رهبانية الديرين

الحياة الرهبانية

قديس اليوم

زيارة لديـر القديس جاورجيوس

زيارة لديـر الشيروبيم  ( رؤساء الملائكة )

البحث في الموقع

الوصول إلينا

............... ديرا القديس جاورجيوس والشيروبيم في صيدنايا...............

صوت الراعي

صوت الديرين

حياة روحية

صنارة روحية

شهادات حية

أيقونة تتحدث

ملتيميديا

سؤال وجواب

إصدارات الدير

نشاطات

المكتبة

أخبار

مساهمات القراء

ارتباطات

حديث الأسبوع (10 شباط)

أرشيف

وعظة الأحد

 موضوع للأرشمندريت يوحنّا التلّي

                                   قاعة القديس أغناطيوس

                           الجمعة في 1 شباط 2019

 

عمل الكلمة في الكتاب المقدس

أولاً: مقدمة
بالإيمان الحي نعرف أن الكتاب المقدس هو كلام الله الحق. ونحن نكتشف هذه الحقيقة يوماً بعد يوم، وكلما ازددنا تلاوة وصلاة، كلما ازداد يقيننا، لأن هذا الكلام يفعل فعله فينا. وندرك يقيناً أن الله عندما يتكلم إنما يبتغي أن يبلِّغ قولاً، لذا على الأرض حينها أن تنصت مصغية بخشوع.
إن صوته، حتى الصامت منه، والصامت يمس الإنسان حتى من ناحية جسده، هو كلام منبعث من نبع النور والمحبة. معرفتنا هذه إذا وصلنا إليها ندرك أنها يقيناً هي الحقيقة التي كما يقول كيركيجارد: (أريد أن أجد الحقيقة التي من أجلها أريد أن أحيا، ومن أجلها أريد أن أموت). وها قد وجدناها، فلنكرس لها أنفسنا. فهي أقدس ما عندي. لا، بل الإله المتجسد هو الأقدس!!
موضوعنا من الكتاب آت، وعن مسيرة الكلمة يتكلم فحواه. بأهم ما يخص عمل الكلمة الإلهية التي هي محور حديثنا، علينا التذكر بأنها هي المضمون المسيِّر حركة عمل الله المدوَّنة في الكتاب. وليست الصعوبة في كيف نعرف ماذا يقول الله لنا؟ فهذا أمر مختص بدور الله في معرفته كيف ينقل إلينا ما يريد؛ إنما الصعوبة الأكبر آتية من كون هذه الكلمة وصلت إلينا بواسطة مئات البشر، وعبر آلاف السنين متداخلة ببيئات متعددة، وحضارات مختلفة. ولكن بذات الوقت، علينا أن نعرف أنها شكّلت غذاءً لذيذ الطعم بشكل أوجه جديدة قائمة على النبوغ البشري الذي بواسطته تشكّلت الحضارات من جديد بتأثير الحضور الإلهي في تركيبها.
فالكتاب إذن يهم كل إنسان، وأيضاً هو يقصد الإنسان دون تمييز بين نوع ونوع. وأيضاً فإن المؤمن عليه أن يعي أن (الكتاب المقدس) هو إلهي وبشري معاً. وأن يعي أيضاً عجزه عن فهم "الكلمات التي لا يحلّ لبشر أن ينطق بها" (2كو4:12) بالعقل وحده، وأن يتيقّن بأن روح المسيح الذي ألهم الأنبياء قبل أن يحلّ على الكلمة المتجسد، قادر هو وحده على أن يكشف له بداخله معرفة المعاني الخفية لكلمات الكتاب.
ونحن علينا أن نساعد أنفسنا أيضاً، إضافة لمساعدة الروح القدس لنا، فمساعدة أنفسنا تقوم عن طريق التعمّق بكلمات الكتاب، مع الخضوع التام لروحه.

