رهبانية الديرين

الحياة الرهبانية

قديس اليوم

زيارة لديـر القديس جاورجيوس

زيارة لديـر الشيروبيم  ( رؤساء الملائكة )

البحث في الموقع

الوصول إلينا

............... ديرا القديس جاورجيوس والشيروبيم في صيدنايا...............

صوت الراعي

صوت الديرين

حياة روحية

صنارة روحية

شهادات حية

أيقونة تتحدث

ملتيميديا

سؤال وجواب

إصدارات الدير

نشاطات

المكتبة

أخبار

مساهمات القراء

ارتباطات

حديث الأسبوع (3 آذار)

أرشيف

وعظة الأحد

        موضوع للأرشمندريت يوحنا التلي

لطلاب معهد اللاهوت       

البلمند 20 شباط 2018

دربُ الصوم روحياً


أولاً: التوبة وروحانية الصوم

حياتُنا كُلُّها مرتكزةٌ على التوبةِ التي هي شَرطٌ سابق لكلِّ علاقةٍ مع الله: "توبوا فقد اقتربَ ملكوتُ السماوات" (متى2:3، متى17:4). بهذه المقولة بدأ يسوع دعوته – والمعمدان من قبله – من أجل عودة الإنسان إلى الله بعد فراق دام آلاف السنين. فالتوبةُ هي طريقُ العودةِ إلى الله، ليكونَ اللهُ هو هدفُ مسيرتِنا. ولتحقيقِ التوبةِ علينا أن نبتعدَ عن التمركزِ حولَ الذات، وعن سيادة الذات علينا؛ حينها بإمكاننا أن نسلِّمَ حياتَنا لتوجيهِ المسيحِ وسيادتهِ علينا.
ومع بداية كلِّ صومٍ يلازمُنا إحساسٌ بتجديدِ التوبةِ وتكثيف جهادِنا الروحي لتحقيق التغيّر المنشود. فأولى الخطوات العملية هي المصالحةُ مع الرب. ولكنه يرفضُنا إذا لم نتابع مع أخينا بقوله: "إذا تذكّرتَ أن لأخيك عليك شيئاً، فدعْ قربانك واذهب صالح أخاكَ" (متى23:5-24). فمصالحةُ الإنسانِ لأخيهِ الإنسان هي أساسُ المصالحةِ مع الله وكلاهما يشكّلان التوبةَ المقبولة. وبدونِهِما بابُ الفصحِ يكون مغلقاً أمامَنا.
فالتهيئةُ للفصحِ مع التوبة يشكّلان لدينا حقبةً مواتيةً بدرجةٍ ممتازةٍ للندامة والتكفير. فيصير الصوم بناءً عليه فرصةً لفحصِ ضميرنا ومصالحتِنا مع الرب.
وعندما نتصالحُ مع الرب ونلتقي مَعَه في نزولهِ إلينا، لا بدَّ من اقتناء فضيلة التواضع. وفي لقائنا معه يُخجلُنا نورُ بهائهِ فنتواضعُ ونشعرُ بضعفِنا وأننا ما نزال في رتبة الموعوظين. فيأتي زمنُ الصومِ ليهزَّنا عسى أن بعضاً من زوايا قلوبِنا الحجرية تحتاجُ للتروحنِ بتقريب حواسنا إلى لمساتٍ إلهيةٍ وأصواتٍ تحملُ نداءاتٍ على شكل تغريدٍ كتغريدِ (حمامةٍ بيضاءَ بألسنةٍ حمراءَ تنسكبُ قواها الروحية على بلادتِنا الدنيوية، فتملأنا من الروح القدس) (راجع أع2:2-5) حينها يصير فصحُنا المقبلين عليه: فصحُ الروحِ لقيامةٍ آتية.
في حديثي معكم الآن، لن أتكلّم عن الصوم من الناحية الطعامية الجسدية، بل سأخرج عن كلاسيكية وروتينية الصوم المادي لنتحدّث سويةً بالجانب الروحي للصوم وهو الأسمى، بالرغم من أهمية الصوم المادي، ولنحاول أن نسير معاً في درب الحياة الروحية لنصل في النهاية إلى هدفنا الأسمى، إلى الفصح، إلى الاتحاد بالمسيح. وهذا ما سوف نتكلّم به خطوةً خطوة من خلال اكتشاف أعماق الإنسان الروحية، لنصعد كلنا مع موسى إلى الجبل لنلاقي الله ونتكلّم معه.

