حديث الأسبوع (12 شباط)

أرشيف

وعظة الأحد

 

محاضرة للأرشمندريت يوحنا التلي

لأسرة الأطباء

27 كانون الثاني 2013

الكنيسة في زمن بولس الرسول

 

أولاً: مقدمة: بولس الرسول وشخصيته ورسالته

وُلِدَ بولسُ في طرسوسَ حوالي السنةِ الخامسةِ للميلادِ منتمياً للديانةِ اليهوديّةِ لفرقة الفريسيين، التي هي جماعة محافظة في تطبيق الشريعة. تربّى لفترة طويلة في دراسته منذ نشأته في أورشليم، وتتلمذ على يد المعلّم الكبير غمالائيل. ونقرأ في سفر الأعمال قوله: "أنا رجل يهودي وُلدت في طرسوس، ولكني نشأت في أورشليم، وتعلّمت عند قدمي غمالائيل التربية الموافقة تماماً لشريعة آبائنا، وكنت غيّوراً في أمور الله.. فاضطهدت (المسيحيين) حتى الموت" (أع3:22-4). فإذا كان بولس بمسيحيّته يختصر حياته بالآية التالية: "الحياة لي هي المسيح" (في21:1) فإنّ حياته في اليهودية كانت: (الحياة لي هي الشريعة).

وكانت ثقافة بولس الرسول أيضاً هي (الثقافة الهلّينية) التي هي اليونانية أو الإغريقية، وهي التي كانت متداولة آنذاك في فلسطين والبلاد المجاورة. ولقد أَغنَت هذه الثقافة بولس بأمور مثل (الحريّة والعقل والضمير والفضيلة...). ولكنّه بدلاً من أن يتأثر بها ليأخذ مفاهيمها، فإنه استطاع أن يُسبِغ عليها معاني مسيحية، فتصير وكأنّه عمّدها في جرن معمودية المسيح. فلا مزاح عنده في البشارة بجوهر بشارة الخلاص، وركيزة الإيمان. بمعنى أنه عندما كان يستعمل تلك المعاني المنتشرة في الهلّينية، كان يصوغها صياغة مسيحية. فاستطاع بذلك أن ينجح في الانفتاح على ثقافات أخرى. وهذه دعوة المسيحية في أن تنفتح على كل الثقافات وتندمج بها.

أما شخصية بولس فكانت جذّابة مليئة بأحداث غنية كثيرة. وطبْعُه يحمل الغيرة والحماس والاندفاع والمقدرة العفوية، وكان أيضاً متشدداً ومتعصّباً وصريحاً وعنيفاً. وكان يكنّ لأبنائه في الإيمان مشاعر عميقة. فسِفر الأعمال وكذلك الرسائل تُظهره إنساناً يثق بالآخرين، وقلبه ممتلئ بالحنان، وبالتالي يحمل الألم منهم، ويتصرّف معهم بكونه أبوهم الوحيد في الإيمان، وأنه أمهم أيضاً.

وقد لا تكون مخيلة بولس خصبة وقوية، ولكن مواهبه تدل على ذهنية قوية، فإنه يتميز بالذكاء والنظرة الثاقبة والمنطق، وقادر على التأقلّم مع الذين يتعامل معهم.

ومن ناحية رسالته فلقد شعر بأنه يحمل رسالة خاصة، فالله دعاه وهو في البطن وأرسله إلى الوثنيين. وفي خدمته كان يهتم بجميع الكنائس ويعمل بروح المسؤولية والالتزام، وشعوره بضرورة التبشير للجميع.

وبعد اهتدائه تمركزت حياة بولس وشخصيته في شخص يسوع المسيح الذي استولى عليه. فأحبّ المسيح وآمن به، ورضي بأن يتألّم معه ومثله من ناحية جسده في سبيل خلاص الكنيسة. ولم يعد هناك من شيء يفصله عن المسيح. ورضي بولس بأن النعمة هي التي تعمل فيه، وأنّ كل ما يقوم به يأتي من الله كقوله: "بنعمة الله صرت على ما أنا عليه، ونعمته الموهوبة لي لم تكن عبثاً" (1كو10:15). وصارت "نعمة الله تكفيه لأن قدرة الله تكمل في ضعفه" (2كو9:12).

وفي كلِّ أعمالِ بولس وفي جميع مواقف رسالته كان يظهر متجرّداً عن ذاته كلَّ التجرّد، ولا يخشى أن يضع نفسه قدوةً للآخرين: "فأنتم أنفُسُكُم تعرفون كيف ينبغي أن تقتدوا بنا، لأنّ سلوكنا بينكم لم يكن فوضوياً" (2تس7:3). ولم يهمل الكشف عن تواضعه الكبير إذ يعتبر نفسه "الأخير والسَقْط" (1كو9:15).

