حديث الأسبوع (26 شباط)

أرشيف

وعظة الأحد

أحد الغفران

أولاً: مقدمة عن الغفران

نقرأ في المحيط الجامع للكتاب المقدس: الغفران هو مسامحة ذنب مهما كان مضمونه أو أصله. هو عملٌ مشتركٌ بين الله والإنسان. فالإنسان يسامح والله يسامح، ولكن غفران الخطايا هو عملٌ خاصٌ بالله، فحين يغفر الله فهو يخلق الإنسان من جديد: "قلباً نقياً اخلق فيّ يا الله" (مز50).

الكتاب المقدس يمدّنا بغفرانات من البشر لبعضهم كثيرةً، فمثلاً عيسو بن إسحق بعد أن نال أخوه يعقوب البركة عوضاً عنه، نوى أن يقتل أخاه في يوم ما. ولكن بعد أن التقيا في زمن لاحق (غفر عيسو ليعقوب) وتقابلا بالعناق والقبلات (راجع تك33). وكذلك غفر يوسف لإخوته رغم أنهم باعوه عبداً (راجع تك37) وصفح عنهم ووعد أن يعتني بهم وبعائلاتهم، بمعنى أن غفران يوسف كان كاملاً (راجع تك50).

وفي العهد الجديد يأتي طلب يسوع إلينا قوياً: "إن أخطأ إليك أخوك... سبع مرات في اليوم وعاد إليك سبع مرات قائلاً: أنا تائب، فعليك أن تغفر له" (لو4:17). ومرة تقدم بطرس من يسوع وسأله: "يا رب كم مرة يخطئ إليّ أخي فأغفر له؟ هل إلى سبع مرات؟ فأجابه يسوع لا إلى سبع مرّات بل إلى سبعين سبع مرات" (مت21:18-22) ويعطي يسوع تعقيباً على هذا القول مثل الخادم الذي لا يرحم، مشهراً التهديد للذين لا يغفرون لإخوتهم من كلِّ قلبهم (مت35:18).

ثانياً: الغفران

يقول النص بحسب الترجمة الكنسية: "إن غفرتم للناس زلاتهم يغفر لكم أبوكم السماوي أيضاً. وإن لم تغفروا للناس زلاتهم فأبوكم أيضاً لا يغفر زلاتكم" (لو14:6-15).

ومن المهم ربط هذا المقطع الصغير بما سبقه مباشرة في تعليم يسوع الصلاة الربانية التي يقول فيها: "واترك لنا ما علينا كما نترك نحن لمن لنا عليه" (مت12:6) التي تحمل معنى الصفح عن الذنوب والمذنبين. نص يحمل مضموناً للرحمة الفائقة مشمولة تلك المغفرة في نص أبانا الذي لا يقوله غير الإنسان المؤمن المسيحي. فغير المسيحيين لا يتوجهون إلى الله بكلمة (أبانا). لذلك وُضعت هذه الصلاة في ليتورجيا الكنيسة مع قداس المؤمنين، وليس الموعوظين. فالمؤمن يتوسّل بهذه الصلاة إلى الله أبيه ليغفر للناس ذنوبهم، مصرِّحاً أنه يسبقهم في المغفرة التي يريدها هو لنفسه أيضاً.

إنه طلبٌ مقرون بالتوبة ضمناً، نسأل الله فيه أن يمنحنا المغفرة بعد طلب توبتنا. إلا أن التشديد هو على طلب المغفرة للآخرين، التي تنحجب بسببه الإدانة عنا حسب قول بولس الرسول: "لو كنّا ندين أنفسنا لما كنا نُدان. وفي دينونتنا هذه إنما يؤدبنا الرب لئلا يُحكَم علينا مع العالم" (1كو31:11-32). فالنصّ يذكّرنا بخطايانا، فيجعلنا متواضعين فيما نحن عليه. وعندما وضع لنا الرب الطلب الذي نريد من الله به أن يغفر للآخرين، فنحن ننال بموجبه الانعتاق من كثير من الأهواء، وخاصة هوى الحقد والبغضاء.