ثانياً: أقسام رسالة الكلمة في الكتاب المقدس
كمنطلق لهذه الموضوعات نوضح أنه ينتفي المعنى الإلهي للكتاب بدون المسيح بكونه هو الكلمة: لأن المنطلق الأول حسب بداية إنجيل يوحنا القائل: "في البدء كان الكلمة" (1يو1). وهذا يستدعي وجود الإيمان عند فتح الكتاب المقدس وبدء القراءة فيه. أما إذا استمرينا بغياب الإيمان، فتكون قراءتنا له لا تطول النور الذي فيه، فيبقى أمامنا مجموعة كتب لا تشابه بينها ولا ترابط، وتضم مؤلّفات متفاوتة القدر والقيمة. أما المؤمن فينكشف له المنطق العميق الذي قاد هذا الأدب الغريب. ولقد شبّه أحدهم فهمنا الصحيح لمعاني الكتاب بقوله: (إن نتوءات القشرة وشقوقها ما هي إلا دلالة على حياة الشجرة).
الإيمان هو الذي يقودنا بأن نذهب من الكتاب إلى حقيقته الإلهية. فنبدأ باكتشاف خطة الله بالرغم من قراءتنا للدور البشري فيه عند السطح عينه المليء بالتقلبات البشرية. ولكن هناك بأعمق من السطح وجهة الله الثابتة، وتناسقها الدائم، فندرك يقيناً بروز الخطة الخفية لله. حينها يرى المؤمن بعينين ممتلئتين بالروح أسرار خطة الله. هناك يستقيم العهدان ويتكاملان بدون أن يختلطا. فيصير الكتاب دليل إيمان نأخذه من الكنيسة. وبذات الوقت ندرك أن هذا الكتاب في قلب كلماته وعبر تاريخه الطويل هنالك موضوع مركزي واحد، لا تلبث أن تندمج فيه وتذوب كافة موضوعاته في فلك الموضوع الواحد الذي هو (الكلمة المتجسد). فتصبح كافة موضوعاته تلك هي أشكال سابقة من تجسد ظهوره للبشر تتوجّه كلها إليه، وترمز إلى ملامح له، وهي تعمل على تهيئة مجيئه.
أما أقسام الكتاب المقدس فهي من الكثرة – وأيضاً تشابك بعضها وتداخله ببعض ومتفرّعة إلى أجزاء وفروع عديدة – بحيث يصعب تصنيفها وترتيبها في موضوعنا. ويكفينا أن نفرز من بينها العناوين التي تؤلف المحور الذي عليه تقوم وحدة الوحي الذي ينشأ عنها بوجوهه المتعددة. ولنعلم أن هذا الذي نتكلّم عنه هو الذي يلي الإصحاحات الإحدى عشر التي يبدأ بها سفر التكوين في حديثه عن الخلق. ويتبعه الإصحاحات من 12 إلى 26 الذي فيه الوعد الذي أعطاه الله لإبراهيم واسحق ابنه. ثم القسم الأخير من سفر التكوين ويشمل الإصحاحات 27 إلى 50 وفيه الصراع الذي خاضه وارثو هذا الوعد وهم يعقوب وأولاده.
ومع انتقالنا لسفر الخروج، فلنتذكّر أن سفر التكوين "يُحدِّث فيه الله إبراهيم بأن ذريته ستُنفى إلى مصر وتُذل مدة أربعمائة سنة" (راجع تك13:15). إلا أن هذا السفر نجد فيه انطلاقة الشعب إلى أرض الميعاد، ثم بدء حياته في البرية ونيله الشريعة من الله. ثم يتابع سفر العدد رواية حياة الشعب المختار في البرية، بينما يتناول سفرا التثنية واللاويين أحكام شريعة الله ويشرحانها.
ويتبع أسفار موسى الخمسة، أسفار يشوع والقضاة وصموئيل والملوك وهي أسفار تاريخية ونبوية ذروة نهايتها عهد داود نحو العام 700 ق.م، يتبعه سليمان، ثم تاريخ انشقاق الأسباط 335 ق.م وبعده انفصال في مملكتي إسرائيل بزوال مملكة الشمال 722 ق.م. وزوال مملكة يهوذا 586 ق.م.
وبعدها نتابع مع الأنبياء في رسالتهم مثل عاموس وهوشع وأشعياء وميخا وأرميا وحزقيال. وهي المدة الواقعة بين القرن الثامن والقرن السادس قبل الميلاد وخلالها ظهر الأنبياء الكبار الذين تنبؤوا بقضاء وشيك الوقوع من لدن الله على شكل غزوات تنتهي إلى الجلاء والسبي فيتم امتحان أمانتهم لوضع إيمانهم ورجائهم بالله وحده. فالسبي رحلة حاسمة في تاريخ هذا الشعب.
وأخيراً وبعد ثمانين سنة للسبي والعودة إلى الوطن يعمد نحميا إلى إعادة بناء أسوار أورشليم، ويعلن عزرا الشريعة ويعيد تنظيم الكهنوت والعبادة، فيصار أن هذه الأمة تتحوّل إلى ملّة دينية تكرِّس ذاتها لله.