كل هذا وغيره يجعلنا نقبل القول، أن لا أحد، بعد الرب يسوع، يقدر أن يشكّل تاريخ المسيحية مثلما فعل بولس. وبعد مقابلة بولس الشخصية بيسوع، لم يفقد شدته بل حوّلها لخدمة الإنجيل. فهذا التلاقي بيسوع جعله يغيّر حياته. فبدأ برحلاته التبشيرية الثلاث، أي الانتقال عن طريق التنقّل عبر تلك الرحلات التي أُتيح له فيها بشارة الوثنيين، هذا العمل الذي به بذل وقتاً كبيراً في إقناع الأمميين بأنهم مقبولون لدى الله.

أما أهم منجزاته فكانت أن الله غيّره من مضطهدٍ للمسيحيين إلى مبشِّرٍ بالمسيح. لدرجة أنّه كتب رسائل كثيرة للكنائس التي بلغ عددها 14 رسالة، وكلها صارت جزءاً من الكتاب المقدس. وكان يواجه كلّ القضايا التي تواجهه، ويعمل على معالجتها. وأنه كان حساساً لدور الله في حياته ولا يعمل إلا بحسب إرادته، ولقد أُطلق عليه اسم رسول الأمم.

 

ثانياً: الرحلة التبشيرية الأولى (45-49

مع نهاية القسم الأول من سفر الأعمال بنهاية الإصحاح 12 نبدأ الإصحاح 13 في كنيسة أنطاكية التي كان فيها بولس وبرنابا وغيرهما، وهناك دعي (برنابا وشاول) إلى عمل البشارة فصلّى عليهما مجموع المعلّمين، وكانوا صائمين كلّهم. بعدها انطلق الرسولان إلى ما دُعيا إليه، فكانت رحلتهما المدعوة برحلة بولس التبشيرية الأولى، التي امتدت من سنة 45 إلى 49م. وانقادا فيها بالروح القدس سالكين فيها طرق المواصلات التي شقّتها الإمبراطورية الرومانية برّاً وبحراً فزارا أماكن تجمّع الناس الرئيسية، والمراكز الحضارية الثقافية، فاستطاعا بذلك الوصول إلى أكبر عدد ممكن من الناس. خاصةً أنهما ذهبا إلى المدن التي بها مجامع لليهود، فتحدّثا بالبشارة مع اليهود أولاً. وكانت رغبتهما أن يقتنع اليهود أن يسوع هو المسيح. وباقتناعهم هذا يتحوّلون مساعدين لشاول وبرنابا في نشر بشرى الخلاص لكل الناس.

          كانت هذه الرحلة تضم مع الرسولين المدعوين: مرقص أيضاً. فكان "معاوناً لهما" (أع6:13) ومن أنطاكية يقول سفر الأعمال: "توجها إلى ميناء سلوكية، وسافرا بحراً باتجاه قبرص... ونزلا في سلاميس واجتازا الجزيرة كلها حتى وصلا بافوس" (أع4:13-6). وقبرص التي هي موطن الرسول برنابا كانت حينها تضم عدداً ضخماً من سكانها من اليهود. فسهّل عليهما القيام بالعمل المنوط بهما لأن المكان كان مألوفاً لهما. وهناك حدثت أعمال بشارية وعجائبية، والأهم أن هذا التعليم المبذور من قبلهما مع معاونهما مرقص قام على جرأة بولس، الذي يتلخّص تعليمه بأن الشريعة ثقيلة، وكل شيء فيها سلبي كمثل (لا تفعل هذا) و(لا تمسك بهذا).. لذا كان يشدِّد على الجوهر. كمثل قوله: إن موت المسيح حررنا من الشريعة القديمة.

من هذا التعليم بدأت الكنيسة من أنطاكية تتميز عن اليهودية، لتشير إلى انطلاقة جوهرية حملت طابعاً مسكونياً. وفي بافوس يقول سفر الأعمال: "أما شاول وقد صار اسمه بولس..." (أع9:13).

          وفي بافوس أيضاً آمن الوالي (سرجيوس بولس) حاكم قبرص. بالرغم من محاولة اليهودي الدّجال بار يشوع، الذي سعى أن يُحوِّل الحاكم عن الإيمان فعمي بصره (راجع أع6:13-11) ويقول السِفر: "ولما رأى الحاكم ما جرى آمن مدهوشاً من تعليم الرب" (أع12:13). والسّجلات التاريخية تقول بأن الوالي اعتمد هو وعائلته. بعدها يقول السِفر: "وأبحر بولس ورفيقاه من بافوس إلى برجة في بمفيليّة" (أع13:13) يعني أنهم خرجوا من البحر إلى البَرِّ ليَصِلوا إلى آسيا الصغرى. وأمام صعوبات السير هذه يقول لوقا: "وهناك فارَقَ يوحنا بولس وبرنابا ورجع إلى أورشليم" (أع13:13).