ونحن نلمس من جهةٍ ثانيّةٍ أن طلب المغفرة هذا هو صلاة يومية لمرة أو أكثر، خاصة لمصلّي خدمة الساعات وباقي صلوات النهار، التي يقدم المؤمن خلالها في صلاته احتياجه إلى مغفرة مستمرة لكل ساعة من ساعات يومه حسب آية المزامير: "طوبى للساكنين في بيتك أبداً يسبحونك" (مز4:84). مدركين /ونحن نقيم هذه الصلاة/ أن فادينا ومخلصنا يسوع المسيح، فتح لنا طريقاً نتجه خلاله نحو المغفرة. إنه يوم مغفرته لنا، عندما تدفق الدم المقدس من جنبه لأجل غفران خطايانا، بحيث لا يستطيع أن يتخطاها مؤمن حقيقي مهما كان قلبه قاسياً ضد أخيه. علما أن مَن لا يغفر لأخيه أثناء تلاوته هذه الصلاة يجلب دينونة على نفسه. لأن الأساس أنه ليس منّا أحد بلا خطيئة؟ ومَن منا لا يحتاج إلى الغفران؟ فيوحنا الحبيب يقول: "إن قلنا أنه ليس لنا خطيئة نضل أنفسنا وليس الحق فينا" (1يو8:1). يبقى أن نقول أن المتكبّر وحده هو مَن لا يشعر بأهمية الغفران لأخيه، هو ذاك الذي ينظر إلى الآخرين نظرة الفريسي في كبريائه، وليس العشّار في تواضعه. فما أجمل قولنا الذي نخاطب به الله قائلين: "اللهم ارحمني أنا الخاطئ" (متى13:18). وهو ما يجعل هذه المغفرة ليست قولاً من شفاهنا، بل تنبع من قلوبنا التي يراها الله بكونه وحده "فاحص القلوب والكِلى" (مز9:7).

هذا الكلام هو الذي يُدْخِلنا ويوضِّح لنا النص القصير لأحد الغفران، الذي يوحي لنا بأن نطلب المغفرة يومياً لكل آخر، متذكرين بأننا خاطئون أيضاً، ومحتاجون لطلب المغفرة أيضاً من أجلنا. والقديس كبريانوس يُعلّم: (يجب أن تبقى عقولنا مدركة تلك الخطايا خشية أن يصبح المرء منا راضياً عن نفسه ويلاقي مصير الإطراء الذاتي) وهذا يضعنا أمام قاعدة أساسية للغفران، وهي أننا لا نستطيع الحصول على غفران خطايانا ما لم نغفر بالمقابل للذين يسيئون إلينا، لأن يسوع يقول: "وبما تكيلون يُكال لكم" (مت2:7). لذا علينا حسب قول أوغسطينوس المغبوط: (أن نغفر كل الخطايا المقترفة ضدنا إذا أردنا أن يصفح لنا الآب عما اقترفناه).

إن علينا أن لا نضمر العِداء لمن يسيء إلينا. فمثل هذا الإنسان عندما يصلّي طالباً المغفرة للآخر تكون صلاته كذباً ورياءاً. وربما حملت كلماته وصلاته أحياناً طلبات تضرع لله، محمَّلة برغبة الثأر من أعدائه، والذين يكونون أحياناً أقرب الناس إليه، وهو يدري أو لا يدري أنه بفعله هذا يطعنن التعاليم الإلهية في الصميم. لأن الطعن بالتعاليم الإلهية أقرب ما يكون من التجديف على الله، في حين أنه يدعى أنه يطلب ما يطلب لأنه قريب من الله. لذا علينا أن نبقى متذكرين أن المسيح أتى إلينا بحبه الكبير ومشيئته الغافرة لنا لتحريرنا من أهواء قلوبنا، لتحرير الإنسان الداخلي فينا، ليستطيع الإنسان الخارجي أن يكون قدوة يُحتذى، في عالم بحاجة إلى العمل والتعامل بحسب الحسّ الإلهي. فلنكن بهذه المغفرة الصادقة رحماء للآخرين لأن الله رحيم بنا.

