حديث الأسبوع (19 شباط)

أرشيف

وعظة الأحد

                                                                                                                                                موضوع للأرشمندريت يوحنا التلي

                     لأسرة البشارة للعائلات

في مركز الصليب (قاعة القديس إغناطيوس)

         19-2-2016

 المراهقة

 أولاً: مقدمة

          بادئ ذي بدء نحن أمام سؤال لا بد منه: (مَن يستطيع تقديم المشورة والمساعدة لجيل المراهقين)؟ سأله غيرنا كثيرون، وبحث غيرهم عن الأجوبة بجدية؛ فكان الجواب أنه دون شك، كل شخص له علاقات وديّة ودافئة مع الآخرين، مع هذه الشبيبة التي تتمخّض مع الوجود لتكتشف ذاتها والله وأشخاص الآخرين. فمن الضروري، ومع المحبة من الطبيعي أيضاً أن يساعد الناس بعضهم، ويصغي أحدهم للآخر، ويطلبوا النصيحة، ولا يقف أحد متفرّجاً دون تقديمها.

          كثيرون غير مؤهّلين لإعطاء المساعدة والنصيحة وتنقصهم المعرفة أيضاً. ومهما يكن، فمن جهة لا بد أن نتعب ونشتغل على أنفسنا لنكتسب المهارة والمعرفة، ولكن هذا لا يكتمل للقيام بدورنا إلا إذا أهّلنا أنفسنا بحسب رأي أحد الباحثين بالصفات التالية: (تدل الأبحاث على أن تقديم المشورة يكون أكثر فاعلية، عندما يمتلك المرشد ثلاث صفات شخصية: تقمّص دقيق لمشاعر الغير، وعلاقة دافئة دون حب السيطرة، والمصداقية).

          ولنعلم أن هناك عند الشبيبة حالات صعبة قد يمر بها أحدهم، فالمرشد أو الأهل لا يستطيعون تقديم المساعدة من الأفكار البديهية فقط. والشاب أو الشابة يعاني من تشويش الأفكار والشعور بالغثيان وما شابه، فهو بحاجة لأكثر من القول بأن كل شيء سيكون على ما يرام. حتى ولو كان الجواب في ضرورة تلاوة صلاة أو مقطع من الكتاب المقدس. فالشاب في الحالات اليائسة يحتاج أيضاً إلى عيش مشاعر يحملها هذا الشاب وخلالها – وبروح دافئة – يقدمون مصداقيتهم، ليشعر هذا المتألّم أن أحداً ما يفهمه ويشاركه معاناته القاسية؛ فالاهتمام بالمراهق بهذه الصورة تجعلنا نصف هذا المرشد بالقدرة على مساعدة المراهقين، وعلى تفهّمه لهم. فيشعر بقيمة نفسه مخاطباً ذاته بقوله: (إذا كان مرشدي يهتم بي فإن هناك قيمة لحياتي).

          لنقتدي بيسوع المسيح الذي أظهر هذا النوع من العلاقات الدافئة والاهتمام والقبول، وكان يبدي اهتماماً صادقاً بالذين يقابلهم ويشعر بالرحمة والمحبة تجاههم والناس آمنوا به والتجؤوا إليه، ووضعوا ثقتهم به، لأن رعايته ومحبته لهم، واهتمامه بهم شجَّعهم على ذلك.

 

ثانياً: الصفات المطلوبة من مرشد المراهقين:

+ الروح المتواضعة:

          تسعى الروح المتواضعة لدى المرشد لتفهّم الآخرين، أكثر من جعل الآخرين يفهمونها. وكما يقول أحدهم: (الروح المتواضعة لا تسعى لإعطاء النصائح برغبة قوية. لكن المرشد يدعم سعي طالب المشورة لإيجاد الحلول، والاتجاه المناسب لحالته. والروح المتواضعة تركّز في عملية المشورة على الخبرة الفكرية والعاطفية لطالب المشورة. ولا تظهر إلا اهتماماً ضئيلاً بمهارة وخبرة المرشد وحكمته). في حين أن المرشد المتكبر والأناني، أو الذي يظن أنه يعرف كل شيء، يُلحق ضرراً كبيراً بالآخرين. وإذا لم تؤدِّ هذه الروح المتعالية والمتكبّرة إلى هروب المراهق، فإنها ستخلق مشاكل أكثر مما تحلّ.

+ الاستقرار العاطفي:

          هو أمر مهم أن يسعى المرشد ليكون ذا استقرار عاطفي. المراهقون هم شبيبة تمر غالباً بأزمات، وتعاني من الهيجان العاطفي. فالذي مثلهم يحمل وزر هذه المعاناة لن يستطيع مساعدتهم.