ثانياً: الحياة الروحية والاتحاد بالمسيح
الحياة الروحية هي عونٌ لنا لنعرف كيف نسير عند انطلاقنا للهدف. هدف الاتحاد بالمسيح أن نتيقّظ بألا نتكّل على قدراتِنا الخاصة ولا على قوة فضائلنا الخاصة، بل على النعمة. فجهادنا الروحي عملٌ لنيل النعمة الإلهية. وفي الوقت نفسه نتعب ونجاهد بكامل قوّتنا، مضحّين بالمقابل بكل شيء من أجل هذا الوصول، المنشود إلى الهدف.
ولنصل إلى هدفنا بالاتحاد بالمسيح، علينا أن نصبح أصدقاء وتلاميذ للمسيح، وهذا يأتي باهتمامنا بحياتنا الروحية، لنصبح مساكن حيةً للروح القدس، وعندها يفعل الروح فينا في طريقنا نحو الهدف الأسمى، متخطّين كل الصعوبات ومستفيدين من أخطاء الآخرين الذين لا هدف ولا رؤية لهم، لنقترب رويداً رويداً ونلتقي مع معشوقنا المسيح.

ثالثاً: كيف نصل إلى يسوع؟
لنصلَ إلى يسوع، علينا أن نغادرَ إنساننا المادي بروحه الميتة وقلبه المتحجّر، ونقتني إنسان الروح وقلبه الحي المشتعل ناراً بغايات سامية. هذا يعني أننا بحاجة لتعب ولتنظيم وقتٍ ممتلئ بالمثابرة على الصلوات والقراءات الروحية وعلى رأسها الكتاب المقدس، وكذلك سهر وأصوام، ويا لفرحنا إنْ اكتملت بدموع.
هل هذه توصلنا إلى يسوع؟ بالطبع لا!! إنها فقط تعمل فينا فعل التنقية الروحية، فيحدث الأهم وهو أن يسوع يلاحظُنا، فيباركُنا برضى ويرسل إلينا أعظم هدية في الوجود، كهبة خالدة لإنسان ينتعش بها، هي النعمة الإلهية التي تكلّل جهادنا، فنكتشف - باكتشاف يسوع لنا - الهدف المدعوون إليه وهو: الاتحاد بيسوع.
وللحفاظ على هذه النعمة علينا أن نراقب أنفسنا دوماً، فعندما لا نجد ذاتنا قريبة من المسيح الذي نسعى إليه، نعلم يقيناً أننا نُبحر في دنيا وفي أجواء أخرى، ونسير في طرق مغايرة بعيدة عن النعمة.
حينها علينا أن نتغرّبَ عن عالمنا القديم، ونُفرغَ قلوبنا من أهوائنا الممتلئة بأنانيتِنا وكرهِنا وحسدِنا ومشاعرنا السلبية لنسمحَ للروح الإلهي بالدخول إلى أذهاننا ولتسكن النعمة فينا ونسير من جديد في طريقنا نحو الالتقاء بيسوع بقلوبٍ نقية. 
نعم، علينا تنقية قلوبنا من هذه الأشياء كلها، وملؤها بالفضائل. حينها نعود لسماع صوت الله، بعد أن نكون قد نجحنا بتحرير أنفسنا من تلك الأهواء والرذائل التي تعيق مسيرتنا. وحينها أيضاً سنجد حقاً أن رغباتِنا قد توجّهت للمسيح. يا لها من غربة مباركة نجد أنفسنا فيها.
ومن الأمثلة الآبائية على ما ذكرناه حدثٌ نجده قد تمثّل بصورة واضحة عند الأب صيصوي. فقد دُعي إلى مكان ما، فأجاب قائلاً: «أنا مشغول وليس لدي وقت فراغ للحضور». أجاب هكذا لأنه لم يُرد أن يُحرمَ من دخوله لقلايته ويُطبِّق برنامج غربته في إتمام دراسته الروحية، وهي التي كانت وسيلتَه إلى نيل المعرفة والحب الإلهي. وبحسب قصدنا في ما نقول: أنه أراد الالتقاء بيسوع وهذا هدفه. لأن المتكلّم في دراسته الروحية ليس الرسل ولا القديسين بل المسيح من خلال فم هؤلاء.