علينا أن نحيا في علاقة مستقيمة مع الرب، نعاهده فيها أن يغفر لنا كما نغفر نحن. وإلا فصلاتنا لا تحمل روح الصلاة بمعانيها. وحينها تصل إلى إنساننا الداخلي الصدى الروحي والعملي لكلمات يسوع القائلة: "فإن كنتم لا تغفرون للناس زلاتهم لا يغفر لكم أبوكم السماوي زلاتكم. وإن كنتم لا تغفرون للناس زلاتهم لا يغفر لكم أبوكم السماوي زلاتكم" (متى14:6-15).

إن المغفرة التي علينا أن نجعلها من أوليات حياتنا تقودنا لاكتساب شخصية يصفها بولس الرسول بقوله: "كونوا لطفاء بعضكم نحو بعض، شفوقين، متسامحين كما سامحكم الله أيضاً في المسيح" (أف32:4). هذا هو قانون المسيح للغفران بحسب النص الذي بين أيدينا، وهو ما يوجب علينا أن نعي بأن الله لا يغفر لنا لأننا نغفر نحن للآخرين فقط، بل هو يغفر لنا بناء على رحمته العظيمة. فاستعدادنا للغفران يقرّبنا من يسوع الذي يريدنا أن نصير مثله، بل أن نصير واحداً معه، متذكرين أن يسوع أراد الغفران للذين صلبوه: "يا أبتِ اغفر لهم لأنهم لا يدرون ما يفعلون" (لو34:23).

ولندرك أيضاً أن ينبوع كل مغفرة يكون في الله الذي يرى في خطيئة البشر /بعضهم لبعض/ تعدياً وإغاظة لقدرته وعدالته وبرّه وحبّه.

ثالثاً: الله هو الذي يغفر

بحسب تعليم الكتاب المقدس، الغفران الإلهي عمل سام مرتبط بالرحمة به، يعطي الله الإنسان إمكانية الدخول إلى نعمته وحنانه. ليتجاوز الإنسان الخطيئة التي تحطّم العلاقة بينه وبين الله. فلا يعود لها وجود فيبدأ الله معنا من جديد. حين يغفر الله للإنسان، فهو يعيد علاقته بالإنسان كما كانت في البداية، ويُدخله في عالم يستطيع أن يمارس فيه مشيئة الرب. المغفرة هي تجديد الحياة، وهي تجعل من الإنسان كائناً جديداً. في حين أن الخطيئة هي ثورة على الله وتصلّب في الشر، إنها تدمّر الحياة الروحية. أما الغفران فيُعيد بناءها، وهو علاوة على أنه يزيل العقاب، فإنه أيضاً يعيد العلاقة مع الله الخالق. فإن كان الله يخلّص حين يغفر، فلأنه يحب الخاطئ الذي هو - رغم كل شيء - يبقى على صورته ومثاله. إن حب الله يرتبط ارتباطاً وثيقاً بغفران الخطايا. فالله قدير وحنون وهو يغفر حباً باسمه: "أنا، أنا هو الماحي ذنوبك من أجل ذاتي، وخطاياك لن أذكرها" (أش25:43) ولكن رحمة الله لا تنفي كرهه للشر. وغفرانه للخاطئ لا يستبعد غضبه أو عقابه على المتمردين والكفرة الذين يزدرون بوصاياه، فيقول لهم مثلاً: "اذهبوا عني يا ملاعين إلى النار الأبدية" (متى41:25).