+ العلاقة مع يسوع المسيح:

          صداقة مع يسوع تشكّل لشخص المرشد دوراً حاسماً في تقديمه المساعدة للمراهقين. فالبصيرة والفهم في تقديم المساعدة يأتيان من روح الله بيسوع المسيح عند تقديم الأجوبة، وخاصة لدى حل مشكلة ما. كما ويضاف لهذه الصفات التحلّي بالصبر والمثابرة الإلهية. فحياة التوبة الدائمة مع الصلاة المستمرة يجعلان نعمة الله فاعلة بشخص المرشد.

+ الاستفادة الدائمة من تعاليم الكتاب المقدس، وكتابات الآباء القديسين:

          مثل هذه التعاليم والأقوال والكتابات تساعد المرشد لاختبار العون الإلهي لكل ما يحتاجه المراهق، فيزداد قدرة لعيش هذه الكلمات لينقلها لمحتاجيها.

+ نتيجة لكل ما ذكرناه فإن السعي بأن نحقّق هدفاً أساسياً في تعاملنا مع المراهقين هو مساعدتهم عن طريق التكامل الروحي ليصبحوا ناضجين ويرضوا الله. وأن يحقّقوا تكاملهم العاطفي ليتحرّروا من مشكلاتهم العاطفية التي تجلب للبعض الخوف والشعور بالذنب والاكتئاب، فالتحرير هنا يرتبط بالله، وهي الصورة التي تحتاج لتنميةٍ داخل أنفسنا. وهذا يدعونا لمزيد من فهم مشكلاتهم العاطفية. ويضاف لهذين التكاملين أيضاً تكامل في العلاقات مع الآخرين، لأن كثيراً من الآلام واختلال الوظائف التي تعاني منها الشبيبة هي نتيجة العلاقات المحطّمة غير الصحيحة وخاصة مع الوالدين. ومطلب الشفاء هنا من خلال هذا التكامل هو إعادة علاقة الشباب مع الله ومع الوالدين وأيضاً مع الآخرين.

 

ثالثاً: التغيرات الجسدية خلال المراهقة

          المراهقة هي فترة التطوّر الجسدي والنفسي من بداية البلوغ حتى سن الرشد. تمتد سنواتها من الثانية عشرة لتنتهي مع سن الرشد في الحادية والعشرين. يمر فيها هذا الذي أصبح شاباً بتغيرات جسدية ونفسية واجتماعية كبيرة حينها يكتمل شبابه. هي سنوات تتداخل فيها مع التجارب مطبات واضطراب، كما ويتخلّلها كثير من السعادة والرضى بكونها مملوءة بالانجازات، والالتزام لتنفيذ أهداف ذات فائدة تميل الكفّة عند البعض للاضطرابات ليقابلها عند البعض الآخر مع ذويهم وجود أكبر للسعادة.

          وأهم حدث في سن المراهقة نجده في الناحية الجسدية وهو البلوغ، الذي هو مرحلة من النضج، حيث يصبح الشخص قادراً من الناحية الفيزيولوجية الوظيفية للجسم أن يتوالد جنسياً. يتم خلاله نمو سريع وتغيرات في الجسد تصير بسبب التفاعلات بين العديد من الهرمونات والمركبات الكيميائية الحيوية التي تتكوّن في جزء من الجسم لتصل بواسطة مجرى الدم إلى جزء آخر من الجسم تُحدث فيه تأثيراً محدداً، كمثل تأثيرات في موضوع التوالد وأيضاً في إنتاج الطاقة الضرورية للعمليات الحيوية في الجسم، ومفاعيل أخرى مرتبطة بالنمو.

          ومن المفيد معرفة مسيرة النمو عند الإناث (10-14) والذكور (12-16) في سن المراهقة. هذه المسيرة تحدث بين سن العاشرة والرابعة عشرة عند الإناث، والثانية عشرة والسادسة عشرة عند الذكور. فهي حالة نمو تدوم سنتين وأحياناً ثلاث سنوات. ومسيرة معدل النمو تتزايد في الربيع والصيف. وكذلك يزيد الوزن ويتزايد نمو العظام ليصل إلى مرحلته النهائية عند البلوغ والنضوج، بالإضافة إلى ذلك تزيد نسبة الدهون عند الإناث، بينما تنقص نسبتها عند الذكور.