رابعاً: حضور المسيح والكتب الروحية:
كما رأينا سابقاً فإننا من خلال دراسة الكتبِ الروحية نشترك مع المسيح بشكلٍ روحي خفي. وهذا هو موضوع الإيمان الذي يرينا المسيح غير المنظور حسياً، لكننا في الكيان نجتمع معه بحضورٍ نسمع خلاله صوته ونستضيء بنوره.
أما الآن، وقبل الغوص أكثر في الحديث عن حضور المسيح في الكتب الروحية، لا بدَّ من التنويه بأن كلامي هذا موجّهٌ بشكلٍ عام لكلِّ مسيحي، وبشكلٍ خاص لكم أنتم طلبة اللاهوت.
إذن بقراءتنا للكتب الروحية فإن المسيح حاضرٌ وراء السطور. فإذا انفتح القلب فينا نحوه بإمكاننا أن نستعين بقول من سفر الرؤيا: "تعال أيها الرب يسوع" (رؤ20:22) نعم يا يسوع تعال إلى قلبي وإلى فكري وإلى روحي إلى كافة أوصالي وإلى كلِّ كياني.
نستطيع حينها أن نسمعه يقول لنا بصوت الروح ولغة الإيمان (سآتي) وسألتقي بك أيها المنادي في صلاتك وخاصة عندما تنفتح شهيتك نحوي لتغتذي بي: بجسدي ودمي، وسأتّحد بأوصالك وروحك وكيانك. وفي عزلتنا بعدها سنتحدث ثم ننطلق لنتابع الرسالة، فتكون رسالة واحدة من كلينا.
هذا الحضور الخفي للمسيح في كل واحد منا، هو حضور حقيقي. لأن المسيح خاصة بالنسبة لكم يبدأ في حضور مع سطور كتبكم ليكتمل هذا الحضور في اللحم والدم والروح عبر الممارسة الصلاتية التي هي تطبيقٌ عمليٌ لتلك الدراسة، ويقين أنها الوسيلةَ الأساسية لتكوين مُكَرّسٍ سيحيا كهنوتُه الذي هو كهنوت المسيح الأوحد.
على هذه الصورة تتم معانقة اللقاء بين الخالق والمخلوق. وبتعبير أبسط بين المعلم والتلميذ. وبرهان النجاح يتمثّل بالمتابعة، التي هي لقاء المحبة بين التلاميذ انطلاقاً من حب المعلم لكافتهم حسب قول يسوع: "أحبوا بعضكم بعضاً كما أحببتكم" (يو34:13). وحينها يصيرون كلُهم: "قلباً واحداً ونفساً واحدة" (أع32:4). فلنسعَ مجاهدين إذاً لتكون كلمة الله دائماً في قلوبنا وفي أفواهنا وبهذا يتحقق لنا احتفالٌ دائمٌ عبّر عنه القديس باخوميوس بقوله: «رغم أننا نعيش على الأرض، إلا أننا نُقيمُ عيداً في السماء».
فلتبقَ إذن كتبُنا الروحية مفتوحةً دائماً كتعبير صادق عن توقنا للمسيح في نوره المقدس.