          ويقول السِفر بعدها: "أما هما فسافرا من برجة إلى أنطاكية التابعة لمقاطعة بيسيديّة" (أع14:13) أي أنهما عبرا سلسلة جبال طوروس التي تفصل برجة عن أنطاكية هذه التي هي عاصمة بيسيديّة، فدُعيت أنطاكية بيسيديّة للتمييز عن غيرها. وبما أنها صارت مستعمرة رومانية فإن بولس اهتمّ بها، لأن مخططه قائمٌ على إدخال الإيمان إلى المستعمرات الرومانية مثل: لسترة وفيليبي وكورنثوس في اليونان. وفي أنطاكية هذه استطاع هذان الرسولان أن يُحققا نجاحاً وتقدّماً في نشر الكلمة لكلٍّ من اليهود وغير اليهود، وكانوا (أي اليهود) يقبلونها باستثناء عدد منهم صاروا يحرّضون الجموع ضدهما: " فخاطبهم بولس وبرنابا بجرأةٍ قائلين: كان يجب أن نبلِّغَكم أنتم أولاً كلمة الله، ولكنكم رفضتموها، فأظهرتم أنكم لا تستحقّون الحياة الأبدية وها نحن نتوجّه إلى غير اليهود" (أع46:13)، ويُتابع لوقا الإنجيلي القول: "ولكن اليهود حرّضوا النساء النبيلات والمتعبّدات ووجهاء المدينة، وأثاروا الاضطهاد على بولس وبرنابا حتى طردوهما من بلدهم، فنفضا عليهم غبار أرجلهما وتوجّها إلى مدينة أيقونية" (أع5:13-51).

نتابع المسير مع بولس وبرنابا إلى منطقة غلاطية التي بشّرا فيها معاً، ثم في المدن التالية: إيقونية ولسترة ودربة، فوصلا أولاً إلى إيقونية وكلٌّ منهما حاملاً ظهراً مثقّلاً بآثار السياط مع نفس فرحه بتأسيس الكنائس البشرية وليست الحجرية. فوصلا إيقونية فأقاما بشارة روحية خلاصية، فانقسم السكان أولاً في إيقونية بين مؤيّدٍ ومعارض، ومن بين الذين سمعوا كلام بولس وآمنوا به الشابة تقلا التي كما يُخبرنا التقليد أنّها أصغت لكلام بولس فزارته من ثم في السجن مما أدى أيضاً إلى تعذيبها. وبعدها رحل الرسولان هرباً من رشق الحجارة عليهما، واستمرار اليهود في الدعوة لتعذيبهما؛ فوصلا لسترة بعد مكوث حوالي السنة في إيقونية، مؤسسين فيها الكنائس، وفي قُراها أيضاً.

وفي لسترة ظهرت للعيان عجائب هذين الرسولين، فظنوهما الإلهين زفس وهرمس، فيقول الراوي لوقا: "وكان عند مدخل المدينة معبدٌ للصنم زفس، فجاء كاهنه على رأس جمع من المدينة وهم يحملون أكاليل الزهور، ويجرّون الثيران ليقدموها ذبيحةً لبولس وبرنابا. فلما سمع الرسولان بذلك مزّقا ثيابهما وأسرعا إلى المجتمعين وهما يصرخان: ما نحن إلا بشر ضعفاء مثلكم، نبشّركم" (). فعرّفوهم بالإله الحي الخالق فآمن كثيرون ولكن "جاء بعض اليهود.. واستمالوا الجموع فرجموا بولس حتى ظنوا أنه مات، وجرّوه إلى خارج المدينة" (أع19:14). أما برنابا الذي أخذ بولس بعد رميه ليصلا إلى دربة: "وبشّرا أهلها فصار كثيرون منهم تلاميذ للرب" (أع21:14).

وهكذا انتهت الرحلة التبشيرية الأولى في منطقة غلاطية وقد مرّ عليهما أربع سنوات بشارية نالا فيها العذابات والسياط، وكانا مغمورين بفرح شديد لأنهما كانا يشتركان مع المسيح بآلامه، وينظران بالرجاء الذي يحملانه من خلال الكنائس الكثيرة التي أسساها، مضافاً إليها الرعاة الذين صاروا مسؤولين عن هذه الكنائس. فعادا كما يقول لوقا: "ثم رجعا إلى لسترة ومنها إلى أيقونية وأخيراً إلى أنطاكية. وفي هذه الأماكن كلها كانا يشدّدان عزيمة التلاميذ ويحثانهم على الثبات في الإيمان، مؤكّدين لهم أن دخول ملكوت الله يقتضي أن تقاسي صعوبات كثيرة، وعيّنا للتلاميذ شيوخاً في كل كنيسة، ثم صليّا بأصوام وأسلما الجميع وديعة بين يدي الرب الذي آمنوا به" (أع21:14-23).

هما الآن في مقاطعة بسيدية يتأهبان للاستمرار في طريق العودة "فوصلا إلى بمفيلية على الساحل وبشرا بكلمة الله في برجة، ثم سافرا إلى أتاليا، ومن هناك عادا بحراً إلى مدينة أنطاكية... ولما وصلا استدعيا الكنيسة إلى الاجتماع، وأخيراً بكلِّ ما فعل الله بواسطتهما، وبأنه فتح باب الإيمان لغير اليهود" (أع24:14-27).

لقد ربط هذا التلميذان تلك الكنائس التي أسساها إلى جانب المسيح. هذا كان هو العمل الأول لبشارتهما. أما العمل الثاني فكان يخصّ بولس وحده، وهو أنه حمل بعودته زوادة منفعة بحيث أنّه تعلّم أن يلّجم اندفاعه القلبي وطابعه الناري تحت تأثير الآلام وأن ينحني تحت نير وداعة المسيح ويحوله إلى صبر جلود.