          يبدأ التطوّر الجنسي الذكري ليمتد من سنتين إلى خمس سنوات ولكن العمر المألوف لهذا التطوّر يكون بين العاشرة والثالثة عشرة. وإن كلاً من التوقيت أو السرعة في التبدلات الجسدية يمكن أن يختلف من ولد لآخر في العمر نفسه. إن أولى العلامات الجسدية للفتيان هي التضخم في حجم الخصيتين، وظهور الشعر على الوجه والصدر وتحت الإبطين، وفي منطقة الأعضاء التناسلية، ويصبح الصوت عميقاً وأجش أحياناً. ومن المهم القول أن الولد الذي يتباطأ نموّه يكون بحاجة إلى تشجيع وإلى تأكيد بأنه سيصل بالنتيجة إلى مرحلة الرجولة.

          وأكثر الحالات المزعجة في هذه الفترة هي حدوث (الاحتلامات الليلية) التي رغم كونها حادثة طبيعية فإن الفتى الجاهل بها يمكن أن يعتبرها مخيفة ومزعجة. والموضوع المزعج الآخر يكمن عند حدوث انتصاب غير متوقع وفي وقت غير ملائم أمام الرفاق أو غيرهم. وهو حدث طبيعي ويجب ألا يُفسّر على أنه علامة لانحلال خلقي.

          ونتابع مع التطور الجنسي عند الإناث حيث يتدرج نمو الفتاة نحو الأنوثة بتعقيدات أكثر مما هي عند الشاب وتحدث هذه المتغيرات في كلا المظهرين الخارجي والداخلي حيث تبتدئ المتغيرات بأول حيض دالاً على حدوث الدورة الشهرية ومعلناً على قدرة الفتاة للتوالد. والإشارة الخارجية لهذا البلوغ تكمن في تطور براعم الثديين التي تبدأ عادة قبل سنتين تقريباً من أول عادة شهرية.

          يحدث خوف أحياناً إذا نما أحد هذين البرعمين قبل الآخر. إنه اعتقاد خاطئ لأنه سيثبت أن هذا التضخم هو في الحقيقة طبيعي. ومع نمو الثديين، يظهر الشعر تحت الإبطين وعلى الأرجل وفي منطقة الأعضاء التناسلية. وتصبح انحناءات الورك أكثر امتلاءً والأعضاء التناسلية تنمو وتنضج مع مزيد من سلسلة معقدة للتغيرات الهرمونية.

          أول دورة شهرية عادة تكون في سن الثانية عشرة تقريباً، ولكن تحدث ما بين سن التاسعة والسادسة عشرة. وهنالك بضعة آلاف من التفاصيل تحدث مع مجريات الدورة وعلاقتها بالتحضير للإنجاب.

 

رابعاً: خصال تحمل تطورات مشجّعة ومقبولة ترافق حالة نمو المراهق

          على المرشدين (والأهل ضمناً) مساعدة أبنائهم المراهقين على الخوض عبر هذه المرحلة بطريقة مبدعة وإيجابية، بمعنى أن ترافق حياة المراهق في نجاحه وفي سقوطه والسعي لإبراز النواحي الإيجابية المتعلقة بهذه المرحلة مع تقديم المديح والثناء على هذه الخصال أمامهم. فالعين يجب أن تكون ساهرة ومنتبهة ومتطلّعة إلى هذه الخصال وهي:

1- الطاقة والحماسة.

2- المثالية.

3- الاهتمام بحاجات الآخرين، مع اقترانه دائماً بالرغبة الدائمة بتقديم المساعدة بالطرائق التي قد يعتبرها البالغون خطرة وغير واقعية.

4- الرغبة في إقامة علاقات ذات معنى.

5- التمتع بحس الفكاهة الذكية وبُعد النظر.

6- الاهتمام بالعدل والإنصاف.

7- الاهتمام بالاطلاع على ثقافات الغير والدول الأخرى.

8- تطوير المهارات الجديدة في الرياضة والفنون والمهن، واستخدام الأدوات، والكتابة، والتحدث بشكلٍ استثنائي مميز.

9- الفضول، ليس فقط فيما يتعلّق بكيفية سير الأمور العامة في العالم، بل لماذا تسير على هذا النحو أيضاً.

10- الرغبة بالقضايا الجديرة بالاهتمام، ودعم وتأييد هذا الالتزام بالقيام بأعمال معيّنة.

11- التمتع بالقدرة، ومساحة اهتمام كافية لتقدير الموسيقى المعقّدة، والمسرح، والسينما، والأعمال الفنيّة.

12- الرغبة العميقة والصادقة بالعلاقة مع الله، والرغبة بالالتزام مدى الحياة لخدمته.

 

خامساً: تقسيم مراحل المراهقة لثلاث أقسام من التطور ومهامها:

1- المراهقة المبكّرة: وهي من عمر الثانية عشرة إلى الرابعة عشر. (المرحلة الإعدادية).