خامساً: الانطلاقُ الداخلي والانفتاح على عالمِ الله
لقد خلق الله الإنسان على صورته ومثاله، بمعنى أنه أعطاه صفاتٍ ساميةً كبيرةً تجعل الإنسان يسعى ليتخطّى ذاته ويصبح أكبر منها. وليصل إلى هذه المرحلة لا بد له من استعداد داخلي روحي يتبعه انطلاق داخلي يسبق انطلاقنا الأخير نحو عالم الله، عالم الملكوت.
ولهذا الانطلاقِ الداخلي أسسٌ ثلاث هي: 
1- الإحساسُ العميقُ بالخطيئة
2- اليقينُ برحمة الرب التي لا حد لها
3- الشكرُ الدائمُ لله على كل شيء
قاعدةُ هذه الأسس هي الحياة الروحية الداخلية لكل واحد منا، وذلك بعيشها بشكل صحيح من خلال اليقظة والانتباه في تطبيق أسس الانطلاق وذلك عندما يكون المسيح هو مصباح سيرنا وانطلاقنا، متذكّرين قول السيد: "أنا هو نور العالم" (يو12:8). ولكن هل ينتهي الطريق هنا؟ كلا، ففي داخل كل إنسان جوعٌ وطموح وحاجة لا تنتهي ليُفرغ ذاتَه من الأهواء ويملأها بالفضائل التي تساعد الإنسان على أن يكون على صورة الله ومثاله وكما قلنا متخطياً ذاته ليصبح أكبر منها وذلك بالانفتاح على عالم الله.
ماذا يُقْصَدُ بالانفتاح؟ الإنسان المنفتح على عالم الله، لا يحقّق هدفه إلا بالانفتاح أيضاً على الآخر. وهذا ما تعيشونه أنتم الآن من خلال نضوجِكُم الروحي ودراستِكم المهمة وعمرِكم الشاب في انفتاحكم على عالم الله من خلال الصلاةِ والصوم وحياة الروح، وأيضاً من خلال عيشِكم مع الآخر وتماسكِكم المباشر مع بعضكم بشكل يومي وهذا يتطلب منكم الابتعاد عن الانغلاق أي الابتعاد عن الأنانية والبخل والحقد والحسد... والسعي الدائم لتكونوا منفتحين من خلال اقتناء المحبة والعطاء والمسامحة والكرم واللطف وطول الأناة... ولكن مع الانتباه بشكل كبير إلى ضرورةِ عدمِ الانفتاح بشكل خاطئ.

سادساً: سِرُّ القبول
كما رأينا في الفقرةِ السابقة، فإن الأمرَ الأساسَ في الانفتاح هو هدمُ حاجزِ الانغلاق في النفس وبناء مدخلٍ نصل به إلى عالم الله. إذن تابع حياتك في الانتقال من الأنا الأناني المغلق والمحتكر، إلى الأنا المسيحي المنفتحِ والمحبّ، لتكون في الوجود الحقيقي الذي هو (حياة الله). ولتدخل إليه ولتعيشه وتحيا به كسرٍّ طوعي يمكن إدراجه مع قائمة: (سر القبول). قبول ماذا؟ قبول إردة الله. أي الطاعة "طوبى لمَن يسمع كلمة الله ويعمل بها" (لو28:11). 
ولنصل إلى عالم الله، إلى التأله لابدّ لنا من عيش هذه الطاعة، التي ذروتُها بتطبيقها بملءِ إرادتنا الحرة حتى الموت: "ويسوع أطاع حتى الموت، موت الصليب" (في8:2). عندها نستطيع فهم حركة الله بداخلنا. وبرهان فهمنا لها هو تجاوبنا لهذه الحركة بطاعة كاملة.
ولكن يا ترى ما هي المساعَدات التي نستعين بواسطتها ليسهل علينا طريق الطاعة؟ لا شك أنها كثيرة ولكن أهمها (العمل بالوصية العظمى: محبةُ الله ومحبة القريب) (متى37:22-39) مقرونةً بكلمات بولس الرسول عن المحبة: "إنْ كنتُ أتكلّمُ بألسنة الناسِ والملائكة ولكن ليس فيَّ محبةٌ... فلا أنتفعُ شيئاً" (1كو1:13-3). ويتبعها إنكارُ الذات والنسكُ والتواضع والهدوء مع التوبة الدائمة. مستمرين هكذا لنصل إلى حالة الانفتاح الكلي لنعمة الله. حينها تنسكب علينا نعمة الروح القدس وتسكن فينا. ونصل إلى الفرح الأبدي إلى الاتحاد بالله.
أخيراً لنسمع صوت يسوع يحثنا على السعي الدائم للتشبّه به، بــ (آدم السماوي) ويقول لنا: اخرج من ذاتك، يا مَن أنت راضٍ بأن تحبني كما أحببتك. نعم، اخرج من ذاتك، وتجاوزها. كيف؟ بالطاعة لتنال حياة الله. عُد إلى العمل للوصول إلى الهدف. الله هدفنا. وسفينة الوصول هي الطاعة. فعلينا ألا نتلكَّأ.

