حديث الأسبوع (11 شباط)

أرشيف

وعظة الأحد

 موضوع للأرشمندريت يوحنّا التلّي

لفرق من مدارس الأحد في صيدنايا

في 9 تشرين الثاني 2012

 الكنيسةُ الأُولى انطلاقاً من أعمالِ الرسلِ

 

أولاً: مقدمة

سفرُ أعمالِ الرسلِ، هو سفرُ حياةِ الكنيسةِ في مرحلةِ بدايةِ انطلاقها. وهي المرحلةُ التي يُطلق عليها اسمُ الكنيسةِ في العصرِ الرسولي. ففي هذا السفر يُكشف لنا فيه سر مولد الكنيسة، ونموها وعبادتها وشهادتها للسيّد المسيح وقوّتها بعمل الروح القدس. وفيه أيضاً نكتشف تحقيق الوعد الذي أعلنه لتلاميذه بقوله لهم قبل صعوده: "ها أنذا معكم كلّ الأيام وإلى انقضاء الدهر" (مت20:28).

لذا يمكن وصفه بالقول التالي:

+ هو سفرُ انفتاحِ الكنيسةِ بالحبِّ على العالمِ لتخدمه وتغسل قدميه.

+ هو سفرُ الكنيسةِ الفقيرةِ الغنيةِ، تفتقر مع عريسها وتغتني به.

+ هو سفرُ القوّةِ الداخليّةِ التي لا تضعف ولا تشيخ.

+ هو سفرُ الكنيسةِ المقدّسةِ التي لا تطيق الشرّ، لكنها تترفق بالخطاة، وتساعد الفقراء.

          أيضاً يكشفُ لنا هذا السفرُ عن طبيعةِ كنيسةِ المسيحِ المصلوبِ منذ نشأتها، فقد تشكّلت بالروحِ القدسِ وسط الأنينِ والضيقِ، لتحمل شركة الآلام والصلب مع عريسها المتألم. لكن حضوره في وسطه يحوِّل الأنين إلى فرحٍ مجيدٍ، والضيق إلى تعزياتٍ سماويةٍ، فتحيا مسبِّحةً الله وسط أتون الاضطهاد.

          ولنعلم أنّه حتى نهاية القرن الأول وبداية القرن الثاني كان يُنظر إلى هذا السفر كتكملة للإنجيل بحسب القديس لوقا، لأن بداية هذا السفر متناسقة مع نهاية هذا الإنجيل. غير أنّه بعد كتابة الإنجيل بحسب يوحنا، جمعت الكنيسةُ الأناجيل الأربعة معاً، وصار هذا السفر هو الرابطة بين الأناجيل كلّها ورسائل الرسل. فكما تكشف الرسائل عن كتابات الرسل، كان سفر الأعمال يكشف عن أعمالهم بروح الله القدوس، وبتعبيرٍ آخر كان هذا السفر يُبرز أعمال المسيح فيهم وبهم ولحسابهم. وهكذا صار سفر الأعمال حلقة وصلٍ بين الأناجيل ورسائل الرسل. لدرجة أنّ تمتُّعُنا بقراءة الرسائل يتمُّ بفضل معرفتنا بخلفية هذا السفر. ومن جهةٍ ثانية فإن هذا السفر يساهم بطريقةٍ حيويّةٍ دراسة الربط بين تعليم السيد المسيح والتعليم الرسولي.

أما أهم ملامح الكنيسة الأولى فهي:

+ كنيسة فرحٍ وسط الضيق في الحياة اليوميّة. حيث يدرك المؤمنون أن النبوءات قد تحققت، وأنّ عمل الفداء تمّ، منتظرين مجيء المسيا الأخير وقيامة الأموات.

+ كنيسة صارت باسم إسرائيل الجديد الروحي، بعيدة عن الفكر اليهودي المغلق والمتعصب.

+ كنيسة منفتحة على الأمم.

+ كنيسة يصوّرها لنا الإنجيلي لوقا بأنّها مجتمع صلاةٍ دائمٍ.

ثانياً: وصفٌ شاملٌ للسفر

نعود بالزمن لما قبل ألفي عام تقريباً، حيث يُقدِّم لنا سفر أعمال الرسل أحداث ذلك الزمان فيما يخصّ يسوع الناصري، الذي هو رأسٌ لكنيسةٍ، الجسد فيها جسد يسوع المسيح الذي يؤلِّف كافة المؤمنين المشكّلين عضوية في هذه الكنيسة، التي بدأت في أورشليم بفلسطين، المكان الذي سطعت فيه ألسنة الروح القدس، تلك الألسنة النارية لتُضيء العالم والبشر بهذا النور الإلهي الذي حقّق وجود الكنيسة. وما سفر أعمال الرسل إلا قصّة هذا الوجود، وهو رواية شهود عيان عمل الروح القدس فيهم، أو مولد الكنيسة.

