: لماذا؟ فقال: لأن الكهنة مع كل قداس يحملون جسد يسوع، وهذا الحمْل للحَمِل يتم في القداس الإلهي بتكرارٍ دائم، في حين أن سمعان حمله مرة واحدة. فرحت من كلام هذا الشاب المستنير، ولكنني قلت له: ولكنه عيدٌ لكافة المؤمنين لأن المؤمن يتناولهم في القداس وهم أيضاً يحملون في داخلهم الجسد والدم الإلهيين الذين هما البركة والعيد وركن الولادة الجديدة.

ونعمة الله فلتصحبكم الآن ودائماً.

عيد الميلاد المجيد

بمناسبة عيد ميلاد ربنا وإلهنا يسوع المسيح، أُقيمت مساء يوم الأحد في 24 كانون الأول 2017، صلاة الغروب وخمس خبزات في كنيسة دير القديس جاورجيوس في صيدنايا، بحضور عدد كبير من المؤمنين ثم أقيمت صلاة السحرية والقداس الإلهي وفي نهاية الخدمة ألقى قدس الأرشمندريت يوحنا التلي رئيس الديرين العظة التالية:

بسم الآب والابن والروح القدس الإله الواحد آمين،
يوم عظيمٌ ومجيدٌ هو الذي نحن فيه الآن، إنه يومُ ولادةِ ربنا يسوع المسيح الذي أتى إلينا كإله في الجسد، إنه عمانوئيل الذي يعني الله معنا. من هذا القبيل، قال القديس يوحنا الدمشقي كجوابٍ على ما أتى ذكره في الكتاب المقدس بأنه )لا جديد تحت الشمس(، فقال: ولكن هناك جديد واحد، لم يأتِ مثله قبل ولن يتكرر بعد؛ إنه ولادة الإله، ولادة يسوع المسيح الذي أتانا كمخلِّص لنا، أتانا ليفتدينا. تلك الولادة العظيمة التي حصلت قبل ألفي عام، هي التي جعلت من القديس يوحنا الذهبي الفم أيضاً أن يقول: (الميلاد أعظم الأعياد)، لأنه لولا الميلاد لما أتت بقية الأعياد. صحيح أن كافة الأعياد مرتبطة بعضها ببعض، ولا يمكن أن يُفهم عيد بدون الأعياد الأخرى، ولكننا نحتفل بكل عيد على حدى من أجل أن يكون احتفال وذكرى وتذكّر لكل عيد نعيّده، واليوم نعيد لعيد الميلاد المجيد. 
في هذا العيد حدث أمر كلّكم تعرفونه ولكن دعونا نتأمل بمعطياته: إنه قدوم المجوس إلى بيت لحم التي وُلِدَ فيها المخلِّص. يُفهم من مقولة الإنجيل بأنهم علماء، رأوا نجماً في السماء - بكونهم فلكيين - يختلف عن باقي النجوم الأخرى، يضيء بنور أقوى من باقي الكواكب، يسير ويتوقف وأيضاً يظهر في النهار بصورة لا مثيل لها لباقي الكواكب. تلك الفرادة هي التي جعلت من القديس الذهبي الفم أن يعلن ويقول بأن هذا الكوكب هو ملاك الله الذي أتى مرئياً بالسماء ليُعلن عن ولادة يسوع المسيح والمرجّح أنه الملاك جبرائيل الذي سبق وبشَّر العذراء بتلك الولادة، فأتى ليُكمل الدرب من أجل أن يتم الخلاص.
الحدث الثاني هو أن جمهور من ملائكة السماء أتت واقفة عند مكان قريب من مذود بيت لحم حيث كان هناك رعاة ساهرون من أجل أن يكون هنالك أمن لتلك الخراف، هؤلاء الرعاة هم أناس طيبون، أناس ذوي صلاح وقلوب نظيفة، أتى إليهم هؤلاء الملائكة وأعلموهم بولادة المسيح. كان الحدث مذهلاً، ولكن ليس بغريب لأن كل مَن يقرأ الكتاب المقدس بعهده القديم يعرف أن الله أعلن للأنبياء كافة من موسى إلى يوحنا المعمدان وما بينهما، كيف أن مخلِّص سيأتي مولوداً من فتاة عذراء تعطي العالم هذا المخلِّص والفادي. وكانت أنشودتهم، أيضاً كلكم تعرفونها: المجد لله في العُلى وعلى الأرض السلام وفي الناس المسرّة. أجمل ما قيل في الأدب العالمي، هذا القول الرائع الذي ينتهي بفرحنا، بمسرتنا. فهل نحن مسرورون لأن الله قد أتى بالجسد؟ مسرتنا كبيرة، وعلينا أن نحافظ عليها ونتعمّق من خلالها في معرفة شخص يسوع المسيح. مسرتنا هي أننا سنتحرّر من الخطيئة والخطايا وسنلبس ثوب التوبة التي من خلال تلك التوبة بإمكاننا أن نستعيد ما فقدناه بسبب خطايانا بدءاً من آدم إلى كل شخص منا، حتى يكون هنالك عودة لحياة مع الله تنقلنا في الوقت الذي كلٌ له يوم فيه ليصل إلى عالم الملكوت. 
الميلاد حقاً هو عيد مبارك، وعلينا أن نركِّز خلال ذكرى هذا اليوم بأهمية الميلاد. ليس بخطأ أن نحتفل واضعين شجرة ومذود، ولكن نكون خاطئين إذا أهملنا أن الغاية هي شخص يسوع المسيح الذي علينا أن نجعل من قلوبنا مذوداً له ليولَد فيه، ونحن من خلال هذه الولادة نصير أبناء الله بالروح. فلنسعَ بهذا جاهدين، ولنعطِ عهداً لربنا بأننا اليوم سنولَد مع المسيح تلك الولادة الجديدة، الولادة بالروح.

ونعمة الله فلتصحبكم الآن ودائماً آمين.

عيد القديسة كاترينا

بمناسبة عيد القديسة كاترينا، أُقيمت مساء يوم الجمعة في 24 تشرين الثاني 2017، صلاة الغروب وخمس خبزات في كنيسة دير القديس جاورجيوس في صيدنايا، بحضور عدد كبير من المؤمنين ثم أقيمت صلاة السحرية والقداس الإلهي وفي نهاية الخدمة ألقى قدس الأرشمندريت يوحنا التلي رئيس الديرين العظة التالية:

باسم الآب والابن والروح القدس الإله الواحد آمين،

في هذه السهرانية المباركة نحتفل بذكرى استشهاد القديسة كاترين، التي نُعيّد لها اليوم. هي ابنة الإسكندرية، عاشت في نهاية القرن الثالث وبداية القرن الرابع. كان زمانها زمان عهد وثني والاضطهاد من السلطة على المؤمنين كان كبيراً، من جهة ثانية، كانت ابنة لأسرة نبيلة من النبلاء، ومجرد أن نقول في ذلك الزمان أسرة النبلاء، يعني أنها من أسرة العلم والأدب والحكمة. كانت متعلّمة ودارسة لكافة علوم عصرها، من منطق وفلسفة وحكمة وعلوم. كانت جميلة جداً ولم تبلغ بعد العشرون عاماً، عندما جرت لها الأحداث التي أدّت لاستشهادها. كانت أمها تطالبها بأن تقبل بالزواج من أحد أولئك الذين تقدّموا في طلبها. بيّنت لأمها أنها لن تتزوج إلا إذا وُجد الشاب الذي يساويها بالنُبل والعلم والحكمة.

عاش بالقرب من الإسكندرية ناسكٌ يقصده المسيحيون لاستشارته في الأمور التي يحتاجون إليها، ذهبت الأم إليه وسألته،ماذا تعمل بسبب أن ابنتها رافضة لهذا الزواج، وهذا معيبٌ في ذلك الزمان.فاستدعى الابنة وأتت إليه،وقال لها بأن هنالك رجل ممتلئ بالحكمة أكثر من كل الحكماء الذين تعرفيهم، وهو أيضاً رجل علوم، علم الدنيا كلها مرتبط به، ومن خلاله تكوّنت الأكوان كلها؛ إنه الإله الذي نزل إلينا وتجسّد، وهو الذي يريد أن يكون بالقرب منه الأناس الذين هم أتقياء، وبالتالي هم أصحاب معرفة بالتقى. ثم صرفها وفي البيت فكّرت وفكرت، فوجدت بأنها مدعوة أن تعود إلى ذلك الناسك وتتلمذت من خلاله على معرفة المسيح والمسيحية وتعمدّت هذه المرحلة الأولى من حياتها.