2- المراهقة المتوسطة: وهي من عمر الخامسة عشرة إلى السابعة عشرة (المرحلة الثانوية).

3- المراهقة المتأخرة: وهي من عمر الثامنة عشرة إلى الحادية والعشرين (الجامعة/المهنة)

          تتشكّل من هذه المراحل ست مهام تطويرية تأخذ مجراها عبر سني المراهقة عامة: أهمها:

1- مهام الرغبة في الاستقلال عن الوالدين: كثيرٌ من المراهقين يبدون رغبة جامحة ليصبحوا مستقلين، وليكونوا مسؤولين عن علاقاتهم اليومية ومستقبلهم، لذلك نجدهم يقاومون القيود المفروضة عليهم متحديّن السلطة خاصة في المنزل والمدرسة بشكل يتجاوز الحد الطبيعي.

          ويكمن دور المربي في تقديم العون لابنه المراهق ويتم برفع السلطة عنه بأسلوب عقلاني ومنضبط، حتى لا نثبّط من عزيمة المراهق. ويجب التصرّف بواقعية مناسبة لكي لا يكون قادراً على ترك المنزل.

2- مهام قبول الإنسان واحترامه لجسده: بحسب ما مر معنا ترافق هذه التغيّرات تغيرات عاصفة على الصعيد النفسي والجسدي خاصةً في السنوات الأولى، حيث تبرز وتولّد الكثير من الاهتمام والقلق، فنجد أن هذا الموقف يثير ثلاث قضايا:

- (ماذا يحدث لي؟) يحدث تأثير للهرمونات ونمو سريع في العواطف والطاقة والأجزاء المختلفة من الجسم؛ لذلك من المهم أن يتلقّى المراهق بعض التحذيرات المسبقة عن تغيّرات سن البلوغ من باب المعلومات الواقعية والوديّة. وهذا يساعده في تهدئة عناصر القلق.

- (هل أحب هذا الجسد؟) يهتم المراهقون اهتماماً كلياً بصورة الجسد. وأحياناً نجدهم مهووسين بأجسادهم أو بأجساد غيرهم. وإن المقارنات تكون مستمرة. ولكن حتى الشاب الجذاب جنسياً، وملكة الحفلة الراقصة سينتابهما الشك حول مظهرهما واستحقاقهما. فإن قبول الجسد وإيلاءه عناية مناسبة هو من الواجبات الهامة التي ينبغي إنجازها خلال هذا الانتقال إلى سن البلوغ.

          على المربي تقديم جرعات سخية من الاطمئنان لقيمة المراهق بألا يعتمد على المظهر، وهنا من النادر أن يحصل هذا المربي على تعابير من الشكر أو من الإحساس بقيمة ما يُقال فمبادرات المربي مطلوبة، ولكن بأسلوب يرضى به المراهق. وأن يأخذ زمان المبادرة في أمور كمثل حال الابن أمام أبيه أو مرشده وهو يعاني من ظهور حَب الشباب على وجهه. وأيضاً أمام حالة المراهِقة في بيتها مع أمها مثلاً عند اختيار الملابس المناسبة في لبسها أو عند شرائها.

- (أيجب احترام هذا الجسد؟) سواء أكان المراهقون مرتاحين لمظهرهم الخارجي أم لا، ينبغي لهم أن يقرّروا كيف يجب أن يعتنوا بأنفسهم، وبصحتهم وبطعامهم... الخ

          فالمربي عليه أن يساعد المراهق ليصير لديه مفهوم يقوم على احترام الجسد مرتبط بالانتباه واليقظة، والقيام بالدور والمثال الجيد أمامه، وإجراء المناقشات الصريحة والجادة بعيداً عن المسلك الخطر. كل هذا يمكّن المراهق من إكمال عملية الانتقال إلى الاستقلالية التامة.

          تساعد التربية الجنسية السليمة على اعتبار الجنس جزءاً مهماً جداً من النمو والتطور بالنسبة للإنسان، ولا يمكن فصله عن المفهوم الأساسي لمعنى الحياة الإنسانية. فعلاقة الرجل والمرأة جزء من خطة الله، ويمكن رؤيتها من المنظور الصحيح فقط من خلال المفهوم الديني للحياة وشخصية الإنسان.

3- مهام توطيد العلاقة الصحيحة مع الآخرين:

          يؤثِّر الناس أحدهم في الآخر وهكذا أيضاً على المراهقين. فالأشخاص الجيدون يعزّزون قيماً إيجابية ويؤثّرون على عملية التنشئة برمتها. أما السلبيون والمنحرفون فيدخلون في طرق سلبية وخطرة للغاية.