          بدأت الرواية بجماعة صغيرة من التلاميذ في أورشليم، ثم انتقلت الرسالة إلى أرجاء الإمبراطورية الرومانية. حدث مع مسيرة خطواتها معجزات شِفاء متعددة، وظهرت حقيقة المحب بالحب الذي يتبادل فيه أفرادها بعضهم مع بعض، كما وأيضاً بالحب الذي كانوا يعكسونه على الآخرين. وقد حدثت كل هذه الأمور مع مسيرة البشارة واجتماعات الأخوة والصلوات في المجامع والمدارس العلمية والبيوت والأسواق والمحاكم، وأيضاً في الطرقات وعلى الهِضاب والتِلال وفي السُّفن وفي الطُّرق البريّة، وأينما أرسل الله فعلته هؤلاء. والذي حدث بفضل هذا كلّه أن تغيّرت حياة آلاف الناس وتبدّل التاريخ.

ونجد أن سفر أعمال الرسل ليس فقط كتاباً تاريخيّاً وبشاريّاً، بل هو أيضاً سفر لاهوتيّاً، فيه دروس ونماذج حيّة لعمل الروح القدس، وعلاقات الكنيسة وروابطها وتنظيمها، دون أن يغيب دور النعمة وشريعة المحبة. علاوة على ذلك هو كتاب مدافعٌ عن المسيحية في أسسها القائمة على صحة وصدق أقوال المسيح ووعوده.

يبدأ أعمال الرسل بانسكاب الروح القدس الموعود به، وبداية المناداة بإنجيل يسوع المسيح. كان ذلك في أورشليم أولاً، لينتشر فيها في النهاية إلى روما، ويغطّي معظم أرجاء الإمبراطورية الرومانية. صحيح أن البشارة بدأت مع اليهود، تلك الأمة التي استمرت في رفضه، إلا أن بقية اليهود قبلوا الأخبار السارة بفرح. وقد أدى الرفض المستمر من الغالبية العظمى من اليهود للإنجيل إلى تزايد المناداة بالإنجيل للأمميين. وهي خطة يسوع كما يقول لوقا: "أن يُكرز بالإنجيل في أورشليم ثم إلى اليهودية فالسامرة، وإلى أقاصي الأرض" (أع8:1). وسفر الأعمال اتَّبع هذا المخطط.

ثم بدءاً من الإصحاح 13 ركّز سفر الأعمال أساساً على رحلات بولس التبشيرية لليهود ثم للأمميين. فآمن بعض اليهود، وقَبِلَ أمميون كثيرون الأخبار السارة بفرح. وأُنشئت كنائس جديدة رافقت النمو في الحياة المسيحية، دون خوف من مواجهة الموت، وتحمّل للألم الشديد لأنهم كانوا ينتهزون كل فرصة ليُخبروا الناس عن ربّهم المصلوب والمقام. لذلك لا نستغرب قبولهم للعقوبات والسجن والجلد والمؤامرات والهياج ضدهم، والتمرّد عليهم. وهذا ما ظهر لنا أكيداً بأن المسيحية هي من صنع الله وليست من عمل الإنسان.

ثالثاً: تأسيس الكنيسة وبداية عملها البشاري

          لما كان لوقا هو كاتب سفر إنجيل لوقا وسفر أعمال الرسل، نلاحظ أنه في إنجيله قد أخبرنا بكل ما عمله يسوع وعلّمه منذ البدء إلى اليوم الذي رُفع فيه، حيث قال: "لما كان كثيرون قد أقدموا على تدوين قصّة في الأحداث التي تمّت بيننا كما سلّمها إلينا أولئك الذين كانوا في البداية شهود عيان، ثم صاروا خُدَّاماً للكلمة، رأيت أنا أيضاً، بعدما تفحّصت كل شيء من أول الأمر تفحّصاً دقيقاً، أن أكتبها إليك مرّتبة يا صاحب السمو ثاوفيلوس، لتتأكّد من صحة الكلام الذي تلقّيته" (لو1:1-3). ثم نراه (أي لوقا) في خاتمة إنجيله يتحدّث عن يسوع وتلاميذه قائلاً: "ثم ان يسوع اقتادهم إلى خارج المدينة، إلى بيت عنيا، وباركهم رافعاً يديه. وبينما كان يباركهم انفصل عنهم، وأُصعِدَ إلى السماء فسجدوا له، ثم رجعوا إلى أورشليم بفرح عظيم، وكانوا يذهبون إلى الهيكل، حيث يسبِّحون الله ويباركونه" (لو50:24-53).