في وقت لاحق أتى الإمبراطور إلى الإسكندرية ليقيم احتفالاً بذكرى أحد الآلهةالذي يؤمن بهم، وأراد من جميع أهل الإسكندرية أن يمتثلوا بأن يذبحوا الحيوانات التي تُقدَّم ذبيحة للآلهة، وصار حفلٌ كبير جداً. أتت كاترين وهي مهيّأة لتتكلّم بأمور لا يرغب بها أمثال هذا الإمبراطور. فاستأذنته بالكلام بعد التحية المعهودة التي سلّمت بها عليه، فأذِن لها بالكلام،فبيّنت له بأنه من المستحيل أن يكون هناك تعدّد للآلهة، هناك إلهٌ واحدٌ هو سيد الكون وسيد الإنسان وسيد الخليقة، وبرّهنت له بالعلوم التي دَرَستها، كيف أن فلاسفة العصر والقدماء تحدّثوا بهذا الموضوع، رغم أنهم لا يعرفون لا المسيح ولا الإله الحقيقي. لم يرتاح الإمبراطور لكلامها، ولكنه كان مرتاح جداً لأحاسيسه ومشاعره تجاه جمالها، فطلب منها أن تأتي إليه في اليوم التالي إلى القصر، فقالت له بأنها ستأتي ولكن حبذا لو يحضر الكهنة الذين يؤمنون بهذه الآلهة، لنتحدث كل من طرفه. وافق الإمبراطور وصارت تلك الجلسة التي حضرها الألوف من أبناء الإسكندرية.

وقف رئيس الكهنة متحدثاً ومبّيناً مدى أهمية هؤلاء الآلهة، واستطرد في الحديث فطلبت هي أن تتكلم وتُجيب. فأذن لها، استشهدت من مفكّري الأُناس الوثنيين،كيف أن هذا الكلام غير مقبول، وقدّمت شهادات وشهادات بلسان حكمة وليس بلسان استطراد.كان الجميع منذهلاً من كلامها، وخاصة عندما بيّنت أهمية الإله المتجسِّد الذي أتى إلينا ليفتدينا ونعود إلى حياتنا التي هي بلا خطيئة. طلب الإمبراطور أن يجيبها هذا الكاهن، فقال أن كلامها حقٌ وكل ما تفوَّهت به هو مقبول،وأيّده الكهنة الآخرون وعددهم خمسون كاهناً، وفي بعض المراجع يُقال بأن العدد مئة وخمسون. فغضب الإمبراطور وأمر مباشرة بقتل هؤلاء الكهنة، ولكن بالنسبة لكاترين لا زال قلبه مشغول بها، فحاول أن يستميلها بكلام من أجل أن يرضى بها ولو بقيت على تفكيرها، ولكنها رفضت رفضاً قاطعاً، وقالت بأنها مرتبطة بشخص المسيح الذي لا يمكن بأن تكون عروساً لإنسان غيره، خاصة وأنها قبل تلك الحوارات حَلِمتْ بالعذراء الأم مع يسوع،حيث أتيا إليها وألبساها الخاتم الذي به ارتبطت بشخص المسيح. صارت عروس المسيح بالروح، فكيف بإمكانها أن تكون مرتبطة مع شخص آخر؟ حينئذ غضب الإمبراطور وأدخلها السجن، وعُذِّبت بآلة معروفة فيها أسنان تقطع اللحم. ولكن عند تعذيبها، حصلت أعجوبة إذْتكسّرت الآلة،وإنْ قال بعض الناس عن الآلة أنها سيئة الصنع، ولكن نحن نعلم بإيماننا أن المسيح تدخّل. وطلب بأن تُستشهد بقطع رأسها وهذا ما حصل.

الأمر المهم أنه في القرن الثامن اكتُشف أن جسدها في مكان آخر، في سيناء حيث هناك يوجد كنيسة وأن الرهبان دفنوها هناك وغيّروا اسم الكنيسة إذ أصبح اسمهاكنيسة القديسة كاترين وهي قائمة حتى اليوم.بهذه الصورة نكون قد تعرّفنا على شخصية القديسة كاترين.

ولكن الأهم لم نقله بعد. ماهو الأهم من كل ما جرى؟ هو بأن الإنسان المؤمن بيسوع إنسان يحيا وهو محتضن يسوع في داخله، لا يشعر ولا يحس بآلام الجروح والعذابات والاضطهادات. هذا ما نعرفه عن قديسين كثر،عُذّبوا وكانوا يحملون الفرح بدلاً من الألم لأن يسوع كان قادراً أن يعطيهم التعزية الحقيقية التي تفوق الإحساس بجروح الجسد. الأمر الثاني أن كاترين كانت شاهدة بإيمانها لشخص المسيح وبعد فترة ليست بطويلة تحوّلت الإمبراطورية كلها أيام القديس قسطنطينإلى مسيحية من خلال التهيئةالتي صارت كمثل قديسين كُثر،على رأسهم القديس جاورجيوس الذي بامتثاله للعادات قتل التنين، وهكذا أيضاً كاترين قتلت التنين، أي أنها انتصرت بإيمانها لكي تقول بأن الحياة الحق هي الحياة بيسوع ومع يسوع. وما التنين إلا الشيطان الذي يُغذّي الوثنية والذي يهاجمنا في أيامناالحاضرة من أجل أن نبتعد عن المسيح، فهو يلقّننا الدروس التي بها لا نهتم الاهتمام الكافي كمثل اهتمام القديسة كاترين بحبها ليسوع،بل في كثير من الأحيان نقبل الأمور أن تجري بصورة وكأنها ميوعة في الحياة والإيمان.علينا أن نتمسك بإيماننا بيسوع، ونكون كمثل القديسة كاترين ناقلين هذا الإيمان بحياتنا وبكلامنا ومعيشتنا حتى يكون المسيح هو الظاهر من خلال كل إنسان مؤمن.

ونعمة الله فلتصحبكم الآن ودائماً آمين.

عيد نقل رفاة القديس جاورجيوس

بمناسبة عيد نقل رفاة القديس جاورجيوس، أُقيمت مساء يوم الخميس في 2 تشرين الثاني 2017، صلاة الغروب وخمس خبزات في كنيسة دير القديس جاورجيوس في صيدنايا، بحضور عدد كبير من المؤمنين وفي صباح اليوم التالي أقيمت صلاة السحرية  والقداس الإلهي وترأس الخدمة قدس الأرشمندريت يوحنا التلي رئيس الديرين الذي ألقى في نهاية القداس العظة التالية:

باسم الآب والابن والروح القدس الإله الواحد آمين،
إذْ نحتفل اليوم في هذا القداس المبارك، بذكرى نقل رفاة القديس جاورجيوس إلى مدينة اللد، بعدما أن تنصّرت الإمبراطورية الرومانية، وبُنيت كاتدرائية كبيرة هناك على اسمه. هذا الانتقال هو تكريم لشخص القديس جاورجيوس. عندما نقول باللغة الكنسية: "تكريم"، هذا يعني مسيحياً أننا نُكرِّم شخص المسيح من خلال شخص القديس جاورجيوس. كيف؟ الإنسان المسيحي هو مسيحي بقدر ما يتشبّه بأعماله وأفعاله من خلال إيمانه بربنا يسوع المسيح. القديس جاورجيوس كان أمثولة لهذا التشبيه بيسوع، فصار ليسوع خادماً ومُبشِّراً وعاملاً باسمه من أجل أن يكون اسم يسوع هو اسم فوق كل اسم في العالم. 
جاورجيوس اقتدى بيسوع بعدما أن آمن به، انتقل من جندي روماني إلى جندي للمسيح يعمل بموجب تعاليمه. وتعاليم يسوع تختصر بكلمتين: المحبة وعدم الإدانة؛ أن نحب بعضنا بعضاً، ألا ندين الآخرين ونستغيبهم، عندما يكونون غير حاضرين بمجلسنا. بهذه الصورة، نقتل كل حقد وكراهية في قلوبنا، كل حسد وضغينة نلمسها أنها موجهة للإنسان الآخر. 
السهم الذي كان بيد جاورجيوس ليطعن به العدو، تحوَّل ليطعن به الخطيئة. وما التنين إلا أمثولة لهذه الخطيئة، وعندما نحارب الخطيئة نحاربها في نفوسنا قبل كل شيء. الإنسان المسيحي هو الإنسان اليقظ على نفسه، الذي لا يترك مجالاً ليكون هناك نقص في الحب تجاه الآخرين، أي أنه يحاسب نفسه دون سواه. القديس جاورجيوس أعطانا بإيمانه بيسوع المسيح، أعطانا دروساً جديدة نتعلّمها من الإنجيل بواسطته، لأنه عاش كما أراد الإنجيل أن يقول لنا. من هذه الناحية يأتي التكريم، وتكريمنا نحن ليس لأموات. 
يسوع المسيح قال بأن إلهنا إله أحياء وليس إله أموات. مَن هم الأحياء الذين ذكرهم يسوع، هم إبراهيم واسحق ويعقوب من الذين رقدوا منذ زمن طويل، منذ رقاد السيد المسيح. هذا يعني أن الذي يرقد بسلام على اسم الله أو المسيح هو إنسان حي. القديس جاورجيوس هو حي من خلال أنه اقتنى يسوع بداخله. ونحن نكرّمه لهذا الاقتناء. بشّر بيسوع في المملكة التي تحاكمه واستطاع أن يوصل المسيح إلى أعداد كبيرة. نحن نكرّم المسيح إذاً علينا أن نكمل المشوار، أن نكمل الطريق، أن ننقل هذا الإيمان الذي من خلال التكريم إلى الآخرين. حديثنا بعضنا مع بعض لا قيمة له، إنْ لم يكن مقروناً بأعمال يسوع المسيح وكلماته، إنْ لم يكن مقروناً بأن نلغي من قاموس حياتنا كل شيء لم يرضَ عنه المسيح. هذا ما فعله القديس جاورجيوس. هذه المعاملة الجديدة، هذه الشريعة الجديدة التي أتت إلينا بشخص المسيح، تقلّدها القديسون ومن بينهم شفيع هذا الدير، شفيع هذه الكنيسة، شفيع هذه البلدة، شفيع قلوب أبناء مدينة صيدنايا لأننا كلنا نقدّس ونحترم هذا القديس، أي أننا نوصل تقديسنا إلى شخص المسيح بالذات. 
احتفالنا اليوم احتفال مهم. هذا التكريم يجب أن يمتد خلال حياتنا إلى كافة علاقتنا البشرية بعضنا مع بعض، أن يمتد ليكون لنا القدوة التي نعمل من خلالها ونُرى ويُشهد لنا بأننا نحمل آثار المسيح في حياتنا. القديس جاورجيوس الشهيد مات، وهو يعلن أن المسيح الإله هو رب بشخصه، ونحن أيضاً علينا أن نتابع تلك الحياة بهذا الإيمان الذي لا قيمة له إنْ لم يرتبط باللغة واللسان والعمل.
ونعمة الله فلتصحبكم الآن ودائماً آمين.