ثالثاً: الخلق والسقوط 
نعود لزمن غير محدد بدؤه، ونقرأ ما كتبه موسى بالوحي الإلهي، في القرن الخامس عشر قبل المسيح، الآية الأولى من سفر التكوين: "في البدء خلق الله السماوات والأرض" (تك1:1) أي أنه قد خلق كل الحياة، الذي يشمل أصول العالم والإنسان.
قبل المتابعة بما عنونّا به هذه الفقرة، نورد مداخلة على شكل فقرة حول معنى هذه الآية مقابل المفهوم العلمي الذي يخدم هذه الآية دون ما أن يتعارض معها: (إن المجرة الشاسعة التي نحن جزء منها، تدور حول نفسها بسرعة لا تُصدَّق هي 784 ألف كم في الساعة. ولكن رغم هذه السرعة الرهيبة، فإن مجرتنا يلزمها 200 مليون سنة لتدور حول نفسها دورة واحدة. وهناك أكثر من مليون مجرة شبيهة بمجرتنا. ويقول بعض العلماء إن عدد النجوم في الكون يساوي عدد حبات الرمل التي على كل الشواطئ في العالم. ومع ذلك فإن هذا العدد اللانهائي من النجوم الدوّارة يسير بنظام ودقة متناهين. والقول بأن الكون (تكوَّن بالصدفة) أو أنه (تطوّر) يحتاج إلى إيمان أعظم من الإيمان بأن الله هو الذي وراء كل هذه الأرقام المذهلة. فالله هو الذي خلق هذا الكون العجيب. ولم يكن الله مضطراً أن يخلق الكون، ولكنه خلقه باختياره، لماذا؟ لأن "الله محبة" (1يو8:4)، والمحبة تتجلّى في أكمل صورها متى اتجهت لشيء آخر أو شخص آخر، وهكذا خلق الله العالم والناس تعبيراً عن محبته. ويجب ألا نحصر خليقة الله في عبارات علمية وننس أن الله خلق الكون لأنه أحبنا.
أيضاً من الناحية العلمية لا يتعثّر إيماننا إذا سمعنا حول التفاصيل الأساسية شيئاً عن الـ Big bang أي الانفجار الهائل والمباغت الذي به وُجد الكون، أو أنه بدأ بتدرّج في التكوين ليصير على مدى بلايين السنين كما هو اليوم. يبقى قولنا المرتبط بالإيمان على صحة ما أتى عليه الكتاب المقدس بأن الله هو الواحد المتعالي، هو الذي خلق السماوات والأرض بدافع محبته. وهي الحقيقة الوحيدة والأكيدة التي تعطي الإنسان قيمة وكرامة.
حقّق الله عملية الخلق بواسطة (الكلمة الخالقة) حسب لغة التكوين: "وقال الله...." (تك1) ثم يعود سفر المزامير ليذكرها وبعده سفر أيوب: "إنه قال فيولد كل شيء، وأمر فوُجد كل شيء" (مز9:33) ثم مع العهد الجديد في كل من سفر يوحنا ورسالة العبرانيين: "في البدء كان الكلمة" (يو1:1).
بعد عملية الخلق ينتهي الله بخلق الإنسان في الإصحاحات: (1 و2 و5). يبيّن الكتاب المقدس الأصل المزدوج للإنسان؛ فهو مخلوق من تراب الأرض، وهو مخلوق على صورة الله (تك7:2). ما نفهمه من الكتاب هنا أن الله أعطى الإنسان صفة فريدة تميّزه عن سائر الخلائق: الله يكلّمه وهو يجيب عن كلام الله. وأن له الحرية في الخضوع لأمر الله، أو عدم الخضوع له. من جهة ثانية إذا كنا لا نعرف كيف كان إنسان الفردوس، ولكننا ندرك هذه المعرفة في المسيح يسوع وحده "الذي هو صورة الله الذي لا يُرى" (كولو15:1) والذي هو (آدم الثاني).
ولكن في (تك3) حدث السقوط عن طريق عصيان الإنسان وشكّه في صلاح الله، فنصَّب ذاته حَكماً للخير والشر، فنتجت عن ذلك عقاب من الله للحية وأيضاً على آدم وحواء. وجعل عداوة بينهما، بمعنى بين الشيطان والإنسان: "هو (الإنسان) يسحق رأسك وأنت تلدغين عقبه" (تك15:3). فالمسيح به تحقّقت هذه النبوءة عندما انتصر على الشيطان وسحق رأسه وقام من بين الأموات. هذا يعني أن الله كشف بذلك عن خطّته لهزيمة الشيطان، ومنح الخلاص للعالم عن طريق ابنه يسوع المسيح الذي أتى بطريقة معكوسة بالنسبة إلى طريق آدم الأول. ويفعل ذلك (بتواضعه الطوعي) و(طاعته حتى الموت). وهكذا يفدي آدم الثاني الخليقة بكاملها ويفتح لها الباب إلى شجرة الحياة (راجع رؤ1:22-5 وكولو19:1-20).
ثم، مع باقي إصحاحات الخلق في سفر التكوين (تك4-11) نجد أن الإنسان يتابع حياته خارج الفردوس التي طُرد منها وبقي الشيطان مسيطراً عليه، لكننا نجد أن الله يحدّ من نتائج الخطيئة بتدخّله المتواصل بالنعمة. كما في قصة قايين وهابيل (تك4).