          بهذه الدقة يكتب إلينا الطبيب والمؤرِّخ لوقا بدء إنجيله وخاتمته، المرتبطان ارتباطاً وثيقاً بعمله المكمِّل الذي هو موضوع حديثنا، وأعني به سفر أعمال الرسل. والذي يستهله بالذكر لحدثَيْ مقدِّمه لوقا، فيقول في فاتحة عمله الثاني هذا: "رويتُ لكَ في كتابي الأول يا ثاوفيلوس، جميع أعمال يسوع وتعاليمه منذ بدء رسالته حتى اليوم الذي ارتفع فيه إلى السماء، بعدما أوصى بالروح القدس، إلى الرسل الذين اختارهم. وخلال فترة أربعين يوماً بعد آلامه ظهر لهم مرّات عديدة، وأثبت لهم أنه حيّ ببراهين كثيرة قاطعة، وحدّثهم عن ملكوت الله... وقد سأله أحد المجتمعون: يا رب أفي هذا الوقت تُعيد الملك إلى إسرائيل؟ فأجابهم: ليس لكم أن تعرفوا المواعيد والأوقات التي حدّدها الآب بسلطته. ولكن حيثما يحل الروح القدس عليكم تنالون القوّة وتكونون لي شهوداً في أورشليم واليهودية كلها، وفي السامرة وإلى أقاصي الأرض. قال هذا وارتفع إلى السماء بمشهد منهم ثم حجبته سحابة عن أنظارهم" (أع6:1-9).

          هنا يظهر لنا يسوع بصفته الكهنوتية وعمله الليتورجي. فبكونه الكاهن الأعظم بفعل قيامته، نراه يُكمل عمله الليتورجي ليس حيث الهيكل في أورشليم، إنما في بيت عنيا خارج الهيكل. وهذا ما يؤرّخ فيه عهد جديد للكنيسة يبرزها لنا لوقا في سفر أعمال الرسل كأوّل تعبير عن لاهوت الصعود، الذي نرى فيه أن مباركة الشعب هذه تبدأ من المحدود بالتدرّج من أورشليم واليهودية والسامرة لتصل إلى كل المسكونة، وبحسب النص كما ذكرنا: (إلى أقاصي الأرض).

          أما الحدث الأساسي لبدء العمل الكنسي هو أن التلاميذ برجوعهم المفرح اجتمعوا كلهم مع السيدة العذراء والنسوة اللواتي كنّ يلازمن يسوع "مواظبين جميعهم في العلّية للصلاة بقلب واحد" (أع14:1) وتبع ذلك أن اجتمع هؤلاء مع آخرين ليكون عددهم "مئة وعشرين من الأخوة فوقف بينهم بطرس وخاطبهم" (أع15:1) وخلال هذا الاجتماع الكنسي المميّز انتخبوا مكان يهوذا عن طريق "القرعة فوقعت على متياس فضمّوه إلى الرسل الاثني عشر" (أع26:1).

          ثم يُخبرنا لوقا عن المهم بقوله: "ولما جاء اليوم الخمسون كان الاخوة مجتمعين في مكان واحد، وفجأة حدث صوت من السماء كأنه دويّ ريح عاصفة فملأ البيت الذي كانوا جالسين فيه. ثم ظهرت لهم ألسنة كأنها من نار وقد توزّعت وحلّت على كل واحد منهم، فامتلؤوا جميعاً من الروح القدس" (أع1:2-4) ولما كان ذلك اليوم هو عيد العنصرة لليهود الذي وقع مع عيد الخمسين للمسيحيين. فكان الحجّاج في أورشليم بالآلاف فنجد أنه بعد حدث الامتلاء من الروح القدس أن لوقا يخبرنا بالتالي: "فوقف بطرس مع الرسل الأحد عشر، وخاطب الحاضرين بصوت عال، ... هذا ما قيل بلسان النبي يوئيل: يقول الله في الأيام الأخيرة سأسكب روحي على جميع البشر..." (أع7:2-14). راجع (يوئيل28:2-32).