لقد ارتبط الغفران بالتوبة، لهذا كرز يوحنا المعمدان: "بمعمودية التوبة لمغفرة الخطايا" (مر4:1). ويسوع كرز أيضاً بالتوبة، ومثله فعل باقي الرسل. هذا الغفران القائم على التوبة هو الدور المطلوب من الإنسان أن يواجه الله به. إلا أن يسوع أضاء لنا أمراً جديداً في هذا الموضوع، وهو أن قدرة الإنسان الذاتية لا توصله إلى تحقيق هذا الغفران، فهو مهما تاب لن يدرك بقواه الخاصة هذا الهدف. لا شيء البتة يبرر الإنسان سوى نعمة الله المجانية، وتجاوب الإنسان مع هذه النعمة. فالله يبادر دوماً ويغفر لنا. ونحن نعي خطيئتنا فيتجسد غفرانه فينا. فالإنسان يبقى دوماً تجاه الله صاحب دين لا يستطيع أبداً أن يفيه، لأن الإنسان لا يستطيع أن يخلّص نفسه بنفسه. وفي قصة الشاب الغني تساءل الناس: "وقال بعضهم لبعض: ومَن يقدر أن يخلص؟ فقال لهم يسوع وهو ناظر إليهم: هذا مستحيل عند الناس ولكن ليس مستحيل عند الله. فإن كل شيء مستطاع عند الله" (مر26:10-27).

وإذا عُدنا إلى قصة الابن الضال (لو15) فإن الإنجيل يعلن أن الله وحده هو الذي يغفر بصورة مجانية، وبالتالي يُدخل الابن إلى بيت الآب. وهكذا نصل إلى أن غفران الخطايا هي بواسطة المسيح، ويؤكد بسلطانه على هذا الغفران كأن يقول: "مغفورة خطاياك" (مت2:9)، لأن له السلطان على مغفرة الخطايا مثله مثل الله. ففي شفاء الإنسان المقعد (المشلول) يقول الإنجيل عن حاملي المشلول: "فلما رأى إيمانهم قال له: أيها الإنسان مغفورة لك خطاياك. فابتدأ الكتبة والفريسيون يفكّرون قائلين: مَن هذا الذي يتكلم بتجاديف؟ مَن يقدر أن يغفر خطايا إلا الله وحده" (لو20:5-21) فالمسيح هو غافر الخطايا وإن شكّ المتشككون.

أكّد يسوع في العشاء الأخير حين أنهى كسر الخبز وتقديمه أن موته هو لغفران الخطايا: "ثم أخذ الكأس. وشكر، وأعطاهم قائلاً: اشربوا منها كلكم. فإن هذا هو دمي الذي للعهد الجديد والذي يُسفك من أجل كثيرين لمغفرة الخطايا" (مت27:26-28) بهذه الصورة التي نمارسها في سر الإفخارستيا فنحقق مشاركتنا بالمناولة، نستدل على أننا صرنا من أبناء العهد الجديد، وأن خطايانا غفرت لنا. سر المعمودية التي تتم في يسوع المسيح أيضاً، والتي ننال بها غفران الخطايا، حسب ما يبينه سفر أعمال الرسل. فبعد عظة بطرس الأولى التي يتساءل فيها السامعون: "ماذا نعمل أيها الإخوة؟ أجابهم بطرس: توبوا وليعتمد كل واحد منكم باسم يسوع المسيح فيغفر الله خطاياكم وتنالوا هبة الروح القدس" (أع37:2-38). ونجد هذا الغفران كذلك، قد أعلنه الرب الناهض للرسل مؤكداً ذكره السابق في الكتب: "... وأن يُبشّر باسمه بالتوبة وغفران الخطايا في جميع الأمم" (لو47:24). ولقد أوضح لنا بولس الرسول أمراً مهماً حين ربط الفداء بغفران الخطايا حسب قوله: "الذي فيه لنا الفداء بدمه غفران الخطايا، حسب غنى نعمته" (أف:1-7) وكذلك الأمر أيضاً في رسالة يوحنا الحبيب قوله: "إن اعترفنا بخطايانا فهو أمين وعادل، حتى يغفر لنا خطايانا ويُطهِّرنا من كل إثم" (1يو9:1) وكذلك يوضح يعقوب الرسول لنا ذلك في قوله: "وصلاة الإيمان تشفي المريض، والرب يقيمه، وإن كان قد فعل خطيئة تُغفر له" (يع15:5).