رابعاً: وبرج بابل
ومع الإصحاحات (تك6-10) تبدأ قصة نوح وذريته وخلالها قصة (برج بابل)، فترينا أن الإنسان يريد أن يؤلّه ذاته فتقع البشرية في التشويش والانقسام. يتبعها في العهد الجديد جواب الله على قصة البلبلة لمن كانوا يتكلمون (لغة واحدة) فقدوها بسبب إقامة هذه الشعوب ضد الله، نجدهم في العنصرة يستعيدوها بواسطة الروح القدس (أع2) لأن هذا الروح وحده يمكن أن يعيد الوحدة المهدّمة.
من الملاحظ في هذه الإصحاحات أمرين يتقاربان: الأول بعد أن حقق الله فيه مع نوح عهداً يعيد له فيه السيادة على العالم كما آدم قبل الخطيئة. لكن صار بسببه سيِّداً مخيفاً يُسمح له بذبح الحيوانات وأكلها مقابل أن إنسان الفردوس لم يكن يأكل إلا العشب (تك29:1-30). والأمر الثاني يتعلق ببابل لتصبح في كل تاريخ الكتاب رمز الكبرياء المؤلّه والقوة السياسية التي تطمع في التسلّط على العالم مادياً وروحياً. ولذلك تُختتم رؤيا يوحنا بمنظر الخراب النهائي لبابل، التي ترمز إلى كل الشرور الهائجة والمتفلتة من القيود (رؤ18)، وبمنظر المرتبة الجديدة التي تأتي من علو لا من تحت "يضيئها مجد الرب والحمل سراجها، الأمم تسير في نورها وملوك الأرض يأتون بمجدهم إليها" (رؤ24:21).