          سمع كلام الرسل وبطرس خاصة عدد غفير من الشعوب والبلدان مثل "ما بين النهرين وكبادوكية وبنطس وآسيا وفريجية وبمفيلية ومصر ونواحي ليبيا المواجهة للقيروان، وكثيرون من الرومانيين الزائرين يهوداً ومتهوّدين، وبعض الكريتيين والعرب" (أع9:2-11). "سمع الحاضرون ما سمعوه فنخسوا بقلوبهم فسألوا بطرس وباقي الرسل: ماذا نفعل أيها الاخوة. أجابهم بطرس: توبوا وليعتمد كل واحد منكم باسم يسوع المسيح، فيغفر الله خطاياكم وتنالوا هبة الروح القدس.. فالذين قبلوا كلامه فإنهم تعمّدوا، وانضم في ذلك اليوم نحو ثلاثة آلاف نفس. وكان الجميع يداومون على تلقّي تعليم الرسل، وعلى حياة الشركة وكسر الخبز والصلوات" (أع37:2-42).

رابعاً: نظرةٌ شاملةٌ لنمو الكنيسة بالرغم من أزماتها  

بعد أن لاحظنا أن الكنيسة تأسّست بحلول الروح القدس، الذي حلَّ على أشخاصها والمنتمين إليها، ليصيروا أعضاءً جدداً فيها، بعد نيلهم سرّ العماد الذي جعلهم داخل تعدادها، فإنها بدأت تنمو وتزداد خاصة بعد انتماء ثلاثة الآلاف عضو جديد إليها، وبكونهم منتمين لبلدان متعددة صارت البشارة عن طريقهم كتمهيد للامتداد المقبل. أما الحال الذي صارت إليه كنيسة أورشليم فإن لوقا يصفه بقوله: "وكان جميع المؤمنين معاً. وكان كل شيء مشتركاً بينهم. وكانوا يبيعون أملاكهم وأمتعتهم ويوزّعونها على الجميع، على حسب حاجة كل واحد. وكانوا يلازمون الهيكل كل يوم بنفس واحدة، ويكسرون الخبز في البيوت ويتناولون الطعام بابتهاج ونقاوة قلب مسبّحين الله، ونائلين حظوةً لدى جميع الشعب وكان الربُّ يضمُّ كل يوم الذين يخلُصون إلى الكنيسة" (أع44:2-47).

          لكن الأمور ليست بهذا اليسر أمام عدوّين؛ أولهما اليهود، والثاني الرومان. ولما كان الحديث عن مركزِ انطلاقِ الشرارةِ الأولى في أورشليم التي صار اسمها أم الكنائس، هناك بدأت المعاكسات للتلاميذ لإيقاف بشارتهم. خاصة وأن الكنيسة بدأت من خلال الشهادة الجريئة لبطرس ويوحنا ومحبة المؤمنين فالمؤرخ لوقا يقول: "وبينما كان بطرس ويوحنا يخاطبان الحاضرين، أقبل إليهما بعض الكهنة، وقائد حرس الهيكل والصدّوقيين، متضايقين لأنهما كانا يعلّمان الناس ويُعلنان أن قيامة الأموات حقيقة تؤكِّدها قيامة يسوع، فألقوا القبض عليهما وألقوهما في السجن... وكان كثيرون ممن سمعوا الكلمة قد آمنوا، فصار عدد المؤمنين من الرجال نحو خمسة آلاف" (أع1:4-4).

          إلا أنّ الكنيسةَ الوليدةَ لم تكن بلا مشاكل، بل واجهت مقاومة من الخارج حسب ما حدث لبطرس ويوحنا، وكذلك في أمثلةٍ كثيرة تحمل ألواناً من الاضطهادات، مما جعلها تعاني أزمات السجن والضرب والموت. كما وأنّه وُجِدت أزماتٌ داخليةٌ مما اضطر هذه الكنيسة بالبدء بتنظيم أمورها. وفي هذا يُخبرنا لوقا التالي: "ولما تكاثر التلاميذ حدث تذمّر من اليونانيين على العبرانيين بأن أراملهم كنّ يُهملن في الخدمة اليومية. فدعا الاثني عشر جمهور التلاميذ وقالوا: لا يحسن أن نترك كلمة الله ونخدم الموائد. فاختاروا أيها الأخوة سبعة رجال منكم يُشهَد لهم بالفضل قد ملأهم الروح والحكمة فنقيمهم على هذه الحاجة. ونحن نواظب على الصلوات وخدمة الكلمة. فاختار الجمهور استفانوس وفيليبس و... وأقاموهم أمام الرسل فصلّوا ووضعوا عليهم الأيدي. فزادت كلمة الله انتشاراً.." (أع1:6-7) وهكذا تم تعيين مؤمنين يهود من المتكلّمين باليونانية للمساعدة في إدارة الكنيسة حتى يتفرّغ الرسل للكِرازة.