فالمسيحي بنيله غفران الخطايا ينال فرصة الانفتاح على المستقبل. والكنيسة مستمرة بفعل ما فعله يسوع من خلال سر التوبة والاعتراف، اللذين يتم بهما إعلان غفران الخطايا؛ هذا الغفران الذي يقيمه الله بكونه معطي الإنسان المغفرة.

وعلينا ألا نهمل وصية يسوع الأساسية لنا تلك التي قالها للمرأة الزانية: "ولا أنا أدينك اذهبي ولا تخطئي أيضاً" (يو11:8). النعمة تساعدنا على عدم تكرار الخطيئة بعد التوبة، إلا أن هجمات الشيطان تكون أحياناً قوية بالنسبة لضعفاتنا، لذا فإن باب الغفران مفتوح لنا حسب قول يوحنا الحبيب: "أكتب إليكم بهذه الأمور لئلا تخطئوا وإن خطئ أحد منا، فلنا يسوع المسيح البار شفيع عند الآب" (1يو1:2) لهذا سلّم يسوع إلى التلاميذ (أي إلى الكهنة في الكنيسة) سلطان غفران الخطايا، وهي تتم بواسطة يسوع: "مَن غفرتم له خطاياه تُغفر له، ومن منعتم عنه الغفران يُمنع عنه" (يو23:20). ولهذا قال يسوع للرسل متمماً السلطان الأول: "ما تربطونه في الأرض يكون مربوطاً في السماء، وما تحلونه في الأرض يكون محلولاً في السماء" (مت18:18).

رابعاً: الخاتمــة

من حديث طويل للقديس يوحنا الذهبي الفم عن النبي داود، متحدثاً فيه عن المغفرة كأنموذج جديد بالتأمل، أستهل هذا الموجز الذي يكشف لنا لماذا شهد الله بقداسته حسب القول: "وجدت داود بن يسّى رجلاً حسب قلبي الذي سيصنع مشيئتي في كل شيء" (أع22:13).

كلنا نعرف أن شاول ملك الإسرائيليين الأول، كان قد حسد داود على المجد الذي قد اكتسبه بحق. عندما أمات جُليات المتوحش، وخلّص شعب الله من الفلسطينيين. فازدادت كراهية الملك له حتى أصبحت كراهية مميتة. ففي أحد الأيام، وبينما كان داود يعزف كنّارته لكي يسلّي شاول، حاول هذا الأخير قتله. فقد رمى عليه الرمح الذي كان يمسكه بيده فجأة، لكن داود انحنى قليلاً ونجا. ومنذ ذلك الوقت حاول الملك الحسود قتل مختار الرب عدة مرات.

وعلى الرغم من أنه أعطاه ابنته الصغرى ميكال امرأة، فقد أرسله ليحارب ضد الفلسطينيين لكي يُقتل، لكن داود كان ينتصر في كل معركة ويعود ظافراً. وقد طلب أيضاً الملك إلى ابنه يوناثان وقادة جيشه أن يقتلوا داود، لكن يوناثان الذي كان صديقاً وفياً لداود أعلمه بذلك مسبقاً وأرسله ليختبئ. وأيضاً جرّب الملك ثانيةً طعن داود برمحه، لكن داود تنحّى جانباً فأصاب الرمح الحائط. ولقد أرسل أناساً ليراقبوا داود في بيته ويغتالوه، لكن ميكال التي شعرت بهم أنزلت رَجُلَها من النافذة بحبل، فرحل بعيداً ووجد ملجأً في مغارة عَدُلاّم. هناك اجتمع حوله حوالي أربعمائة رجل، فيما كان شاول يبحث عنه ويطارده مع جيشه من مكان إلى آخر، لم يكن يشغله أمر آخر سوى إهلاك داود. إلى هذا الحد كانت كراهيته حادة ومسعورة ضد الرجل الشجاع البريء.