          ولما كان عمل المربي يكمن في الصلاة لأجل الأصدقاء. فالصداقة يجب أن تتوجّه نحو أمثال هؤلاء. وإن أمكن أن يتعرف المرشد أو الأب على أصدقاء ابنه، وأن يسعى لتقديم النصح للمراهق ولأصدقائه في تبيان الأماكن المناسبة لتمضية أوقاتهم، وأفضلها مدارس الأحد، والاهتمام بالألعاب الرياضية.

 

 

4- مهام تطوير مهمة متماسكة:

          جميع المراهقين من الناجحين إلى المتمرِّدين يبحثون عن معنى الهويِّة. فيتساءلون أسئلة عديدة مفادها: (مَن يهتم بأمري؟) و(ما الشيء ذو القيمة الذي يمكنني أن أفعله؟) فإن كان جواب أنمطة الأسئلة بحسب السؤال الأول: (ربي وعائلتي وأصدقائي) والثاني: (التأثير على العالم بطريقة إيجابية)، فالجواب لكليهما مفرح. والمرشد هنا يكون قائداً وملهماً ومرشداً له الأثر العميق لإيصال المراهق نحو الانطلاق السليم.

          أما إذا كان الجواب (أصدقائي ونادراً أي شخص آخر) والجواب الثاني: (قضاء وقت ممتع ونادراً أي شيء آخر). حينها تكون النتيجة رديئة. فنحن هنا أمام نموذجين الأول سيجد مكانه في مستقبل ملائم وفعّال، والثاني متسكع سينقاد إلى الخطيئة والأمور السيئة الفاحشة كتعاطي المخدرات وباقي الموبقات فيدفعون ثمن تسليتهم غالياً.

5- مهام اكتشاف المواهب والاهتمامات والميول الشخصية:

          إن تنوّع النشاطات والاهتمامات هي أحد أهم تحسين الحياة للمراهق، وبالتالي فإن تشجيع المراهق لاكتشاف وتطوير قدراته والتغلّب على ضعفاته سيعطي للسنوات القادمة مردوداً هاماً. بهذا الوقت عينه يطوّر ويشحذ المراهق ضميره الاجتماعي، وبهذا غالباً ما تبلغ صفة الإيثار ذروتها فمثلاً:

- يجد المراهق قناعة كبيرة في مساعدة الآخرين في حل مشاكلهم، وفي التطوّع للخدمة لأسباب جديرة.

- يمكنه أن يكون متعاطفاً بشكل مفاجئ تجاه ما يعانيه الآخرون.

- يمكنه أن يبذل مقداراً عظيماً من الطاقة والوقت لمد يد العون لشخص ما.

- اكتساب نوعين من التفكير أحدهما يتعلّمه في المدرسة والكتب والتلفاز والثاني يتعلّم عنه في الكنيسة.

- تنمية المواهب الرياضية وممارستها كي تعطي حيويةً للجسد فينتعش الروح وترتاح النفس.

- يرافق كل ما ذكرناه تشجيع المرشد للمراهق على نكران الذات والتضحية. فربما بعدها يظهر محبته لمبغضيه.

- على المرشد أن يكون قدوة لكل هذا ليقتدي به المراهق قبل أن يستغله المسيئون والمفسدون.

6- مهام تطوير رؤية شاملة:

          سنوات المراهقة هي مرحلة حاسمة في حياة المراهق، لأنه من جهة يطوِّر نظرته إلى العالم ويرسم مسار بقية حياته من جهة أخرى. لذلك تُثار عنده أسئلة جوهرية عن الله والكون.

          قرب حياة المراهق وفكره من الله، هو أمر على هذا المراهق أن يتخذه بنفسه. لذلك على المرشد أن يحافظ على علاقته بالله عن طريق الصلاة الدائمة ويزيد عليها صلاة من أجل المراهق، لأن الحيوية الروحية التي تُظهر الفرح الحقيقي والسلام والكثير من المشاعر والتعابير الإيجابية الأخرى، ستعني بالنسبة للمراهق، أكثر بكثير مما تعنيه الأجوبة الذكية والمعقّدة عن أسئلته. ففي القضايا الإيمانية وغيرها، كثيراً ما يكون المراهقون متجاوبين وبشكل خاص مع الصدق والنزاهة، وفي الوقت ذاته نجدهم مبتعدين بحماس مماثل عن الرياء.

          المراهق قد يرغب بتأكيد استقلاليته عن أهله في الحياة الروحية أيضاً. وهذا لا مانع فيه إذا كان عنده مرشد ومشترك بمدارس الأحد لمساعدته في التأثير الروحي. والأهم أن يكون عنده أب روحي.