          ومع الاضطهاد حصل استشهاد ليكون انتشار الكنيسة بسببه. فالاضطهاد والمقاومة كانا من العوامل المساعدة على انتشار المسيحية، فقد كان المؤمنون يحملون الرسالة معهم أينما ذهبوا أو هربوا. يقول لوقا في هذا: "والذين تشتّتوا كانوا ينتقلون من مكان إلى مكان مبشّرين بالكلمة. فذهب فيليبس (الشماس) إلى مدينة في منطقة في مدينة السامرة، وأخذ يبشّر أهلها بالمسيح، فأصغت الجموع إلى كلامه بقلب واحد... فعمّت الفرحة أنحاء المدينة" (أع4:8-8) وبعدها "ذهب فيليبس نحو الجنوب ماشياً على الطريق البرية بين أورشليم وغزة. وإذا رجل حبشيّ خصيّ يعمل وزيراً للشؤون المالية عند كنداكة ملكة الحبشة، كان قد حجّ إلى أورشليم للسجود فيها. وهو راجع إلى الحبشة راكب في عربته، يقرأ في كتاب النبي أشعياء... فأسرع فيليبس وسمع الخصيّ يقرأ نبوءة أشعياء، فسأله: أتفهم ما تقرأ؟ فأجاب كيف يمكنني ذلك إن لم يشرح لي أحدٌ؟ ودعا فيليبس أن يصعد إلى العربة ويجلس معه. وكان الخصيّ قد وصل في فصل الكتاب الذي يقرأه إلى القول: مثل شاة سيق إلى الذبح، ومثل الحمل الصامت بين يدي من يجزُّه، هكذا لم يفتح فاه. في أثناء تواضعه عومِل بغير عدل. من يخبر عن نسله؟ فإن حياته قد انتُزعت من الأرض. وسأل الخصيّ فيليبس: قل لي مَن يُشير النبي بهذا القول؟ إلى نفسه أو إلى شخص آخر؟ فتكلم وأخذ يبشِّره بيسوع انطلاقاً من كتاب النبي هذا. ثم وصلا إلى مكان فيه ماء. فقال الخصي: ها هو الماء فماذا يمنع أن أتعمَّد؟ فأجابه فيليبس: هذا جائز إنْ كُنتَ تؤمن من كل قلبك. فقال الخصيّ إني أؤمن بأن يسوع المسيح هو ابن الله... وبقي فيليبس يبشّر كل مدينة حتى وصل إلى قيصرية" (أع26:8-40). وهكذا نرى انتشار واسعاً للمسيحيين، وصل بسبب الاضطهاد إلى أماكن عدّة أهمها السامرة وأثيوبيا.

خامساً: أول شهداء المسيحية

          نحن الآن في أورشليم أم الكنائس، بمعنى أنها الكنيسة الأولى التي تحقق وجودها على اسم المسيح بواسطة الرسل، وتم تعيين يعقوب أخو الرب أول أسقف عليها. وفي هذه الفترة في أواخر العام 37م لمعت شخصية استفانوس كشماس مملوء نعمة وقوة. "وكان يصنع عجائب وآيات عظيمة في الشعب" (أع8:6) ولقد اشتهر بصفاته الروحية من إيمان وحكمة ونعمة وقوة، والأهم بوجود الروح القدس في حياته. ولا ننس أنه كان قائداً متميزاً ومعلِّماً قديراً وخطيباً بالغاً ومتفوِّهاً بامتياز. وهذا واضح من الدفاع الذي أدلى به أمام المجلس اليهودي، فقد عرض موجزاً لتاريخ اليهود متّخذاً منه تطبيقات قويّة، كانت بمثابة ضربة قاضية لمستمعيه. وكان بهذه الأقوال ينطق بحُكم الموت على نفسه، ولم يقدر أعضاء المجلس المجتمعون أن يحتملوا كشف دوافعهم الشريرة، ولذلك رجموه بالحجارة حتى الموت، بينما كان هو يصلّي طالباً لهم الغفران.

          وتتلخّص قصته بالتالي: عارضه بعضهم، "فدفعوا رشوة لبعض الأشخاص ليقولوا: سمعنا استفانوس يتكلّم بالتجديف على موسى وعلى الله. فأثارت هذه التهمة الشعب والشيوخ والكتبة على استفانوس، فألقوا القبض عليه وأتوا به إلى المجلس... فلمّا نظر إليه جميع الحاضرين في المجلس رأو وجهه كأنه وجه ملاك" (أع11:6-15).