عيد القديس الشهيد ديمتريوس المفيض الطيب

بمناسبة عيد القديس العظيم في الشهداء ديمتريوس المفيض الطيب، أُقيمت مساء يوم الخميس في 26 تشرين الأول 2017، صلاة السهرانية في كنيسة دير القديس جاورجيوس في صيدنايا، بحضور عدد كبير من المؤمنين، وبالإضافة لآباء الدير، فقد شارك في الخدمة قدس الأب يوسف سلوم. وقد ألقى قدس الأرشمندريت يوحنا في نهاية الخدمة العظة التالية:

باسم الآب والابن والروح القدس الإله الواحد آمين
إذْ نحتفل اليوم في هذه الأمسية
المباركة، بعيد القديس ديمتريوس الذي استُشهد في مطلع القرن الرابع للميلاد. كانت شهادته آتية من خلال إيمانه الحقيقي بيسوع المسيح، يعرف أنه سيموت، وستكون شهادته قاسية بالنسبة لجسده، ولكنها مفرحة بالنسبة لروحه. وأيضاً نحن نعرف بأن كل شهادة تنتهي بانتشار الإيمان لأن الجمهور الكبير يقتدي بمثل هؤلاء الأبطال. الضعفاء يتقووا، وقليلو الإيمان يصيرون من المؤمنين حقيقةً. إنه ليس بحدثٍ اعتيادي، إنه حدثٌ يفوق الوصف أن يرضى إنسانٌ بأن يموت من أجل الاحتفاظ بكلمة الحق، بالإعلان عن إيمانه بدون خوفٍ ولا تغيير، وغالباً ما تكون شراسة الجلاّدين الحاكمين بالموت على مثل هؤلاء يتفننون بالأشكال المتعددة للعذابات الكثيرة التي تجعل الإنسان يتراجع عن قراره ويعلن أنه غير مؤمن. لكن الشهداء كانوا أقوى بكثير من هذا الخوف الذي يمكن أن يعتريهم. لماذا ومن أين يأتي هذا؟ من أين تأتي كل شجاعة في النفس الأبية؟ تأتي فقط من خلال إنسانٍ يَعلم بأن المسيح هو حياته وبأنه بالمسيح يحيا وإن مات، وأن حياة الملكوت قائمة في الدخول عليها من باب الشهادة هذه. تلك المعطيات لا تأتي بسهولة بل تأتي من خلال صدق الإيمان. 
كثيرون من الشهداء صار لأجلهم سعي لتحريرهم بتهريبهم بدلاً من النزول إلى ساحة الميدان التي تأتي الوحوش لافتراس مثل هؤلاء الناس، ولكنهم لم يرضوا أبداً بأن يكون طريقهم طريق الفرار، بل طريق الصمود والبقاء.
عندما يحاكي يسوع المسيح الروح بالنفس وبالعقل، فإن هذا الإنسان يتشامخ كثيراً، ليس بمعطيات نفسه الضعيفة، إنما بقوة النعمة، بقوة يسوع الذي يسكن فيه. يتحول هذا الإنسان إلى مسيح آخر. مسيحيتنا قائمة على أن نقتدي بالمسيح لنصير مثله. نحن نصير بالنعمة، ولكن يسوع إلهٌ بالجوهر.
واليوم في أيامنا هذه، تغيب ألوان الشهادة التي كانت كثيرة في الأيام الغابرة، ربما في معترك حياة سوريا اليوم، هنالك عودة لبعضٍ من الشهادة، ولكن هذا أمرٌ عابر. ماذا يجب علينا أن نفعل من خلال هذا الغياب؟ علينا أن نشهد للمسيح بإعلان إيماننا وبحديثنا عنه. هذا الموقف يعادل ويوازي شهادة الدم؛ أن يكون الإنسان جريء في موقفه أمام عالم مبتعد عن الإيمان وعن يسوع وعن الكنيسة.
من خلال خبرتي في أحاديثي مع الناس، ألمس أن هنالك فئة غير جريئة بأن تبقى صامدة في إيمانها، تتنازل أمام الباقين، أمام الكثرة. وهناك فئة أخرى، لا يهمها ما سيقوله الناس عن مثل هذا المؤمن، الذي يهم هو ما يقوله الرب الإله، ما يقوله يسوع المسيح متخطية رغبات البشر، ومرتبطة بالذين يحملون بأعماق أنفسهم حضوراً دائماً ومستمراً لشخص المسيح. هؤلاء شهداء لهذه الأيام. يرفضون أن يعملوا كمثل ما يعمل الباقون، يبتهجون أن يعملوا ما يريده يسوع المسيح. لا تظننّ أن هذا الأمر سهلٌ، إنه صعب، وعلينا بالصعوبات أن نتخطى الضعفات. لا يقولنّ أحدٌ بأن غياب الشهادة هو دورٌ عفى عنه الزمن ومرَّ وعَبر. بل علينا أن ندرك بأن الشهادة هي الاستشهاد بالأقوال وبالأعمال وبالنيات وبكل معطيات أنفسنا لكي نكون عاملين بما يريده المسيح منا. هذه الشهادة، هي شهادة العصر، فلا تبخلنّ على أنفسكنّ بالهروب من مثل تلك المواقف. موقفنا الحقيقي هو واحد فقط، أن نتشبه بالمسيح وأن نعمل بما طلبه منا بحسب أقواله وأفعاله. هذا يستدعي أن نكون بحبنا قريبين من الله وقريبين من بعضنا البعض. هذا يستدعي أيضاً بالتزامنا أن نكون من قرّاء الكلمة الإلهية، تلك الكلمة التي تعني أن المسيح من خلالها حاضر معنا. نرى المسيح حقيقة، إذا كنا مطالعين للكلمة الإلهية بقلوب نظيفة طيبة. كل هذا طريق نحو الشهادة والاستشهاد. فبشفاعة القديس ديمتريوس الذي نقيم تذكاره اليوم، أطلب من الله لنا جميعاً أن يعطينا النعمة والقوة لكي نكون متبنين شخص المسيح في حياتنا.
ونعمته فلتصحبكم الآن ودائماً آمين

عيد انتقال القديس يوحنا الإنجيلي الحبيب

بمناسبة عيد شفيع صاحب الغبطة البطريرك يوحنا العاشر الكلي الطوبى والجزيل الاحترام، وشفيع قدس الأرشمندريت يوحنا التلي رئيس ديري القديس جاورجيوس والشيروبيم في صيدنايا، وبمشاركة قدس الآباء: سمعان هيلون وأغابيوس، وباسيليوس موسى وقدس الشماس رومانوس بغدان، أقامت أخوية ديري القديس جاورجيوس والشيروبيم في صيدنايا، مساء يوم الاثنين في 25 أيلول 2017، سهرانية بمناسبة عيد انتقال القديس يوحنا اللاهوتي، وفي نهاية القداس ألقى قدس الأب سمعان هيلون العظة التالية:

باسم الآب والابن والروح القدس، الإله الواحد، آمين.
بمحبتكم جميعاً الآباء والإخوة الرهبان والمؤمنين، نطلب بركة أبونا يوحنا التلي رئيس هذا الدير المبارك. اليوم نسميه عرس مبارك خاص بي هو عرس مع القديس يوحنا الإنجيلي. إنه أمر عجيب مدهش وكلي الحكمة أن المخلوق يسمح له الخالق أن يتكلم عن حقيقته ويصف اللاهوت غير المدرك وغير المخلوق بفم يوحنا الرسول.
أمرٌ مدهش جداً لنا نحن البشر أن يعطينا الرب الإله حكمةً إلهيةً بلسان يوحنا الإنجيلي ويشرفنا بهذه الكرامة غير الموصوفة. أن يجعلنا نسمع أقوال إلهية بلسانٍ ناري بشفاه مسبِّحة بأنغامٍ وطرب وأناشيد وبفم مملوء من النعمة والنار. بفم يقول لنا أن الخالق الرب يسوع المسيح المولود من الآب هو الكلمة الأزلية غير الموصوف صار بيننا وسمعناه ورأيناه ولمسته أيدينا ونحن شاهدين له على ذلك. 
الأمر المستغرب يا أحباء أن الخالق يسمع للمخلوق المحب كثيراً. في صلاة اليوم تقول لنا الكلمات الآبائية المنيرة للعقول. تقول لنا: "الذي أحبّ كثيراً أُعطي حكمة كبيرة وأعطي نعمة بأن يتكلم بحقيقة اللاهوت. الذي أحب كثيراً وطلب مكاناً خاصاً جانب السيد استمع له السيد وأعطاه ذلك المكان المخصص وأجلسه عن يساره في العشاء السري. أعطاه رغبةً حقيقةً كان يطلبها يوحنا الإنجيلي بمحبة ولكن من خلال هذا الطلب الأرضي البسيط لأنه يحبّ الرب يسوع أعطاه مجداً عظيماً وجعل من أذني القديس يوحنا الإنجيلي تستمع من صدر السيد مباشرةً كلاماً غير منطوق به حقيقةً إلهية لم نسمعها سابقاً ولم يعلنه بشراً إلا عندما سمح الرب يسوع أن ينطق بها يوحنا الإنجيلي.
يوحنا الإنجيلي في صلاة اليوم تعلمنا أن صوته صوت رعد قد أخاف الأمم التي لم تؤمن ولم ترد أن تعرف الإله حقيقةً وابن الرعد وصوته صوت رعد. أما بالنسبة لنا نحن الأبناء المؤمنين فهو صوتٌ عذب يعلن لنا محبة الرب يسوع الذي يقول: "من يحب أكثر يُعطى أكثر". لذلك استأهل يوحنا الإنجيلي أن يكون أخاً للسيد وأن يكون ابناً للسيدة العذراء وأن تكون أماً خاصة له ويأخذها إلى بيته وخاصته.
يا أحباء الذي يحب كثيراً يُعطى حكمة كثيرة. الذي يحب كثيراً هو الذي يستطيع أن يتكلم بحقيقة اللاهوت. الذي يحب كثيراً هو الشاهد العظيم للاهوت الرب يسوع وأعماله ولكل ما صنع من أجل خلاصنا.
أكرر طلب صلوات أبونا يوحنا في هذه السهرانية المباركة، كابنٍ أعطيتني محبة لا أستحقها منذ الصغر فأشكرك جداً لأنك سمحت لي بأن أتكلم بتواضع شاكراً فضلك وبركة ربنا فلتكن مع يدك المباركة لتوضع على رأس الجميع وننال منها بركة عظيمة. آمين
.

عيد رقاد سيدتنا والدة الإله

بمناسبة عيد رقاد سيدتنا والدة الإله، أُقيمت مساء يوم الاثنين في 14 آب 2017، صلاة السهرانية في كنيسة دير القديس جاورجيوس في صيدنايا، بحضور عدد كبير من المؤمنين. وقد ألقى قدس الأرشمندريت يوحنا في نهاية الخدمة العظة التالية:

باسم الآب والابن والروح القدس، الإله الواحد، آمين.
أيُّ عيدٍ هذا الذي نحتفل به اليوم؟ هو ذكرى انتقال سيدتنا العذراء أم الله إلى السماء. في خدمة صلاة الغروب رتلنا القول التالي: "إن ينبوع الحياة قد صارت بلحدٍ والقبر قد صار سلماً يصعد إلى الأخدار السماوية". هذا القول به يُختصر موضوع عيد اليوم.
العذراء مريم لم نقل عنها بأنها ماتت، إنما بعد رقادها وُضِعت كما يوضع كلّ مائتٍ في قبرٍ، ولكن بكونها ينبوع الحياة، والحياة هو يسوع. وهي الينبوع الذي أعطانا يسوع المسيح لكي يكون لنا مخلِّصاً. قد صار القبر الذي سكنته العذراء مريم، صار سلماً يُصعِد من به إلى الأخدار السماوية. لم نقل كما قلنا في عيد الصعود بأن العذراء مريم صعدت إلى السماء. هي أُصعدت. لذلك نقول هي انتقلت. هذا الأمر مهمٌّ جداً لكي نميز بين يسوع المسيح الذي بذاته صعد بكونه الله. أما مريم فبفضل حملها المقدس وإعطائنا يسوع المسيح من جسدها، وبفضل حياتها المقدسة التي عاشتها بشكلٍ مميزٍ عن كلِّ إنسانٍ عاشه على الأرض، حتى بالنسبة للقديسين والقديسات. هذا هو الذي سبّب أن يريد الله انتقالها بالجسد، فالجسد عندها تقدّس كما تقدس الروح فيها.
قد يتبادر إلى ذهننا أن كل إنسانٍ يصل إلى القداسة، يصير سلماً مصعدة إلى السماء. نعم هذا صحيح. ولكن الموضوع مع مريم فيه ميزةٌ وفيه وضعٌ مختلفٌ بأن ذلك الصعود قد تمّ بالجسد من أجل أن حياة مريم كانت حياة تختلف جذرياً عن كلِّ حياةٍ أخرى.
نحن نؤمن بهذا ولكن لا يوجد عندنا أي دليلٍ في الكتاب المقدس أو في البحث التاريخي عن حياة مريم. إذاً من أين لنا هذا؟ إنه من معرفتنا بها من خلال الإيمان، الإيمان لغةٌ وفهمٌ وعلمٌ ولكنه علمٌ يختلف عن علم الرياضيات والفيزياء اللذين بهما نقيس الأشياء بالمادة. هنا نقيس الأمور بالروح. شيءٌ ما بداخلنا يقول لنا بأن العذراء مريم لا بدّ أن حصل لها هذا. قد حصل الأمر والتلاميذ عرفوا ذلك ولكن نحن الوم نضيف بالقول إننا نشعر يقيناً بإيمانٍ نتعايش فيه بمعرفةٍ عن هذه الأمّ القديسة. القضية بالنسبة لمريم هي قضية إيمانٍ ندركه بأحاسيسنا الروحية الداخلية. الكنيسة لم تضع هذا الأمر موضع العقيدة. نحن لا يوجد عندنا عقيدة انتقال مريم إلى السماء، وكل حدثٍ من أحداث قضيانا الإيمانية هو حدثٌ عقائدي إلاّ هذا الأمر الذي يفوق العقيدة لأننا نعي من خلال معرفتنا بها، تلك التي عاشت منذ نعومة أظافرها بين يدي الله وفي أحضان بيت الله.
هذا أمرٌ بقي مستمر ليوم البشارة. إذا اكتفينا بالأحداث نرضى بمريم بأن تكون قديسة، فكم بالحري أن الله اصطفاها من بين نساء العالم. لتكون حاملةً لابنه لكي يأتي يسوع من جسدها. وكم نحن فخورون بهذا لأننا نحمل نحن أيضاً ذات معطيات جسد مريم الذي جعلنا نعطي بمريم يسوع المسيح. نحن نشارك ولكن مشاركتنا قائمةٌ بقدر إيماننا بقدر تجسيد إيماننا. بقدر ما نحن بهذا الإيمان نتنفس، نتنفس الروح عبق الحياة.
كل هذه الأمور تتماشى بعضها مع بعض لنصل إلى يومٍ، الذي به نختتم سنتنا الطقسية. نعلم بأن بدء السنة الطقسية أيلول. واليوم نحن على مشارف أيلول لننهي العام بهذا العيد العظيم، ولنستعد مع بداية أيلول بميلاد العذراء لتكون أحداث السنة بكاملها هي بين الرقاد والميلاد.
من الأمور التي رتبتها الكنيسة لنا، بأن يكون هناك استعدادٌ إضافيٌّ وهو الصوم. نحن نصوم أسبوعان في هذا الاستعداد الذي يليق بألاّ تأتي ساعة الانتقال إلاّ ونكون قد تهيأنا بالروح والجسد، الصوم دائماً صومٌ مشتركٌ يشترك فيها الروح والجسد معاً.
إذن، نحن اليوم أكملنا واجبنا إن كنا بالإيمان الحقيقي نحيا. أكملنا واجباتنا إن قمنا بأدوارنا التي تليق بأمّنا العذراء مريم، بأن نكون من خلال ما أرادت الكنيسة أن يكون هنالك واجبٌ. وهذا الواجب قد حققناه. فيا لفرحنا بهذا الانتقال الذي هو تهيئة لانتقالنا بالصورة الطبيعية إلى تلك الأخدار لنتعايش هناك مع رأس الكنيسة يسوع وأمّه هي بالقرب منه مع باقي القديسين.
ونعمة الله فلتصحبكم دائماً. آمين
.