 

سادساً: المراهقة المبكرة: المرحلة الإعدادية (12-14) وهي مرحلة العِراك

          هي مرحلة عراك بسبب تسارع اندفاع أمواج البلوغ بوتيرة عالية. والكثير من الاهتمام والوعي الذاتي عن التغيرات الجسدية. ويتعزّز القلق بسبب التغيرات في النمو. وأيضاً تحصل تذبذبات في المزاج، واستجابات عاطفية لتقلبات الحياة، وبتطرف. بالإضافة إلى هذا، فإن تجمّع المراهقين في جماعات يثير اضطراباً اجتماعياً. كل هذا يتطلب:

- الحاجة الماسة للقبول من قبل المقرّبين.

- اهتماماً مبالغاً فيه تخوّفاً من الظهور بمظهر الأغبياء أو المختلفين عن الباقين مع أترابهم المراهقين.

- الصراع المستمر بشأن الثقة بالنفس أو الشعور بالدونية.

- عدم التسامح المفاجئ والذي يصدم أحياناً، نحو أي شخص يسلك سلوكاً يختلف عن الآخرين من المراهقين.

- قدرة لا محدودة على توجيه الإهانات المبتكرة والبذيئة، مع العبارات الجارحة. وهذا نجده حتى عند المتربين جيداً أو المنتمين للتعليم الكنسي. ومن الغريب أن اجتماعات المدرسة كثيراً ما تمثّل محنة قاسية، فنجد الأولاد يتذرعون بأسباب مرضيّة بسيطة كي لا يذهبوا بعض الأيام إلى المدرسة.

          أما الناحية الإيجابية لهذه المرحلة أن المراهق في نهايتها يكون قد جمع المعرفة الأساسية، والمواقف والمعايير التي ستجدد شخصيته، ومحاولة ربط كل ما تعرضوا له مع الفكر المسيحي. لذا على المرشد في هذه الفترة السعي لمساعدة المراهقين لإنجاح هذه العملية بالرغم من كل السلبيات التي يظنّها المرشد أنها تؤثّر على فشل اكتسابهم للبعد المسيحي. إنما المحصلة المرتبطة بالمساعدة الصادقة والمخلصة تقود للوصول إلى شاطئ الأمان.

          إنما الصفعة التي يتلقّاها المرشد والتي يجب ألا تؤثّر عليه ولا على آباء المراهقين في البيت هي نظرة أولادهم بهم

- المرشد أو شخص الأهل هو ساذج بشكل ميؤوس منه.

- غير ملمّ بالواقع.

- ينقصه الذكاء.

- يطلبون منه تغيير ألقابهم الطفولية السابقة واستبدالها بألقاب شبابية ذات واقع أقوى. هذا يعني أن كلّاً من المراهق أو المراهقة يعلن أن مرحلة الطفولة قد انتهت. فترتيب أغراضه وملامح غرفته وأسلوب صداقاته كل هذا وغيره بدأ يأخذ منحىً جديداً. ويبدأ بعلاقات جديدة قد تُزعج الأهل، مما يستدعي من أشخاص الأهل والمرشدين:

- الانتباه المتعقّل.

– الصلاة المستمرة.

– المحاورات الصريحة حول مَن يكون ضاراً من الأصدقاء ولماذا؟

          هذا يعني أن المراهق في نهاية هذه المرحلة العمرية بدأ يبتغي الانفصال عن البيت والعائلة مع إقامة حياة روحية داخلية وأخلاق قيّمة. وهي تعمل داخل حياة المراهقين بطريقتها الغريبة الخاصة وعلى المرشد وكذلك الأهل أن يحترموا هذه الخصوصية وإنْ بَدتْ غامضة لهم.

 

 

سابعاً: المراهقة المتوسطة، المرحلة الثانوية (15-17): السلام والحرب

          ننتقل من المرحلة الإعدادية ذات الطابع الاجتماعي الخانق، إلى المرحلة الثانوية التي تسير على ما يرام. التعبير السابق للذات يحصل من السؤال المخيف: (ماذا يحصل لي؟)، إلى سؤال معتدل: (إذاً، هذا ما كان يحصل لي). لكن هذا لا يمنع أن الجاذبية والمزايا الجسدية لا تزال تشكّل الهموم الكبرى.

          قد تتخطّى العلاقات بالجنس الآخر فكرة الغرام والصمت المربك إلى علاقات صداقة ورومانسيات لتحل محل العلاقات بالجنس نفسه، وعلاقات الصداقة الجماعية التي كانت سائدة في الماضي، وقضية التعبير عن العاطفة الجسدية تُطرح للمناقشة بشكل صريح.