          إذن نحن الآن في المجلس اليهودي الذي بإمكانه أن يكون محكمة قادرة على تنفيذ الأحكام مباشرة حتى الموت بالرجم، وهو ما حصل لهذا الشماس الفاضل. في المجلس: "سأل رئيس الكهنة استفانوس: هل هذه الاتهامات صحيحة؟ فأجاب..." (أع1:7-2) كان جوابه مستفيضاً يشمل حوالي خمسون آية، بدءاً من إبراهيم إلى أن أوضح لهم رسالة الله من خلال كلام أشعيا القائل: "هذا ما يقوله الرب: السماء عرشي والأرض موطئ قدمي، فأيَّ بيت تشيدون لي؟ وأين مقرُّ راحتي" (أش1:66) نجد هذه الآية في كلام استفانوس بسفر الأعمال (49:7). "ثم قال استفانوس: يا أصحاب الرقاب الصلبة، والقلوب والآذان غير المختونة. إنكم دائماً تقاومون الروح القدس. وكما فعل آباؤكم تفعلون. فأيّ نبي نجا من اضطهادهم. وقد قتلوا الذين أنبأوا بمجيء البار الذي سلّمتموه أنتم وقتلتموه. فأنتم أخذتم الشريعة من أيدي الملائكة ولكنكم لم تطيعوها" (أع51:7-53). وقبل ما أن نذكر كيفية موت استفانوس، حريّ بنا أن نوضح أسباب غيظ رؤساء اليهود الذين سيأمرون بقتله. في آية أشعياء التي أوضح بها استفانوس مراده، فإنه قد اتُّهم بالإساءة إلى هيكل سليمان. لكن استفانوس أوضح بأن الله أهم من الهيكل. فالله لا يسكن في هياكل بل في القلوب المؤمنة المستعدة لقبوله. والفكرة الثانية التي بها أعلن اضطهاد اليهود للأنبياء، تعود مصداقيتها لأحداث في العهد القديم مثل إرميا الذي اضطهد. راجع (أر1:38-6) وأيضاً "أشعياء الذي يذكره التقليد اليهودي بكتبهم فنجد أن الملك منسى قتله"

راجع (2مل16:21) وفيه توضيح لهذا القتل. وغيرهما كثير مثل عاموس (عا10:7-13) زكريا (راجع 2أخ20-22). وفي لوقا أورد الرب يسوع كذلك مثلاً عن كيفية رفض اليهود المستمر لرسائل الله واضطهادهم لأنبيائه ومرسليه. راجع (لو9:20-15).

أما استشهاد استفانوس فلقد حصل كما يبيّنه لوقا الإنجيلي في كلماته: "فلما سمع المجتمعون كلام استفانوس، ملأ الغيظ قلوبهم، وأخذوا يصرّون بأسنانهم توعّداً. فرفع استفانوس نظره إلى السماء وهو ممتلئ من الروح القدس، فرأى مجد الله، ويسوع واقفاً عن يمين الله. فقال: إني أرى السماء مفتوحة وابن الإنسان واقفاً عن يمين الله. فصاحوا صياحاً شديداً وسدّوا آذانهم، وهجموا عليه هجمة واحدة، ودفعوه إلى خارج المدينة، وأخذوا يرجمونه بالحجارة. وخلع الشهود ثيابهم عند قدمي شاب اسمه شاول لكي يحرُسها. وبينما كانوا يرجمون استفانوس، كان يدعو: أيها الرب اقبل روحي. ثم ركع وصرخ بصوت عالٍ: يا رب لا تحسب عليهم هذه الخطيئة. ولما قال هذا رقد" (أع54:7-60). وكان ذلك عام 73 للميلاد.

          عظمة الشهداء - كمثل استفانوس هنا - أنهم وهم في الفداء والرجم وما شابه يحملون قلوباً نقية طاهرة نظيفة تجاه جلاّديهم، ولا يحملون حقداً ولا إدانة ولا كرهاً ولا تحريضاً على الانتقام، فالمسامحة وطلب الغفران لهم كان هو لسان حالهم. ولهذا لا نستغرب الذي حصل لاستفانوس عندما كان، وهو يتضرّج بالدماء، يُصلي لربه من أجلهم طالباً الغفران لهم. هذه الشفافية الروحية أوصلت استفانوس ليرى مجد الله، ويسوع واقفاً عن يمين الله، يعني أن استفانوس في رؤيته وكلامه يذكّرنا بكلمات يسوع أثناء محاكته أمام المجلس. راجع (مت64:26).