سابعاً: الولوج إلى أعماق النفس
الاختلاءُ بالنفس والرجوعُ إلى الذات هي حاجة أساسية يتطلّبها الإنسان الداخلي فينا، فإذا عمل الإنسان على تحقيقها بإمكانه أن يشعر أن هناك في الوجود الذي يحتل المكان الأولي في حياتنا شيئاً آخر من خلال المنظورات والمحسوسات، وبأن مركزَ الإنسان الحقيقي هو ما وراء المنظورات والماديات. ذلك لأن حياتنا الحقيقية ليست بالنتيجة تلك الحياة الخارجية الصاخبة بل في أعماق النفس.
فلنتذكرْ قولَ المرنّم عند إحساسه بحاجته للرجوع إلى ذاته: "ويحٌ لي طال اغترابي، طالت غربتي على نفسي" (مز5:117-6). لذا إنْ لم ينتبه الإنسان ويتيقّظ، فإنه بإهماله يترك مجالاً ليعيشَ إنسانُهُ الخارجيُ على حساب إنسانِهِ الداخلي ويتضخّمَ، فيضمرُ عنده الإنسانُ الداخلي لدرجة قريبة من عدم الحس.
لدى البحث من خلال هذا الصراع القائم بين بُعدي الإنسان الداخلي والخارجي يتحقّق لدينا أن الحياةَ الداخلية هي أساسُ حياة الإنسان كله. وهي تمثل جذور حياة الإنسان وتشمل كلاً من الحياة الشخصية والحياة الاجتماعية على مختلف أوجهها.

ثامناً: إنسانُ القلبِ الخفي (1بط4:3)
الكتاب المقدس يتكلّم عن أهمية ودور القلب في حياتنا عامة والروحية خاصة. وكم هو صالح أن نتضرع مع داود النبي قائلين: "قلباً نقياً اخلق فيَّ يا الله" (مز50") لأننا به ننال تطهيراً من الداخل، فعندما يُطهّر الله قلوبَنا وأفكارَنا، تكون لنا أفكارٌ جديدة ورغباتٌ جديدة، خاصة وأن السلوك السليم لا يصدر إلاّ من قلب نقي وفكر طاهر، وبحسب حزقيال النبي: "احصلوا لأنفسكم على قلب جديد وروح جديدة" (حز31:18).
إن الكلام الذي ذكرناه بمثابة عملية تطهير لنتائج خطايانا السابقة، إذا رجعنا لله حقاً، لأننا في هذه العودة نحقّق قوة تغيير جديدة. بفضل هذا التطهير وذاك التغيير الجديد، ألا يستحق الأمر منا أن نقوم بهذا الجهاد لنفسح مكاناً بداخلنا ليقيم الله في نقطة المركز فيه الذي هو القلب؟
لهذا بإمكاننا القول بشكلٍ جدي بأنه على كلِّ واحد منا أن يبدأ حياته في قلبه. كل شيء يتقرّر في القلب. المثل الأعلى للإنسان إنْ لم يتم تحقيقه في القلب أولاً فلن يتوصّل صاحبه إلى شيء. سِرُّ برنامجِ الإنسان الكامل الواجب تحقيقه هو في قلبه أولاً. فلنتذكّر مقولة بطرس الرسول: "إنسان القلب الخفي" (1بط4:3). إنها مدلول على الزينة الداخلية للإنسان وأهم زينة هي الفضائل التي تساعد في الوصول إلى الهدف.
نعودُ لنتذكّرَ أننا مع بداية حديثنا أردنا أن يكون هناك هدف لكل واحد منا. وهذا حديث يتنوّع بتعدادنا كلنا، لأنه يختلف من شخص لآخر. إنما بيت القصيد فيه هو مقولة واحدة تجمع كل هذه المتنوعات، هي: (حياة الله بداخلنا). ترتبط حياتنا الروحية بهذا الواحد الذي هو الله، ومنه تنبع المعطيات التي تتمحور بالتعاضد مع أشخاصنا ليصل كل منا بفرادته لأجل (العيش من أجل الله).
لما كان اللهُ بالمعنى القيمي موجوداً في الأعالي، فيجب علينا أن نسعى للتواصلِ معهُ والاقتداء به عسى أن نصل إليه لأن وجودَه بداخلنا يُحرِّضُنا لتحقيق هذا المسعى، علاوةً على أن المسيحَ الذي هو قدوتُنا قال: "وأنا إنْ ارتفعت أجذب إليَّ الجميع" (يو32:12) فلتكن لنا هذه الشهوةُ بأن نتذوّق حياته في كل مناسبة ليتحقّق لنا ذلك، وخاصة شهوة تناوله جسداً ودماً. فيا لفرحنا حينئذٍ لأن الله بداخلنا والمسيح بجسدنا والروح القدس المحقق والمنفِّذ لكل هذه التطلّعات هو المشارك في هذا الانجاز.
لا أظن أن هناك أفضل من هذا التدبير ليكون لنا جهوزيةٌ ناجحة نحقّق فيها انتصاراً مطلوباً وهو أننا صرنا جاهزين لحضورٍ دائمٍ لله. يذكِّرنا هذا الكلام بإعلانات السيد المسيح المتّجهة نحو الله القائلة: "أنا فيهِم وأنت فيَّ" (يو23:17) أو شهادة بولس الرسول التي علينا الاقتداء بها: "لست أنا أحيا بل المسيح يحيا فيَّ" (غلا2:20).
وهكذا تكون حياتنا الداخلية محقَّقةً لنا بنجاح كيفية انطلاقنا الدائم نحو الله.