          يميل المراهقون هنا إلى إيجاد مجموعة واحدة ينتمون إليها ويتكيّفون معها، فإما أن تكون بمثابة عصابة تعمل بعنف قد تصل للجريمة، فتأتي النتائج غالباً كارثية، أو تنتمي إلى مجموعة تهتم بالمواهب الفنية أو الحياة الروحية، فتوفَّر لهم الصداقة والمرح والشعور بالهوية والانتماء، وهذا غالباً ما يجدونه في أنشطة مدارس الأحد الكنسية. ويمكن للمثالية أن تزدهر خلال هذه السنوات، ويمكن للقيم الأساسية أن تكون قوية ومتقلّبة. وهنا تتعمّق صداقة المرشد مع المراهق.

          إنْ كنت أباً أو أماً أو مرشداً، فاعلم أنك تتعامل مع شاب يُظهر انفصاله عن نفوذك، فهو يمكن أن يمرّ بتبدل بالغ في المظهر، ويتضمن ذلك قَصّة الشعر الغريبة، وثقب الجسم، والأوشام، واللباس الذي يبدو فيه أنه قادم من كوكب آخر. وإذا غضب يمكن أن يذهب إلى أماكن مجهولة، أو اللجوء لبيت صديق.

          إن المراهقين في هذا السن قادرون على تنفيذ أعمال ذات نتائج خطيرة. وكنتيجة لذلك، فإن سلوك الـمُغامر، بما فيه الكحول والمخدرات وقيادة السيارات، قائم على سلوك متّصف بالجرأة والتهوّر.

          حتى الضمير يلعب دوراً في توجيه الطفل، ويعتمد على المقاييس الأخلاقية المقتبسة من المحيط المباشر، وبه يبرر نفسه.

          أخيراً ستنتهي مرحلة التمرّد عند الغالبية العظمى من المراهقين، ونسبة ضئيلة ستستمر بإصرار في طرق مضادة للمجتمع ومدمرة للذات. ومع مرور الزمن يعود المراهق لاكتشاف ذكاء أبيه وأمه معترفاً لهم بما أنكره عليهم سابقاً، لدرجة أن كثيرين سيعودون لطلب النصح من أهلهم ومرشديهم. فلا تيأس أيها المرشد وكذلك أيها الأب، ولا تكن محبطاً أو عصبياً من سلوك هذا المراهق الذي ستصبح وإياه فريقاً واحداً في مستقبل قريب.

 

ثامناً: المرحلة المتأخرة (18-21) مرحلة الجامعة/المهنة

          إنها مرحلة انتهاء مهمة الوالدين، وتبدأ مع نهاية العقد الثاني من العمر. وبالرغم من الاستقرار في عدد من المجالات، إلا أن قضايا جديدة تبرز.

          نادراً ما يشكّل المظهر الجسدي خلال هذه المرحلة قلقاً دائماً كالسابق، وتكون الجهود المبذولة لتحسين المظهر الأكثر شيوعاً. وتصبح نصائح الآباء وقيمهم مقبولة أكثر، ومُعترفاً بها. ويصير الشاب هنا أكثر حكمة، وأكثر حزناً. أما درجة العصيان والتمرّد فيتلاشيان مع دخول العقد الثاني من العمر.

          بدأ يلوح في الأفق فجر حياة البالغ المستقلة. فمن الضروري إذن تخلّي الأب عن وظيفته الأبوية، لذا فإن دور الأب يتحوّل:

- من كونه أباً، إلى محاولة الاعتناء بابنه كصديق موثوق به.

- من توفير الطعام لابنه إلى مرشد فاعل لمساعدته في الحصول على مهنة.

- من كونه مسؤولاً عن ابنه، إلى تقديم النصح الودي، إذا طلب إليه ذلك.

- من كونه منقذه ومعينه في الأزمات، إلى السماح له بتحمّل نتائج أفعاله وعواقبها.

 

تاسعاً: الخاتمة

          سأنقل الخاتمة من حديث للدكتور كوستي بندلي في اجتماع له مع أهالي المراهقين باسم (طلائع النور) لعام 1964:

يحلو لي في هذه المناسبة أن أحدثكم باختصار عن الهدف الذي تسعى إليه حركة الشبيبة الأرثوذكسية من وراء إيجاد منظمة خاصة للمراهقين هي "طلائع النور" وعن الخطة التي تتبعها تجاه الفتيان والفتيات الذين يجتازون هذه المرحلة الدقيقة من عمرهم.