          أما موضوع شاول الذي كان موافقاً على قتل استفانوس (أع1:8) فسنبحثه في الموضوع اللاحق. ولكن لا بدَّ من أن نضيف لشهيدين مهمين تبعا استفانوس؛ وهما يعقوب أخو يوحنّا، الذي قُضي عليه بالسيف عام 43م، ثمّ يعقوب أخو الربِّ الذي رُمي من الهيكل من فوق إلى أسفل عام 63م.

سادساً: حال المسيحيين من معاملة السلطة لهم في القرنين الأول والثاني

          ابتدأت المسيحية كديانة داخل اليهودية، فلم يلحظ الأباطرة قيمة لوجودها لأنهم عاملوا المسيحيين كما لو أنهم يعاملون اليهود. ولما ظهرت خطوط الاستقلال عند المسيحيين بقي الأباطرة غير مكترثين لوجودهم، إلى أن أتى عام 64م عهد نيرون في روما، حيث أصدر مرسوماً مُنِعَ به اعتناق المسيحية. وبقي المرسوم ساري المفعول حتى بعد نيرون، إلا أن الأباطرة لم يلاحقوا المسيحيين بموجبه إلا بين حين وآخر. ويذكر المؤرّخ الروماني (تاسيتوس) السبب الذي حملَ نيرون الطاغية على البطش بالمسيحيين، فقد شبّ حريق كبير في روما قضى على عدد كبير من منازلها خاصة الفقيرة، فنسب الناس هذا الحريق إلى نيرون نفسه. فخاف أن ينقلب عليه الشعب، فألقى المسؤولية على المسيحيين وعذّبهم في المسارح والملاعب عذابات وحشية مريعة. وقد اختار نيرون ضحاياه من المسيحيين لهذين السببين:

أ. رغبة نيرون في إرضاء اليهود الذين كانوا يكرهون المسيحيين كراهية عميقة، فقد اتصلوا بعشيقة نيرون (بوبيّة) اليهودية وحرّضوها عليهم، فكان لها اليد الطولى في حمل العاهل على اضطهاد المسيحيين.

ب. تخوُّف الوثنيين من المسيحيين الذين كانت تُحيط بهم هالة من الأسرار. هذا قد جعل الوثنيون يفترون بالأكاذيب في عقول الجماهير. فاعتبرهم الناس أعداء الآلهة والبشر، وعلّة الشرور كلها من زلازل وحروب وفيضانات. وقد ذهب القديسان الرسولان بطرس وبولس ضحية هذا الملك الطاغية مع مَن ذهب.

          وبعد نيرون أتى على السلطة بالتتابع العاهلان الرومانيان (فسباسيانوس) و(تيطس). فقد تركا المسيحيين وشأنهم. فقضوا مدة من الزمن عائشين في هدوء وسلام. ثم أتى بعدهما دوميتيانوس (84-96) مُتّبعاً ذات الخطة لسابقيه. إلا أنه كشف مؤامرة عليه ويبدو أنه لم يعرف مَن هم وراء منفذيها، ففتك بالفلاسفة وضيّق على اليهود، وفرض الجزية على  المسيحيين كما فعل مع اليهود، فاحتجوا بأنهم ليسوا بيهود فطبّق عليهم مرسوم نيرون، وازداد غضبه لما عرف أن بعض أقاربه هم من المسيحيين، ففتك بهم فتكاً ذريعاً.

وأتى القرن الثاني الذي كان أباطرته من أسرة الأنطونيين. وكانوا يكرهون سفك الدماء، فلم يلاحقوا المسيحيين. إلا أنهم كانوا متمسكين بالقوانين والأنظمة السائدة، فاضطروا إلى تطبيق مرسوم نيرون فقط عندما يُقدَّم على أحد المسيحيين شكاية قانونية. وهذا جواب الإمبراطور (تراجان) لأحد حكام الولايات والمدعو (بلينوس) الذي سأله: عن الطريقة الواجب اتباعها تجاه المسيحيين الذين كانوا يزدادون يوماً بعد يوم، ولا ذنب عليهم سوى أنهم مسيحيون؟ فكان ردّه: (لا تلاحق المسيحيين، ولكن إذا سيقوا إلى محكمتك فاستجوبهم، فإن اعترفوا أنهم مسيحيون وبقوا مصرّين على ذنبهم فعاقبهم، وإن أنكروا فاعفُ عنهم حتى وإن كانوا في الماضي مسيحيين).

واتّبع الأباطرة الأنطونيون هذا الموقف إجمالاً. واضطر الولاة إلى الفتك بالمسيحيين أحياناً تحت ضغط هياج الجماهير. وقد مات كثيرون منهم شهداء الدين المسيحي.