ماذا فعل الشاب المطارَد؟! لم يفعل شيء سوى إبداء طول أناة لا يوصَف تجاه عدوه. عندما كان الملك يلين بعد كل محاولة اغتيال فاشلة، كان داود يقترب منه بتواضع ويخدمه باحترام ويعزف له الكنّارة. كان يتفانى لكي يعالج الشر بحسن النية، والدناءة بالطهارة، والخزي بالأخلاق الحميدة.

وأخيراً عندما رأى أن نار كراهية شاول العمياء لم تكن تنطفئ بنسمة طيبته، حينئذ رحل ولم يفكر بفعل الشر لمن أساء إليه. فَضَّل أن ينتهي به الأمر تائهاً في البرية على أن يعاقب الملك الجاحد بما كان يستحق. إن نفسه حسنة النيّة لم تكن تطلب الانتقام، بل كان يسعى إلى تحرير شاول من هواه المتوحش الذي كان قد تسلّط عليه. وكان في اختفائه عن نظر عدوه آملاً أنه /بهذه الطريقة/ سيلتئم جرحه، ويخفّف من كراهيته، ويليّن قلبه. ما هذه النفس الملائكية الكبيرة؟!! لكن شاول بقي عبداً لِهواه بإرادته، وهو ما جعله لا يتوقف عن مطاردة المحسن إليه ومخلِّص شعبه، وأن يسعى جاهداً لكي يهلكه.

وصل داود ورجاله إلى مكان حِتير الغنم (وهو كهف كبير)، فصدف أن شاول مرّ من هناك مع جنوده ودخل الكهف معتقداً أنه وحده يشعر بالتعب فنام. لم يُصدِّق رجال داود عيونهم، فمضطهدهم المخيف قد وقع بين أيديهم على غير انتظار. نهض داود واقترب بهدوء من شاول النائم وقطع طرف جبّته وقال لرجاله: "حاشا لي من قبل الرب أن أعمل هذا الأمر بسيّدي بمسيح الرب فأمدد يدي إليه لأنه هو مسيح الرب" (1صم1:24-7) فمَن من البشر يكون متسامحاً إلى هذا الحد؟ فهو لم ينقض، بل لم يتفوَّه أيضاً بأي كلمة سيئة، ولا شكوى، ولا لعنة، تجاه الذي لم يتوقف عن مطاردته مسعوراً. لقد حصلت في الكهف معركة عجيبة لا توصف؛ حارب داود غضبه، أو بالحري حنقه المبرر الذي حاول أن يدفعه إلى القتل. انتصر داود، وكانت المكافأة شاول، وكان الله نفسه هو الحكَم.

لقد تم تحريض داود من رجاله لقتل الملك، ولامه أصدقاؤه على عدم اغتنام الفرصة لتولّي العرش، فلم يتأثر بالتاج الملوكي، ولا بأي أمر آخر. كان يهمه إكليل المسامحة الذي كان سيعطيه الرب إياه، فأقنع مرافقيه بالشفقة على عدوِّه. وهكذا ظهر قوياً أكثر وأهلاً للإعجاب، لأن انتصار الإنسان على أهوائه هو عمل عظيم حقاً، والأعظم هو أن يقود الآخرين إلى مثل هذا الانتصار الروحي، جاعلاً منهم مقتدين به. ومهما كانت الحال، فإن هذا العمل العظيم لا يتحقق من دون مساعدة الله. لقد شددت النعمة الإلهية في ذلك الوقت اختيار داود الجيد، وجعلت أقواله مقنعة، فتراجع رجاله، وبقي شاول حيّاً.