هذا العمر كثيرًا ما يُنظر إليه نظرة فيها الضيق والنفور والاستنكار. إنه، كما يدّعون، "سنّ الغلاظة"، "سن الطيش"، "سن الجهل"...

ولكن ماذا تخفي هذه "الغلاظة" التي تزعجنا نحن البالغين، المتناسين أننا مررنا بها في حقبة من حياتنا؟ إنها تعبير عن شخصية تكتشف نفسها، متأرجحة بين طفل الأمس ورجل وإمرأة الغد، لم تستقر بعد على حال، تتيقّظ فيها وتفور قوى ونزعات وأحاسيس جديدة لم يكن لها عهد بها، تجتذبها وتخيفها في آن واحد. شخصية تفتش عن ذاتها في خضم المتناقضات التي تتنازعها وتحاول أن تثبت وجودها بشكل من الأشكال لتلبي دعوة النمو الملحة وترتقي إلى مصاف البالغين، فتتعثر وتضل الطريق مرارًا ولا تجد في كثير من الأحيان من يفهمها ويعيد الثقة إليها فتثور وتشاكس لتغطي شعورًا بالنقص أليمًا وحاجة إلى النجدة لا يلبّيها أحد.

تلك هي المراهقة في مأساتها، تتخبط في عزلتها وسط مجتمع لم تعد تفهمه ولم يعد يفهمها. ولكن هل فكرنا في النواحي الإيجابية الكامنة في هذا العمر المضطرب؟ هل فكرنا بأنه من خلال هذا المخاض الأليم يولد رجل الغد وامرأته، وتتفتّق امكانيات غنية وتتفجر طاقات زاخرة هي ثورة على كل ركود ودافع لكل تقدم وابداع، ويُسمع نداء ملحّ لا يعرف المساومة، نداء إلى تحقيق كل المُثُل، نداء الحق والخير والجمال والعدل والحب؟ هل فكرنا بأن "سن الغلاظة" وسن الأهواء الجامحة وسن المشاكسة يمكن أن تكون أيضًا سن العبقرية وسن البطولة وسن القداسة؟ هل فكرنا أن في قلب المراهق شعلة قد يتناساها البالغ لأن هموم الحياة وترفها ومساوماتها جعلتها تخبو فيه، شعلة قد تصبح في المراهق لهيبًا مدمرًا يفتك به وبغيره وقد تصبح، إذا وُجّهت، حماسًا فائضًا بنّاءً وكرمًا في البذل والعطاء لا مثيل له؟

إن طلائع النور تأخذ المراهقين كما هم، بضعفهم وقوتهم، بامكانياتهم وعثراتهم، فتحاول أن تنطلق بهم من هنا إلى ملء تحقيق شخصيتهم في المسيح يسوع الذي به وحده يبلغ نموّهم الأليم غايته وكماله.

تأخذهم منذ الثانية عشرة، تلك السن التي فيها صعد يسوع لأول مرة إلى الهيكل مع مريم ويوسف والتي كان فيها فتىً "ينمو بالحكمة والسن والنعمة أمام الله والناس" على حد تعبير لوقا الإنجيلي، تأخذهم في هذه السن وتسير بهم عبر نموّهم وتطورهم حتى السادسة عشرة حيث ينتقلون إلى فرق حركية طلابية وعمّالية تتعهدهم بدورها.

في طلائع النور مسؤولون يعتقدون أن المراهقة تُقدَّس بالمسيح الذي اجتازها، كما قُدِّست الطفولة بمرور الرب فيها. هؤلاء المسؤولون يحترمون شخصية فتيانهم و فتياتهم الناشئة ويساعدونها بتأنٍّ وحب على أن تنمو وتتقوى. يعرفون أن يصغوا إلى فتيانهم وأن يتفهموهم رغم متناقضاتهم فيساعدونهم هكذا على فهم أنفسهم. يثقون بهم رغم الأزمات التي يمرون بها ويمنحونهم صداقتهم دون قيد وشرط. يصغون بانفتاح القلب إلى أسئلتهم المتشعبة المقلقة ويحاولون أن يجيبوا عنها بما أُعطوا من معرفة وخبرة. لا يفرضون ذواتهم على فتيانهم فرضًا ولكنهم يقدمون لهم ببساطة وصدق خدمتهم، فيدربونهم هكذا على المحبة بمحبتهم لهم ويهدونهم إلى المحبّ الأول، إلى الرب يسوع الذي فيه تتبلور شخصيتهم الحائرة وفيه يرتوي عطش قلبهم إلى المطلق والحب وفيه تجد حيويتهم لها قطبًا ومعنى فتنعتق من عقالات الأنانية لتنطلق في دروب الحب المعطاء.