عيد دخول السيد إلى الهيكل

بمناسبة عيد دخول السيد إلى الهيكل، أُقيمت مساء يوم الخميس في 2 شباط 2017، صلاة السهرانية في كنيسة دير القديس جاورجيوس في صيدنايا، بحضور عدد كبير من المؤمنين. وقد ألقى قدس الأرشمندريت يوحنا في نهاية الخدمة العظة التالية:

اسم الآب والابن والروح القدس الإله الواحد آمين،
 في هذه السهرانية المباركة، نحتفل بعيد دخول السيد إلى الهيكل، هو عيدٌ مقرونٌ بوصية من الله لموسى النبي في الشريعة، بأن كل فاتح رحمٍ يُقدَّم إلى الهيكل بعد أربعين يوماً من ولادته، ويُفتدى بخروف. أما إذا كانت العائلة فقيرة، كمثل عائلة يسوع المسيح، فيُستبدل بفرخي حمام أو زوج يمام. 
ذهبت العائلة إلى الهيكل، ليُقدَّم يسوع هناك من خلال الشيخ الذي يكون دوره في إقامة الخدمة في الهيكل.  وكان هنالك إنسانٌ اسمه سمعان، هذا كان باراً تقياً، وقد أُعلن له من الله بأنه لن يموت قبل أن يرى مسيح الرب. وعندما أُتي بالطفل يسوع، عَلِمَ بالروح أن هذا هو الذي ينتظره، هذا هو الذي سيكون الهيكل الجديد بدلاً من الهيكل القديم. يسوع هو هيكلنا، نحن بتماسنا مع يسوع ننال الفِداء، ونشعر بأننا حقاً نرى الرب. سمعان رآه بالروح في القلب وفي الأعين. أما نحن فنلمسه بالإيمان بإحساسنا بأننا حقاً نتبارك من يسوع المسيح الذي صار هو الهيكل الجديد لله. 
 عندما تحقّق لسمعان مراده، أعلن جملته الشهيرة التي نردّدها في كافة صلواتنا: "الآن أطلق عبدك أيها السيد حسب قولك". فليذهب إلى الموت ليلتقي بكَ في الملكوت. الآن أطلق عبدك أيها السيد. هذه الانطلاقة لسمعان أعطته الشعور بالراحة والسلام، الشعور بأنه قد نال من ربه أكثر مما يستحق. وكلنا يصلي وكلنا يطمح بأن ينال من ربنا لا استحقاقنا، فنحن لا نستحق كل تلك العطاءات، ولكن الرب يجود علينا بسخاء وكرم بمعطيات روحية ننالها من لدنه تعالى لكي تكون لنا الإرث بهذه النعمة، حتى نسير في الدرب الذي يريده الرب لنا، ونتابع لنلتقي معه هناك. 
 هذا اللقاء هو ما نودّ أن يتحقق لنا من خلال هذا العيد. فليسعَ كل واحد منا أن يجاهد لكي يلتقي بيسوع، كما التقى به سمعان، وأن يأخذ منه البركة والنعمة بلمسة روحية إلهية. هذه تعطينا التأكيد على أننا أبناء لله في هذه المسيرة الجديدة، مسيرة يسوع التي من خلالها سينطلق كل منّا إلى عالم جديد، هو عالم الملكوت، إلى عالم جديد هو عالم الحياة الروحية التي من خلالها نـتأكّد بأن حياتنا مستمرة هناك، لا تنتهي في القبر إنما تبدأ من القبر لتكون حياة خلود وأبدية. هذا العيد الذي نرى أسسه قائمة في الإنجيل، إلا أن الكنيسة المسيحية لم تبتدأ به كعيدٍ خاص إلا في مطلع القرن الرابع. وبدءاً من هذا القرن، أول مَن احتفل بهذا العيد كنيسة أورشليم، ثم انتقل إلى الشرق كله في القرن السادس. أما في الغرب فقد وصل إليه هذا العيد في القرن السابع. هذا يعني أننا نحن لا زلنا نكتشف ما يريده الإنجيل لنا، ما يريده الرب لنا. هنالك دائماً معطيات تأتي بتلاحقٍ مستمر، وعلى هذه الصورة، فالعالم المسيحي كله يحتفل بهذا العيد الذي به يكون لنا حياة جديدة، هيكل جديد، مكان آخر قد بورِكَ بيسوع المسيح الذي دخل الهيكل الماضي ليُبطله بشخصه، بجسده، بكينونته، ليكون لنا من أجل خلاصنا حياة جدية، أرجوها لكم بدءاً من اليوم لتكونوا على استعداد دائم من أجل التلاقي مع يسوع المسيح.
 ونعمة الله فلتصحبكم الآن ودائماً آمين.

 عيد رأس السنة الميلادية 2017
أقامت أخوية ديري القديس جاورجيوس والشيروبيم في صيدنايا، مساء يوم السبت في 31 كانون الأول، 2016 سهرانية بمناسبة عيد ختانة الرب يسوع وعيد القديس باسيليوس الكبير، وفي نهاية القداس ألقى قدس الأرشمندريت يوحنا العظة التالية:
باسم الآب والابن والروح القدس الإله الواحد آمين،
نحن في قُدّاس رأس السنة. فما هو الفرق يا تُرى بين هذا القداس، وبين ما مرَّ معنا قبل أسبوع، قدّاس الميلاد؟ هما واحد. ذاكَ وُلد فيه يسوع المسيح، وعظمته تكمن في أن نشعر؛ ما هو المذود الذي وُضع عليه. أما هذا الذي هو بدءُ تاريخ السنة الميلادية. قد يتساءل سائل: أليست السنة الميلادية تبتدئ بالميلاد؟ الجواب هو أن اليوم هو تثبيت الميلاد. يتم تثبيت الميلاد عندما يُختتن الصبي. هكذا كان يحدث في تلك الأيام أي بعد أسبوع من الميلاد، أما الأسبوع الذي يمر بين الميلاد ورأس السنة لا يُحسَب مع تعداد الأيام. اليوم هو تثبيته، بمعنى أنه يجب أن يكون طقس روحي، يدخل فيه الإنسان بعلاقة مع الله. والختن في المسيحية استُبدل بالمعمودية المقدسة. نحن ندخل بعلاقة إلهية مع الله يومَ نُعمَّد، لذلك فإن كثير من الدول المسيحية، كانت لا تُسجِّل اسم المولود إلا يوم عِماده. بغض النظر متى يُسجَّل، فالعلاقة الإلهية تقوم بدءاً من المعمودية التي نستعيض فيها عن الخَتن. ونحن اليوم نستمر من خلال ختن مقدس تُختَن به قلوبنا. على كل واحدٍ منا أن يشعر بأن القلب بحاجة لكي يُنظَّف، لكي تخرج منه تلك الشوائب التي تُبعده عن العلاقة الإلهية. من هذا القبيل نحن اليوم في عيد عظيم؛ عيد تجديد أنفسنا الروحية الداخلية من خلال أننا نتمتّع بقلوب نظيفة.
العيد الثاني لهذا اليوم، هو عيد القديس باسيليوس الكبير، ذاكَ الذي ينتمي إلى أسرة عريقة في المجتمع، وأيضاً في الروح؛ أمه وأخته وأخوه كلهم قديسون. كانوا أغنياء. وزَّع أمواله وعمل في حقل الكنيسة وصار رئيس أساقفة، ومن أَجَلّ أعماله أنه بنى المدينة الباسيلية التي سُميت على اسمه التي صار فيها بيوت ينزل فيها الغرباء، وبيوت ينزل فيها المرضى بمثابة مستشفيات ومستوصفات وبيوت للرهبان لكي تستمر الرهبنة في عهده. ووضع لها أنظمتها المسماة بالأنظمة الباسيلية. عَظَمة باسيليوس أنه استطاع من خلال غِناه أن يصير فقيراً، ومن خلال فَقره أن يصير غنياً ويبني ويبني ويبني، وخاصةً أنه بنى الأنفس البشرية.
أما ما نحافظ عليه في كل عام، هو ما يسمى عيد رأس السنة، ومن الناحية الكنسية، نحن نسعى جاهدين لنقيّم السنة الماضية، ونضع آمال وأماني بل وأحلام للسنة الجديدة. فهل يا ترى نقوم بهذا الفعل وهذا العمل؟ إذا سُئلت: ماذا تنصحنا وكيف نقيم هذا الذي يجب علينا أن نسعى إليه؟ أقول أنه بدءاً من رأس السنة، نحاول أن نكون مسيحيين حقيقيين، نعمل كما يوصي الإنجيل، وكما تعلِّم الكنيسة ونقتدي بالآباء القديسين. وفي نهاية الشهر الأول نقيم مع ذاتنا نوع من المحاسبة، ونُسجِّل ما عَمِلناه بصورة صحيحة، وما لم نعمله بصورة صحيحة، فنسعى من الشهر الثاني أن نُخفِّف الوطأة بنقص أعمال الفضيلة، لتكون الفضيلة هي طريقنا الذي نسير فيه؛ وهكذا الشهر الثاني والثالث حتى نهاية العام. وفي نهاية العام نجمع ما صار محسوباً علينا في أشهر السنة، وما ينقصنا من خلال أننا لن نتقيّد ولن نعمل كما يجب. فالحسابات هنا تصير أقل عندما نُجزّؤها على اثني عشرة مرحلة. بهذه الصورة نستطيع أن نستدرك في عامنا الجديد، بصورة أصح وأفضل، لأنه عندما لا يكون هناك لائحة طويلة تُنسينا ما يجب علينا أن نفعله، وتكون المحاسبة من خلال أن الله هو الذي يُحاسِب، وأن نضع أنفسنا خدّاماً لله في تعاطينا لتقصيرنا في الأحوال التي لم نَقُم فيها كما يجب. نضع الفضائل التي علينا أن نتحلّى بها، كمثل الصدق مكان الكذب، والأمانة مكان الخيانة وهلمَّ جرا، وعلى رأسهم المتابعة في الحياة الروحية وكافة الصلوات لنكون من خلال عملنا هذا مرضيين من الله.
سأُعطي مَثلاً حول عمل ما: فلنقل التاجر. التاجر عليه أن يحاسب نفسه بأنه أخلَّ بأمانته لزبائنه بكذا وكذا، وأنَّ عليه في العام الجديد أن يتقيّد بالملاحظات التي وضعها لنفسه. فلنأخذ مَثَلاً في وسط هذا الـمَثل: يا تُرى تاجر الأسلحة ماذا يفعل؟ عادة الإنسان يطوِّر عمله. هل يطوِّر عمله في صناعة أسلحة مدمرة لقتل أكثر وأكبر؟! من هذا الـمَثَل المتطرف الذي ذكرته علينا أن نتحلّى بكافة الأمثال الأخرى لنقيّد أنفسنا بالمسيح دون سواه.
وعلينا أن نتذكّر في العام الجديد كافة الذين نعرفهم لنصلي من أجلهم، وكافة الذين لا نعرفهم هم أيضاً خليقة الله من كافة الأطياف والأديان والملل، كلّهم بحاجةٍ لكل واحد منا. وكلكم يعرف أننا في آخر القداس، سنقيم طلبة تشمل الجميع من رؤساء الدين، إلى رؤساء الحكومات، إلى كافة الأطياف البشرية. علينا أن نتذكّرهم بقلوب نظيفة طالبين من الله لأجلهم أن يكون عملهم حيث هم عليه، عمل مرضي من الله أيضاً. تلك المحاسبة نادرة في قيامنا بها، فلنسعى من اليوم لأن نُقيّد أنفسنا بهذا الرباط الجميل الذي نتبارك به والذي نُعطى من الله نعمة وبركة لأجل أن نكون، كما يريد الله منا. لن أُتابع أكثر. هذا الكلام على كل واحد منا أن يتابعه مع نفسه اليوم وغداً وبعد غدٍ، لنكون بحق قد مررنا على عام ندمنا فيه كثيراً على أمور كثيرة ومستقبلين عام جديد لنعمل فيه أمور صالحة فوق تلك الأمور التي قمنا بها في العام الماضي. وعلى هذه الصورة نشعر بالفرح، راجياً من الله في رأس السنة الجديدة الفرح لجميعكم.
ونعمة الله فلتصحبكم الآن ودائماً آمين