لقد برز داود الكريم النفس منتصراً وفائزاً مرتين؛ الأولى عندما أخذ حياة جليات، والثانية عندما منح الحياة لشاول. والنصر الثاني كان أكثر سطوعاً ومجداً من الأول، لأن العقل حلّ فيه ورُبحت المعركة دون استخدام الأسلحة التي استُخدمت في المرة الأولى. فارتفعت علامة النصر من دون إراقة نقطة دم واحدة، لأن شاول بعد أن استيقظ وخرج من المغارة، خرج خلفه داود وهو يمسك بيديه الرأس المقطوع، ليس رأس شاول بل رأس غضبه، خرج محققاً الضربة القاضية على الشيطان عدوّه الحقيقي. "نادى شاول الذي كان قد ابتعد: سيدي الملك، فالتفت شاول ليرى داود راكعاً بوجهه إلى الأرض ساجداً له" (1صم9:24). إنه بعدما خلّص عدوه، سجد له بتواضع، ودعاه ملكه وسيده، وأظهر له خضوعاً وتفانياً، وفعل كل ما يستطيع لكي يليّن قلبه، ويبدّد أمله الباطل، ويُفكِّك غضبه، ويُخمِّد حسده قائلاً له: "... دفعك اليوم الرب إليّ في الكهف وقيل لي أن أقتلك ولكني قلت لا أمدّ يدي إلى سيدي لأنه مسيح الرب هو. أنظر أيضاً طرف جبتك بيدي، فمن قطعي طرف جبتك وعدم قتلي إياك اعلم وانظر أنه ليس في يدي شر ولا جرم ولم أُخطئ إليك وأنت تطارد نفسي تأخذها.. يقضي الرب بيني وبينك" (1صمو9:24-13).

كم كان داود بريئاً من الكبرياء والغرور، لأنه كان يهتم بأمر واحد فقط: لحكم الله. ثم يتابع الذهبي الفم كلامه إلينا قائلاً: (أنت أيضاً إن كان لديك عدوّ، لا تُفكر في كيف ستنتقم منه وتؤذيه وتهينه، بل في كيف ستشفيه وكيف تهدئه وتُعقِّله. ولا تتوقف عن عمل ما تقدر عليه أو قوله لكي تنتصر بوداعتك على قسوته. خذ داود لك مثالاً، الذي بقدر ما كان يرى شاول شرساً حياله بقدر ما كان يُشفق عليه، وبقدر ما كان يراه يذوب من الحسد كان يحزن عليه، وبقدر ما كان يراه مُصرّاً على الشر بسعيه إلى التخلص من إنسان بريء. كان يبكي على مآله ويصلي. حتى أنه في النهاية جعل عدوه يعترف بخطيئته ويتوب بدموع.

ويتابع الذهبي الفم بقوله: مَن هو المغبوط أكثر من داود الذي في لحظات قليلة هدّأ وحشاً، والذي بكلمتين حرّك (بمعنى بكّم) نفساً عطشى إلى الدم؟ لا أُعْجَب بموسى الذي جعل صخرة صلدة تُخرج ماء، أكثر من داود الذي جعل عيني مثل هذا الإنسان تذرف دموعاً خاشعة. موسى انتصر على الطبيعة، بينما داود هزم الرغبة. موسى ضرب الصخرة بعصاه، بينما داود ضرب القلب بأقواله، لا لكي يحزنه بل لكي يطهِّره ويليّنه. أمدحُ داود على وداعته، ولكني أمدحه أكثر على تحوّل شاول.  لقد أظهرت دموع شاول شفاء نفسه، الشفاء الذي تحقق فقط بصلاح داود الذي لا يوصف. هذا الصلاح جعله بالرغم من قسوته، يعترف بفضيلة داود ويُقرّ بها. قال في النهاية: "إذا وجد رجل عدوّه فهل يطلقه في طريق خير؛ فالرب يجازيك خيراً عما فعلته في اليوم هذا، والآن فإني علمت أنك تكون ملكاً وتثبت بيدك مملكة إسرائيل فاحلف لي الآن بالرب أنك لا تقطع نسلي من بعدي ولا تبيد اسمي من بيت داود" (1صمو19:24-21).