 

ثالثاً: مجمع أورشليم (49م)

          نحن الآن في أنطاكية فنرى أن الإخوة هناك يحيون بعضهم مع بعض بوجود بولس وبرنابا اللذين: "أقاما مع التلاميذ هناك مدّة طويلة" (أع28:14) ولكن السلام المطلوب عيشه يفتقد إلى الوضوح في قضية سبّبت شغباً في الوسط الكنسي، حول قضية نادى بها بعض المتشددين من اليهود الذين قبلوا المسيح في قولهم أنه على الوثنيين الذين سيعتنقون المسيحية أن يختتنوا قبل عمادهم. في حين أن بولس وبرنابا قبلا الوثنيين بإيمانهم بالمسيح بدون الختان. وهكذا صار جدل في أنطاكية أخبرنا عنه لوقا في هذا السفر: "فجادلهما بولس وبرنابا جدالاً عميقاً. وبعد المناقشة قرر مؤمنو أنطاكية أن يذهب بولس وبرنابا مع بعض المؤمنين ليقابلوا الرسل والشيوخ في أورشليم، ويبحثوا معهم في هذه القضية... ولما وصلوا أورشليم رحّبت بهم الكنيسة بمن فيها من رسل وشيوخ، فأخبروهم بكل ما فعله بواسطتهم" (أع2:15-4) ونتابع مع القديس لوقا: "فعقد الرسل والشيوخ اجتماعاً لدراسة هذه القضية وبعد نقاش طويل وقف بطرس وقال:..." (أع6:15-7) كلاماً أيّد فيه موقف بولس وبرنابا بشهادة مقنعة منها قوله: "شاء الله أن يسمع غير اليهود كلمة البشارة.. إذ وهبهم الروح القدس كما وهبنا إياه. فهو لم يفرِّق بيننا وبينهم في شيء إذ طهّر بالإيمان قلوبهم... فنحن نؤمن بأننا نخلص كما يخلصون هم بنعمة الرب يسوع" (أع7:15-11).

          كان موقف بطرس قبل هذا الاجتماع ينتمي إلى هؤلاء اليهود الفريسيين من المسيحيين أما الآن فقد صار مقتنعاً بموقف بولس، فساهم موقفه لقبول الجميع به "وأخذوا يستمعون إلى برنابا وبولس وهما يخبرانهم بما أجراه الله بواسطتهما من علامات وعجائب بين غير اليهود" (أع12:15). حينها تهيأ الدور لإنهاء الجدل والمناقشات ليعبّر رأس كنيسة أورشليم عن صياغة الإعلان النهائي لقرار هذا المجمع الذي نجد فيه التالي: "لذلك أرى ألا نضع عبئاً على المهتدين إلى الله من غير اليهود بل فلنكتب إليهم رسالة نوصيهم فيها..." (أع19:15-20). النصائح الضرورية

          ويضيف لوقا القول: "عند ذلك أجمع الرسل والشيوخ والجماعة كلها على اختيار رجلين من الاخوة يرسلونهما إلى أنطاكية مع بولس وبرنابا. فاختاروا يهوذا الملقب بارسابا، وسلّموهم هذه الرسالة: لقد رأى الروح القدس ونحن ألا نحملكم أي عبء فوق ما يتوجب عليكم... ولما قرأوها فرحوا بما فيها من تشجيع" (أع22:15-31).

 

رابعاً: الرحلة التبشيرية الثانية (50-52م)

          بعد مرور حوالي الخمس سنوات على انطلاقة الرسولين بولس وبرنابا في رحلتهما البشارية الأولى، وبعد تثبيت القاعدة التي حملها بولس وقبلها مجمع أورشليم، والتي تنص على أنه بإمكان الإنسان غير اليهودي أن يصير مسيحياً دون أن يصير يهودياً (راجع5:15-11)، كما صار بالإمكان التعايش متحققاً بين المسيحيين من أصل يهودي والمسيحيين من أصل وثني أيضاً، بعد كل تلك الأمور اطمأن بولس على أن الخلافات انتهت، وهو يدعو إلى انطلاقة بشارية جديدة يقول فيها بولس لبرنابا: "هيا نرجع لنتفقّد الأخوة ونطّلع على أحوالهم في كل مدينة بشّرنا فيها بكلمة الرب" (أع36:15). هنا برزت مشكلة جديدة تدور بين خلاف في وجهات النظر عند هذين الرسولين الكبيرين وتتلخص بأن "برنابا اقترح أن يأخذ معهما يوحنا الملقّب مرقص. ولكن بولس رفض أن يأخذاه معهما... فوقعت بينهما مشاجرة حتى انفصل أحدهما عن الآخر. فأخذ برنابا مرقص وسافر بحراً إلى قبرص. واختار بولس أن يرافقه سيلا.... فسافر في مقاطعتي سورية وكيليكية يشدد الكنائس" (أع37:15-41) فبدأت الرحلة براً وانتهت هكذا أيضاً. ومع متابعتنا لسفر الأعمال نجد بأن أخبار برنابا قد انقطعت عنا، كما كانت قد انقطعت أخبار بطرس سابقاً، ولم يبق إلا أخبار بولس، الذي بعودته للعمل البشاري (ومعه سيلا) وصل ثانية إلى دربه ثم إلى لستره، وفيها التقى بتلميذه تيموثاوس الذي انضم إليه، بعد أن ختنه لأن أمه يهودية بالرغم من أن أباه يوناني. لم يكن هذا ضرورياً، ولكن بحكمة من بولس لئلا يتعثّر الذين كانوا يهوداً به.