عيد القديسة كاترينا
بمناسبة عيد القديسة كاترينا الكلية الحكمة، أُقيمت مساء يوم الخميس في 24 تشرين الثاني 2016، سهرانية في كنيسة دير القديس جاورجيوس في صيدنايا، بحضور عدد كبير من المؤمنين وترأس الخدمة قدس الأرشمندريت يوحنا التلي رئيس الديرين وعاونه بالإضافة لآباء الدير، قدس الأب سمعان هيلون، وقد ألقى الأرشمندريت يوحنا في نهاية القداس العظة التالية:

باسم الآب والابن والروح القدس، الإله الواحد، آمين.
مع هذه السهرانية، نتذكّر القديسة كاترينا التي نحتفل بذِكراها اليوم، تلك التي وُلِدت في نهاية القرن الثالث، وكانت من أسرة ملوكية عريقة، وتعلّمت آداب الفكر والفلسفة إضافة إلى ما تعلّمته في بيتها من معرفة حقيقية للكتاب المقدس، ومن ثمّ انتمت إلى مدرسة اللاهوت في الإسكندرية، موطنها. هذا يعني أنها تعرّفت على كافة ألوان المعرفة والفكر بالإضافة إلى الإيمان المسيحي القائم على اللاهوت. وفي مطلع القرن الرابع كانت قد تعمّدت وأنهت دراستها بالتزامن مع حدث في موطنها الذي ينتمي إلى الملك مكسيمينوس، الذي أراد أن ينتقل إلى الإسكندرية ليقيم احتفالاً وثنياً كبيراً، وأراد من كافة أبناء هذه المدينة الحاضرين أن يخضعوا لمشيئة الآلهة الوثنية، فما كان من هذه الفتاة، التي في ريعان شبابها، إلاّ أن تقدّمت إلى حيث كان الملك يقيم وطلبت منه السماح لها بالكلام، فسمح لها، فعبّرت عن ضرورة إعادة النظر بالانتماء للعبادة الوثنية لأن تلك العبادة غير صحيحة، وهناك مجال للانتماء إلى عبادة صحيحة هي عبادة الإله الواحد، حسبما أتى المسيح وعلّمنا، وحسبما نعرفه من الكتاب المقدس.
بُهر الملك بكلامها وبشجاعتها رغم رفضه لكلامها، فأقرّ أن يقيم مناظرة بين كهنة الوثنيين وبينها، فوافقت. ولما حان الموعد، اجتمع حوالي خمسين كاهناً مع هذه الفتاة ليعبر كل منهم عن وجهة نظره بالنسبة للعبادة. فتحدّث رئيس الكهنة بما يليق بعبادة الوثنيين، إلا أن هذا الكلام أُعيد النظر فيه من خلال دور كاترين في الكلام، فبيّنت أن تلك العبادة الوثنية غير صحيحة، وأنها تنتمي لزمن محدد ابتدأت فيه الإمبراطورية الرومانية بتلك العبادة، وأبرزت الموقف الثاني الذي هو ضرورة العبادة لإله واحد، وهذا أقرّه كبار الفلاسفة والأدباء والشعراء اللامعي الاسم، كمثل سقراط وأفلاطون وأرسطو. وتَلتْ من ذاكرتها، بقدر ما يسمح لها الوقت، بتلاوة أشعار لعديد من المفكرين الذين يتحلّون بالمنطق السليم على أن الإله الواحد هو محط أنظار البشرية التي يجب أن ترفض الأصنام وتتبنى هذا الإله الواحد. وانتقلت إلى الفكرة الثالثة كيف أن المسيح أتى وأظهر هذا الأمر وشهد له وكيف أن الخلاص سيتم من الله بواسطة المسيح فالكل مدعو لكي يؤمن بهذا المسيح. الجموع انبهروا من هذا الكلام المبني على الحكمة وحسن الفكر فاستطاعت أن تسيطر على الجمهور وأيضاً الملك الذي كان يغلي غلياناً في رفضه لكل ما تقول. لكنه كان من جهة أخرى مستحسناً جمالها وقدرتها اللفظية التي سيطرت على قلبه، فأمر بأن يُترك هذا الأمر لأيام قليلة يستطيع فيه أن يغيّر رأي هذه الفتاة، أي أنه يريد أن يجعلها من أتباعه. فأتت إلى البلاط إليه وحَدّثها، ولكن حَدّثته على أنها غير قادرة على الانتماء لأي شخصٍ، لأن قلبها استحوذ عليه المسيح وهي خاطبة له، وغير قادرة على قبول أي إنسان آخر، بالرغم من مغرياته كونها ستكون ملكة، مع كافة الرفاهية المقدّمة إليها، كل ذلك كان شيء ثانوي بالنسبة لإيمانها ولعلاقتها الصميمة بيسوع المسيح.
حينئذ سَجنها وعذّبها، وجَلدها، ولما رأى بأنها رافضة قطعياً كل هذه الأمور، أمرَ بصناعة آلة تعذيب جديدة، وهذا هو أمر مشهور بالنسبة للقديسة كاترينا التي تُصوّر دائماً وبجانبها آلة التعذيب وعّذبت على هذه الآلة وتمرمرت بكثرة ما فيها من صنوف ألوان من العذاب، إلا أنها لم تمت فأمر بإخراجها خارج المدينة وقطع رأسها هناك، فاستشهدت كاترين على هذه الصورة.
ويخبرنا التقليد بأن جسدها وُجد، في وقت لاحق في أرض سيناء حيث الآن يوجد دير كبير جداً في مصر على اسمها، وهذا الدير يوجد في المكان الذي قابل موسى الله فيه وشاهد العليقة وسمع اسم الله الذي أجابه: "أنا هو الكائن". والدير موجود حتى اليوم باسم هذه الشهيدة.
ما أُنهي القول به أن الشهادة لله هي أعظم موقف في حياتنا المسيحية، المهم فيه أن الإنسان الـمُعذّب وهو حامل للمسيح في داخله لا يشعر بالآلام، قد يشعر بها كأنها شيء عابر، ولكن ليست شيء مخيف، ليس عند كاترين فقط بل عند كافة الشهداء، لذلك اعتُبر الموت بالشهادة معمودية ثانية، وإنْ كان الشهيد غير معمّد بعد، فتحسب له معمودية. شهادة الدم التي هي استمرار لذكرى الصليب في حياة هؤلاء الشهداء الذين يستعيدون الموت من أجل القيامة. شهيدتنا هي تلك الإنسان المؤمنة والتي عرفت كيف تعيش المسيح وتُسكنه في قلبها، لتكون الآن مع المسيح في قلبه، لتكون شهيدة نقتدي بها ونرفع اسمها كشفيعة لنا. من خلال كل هذا، يهمّنا أن نبقى متذكّرين أنه علينا أن نكرّم تلك الشهيدة مع كافة الشهداء في قلوبنا ليبقى ذكرهم حي وقدوة صالحة.
ونعمة الله فلتصحبكم الآن ودائماً. آمين.