تاسعاً: خاتمة: الذروةُ، في الأيام الصيامية
ذروةُ نظامِ الصوم تكمن في الأيام الثلاثة الأخيرة لأسبوع الآلام. فيها نحتفلُ بتذكار موت السيد، ونتهيّأُ لقيامته.
تساعدُنا الكنيسةُ بصورة مذهلة، لذا علينا ألا نحيا مع كنسيتنا كواجبٍ إنما كحياةٍ نربط بها أنفسنا روحياً ولاهوتياً وتاريخياً. وسنمر حينها عبر هذه الأيام الأخيرة في أحداثٍ وأماكنَ واقعيةٍ مثل الجثمانيةِ ودار الولاية والجلجلة، ومن ثم إلى جانب القبر في البستان.
لا شكَ أن مشاركتَنا تَظْهَرُ كما مع كثيرين بدموع خاصة عند قدمي الصليب. من هنا كثيرون (خاصةً يوم الصلب) لا يأكلون ولا يتحدثون مع أحد ولا يستعملون وسائط اتصال أو أية مشاهد. بل يتركون ليوم الفصح فرح التعبير والكلام. أما في الأيام الثلاثة هذه فيتم لهم الدخولُ بعلاقةٍ شخصية وعميقة مع يسوع المتألّم والغالب.
الأمر الذي يساعدنا على توطيدِ العلاقة الشخصية مع يسوعَ وعيشِ معاناتِه بحيث يكون لنا شركة فيها تكمن في تفهّمنا لمحبته لنا ومبادلته الحب بحب حقيقي مقرون بشكر دائم، ومن ثم نجاهد على ألا نقعَ في أية خطيئة كأننا بها نعيد صلبه، ولكن هذه المرة نكون في عداد أولئك الذين أرادوا صلبه بصياحهم نحو بيلاطس وهم يهتفون: اصلبه، اصلبه.. لذلك علينا أن نجاهد دائماً - فكم بالحري في فترة الصوم المباركة - لئلا نصلبه ثانية.
صومُنا هو مرحلةُ اختبارٍ لحدث الفداء فلندخلْهُ من هذا القبيل، محقّقين بتبنينا لعمق حياتنا الروحية ارتفاعاً نشارك فيه المسيح عندما رُفع على الصليب. وعن هذا الطريق هو سيرفعنا نحوه.
وكلّما قوّينا دورَنا الروحي خلال فترة الصوم، ازدادَتْ أُلْفَتُنا مع يسوعَ، وخاصة خلال مسيرة آلامه المنتهية بالصليب. ولنتذكّرْ أن الألفة مفادها الجهاد لرؤية يسوع بعين الإيمان: "طوبى لمَن آمن ولم يرَ" (يو29:20).
بكل تأكيد قوّةُ الأُلفةِ لا تكمن على الصليب وحده، بل أيضاً التواجد معه في أماكن وجوده وأهمها أنه تجسّد ليكون بين البشر أيضاً. فلنقلدْهُ بحب وطاعة وخدمة عَبْرَ تكريسِنا الصادق. هذا هو صومنا الحقيقي.

الحياة الرهبانية

قديس اليوم

زيارة لدير القديس جاورجيوس

زيارة لدير الشيروبيم  ( رؤساء الملائكة )

البحث في الموقع

الوصول إلينا