          انتقل بولس مع رفيقيه من مدينة إلى أخرى. "فكانت الكنائس تتقوّى في الإيمان ويزداد عددها يوماً بعد يوم" (أع5:16). ولم يدخلوا إلى أماكن ومدن كان بودِّهم الدخول إليها، لأن الروح القدس بواسطة الإلهام الإلهي لم يسمح لهم بالدخول إليها. "فتوجهوا إلى مدينة تراوس مروراً بميسيّا. وفي تلك الليلة رأى بولس في رؤيا رجلاً من أهل مقدونيا يتوسّل إليه ويقول: اعبُرْ إلى مقدونيا وأنجدنا" (أع8:16-9). تابع بولس ورفيقيه طريقهم باتجاه مقدونية فوصلا إلى تراوس، ومنها إلى جزيرة ساموثراكي ثم ميناء نيابوليس، وبعدها إلى مدينة فيليبي أكبر مدن مقاطعة مقدونيا. ونظراً لمنع عبادة جديدة تُقام فيها، فقد أُقيم اجتماع الصلاة خارج المدينة بجانب النهر. وكان هناك جموع كثيرة من النساء من بينهن ليديا، التاجرة بالأرجوان وذات النفوذ، فلقد فتح الله قلبها فقبلت كلام بولس واعتمدت هي وأهل بيتها. (راجع أع13:16-15) أما المرأة الثانية التي آمنت فكانت خادمة يسكنها روح عرّافة، أي روح شريرة. فصلّى بولس باسم يسوع المسيح مُخرِجاً هذا الروح منها. (راجع أع16:16-18). فكان هذا العمل المنقذ للمرأة سبباً في ثورة غضب على بولس وسيلا، مما أدى إلى جلدهما وسجنهما. وفي السجن كانا يصليان ويسبِّحان الله، فحدث زلزال انفتحت بموجبه الأبواب ولم يخرجا مما جعل السجّان يؤمن بكلامهما فسألهما قائلاً: "يا سيدي ماذا ينبغي أن أفعل لكي أخلُص؟ فأجاباه آمن بالرب يسوع فتخلُص أنت وأهل بيتك" (أع30:16-31) وبعد إطلاق سراحهما "توجها إلى بيت ليدية حيث قابلا الأخوة وشجّعاهم ثم غادرا المدينة" (أع40:16). أما لوقا فقد بقي فيها.

ربما كان سبب اختيار بولس من تقديم هذه النماذج الثلاثة غاية، بأن يُظهر بأن الإنجيل يؤثّر ويعمل في كل طبقات المجتمع. فالبشارة صالحة لجميع الطبقات مقابل طبقات الشواهد التي مرّت معنا، فليدية قوية النفوذ، والثانية خادمة، والثالث ضابط السجن.

          اتّجه بولس وسيلا ومعهما تيموثاوس نحو تسالونيك بعد مرورهم ببعض المدن. كانت تسالونيك واحدة من أغنى مدن مقدونية وأقواها وأكثرها نفوذاً. وهي أول مدينة يزورها بولس وتجذب تعاليمه فيها عدداً كبيراً من البارزين اجتماعياً. وقد نمت الكنيسة التي غرسها بولس سريعاً، ولكنه اضطر لمغادرتها في نهاية العام 50م بسبب هياج وتمرّد بعض الأشرار الذين أُرسلوا من قِبل الحسّاد، "فهجموا على بيت ياسون مطالبين بتسليم بولس وسيلا إلى الجمع" (أع5:17) ولما لم يجدوهم استطاعا في الليل أن يرحلا إلى بيريّه ودخلا المجمع اليهودي كعادتهم: "وكان يهود بيريّه أشرف من يهود تسالونيكي، فقَبِلوا كلمة الله برغبة شديدة وأخذوا يدرسون الكتاب يومياً... فآمن عدد كبير منهم، كما آمن من اليونانيين نساء نبيلات وعدد كبير من الرجال" (أع11:17-12). وكالعادة حاول بعض اليهود المتأثّرين بتحريض يهود تسالونيكي أن يثوروا عليه. فغادر منفرداً إلى أثينا وبقي سيلا وتيموثاوس اللذين أرسل بولس في طلبهما.