وأتى بعدهم الإمبراطور (كوموديوس) من 180 إلى 192 فقد تغاضى عن المسيحيين وأُطلق سراح المساجين منهم، فعاشوا في عهده عيشة هادئة مطمئنة، ويعود سبب ذلك إلى انشغاله عن الحكم، وإلى تأثير زوجته (مارسيا) المؤمنة بالمسيح.

وتبع ذلك القرن الثالث الذي كان ينوس بين مسامحة وشدة في الاضطهاد، حسب رأي كل إمبراطور حكم فيه، لحين أتى قسطنطين في القرن الرابع لتكون المسيحية أولاً ديناً مسموحاً به، ثم هي الديانة الرسمية في الدولة.

لم يرد الحكام لدى اضطهادهم التنكيل بالمسيحيين، إنما طمعوا في ردّهم إلى الديانة الوثنية. لذا فإنهم لجأوا لحجز حرياتهم في السجون قبل تعذيبهم وقتلهم، وهذه هي العذابات في إطارها العام.

1- السجن: في النظام الروماني كان السجن وسيلة لإقامة المتهم ريثما تنتهي دعواه. أما المسيحيون فكثيراً ما أهملهم الحكّام في السجون المظلمة، موثقين بالسلاسل، وتضغط على أرجلهم الأخشاب المثقوبة، وتعاني أجسادهم الهزيلة مضض الجوع والعطش والبرد.

2- المحاكمة: كان الحاكم في القرن الأول يقضي بالموت، فيُنَفَّذ الحكم فور انتهاء الدعوى. أما في القرن الثاني فيُعذّب الشهيد بعد المحاكمة لينكر دينه. فيُجلد بعنف أو تُقطع بعض أعضائه أو يمزّق جسمه أو يُحرق.

3- العقوبات: كمثل النفي الذي هو أخف العقوبات، وبه لا تضيع الحقوق المدنية والممتلكات الخاصة. وهناك النفي وفقدان الحقوق. وأيضاً الأشغال الشاقة، وهنالك القتل إما ببتر العنق أو إلقاء الشهيد إلى الوحوش الضارية، أو عذاب النار، أو الصلب. والشهيد هو مَن مات في سبيل معتقده المسيحي، أما من عُذِّب ولم يمتْ فيُسمّى (المعترف) أي المعترف بالإيمان.

سابعاً: الخاتمة: الكنيسة

          تعني كلمة (الكنيسة) في اللغة اليونانيّة التي بها كُتبَ سفر أعمال الرسل - كما العهد الجديد بكامله - (جماعة الشعب)، وهي تقابل الكلمة العبرية (قهال)، التي تعني (جماعة إسرائيل) الليتورجيّة أيّ المصليّة. فالكنيسة هي جماعة الناس الذين دعاهم الله. عندما بدأ الرب يسوع، ابن الله المتجسد، عمله الخلاصي على الأرض، جمع حوله تلاميذه الرسل القديسين، الذين حلَّ عليهم الروح القدس يوم العنصرة. فصارت تلك الجماعة منذ ذلك الحين أوّل كنيسةٍ مسيحيّةٍ. يصف كتاب أعمال الرسل السنين الأولى لحياة هذه الجماعة المسيحيّة، بأنّها تدعو الناس (جميعاً) إليها بكونها (مقدسة) و(رسوليّة). لدرجة أنّ يسوعَ قال عنها بأنّ: "أبواب الجحيم لن تقوى عليها" (مت18:16). إنّها البناء المقام من حجارةٍ حيّةٍ لن تسقط أبداً.

          ويُشدِّد بولس الرسول بقوّةٍ في رسالته إلى أهل أفسس (أف22:21-23) على أنّ الكنيسةَ هي "جسد المسيح" رأسها المطلق: "ملء ذلك الذي يملأ الجميع في كلِّ شيءٍ"، أيّ ملء الروح القدس الذي هو ينبوع حياتها. وهذا ما دعا القديس إيريناوس للقول: (حيث تكون الكنيسة هناك الروح القدس). ومع القديس إغناطيوس (حيث يكون المسيح هناك توجد الكنيسة). وأيضاً يقول الأبُّ يوحنا كرونشتادت: (لا يُمكننا أن نتصور مُطلقاً الكنيسة خارج الربِّ يسوع وخارج الروح القدس). والكنيسة أيضاً بلسان الراهب باسيليوس من دير ستافرونيكيتا: (الكنيسة هي المسيح نفسه، المسيح الإله).

          وأخيراً، الكنيسة هي في الوقت نفسه: المكان المبني، المعبد المُعدُّ ليجمع المؤمنين وليؤدوا عبادةً مرضيّةً لله حسب الإيمان المسيحي.