عيد رؤساء الملائكة

بمناسبة عيد رؤساء الملائكة، أُقيمت مساء يوم الأثنين في 7 تشرين الثاني 2016، صلاة الغروب وخمس خبزات في كنيسة دير القديس جاورجيوس في صيدنايا، بحضور عدد كبير من المؤمنين وفي صباح اليوم التالي أقيمت صلاة السحرية  والقداس الإلهي وترأس الخدمة قدس الأرشمندريت يوحنا التلي رئيس الديرين الذي ألقى في نهاية القداس العظة التالية:

باسم الآب والابن والروح القدس الإله الواحد آمين.
لنا كلنا إله واحدٌ هو الإله الخالق. هو وحده الأزلي والأبدي وكل ما بقي هم خليقة الله. وتتميز الخليقة بوجود نوعين اثنين مع باقي الخلائق، الأول الملائكة والثاني البشر. الملائكة بلا أجساد والبشر بأجساد. فهل نحن كبشرٍ وحدنا معرضون للخطيئة لأننا نحمل هذا الجسد الذي فيه رغبة للشهوة، شهوة الجسد وشهوة الطعام. وهل الملائكة معفيون من الخطيئة لأنهم بلا أجساد؟ لا!! حتى الملائكة معرضة للخطأ.
هنالك صفة ثالثة غير شهوة الجسد والطعام هنالك السلطة التي يتمتع بها البشر والملائكة. الملائكة رغبت بالسلطة بأن تحل محل الله فسقطت بالخطيئة. والبشر أردوا بإغواء من الشيطان أن يتحلوا بمعرفة سلطوية أيضاً فوقعوا بالخطيئة. عظمة الخليقة هي أن تبقى كما خلقها الله لا أن تتغير من خلال شهواتٍ أياً كان نوعها إنما بأن تتحلى برغباتٍ روحية تتعالى وتتعالى ليتأله الإنسان ويصير مثل الله بنعمة الله وبركته.
هذه الملائكة التي تحدثنا عنها تختلف عن البشر بنقطةٍ واحدةٍ هي أنهم يتميزون عنّا بوظائف معينة. أليست البشرية تتميز بعضها عن بعض بوظائف مختلفة؟ أليس هنالك الطبيب والمهندس والموظف...إلخ؟ هنالك وظائف تميز البشرية بعضها عن بعض وهناك وظائف تميز الملائكة عن البشر. وكلّنا أي نحن الاثنين عاملون كما يريد الله إن كنا نتحلى بالطاعة، وعندما تخرج الطاعة من مكانها يعمُّ الفساد. في البيت وفي الأسرة الواحدة إذا لم يكن هناك طاعة للمسؤوليات والواجبات التي تتحلى بها كل أسرة فإن هذه الأسرة وهذا البيت ينهار على أصحابه. هكذا الحياة. الإنسان عليه أن يميز الطريق الذي يوصله إلى النجاح والكمال، والأهم الأهم الطريق الذي يوصله إلى الله.
الملائكة اليوم كما نعلم من الكتاب المقدس هي خادمةٌ لله ومقيمةٌ معه في عرشه. كثيرٌ من التلاوات والتراتيل التي أقمنا مرتبطةٌ بعمل الملائكة. عندما نقول قدوسٌ قدوسٌ قدوسٌ فإن الملائكة ترتل مسبحة لله في علياء السماء بصفة الله، القداسة الدائمة. ونحن نردد هذا لنتحلى نحن أيضاً بجزءٍ من قداسة الله عسى أن نصل إلى ما يريد حسب بركته إلينا.
وهناك أمور كثيرة ترتبط بين الملائكة والبشر من بينها أيضاً ان الله كان يرسل مراسلين من قبله إلى البشر ليتلقوا تبليغ معين. هناك كثير في العهد القديم ولكن سأذكِّركم بمثلٍ واحدٍ من العهد الجديد وهو بشارة الملاك المرسل من الله إلى مريم لتحمل الابن الإلهي ونحن ننال الخلاص بواسطته وهذا ما جرى.
أمورٌ كثيرةٌ يمكن الحديث عنها ولكن سأنهي هذه الأمثلة بأمرٍ واحدٍ وهو أن الملائكة أحياناً كانت تأتي إلى البشرية أكثر من أنها مرسلة، وكأن الله محمولٌ بها. فمثلاً عندما أتى ثلاث ملائكة إلى إبراهيم فإن هذه الملائكة الثلاثة تمثل الثالوث الأقدس أي الله الواحد. وإبراهيم بنعمةٍ فائقةٍ من خلال الوحي الإلهي كان يجيبهم تارةً بالمفرد بكونه الإله الواحد، وتارةً بالجمع بكونهم ثلاثة. وإلهنا هو واحدٌ وثلاثة ولكنه ليس متعدد بمعنى أنه هناك ثلاثة آلهةٍ، بل إلهٌ واحدٌ في ثلاثة أشخاص هم كلهم في الجوهر واحد وليسوا ثلاثة.
هذا مُثِّل إلينا من خلال عملٍ ملائكي. وقيسوا على تلك الأمور الكثير. علينا أن نحافظ على التعليم الإلهي وعلى رسالة الملائكة إلينا من أجل أن نبقى بالله متحدين ومن خلاله عاملين وبمشيئته مطيعين ليتحقق لنا ما أراده يوم خلقنا، وهو قد خلقنا على صورته ومثاله. فلنحافظ على هذه الصورة ولنسع أن نبقَ بهذا الوجه الإلهي لنقابله يوم الدينونة ونحن فرحون. 
ونعمة الرب فلتكن هي طريقنا للوصل إليه.

عيد نقل رفاة القديس جاورجيوس

بمناسبة عيد نقل رفاة القديس جاورجيوس، أُقيمت مساء يوم الأربعاء في 2 تشرين الثاني 2016، صلاة الغروب وخمس خبزات في كنيسة دير القديس جاورجيوس في صيدنايا، بحضور عدد كبير من المؤمنين وفي صباح اليوم التالي أقيمت صلاة السحرية  والقداس الإلهي وترأس الخدمة قدس الأرشمندريت يوحنا التلي رئيس الديرين الذي ألقى في نهاية القداس العظة التالية:

باسم الآب والابن والروح القدس الإله الواحد آمين.
إذ نحتفل اليوم بعيد نقل رفاة القديس جاورجيوس إلى بلدته مدينة اللد في فلسطين، حيث بنيت كاتدرائية خاصة تليق بقداسته ليباركها ويُوضع فيها ويتبارك منها المؤمنون. ونحن تيمناً بهذا الحدث نحتفل اليوم أيضاً لنتبارك بمشاركتنا كلّنا في هذا القداس الإلهي من رفاة هذا القديس الذي سُميت هذه الكنيسة على اسمه وبُورك الدير وبُوركت صيدنايا كلها باسمه المبارك العظيم.
هو شهيدٌ والكنيسة بدأت منذ أيام الرسل بتقدير الشهداء الذين كانوا يُقتلون ويعذبون ويموتون من أجل المسيح. بدءاً من استفانوس أول الشهداء ورئيس الشمامسة ومن ثم على التوالي الرسل وكافة الأشخاص المسيحيين الذين تواكبوا على محبتهم لكنيستهم التي أنشأها يسوع بدمه المجيد أرادوا أن يكون لهم نصيباً بعلاقتهم مع هذا الدم الذي سُفك من أجلنا ليخلصنا من خطايانا.
الشهيد إنسانٌ نظر إلى المسيح وأحبه وأراد أن يقتفي آثار خطاه فصار هذا الإنسان مشتركاً مع المسيح بصلبه. صار الصليب الذي علُق عليه المسيح يحمل أيضاً كافة الذين يمرون بالشهادة تلك التي كانت تعطيهم إحساساً مفرحاً. كان العذاب بالنسبة إليهم رغم الآلام حسٌّ فرحيٌّ يأخذونه بكونهم يلمسون بالإيمان جسد يسوع، يلمسون بالإيمان محبة يسوع، ويلمسون بالإيمان أنهم مع يسوع المقيم في ملكوته على يمين العزة الإلهية.
الذي حدث أن الشهداء الذين كانوا يُقتلون يدفنون في أماكن حيث هم قتلوا فيأتي تلاميذهم ويأخذون البقايا التي يحصلون عليها ويدفنونها سرياً في أماكن معينة غالياً تكون خارج المدينة لكي لا يُكشف أمرهم وتأخذ منهم تلك الذخائر وهذا ما حدث لقديسنا جاورجيوس العظيم حيث أن تلاميذه أخذوا الجسد ودفنوه في مكان يعرفونه.
كان هذا الحدث في نهاية القرن الثالث، ومع بداية القرن الرابع أصدر الملك قسطنطين منشوراً يُعلن فيه بسماحٍ للمسيحيين أن يمارسوا عبادتهم ومن ثم صارت الإمبراطورية الرومانية بكاملها مسيحيةً. فما كان من الكنيسة إلاّ أن عمّرت كنيسةً كبيرة في بلدته اللد ونُقل إليها في احتفالٍ كبير. هذا الاحتفال شعر المشاركون به أنهم يتقدسون بنقلهم قداسة القديس. ونحن اليوم نعتز ونفتخر بأننا نحتفل بهذه الذكرى وكأننا نسير في ذات الموكب الذي سار فيه الناقلون بالقرن الرابع.
الشهادة كانت في تلك الأيام، وربما ننظر إليها اليوم بذات المنظار رغم عدم وجود ضرورة لشهداء كمثل ذلك الاضطهاد ضد المؤمنين في ذلك الزمان. كان يشعر المؤمنون بأن الشهيد هو إنسانٌ متميزٌ أحبّ المسيح بمعنى أنه أحبّه كحقيقةٍ مطلقة. أحبه من أجل أن يحيا حياته على صورته وأن يكون مماته على صورته فكان عزٌّ لكل شهيدٍ بأن يصل إلى مذبح الشهادة والمؤمنون الباقون يشاركون وينقلون الاحتفال إلى الكنيسة في الصلاة كما نصلّي نحن اليوم، ينقلون معاني تلك الشهادة، معاني هذا الإيمان، ينقلونه عبر كلمات الترتيل والقراءة والصلاة. ونحن اليوم فعلنا ذات الشيء.
إذاً، نحن نتابع بافتخارٍ وعزةٍ هذا السر العظيم الذي سمته الكنيسة في بداية الأمر سرَّ أن الشهادة بالحقيقة هي سرٌّ. أن نقول بأن الإنسان مقبلٌ على الموت بفرحٍ ودون رعشةٍ وهو يحمل كل آماله وطموحه تحت حدِّ السيف الذي يقطع رقبته، أوليس هذا الأمر لا يدرك؟ وكل ما يدرك هو سرٌّ؟ أنه سرٌّ عظيمٌ لذلك كان الشهداء هم أعظم القديسين واليوم نحن نبجلهم بكونهم هم فهموا أن الحياة الخالدة والباقية مرتبطة بالإيمان دون سواه، مرتبطةٌ بالعلاقة مع المسيح دون أي علاقة أخرى. لا يوجد في حياتنا شيءٌ أهم من أن يكون الإنسان مرتبطٌ بالمسيح ومحبٌّ له ويعمل بموجب وصايا المسيح. حقيقةً لا يوجد أعظم من هذا.
الليتورجيا الكنسية دائماً تذكرنا بتلك الأحداث والصلوات التي تُرفع وبالمناسبات التي نشترك نحن فيها. فمشاركتنا اليوم من المفروض أنها تنقل إلينا كل بركات وعطاءات ونعم السيد المسيح الذي عُذب ومات على الصليب والذي أرتبط به أشخاص كثر ونحن بالإيمان مرتبطون به بذات الشيء عسى أننا في آخر مطاف حياتنا حيث لا يوجد غيابٌ لأي شخصٍ بل انتقالٌ من مكانٍ إلى آخر للحضور مع المسيح والعيش معه.
ونعمة الرب فلتكن هي طريقنا للوصل إليه.

 

عيد القديس الشهيد ديمتريوس المفيض الطيب

بمناسبة عيد القديس العظيم في الشهداء ديمتريوس المفيض الطيب، أُقيمت مساء يوم الثلاثاء في 25 تشرين الأول 2016، صلاة السهرانية في كنيسة دير القديس جاورجيوس في صيدنايا، بحضور عدد كبير من المؤمنين، وبالإضافة لآباء الدير، فقد شارك في الخدمة التي ترأسها سيادة المعاون البطريركي المطران نقولا بعلبكي الجزيل الاحترام، كل من قدس الأب سيرافيم مسلط، وقدس الشماس باسيليوس موسى. وقد ألقى سيادة المطران نقولا في نهاية الخدمة العظة التالية:

نجتمع اليوم لنحتفل بعيد القديس ديمتريوس في عيده البهي أحد قديسي كنيستنا المقدسة الذين تكللوا بالظفر وشهدوا للرب يسوع حتى آخر نفس. شهدوا للإيمان بالربّ يسوع وبحديقة القيامة التي ينتظرها الإنسان المؤمن.
مرَّ معنا منذ بضعةٍ من الوقت قصة المثل الذي أعطاه الرب يسوع عن مثل الزارع، والذي شبّه فيه الإنسان المؤمن بالأرض التي تكون إما محجرة أو فيها شوك أو أرض طيبة تأتي الكلمة فيها. فالأرض الطيبة تعطي ثمراً كثيراً.
وفي أماكن أخرى من الكتاب المقدس نرى كيف يكون موقع الإنسان. يقول يسوع: "إني أجول وأقرع الأبواب من فتح لي عنده أدخل إليه وعنده أصنع منزلاً". وفي مكان آخر نرى أن الإنسان هو (آنية). إناء يحتوي هذا الكنز، كنز الايمان، نحتوي هذا الكنز بآنية خزفيةٍ ليكون فضل القوة لله لا منا. وفي مكان آخر نرى أن الإنسان هو هيكل يملأه الروح القدس إن كان مؤمناً. فيصبح هيكلاً للمجد الإلهي وفي أماكن أخرى يتكلم الكتاب المقدس أن الإنسان هو عاملٌ وزارعٌ وساقٍ وفلاح، ولكن الفضل في أن الثمر الذي يأخذه الإنسان هو للربِّ الذي ينمي. الإنسان الذي يعمل مع الربّ يزرع ويتعب ولكن الله هو الذي ينمي.
إذاً الإنسان المؤمن هو هذا البيت الذي قد يفتح الأبواب عندما يأتي إليه الرب يسوع. هو هذا الإناء الذي اذا ما امتلأ بنعمة الروح، بكنز النعمة الإلهية يصبح إناء مباركاً. هو هذه الارض إذا كانت طيبة وحلّت عليها كلمة الله أعطت ثمراً كثيراً. هو هذا كلّه الذي يجب أن نتذكره، هذا يقودنا نوعاً ما إلى الوضعية التي نُعيّد لها اليوم. نعيّد لقديس من قديسي كنيستنا. وعندما نتكلم عن القداسة نعلم أن القدوس واحدٌ كما سمعنا منذ قليل. قدوسٌ واحدٌ ربٌّ واحدٌ يسوع المسيح الذي تهتف له الملائكة في السماء وتقول قدوسٌ قدوسٌ قدوسٌ ربُّ الصباؤوت. اذاً القدوس واحد والإنسان يصبح قديساً إذا كان أرضاً طيبةً إذا فتح الباب عندما يطرق الربّ يسوع باب بيته. إذا كان هذا الإناء الذي يفرغ ذاته لكي يمتلئ بالروح والكنز الإلهي. يصبح بيتاً لله ومسكناً له هذا الإنسان يصبح قديساً. ومتى يصبح قديساً؟ عندما يحلّ القدوس في ذاته في هذا الكائن في هذا البيت عندها يصبح الإنسان قديساً.
القديس ديمتريوس هو أحد الأشخاص الذي فتح باب بيته، الذي حوَّل ذاته الى هيكل للروح القدس. هو تلك الأرض التي سمعت كلمة الله فأعطتها الإمكانية لكي تنمو وتثمر وتأتي بثمرٍ كثيرٍ.
بهذه الطريقة فقط يصبح الإنسان قديساً. يتقدس الإنسان - وهي إرادة الله - إرادة الله هو أن نصبح قديسين "كونوا قديسين كما أن أباكم السماوي هو قدوس". كيف نصبح قديسين؟ نتعلّم من القديسين الذين سبقوا، والذين عاشوا، والذين ناضلوا وجاهدوا وتعبوا في إنتاج وحمل هذه النعمة الإلهية، وحمل هذا الكنز الإلهي فقدموه للعالم نوراً بهياً يضيئ في الأمكنة التي يسود فيها ظلال الموت.
هذا الكنز الذي حمله القديسون ونقلوه للعالم فاستنارت بهم المسكونة واستنرنا نحن أيضاً بإيمانهم وبتعاليمهم بالكلمة الإلهية بالنور.
القديس ديمتريوس أحد الأشخاص الذي امتلأ بالقدوس، بالنعمة الإلهية. لأجل ذلك نعيّد له اليوم كمثل ما نعايد لكثيرٍ من القديسين. ونحن اليوم نعايد كلّ الذين تسموا على اسم القديس ديمتريوس من مطارنة وآباء وأحباء. ونتمنى أن تكون بيوتنا وأماكن تواجدنا وذواتنا هياكل دائمة للنعمة الإلهية.
وليكن اسم الرب مباركاً وممجداً على الدوام. آمين.