          وفي أثينا بلد الفكر والجدل والمناقشات، فإنه بعد مخاطبته كالعادة - لليهود في المجمع - ناقش أيضاً بعض الفلاسفة الأبيقوريين والرواقيين، متحدّثاً معهم عن يسوع والقيامة من الموت فنَعَتُوه (بالأحمق). وعادةً الفاشل يُضرَب ضرباً مبرّحاً. فأعدَّ نفسه ثانية واستطاع أن يتحدّث في آريوس باغوس بأكثر حكمة منطلقاً من قراءةٍ قرأها على أحد المعابد حيث كُتِب عليه: "إلى الإله المجهول. فبهذا الإله الذي تعبدونه أنا أبشّركم..." (أع23:17) واستفاض بولس في الكلام حتى وصل إلى يسوع وقيامته من بين الأموات. ولنعلم أن موضوع القيامة لدى الإغريق يجلب السخرية. ومع ذلك آمن بعضهم ليكونوا خميرة تخمر الاثينيين ليصيروا مسيحيين كلهم. "وكان من بين الذين آمنوا ديونيسيوس وهو عضو في مجلس الآريوباغوس. وكذلك امرأة اسمها داماريس، وآخرون غيرهما" (أع34:17).

          غادر بعدها بولس أثينا متجهاً نحو كورنثوس التي قيل عنها: (من مَلَكَ كورنثوس مَلَكَ اليونان). وفهم بولس هذا القول بالصياغة التالية: (إذا عرف الناس في الميناء اسم يسوع، فامتداد اسمه إلى الجزر يصبح أمراً سهلاً). لهذا يمكن القول بأن كورنثوس تستحق أن يعطي بولس كل ذاته لأجلها). إذن يستطيع الإنجيل أن يُلقي بذاره في مكان كهذا المكان.

          وهكذا نجد أن بولس دخل كورنثوس وتعرّف فيها على يهودي اسمه أكيلا، وزوجته بريسكيلا من إيطاليا. وكانت مهنتهما مثل مهنة بولس: صناعة الخيام. فأقام عندهما واشتغل معهما. أما في السبوت فكان يناقش الحاضرين في المجمع لإقناع اليهود واليونانيين. وبقي بولس في هذه المدينة سنة وستة أشهر وعمله لم يكن في البداية ناجحاً مع اليهود بقدر ما هو ناجح مع اليونانيين. ومن أبرز الأمور أنه مرة: "وذات ليلة رأى بولس الرب في رؤيا يقول له: لا تخف بل تكلّم ولا تسكت" (أع9:18) فاستمر بولس يعلّم الناس كلمة الله. "ثم ودّع الإخوة وسافر بحراً مُتّجهاً إلى سورية ومعه أكيلا وبريسكيلا، بعدها حلق رأسه في مدينة كنخريا إذ كان عليه نذر" (أع18:18).

          اتّجه بعدها إلى أفسس وهناك ترك أكيلا وبريسكيلا لكي يمارسا عملاً روحياً وخدمة للإنجيل. ومن أفسس توجّه نحو أورشليم ثم قيصرية، ومنها توجّه إلى أنطاكية التي كانت نقطة الانطلاق.

 

خامساً: الرحلة التبشيرية الثالثة (53-58م)

          عندنا خطتان لهذه الرحلة قبل البدء بالتعرّف عليها. الأولى أن لوقا لم يكن في صحبة الرسول بولس هذه المرة، لذا نجد أن الحديث مقتضباً هذه المرة. النقطة الثانية أن طبيعة هذه الرحلة هو افتقاد وتثبيت المؤمنين وتشديدهم. وقبل أن يصل بولس إلى أفسس وصلها يهودي اسكندراني اسمه أبولس: "فصيح اللسان، خبير في الكتاب،... ويعلِّم الحقائق المختصة بيسوع المسيح تعليماً صحيحاً. لكنه لم يكن يعرف سوى معمودية يوحنا. فسمعه أكيلا وبريسكيلا فأخذاه إليهما وأوضحا له طريق الله بأكثر دقة" (أع24:18-26). أمام هذه الجرأة والمعرفة بالكتاب تشكّل تيار لأبولس الذي كان يُثبت أن يسوع هو المسيح.

          ثم غادر إلى أخائيه وبعدها كورنثوس، وفي هذه الأثناء وصل بولس إلى أفسس بعد إنهاء جولته بالمناطق الداخلية من البلاد. وفي أفسس "وجد بعض التلاميذ فسألهم هل نلتم الروح القدس عندما آمنتم؟ أجابوه: لا، حتى إننا لم نسمع بوجود الروح القدس" (أع1:19-2). إذن معمودية يوحنا كانت لا تزال منتشرة. لذا نرى هؤلاء التلاميذ قد "تعمّدوا بمعمودية يوحنا" (أع3:19) "وكان عددهم اثني عشر رجلاً" (أع7:19). "بقي بولس مستمراً لمدة ثلاثة شهور يداوم على المجمع إلا أن بعض الحاضرين عاندوا رأيه. فالصعوبات لا تتوقف ولكن الجهاد لا يتأثر لأن بولس والمؤمنين بقوا مستمرين في بشارتهم. كما وأن بولس غيّر مكان الاجتماع فصار في مدرسة رجل اسمه تيرانّوس وداوم على ذلك مدة سنتين... وكان الله يُجري معجزات خارقة على يد بولس حتى صار الناس يأخذون المناديل أو المآزر التي مسّت جسده ويضعونها على المرضى فتزول أمراضهم، وتخرج الأرواح الشريرة منهم" (أع8:19-12).