بعدها انهزم جيش شاول في حرب جديدة مع الفلسطينيين. وقُتل أولاده الثلاثة يوناثان وأبينادان وملكيشوع، وبقي هو مصاباً بجرح بليغ، طلب من حارسه أن يقتله لكي لا يسقط بأيدي الأعداء، فأبى الخادم فعل ذلك. حينئذ جعل شاول سيفه مستقيماً وسقط عليه.

تألّم داود لخسارة شاول الكبيرة وصديقه الحميم يوناثان كثيراً، فمزّق ثيابه. وبكى بمرارة. وكتب نشيداً تابينياً مميزاً لذكراهما (2صم23:1-24). وبعدها يُنهي الذهبي الفم قوله بالتالي: يا أخي، بما أنك سمعت ما سمعته عن رحابة صدر داود، تذكّر عدواً لك أو إنساناً آلمك وقل لي: هل ستُحسن إليه كل حياته؟ هل ستبكي عليه عندما يموت؟ وإن لزم أن تتعب أنت كي لا يُصاب بأذى، هل ستتحمل التعب طاعة للوصية وآملاً بمكافأة الله؟ أنصحك وأرجو منك أن تقوم بكل هذا، لأنه لا شيء مُرضٍ حقاً لدى الله. ولا شيء يستحق العجب، ولا أكثر رشداً من أن يسامح الإنسان أعداءه، ولا شيء أكثر حماقة من أن ينتقم منهم أو يؤذيهم. كل مَن يبادل بالشر، كثيراً ما يُلام ويؤنِّبه ضميره دائماً. على العكس، فإن مَن يتجنب الانتقام ويصبر على شر عدوّه، سيكون ضميره مرتاحاً دائماً، ويحظى بمعونة الله.

لقد كان الناموس في ذلك الوقت يسمح بمبادلة الشر بشر مثله: "لا تُشفق عينيك، نفس بنفس، عين بعين، سن بسن، يد بيد، رجل برجل" (تثنية21:19). مع ذلك فقد تخطّى داود حدود عصره الناقص، ووصل بشكل نبوي سابق لأوانه إلى قياس الناموس الإنجيلي الكامل الذي يسري علينا اليوم: "أحبوا أعداؤكم، باركوا لاعينكم، أحسنوا إلى مبغضيكم، وصلوا لأجل الذي يسيئون إليكم ويطردونكم" (متى44:5).

نحن نتعلم الغفران من يسوع المسيح، الذي عندما كان معلَّقاً على الصليب كان يصلي من أجل الذين صلبوه: "يا أبتاه اغفر لهم لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون" (لوقا34:23). يُعقِّب الذهبي الفم بقوله: إنني أنذهل وأفقد عقلي وينتابني دوار عندما أفكر بمحبته للبشر.

نتذكر أيضاً كيف واجه يهوذا الخائن مع أنه كان يعرف شرّه وهدفه المضمَر، إلا أنه كان يبقيه إلى جانبه حتى اللحظة الأخيرة، وكان يظهر له محبة أبوية، وحتى في ساعة الخيانة بادره يسوع قائلاً بألم: "يا يهوذا أبقبلة تُسلِّم ابن الإنسان؟" (لو48:22)؟ ألا يحرك ذلك الصوت المقدس أكثر الناس فقداناً للشعور؟ ألا يفتت ذلك السؤال المؤلم أكثر القلوب صلابة؟ مع ذلك لم تهتدِ نفس يهوذا المتحجرة!!! فيسوع حتى في ساعة اعتقاله كان غفوراً حزيناً. لا لصلبه بل لضياع تلميذه، لذلك أراد أن يقوده إلى الاعتراف بخطئه والتوبة عنه.

لنقتدِ بسماحة يسوع ووداعته وتواضعه، لأن عدم الحقد هو صفة الناس الأبرار. وعدم الانتقام هو صفة الملائكة. لذا يجب علينا أن نغفر ونسامح بلا حدود.