          وكانت "كلمة الرب تنتشر وتقوى باقتدار" (أع20:19) متغلّبة على السحرة والمعاندين وغيرهم من أمثال المنتفعين من صناعة تماثيل للآلهة، من أمثال أرتاميس آلهة أفسس. ولكن بكل تأكيد أن غلبة بولس كانت تشكّل القطيع الصغير الذي سيطعِّم المضطهدين والغالبين بصورة مؤقتة.

          وبعد مضي ثلاث سنوات في أفسس غادرها "مودَّعاً الأخوة ومتّجهاً إلى مقاطعة مقدونية، يجول فيها يَعِظ ويشدّد التلاميذ في كل مكان. وأخيراً وصل إلى اليونان وقضى فيها ثلاثة أشهر. وبينما كان يستعدّ للسفر بحراً إلى سورية، عرف أن اليهود يدبّرون مؤامرة لقتله. فقرّر أن يعود إلى مقدونية " (أع1:20-3) وفي ترواس تم اللقاء مع مجموعة من التلاميذ أخذت طريقاً آخر إلى هناك، حيث تناول المؤمنون الطعام الأفخارستي الذي انتهى بعظة لبولس استمرّت "إلى منتصف الليل... وكان شاب اسمه افتيخوس قد جلس على النافذة فغلب عليه النوم... فسقط من الطبقة الثالثة وحُمل ميتاً" (أع7:20-9) فأقامه بولس حياً. وبعد كسر الخبز سافر بولس إلى أسّوس. ومنها "إلى ميناء ميتيليني ثم إلى جزيرة خيوس ثم إلى ميليتس وفيها استدعى بولس من أفسس شيوخ الكنيسة فحدّثهم بما ينفعهم وحثّهم على المحبة. وبعد هذا الكلام ركع بولس معهم جميعاً وصلّى. وبكى الجميع كثيراً. وعانقوا بولس وقبّلوه بحرارة..." (أع17:20-38).

          ثم تابع إلى باترا، ومنها إلى صور، حيث أن التلاميذ هناك: "كانوا ينصحون بولس الرسول بإلهام من الروح، ألا يصعد إلى أورشليم" (أع4:21) ثم تابع السفر من صور إلى بتولمايس واجتمع مع كثيرين من الأخوة، واستمر معهم تحذير بولس بعدم الذهاب إلى أورشليم. في بتولمايس أقام ومن معه في بيت الشماس فيليبس "وله أربع بنات عذارى كنّ يتنبأن" (أع9:21). لكنّه تابع سفره ووصل مع مرافقيه إلى أورشليم ففرح الأخوة به وبأخباره التي حدّثهم بها. وهم أخبروه بالوضع القائم وقدّموا له نصائح عسى أنها تُصلِح الوضع مع اليهود الناقِمين عليه. فعَمِلَ بمشورتِهم (راجع أع17:21-26).

          لكن بالرّغم من كل ذلك فإنّ اليهود لما رأوا بولس في الهيكل: "قبضوا عليه وهم يصرخون: هذا هو الرجل الذي يدعو الناس في كل مكان إلى عقيدةٍ تُشكّل خطراً على شعبنا وشريعتنا وعلى هذا المكان...." (أع27:21-29)، أمام هذا الهياج زاد حماس الشعب دون أن يعرفوا الحقيقة التي يعمل بها بولس، والتي تنصّ على أنّه يشرح لهم الكتب حول الماسيّا، والتي فيها كَشْفٌ لشخص الماسيّا، ومن ثم إعلانه التاريخي أنه هو الرب يسوع. "عندئذٍ هاج أهل المدينة جميعاً وهجم الناس على بولس وجرّوه إلى خارج الهيكل... وبينما هم يحاولون أن يقتلوه سمع قائد الكتيبة الرومانية... أخذ في الحال جماعة من الجنود وحضر مسرعاً. ولما رأى اليهود القائد وجنوده كفّوا عن ضرب بولس" (أع30:21-32). وفي الثكنة كلّم بولس هذا الحاكم باليونانية فاحترمه. حينئذ سأله بولس أن يسمح له بالحديث مع الشعب، "فأذِن له... فلما ساد السكوت أخذ يخاطبهم باللغة العبرية قائلاً" (أع40:21) وقصّ قصته في تربيته ثم اهتدائه ثم بشارته بين الأمم. ولدى سماع هذه الجملة الأخيرة عادوا إلى الصياح حينها: "أمر القائد أن يُدخلوا بولس إلى الثكنة وأن يستجوبوه تحت جلد السياط ليعرف سبب الهتافات الصاخبة ضدّه" (أع24:22).

          حينها أعلن بولس للقائد أنه روماني فلم يعد بإمكانهم ضربه لأن القائد تحقق من صحة هذا الأمر. "وفي اليوم التالي أراد القائد أن ينظر في حقيقة التهمة... فأمر بإحضار رؤساء الكهنة وأعضاء المجلس اليهودي جميعاً، واستدعى بولس وأوقفه أمامهم" (أع30:22). وما إن بدأ بالحديث حتى: "أمر حنانيا واحداً من الواقفين لديه أن يضرب بولس على فمه" (أع2:23). ولما لم يجد بولس نتيجة لكلامه أخذ المنحى التالي: "وإذ كان بولس يعلم أن بعض أعضاء المجلس من مذهب الصدّوقيين، وبعضهم من مذهب الفريسيين، نادى في المجلس: أيها الأخوة أنا فريسي ابن فريسي، إني أُحاكَم الآن لأنني أعتقد أن للموتى رجاء بالقيامة" (أع6:23). فدبّ الخلاف بينهم، وبرّأ الفريسيون بولس. ثم أخذه القائد بصعوبةٍ إلى الثكنة. وصار بعدها مؤامرة من اليهود لقتل بولس. فأرسله هذا القائد إلى الوالي فيلكس كاتِباً له أنّه لم يجد عليه علة وأنه يترك الأمر للوالي.

          وبعد عرض تهم الادعاء ودفاع بولس الذي بقي في السجن "تحت الحراسة، على أن تكون له بعض الحرية، وأن يُسمَحَ لأصدقائه بزيارته والقيام بخدمته" (أع23:24). وبعد مرور سنتين في المحاكمات تغيّر الوالي. ولما لم يجد بولس من نتيجة في الإجراءات الجارية قال للحاكم: "إني أستأنف دعواي إلى القيصر... ثم قال لبولس ما دمت قد استأنفت دعواك إلى القيصر، فإلى القيصر تذهب" (أع11:25-12).

          في هذه الأثناء زار أغريباس الوالي فستوس في قيصرية ومَثُلَ بولس أمامه متحدّثاً عن انتمائه ورؤياه ورسالته، وأجمع المجلس كله على القول التالي: "لم يرتكب هذا الرجل ما يستحق الموت أو السجن. وقال أغريباس لفستوس: لو لم يستأنف هذا الرجل دعواه إلى القيصر لكان يمكن إطلاقه" (أع31:26-32).

سادساً: الخاتمة: نهاية سفر الأعمال مع بولس في روما

          ومن قيصرية فلسطين بدأ بولس رحلته إلى مالطة، مروراً بصيدا، وبعدها ميرا، "وهناك وجد قائد المئة سفينة قادمة من الاسكندرية متجهة إلى إيطاليا فأصعدنا إليها" (أع6:27). ولما وصلت السفينة إلى الموانئ الجميلة قضوا هناك "مدة طويلة حتى مضى الصيف... والصيف كان أيضاً قد مضى وكذلك الصوم..." (راجع أع9:27-13). وكانت المحطة التالية للسفينة عند فينكس، لكن السفينة تقاذفتها الرياح حول جزيرة كلودا، ثم جرفتها لمدة أسبوعين حتى تحطّمت عند جزيرة مالطة. وخلالها تعرّض بولس الرسول لأخطار عديدة، وصنع عجائب وشفى أمراضاً كثيرة.

          وبسبب تحطّم السفينة في مالطة بقي بولس ومن معه ثلاثة أشهر هناك، تابعوا بعدها إلى ساركوزا، وبعد ثلاثة أيام تابعوا المسير إلى ريفيون، ثم بوتيولي لمدة يومين وكان فيها عدد من الإخوة، وأخيراً وصل الموكب إلى روما. فاستقبلهم الأخوة واجتمعوا معهم في ساحة أبيّوس في الخانات الثلاثة. "وبعد ثلاثة أيام دعا بولس وجهاء اليهود وقال لهم:... " (أع17:28-29). ثم حدد لهم موعداً وأتى كثيرون: فمنهم مَن اقتنع بكلامه ومنهم من لم يؤمن. فوبخهم بحسب لغة الكتاب مستعيناً بالإصحاح السادس من أشعيا. وبقى مواظباً على أحاديثه. ثم يختم القديس لوقا سفر الأعمال بالقول التالي: "وأقام بولس سنتين كاملتين في البيت الذي استأجره، وكان يرحّب بجميع الذين يأتون لزيارته، مبشِّراً بملكوت الله، ومعلِّماً الأمور المختصة بالرب يسوع المسيح بكل جرأةٍ وبلا عائق" (أع30:28-31).

          انتهى السفر بكلام غير منتهٍ. لوقا كتب أولاً الإنجيل ثم أعمال الرسل، وهناك مَن يقول أنه أراد كتابة القسم الثالث لحياة الكنيسة. فهل كتبه وفُقد أم لم تُتح له كتابته؟ خاصةً وأنّ التقليد يقول إن سجنه الذي مرّ معنا في روما هو السجن الأول. وذهب بعدها إلى الشرق وبشّر في كريت ثم رحل إلى أسبانيا وعاد منها إلى نيكوبولوسي. وكانت هذه المدة بكاملها حوالي أربع سنوات ولا نعلم تماماً من لغة هذا التقليد كيف سُجن ثانية في روما. واستُشهد فيها عام 67 بالسيف. وكان ذلك في عهد نيرون قبل انتحاره.