خامساً: عهد الله مع إبراهيم الإصحاحات (تك12-50)
يُعتبر إبراهيم أبو الآباء وبتعبير آخر أبو المؤمنين. فالآباء ليسوا بالضرورة قديسين، بل هم رجال يخطئون كما يخطئ باقي البشر. لكنهم يؤمنون بوعود الله ويحيون تحت حكمه. يشكّل لقاؤهم بالله الحي معركة كمثل نتائج الحلم الذي خلاله كلمات من الرب لإبراهيم، وما نتج عنه من آثار (كالميثاق) الذي أبرمه الله معه (راجع تك12:15-18) أو امتحان الله لإبراهيم أيضاً في تقديم ابنه اسحق محرقة لله (تك22). وأيضاً مصارعة يعقوب لملاك الله (تك22:32-32) وغيرهم. كل هذا شكّل سلسلة من التدخلات الإلهية التي يكمن فيها تاريخ الخلاص، والتي تبدأ عندما أخذ الله إنساناً نكرة (إبرام) وانتزعه من بلاده وعشيرته وأهله، وقوَّم إيمانه بالامتحان إلى أن أصبح إبرام (إبراهيم)، أباً للمؤمنين. وهناك على الصعيد الجغرافي هضبتان: موريجا والجلجلة أي صخرة ذبيحة اسحق وخشبة صليب المسيح اللتان عليهما تتحطّم حكمتنا البشرية.
ننطلق بعدها للوعد الذي قطعه الله على نفسه بعدما أن كلّم إبراهيم وقال له: "انطلق من أرضك وعشيرتك وبيت أبيك إلى الأرض التي أُريك" (تك1:12) أي انطلق أنت وامرأتك ومَن معك واترك أرضك ومجتمعك في (أور) مع كل ما تشعر به من هدوء وطمأنينة في مدينة غنية ومتقدّمة في الحضارة واذهب إلى بلاد مجهولة وعد الله بها لذريته (وهو بدون ذريّة) ليعيش حياة تيه يذوق فيها المجاعة: (تك10:12) والقتال (تك13:14-14). إذن، لماذا ينطلق؟ لسبب واحد هو أن الله أمره بذلك.
أما إبراهيم فلا يُعبِّر عما يخيفه أو لا يخيفه، بل يطيع الله وحسب، ومعه تبدأ المغامرة الكبرى التي يبدأها الشعب المؤمن، وتبقى مستمرة لتنتهي (في الأبدية): "كل مَن يضع يده على المحراث وينظر إلى الوراء لا يصلح لملكوت الله" (لو62:9).
بعدما أن سبق وسمع إبراهيم وعداً بنيل البركة من الله نجد أنه ينالها من شخص مجهول هو (ملكي صادق) كاهن الله العلي، الملك الذي يعني اسمه (ملك البر) ومدينته (السلام) بمعنى (أورشليم). هذا يبارك إبراهيم ويعطيه (خبزاً وخمراً) إشارة إلى العهد. وفي الرسالة إلى العبرانيين ملكيصادق صورة للكاهن الأعظم يسوع المسيح (راجع 3:6 إلى 3:7).
إن التاريخ مليء بالأسرار، والذي ذكرناه عن ملكي صادق لا يُفهم إلا بمعنى فهمنا للسر. والكتاب المقدس يُبرز حدث التلاقي في إطار هذا السر بين إبراهيم وملكي صادق، ليبقى في ذاكرة التاريخ على مدى العصور. لقد كان اللقاء غريباً، والرجلين كانا غريبين وأجنبيين بعضهما عن بعض، إلا أنهما كانا يشتركان في خاصية هامة، فكلاهما كان يعبد ويخدم الله الواحد الذي خلق السماء والأرض. ملكي صادق كان أول كاهن وملك في الكتاب المقدس، ويذكّرنا بيسوع. وقد يكون هو يسوع نفسه!!

سادساً: بعض ألوان أشكال العهود مع الله
في الإصحاح الخامس عشر لسفر التكوين يحدث مع إبراهيم رؤيا يعده الله فيها بوعد ليكون رأس ذرية كبيرة. تبعه نوم لإبراهيم عميق وشكَّل الله خلاله العهد حسب عادة ذلك الزمان وحضر مكملاً شروط العهد في صورة لهيب نار (تك17:15).
رهبة مقدسة نالها إبراهيم لدى اقترابه من الله، بسبب ذلك العهد الهام نجد أنه يتكرّر في ثنايا الكتاب وسنقدّم أمثلة هامة: الأول يعقوب في صراعه مع الله عند دخوله أرض الميعاد (تك24:32-32). بالرغم من كل أخطائه، لقد كان (الابن الضال) في العهد القديم، نجده يُصدِّق كلام الله ووعوده، وفي ساعات اليأس يتعلق بها ويرفض الإفلات منها، وبرهانها قوله في صلاته مخاطباً الله: "يا إله أبي إبراهيم، وإله أبي اسحق، أيها الرب الذي قال لي: ارجع إلى أرضك وإلى قومك فأحسِنْ إليك" (تك9:32-12) هذا هو سلاح الصلاة الذي لا يُغلب: "أنت قلت" (تك12:32) وأيضاً "لا أطلقك أو تباركني" (تك26:32). وبعد هذا الصراع اقتبل يعقوب اسم "إسرائيل" (تك28:32). ومعناه: الذي يتصارع مع الله "لأنك تصارعت مع الله ومع البشر وانتصرت" (تك28:32). ولا يوجد أقوى من هذا التصريح، أعلنه الله لإنسان، أو لشعب.
ويتابع القول جغرافياً، إن انتصار إبراهيم بمعنى إيمانه كان في (موريجا)، وإيمان يعقوب في (مخاضة يبوق)، والمثل الثالث إيمان يوسف في انتصاره عندما سجن في مصر، إنه يوسف الذي باعه أخوته، فانتقم منهم بإنقاذه إياهم. والمثل الأخير وهو بيت القصيد إنه انتصار يسوع في قرية الجسمانية التي قال فيها أثناء صلاته قبل الآلام: "يا أبتِ، إنْ أمكن الأمر، فلتُبعِد عني هذه الكأس، ولكن لا كما أنا أشاء، بل كما أنت تشاء" (متى39:26). هذا هو الالتحام الدامي الذي يحمل فيه صفيّ الله وزر خطيئة البشرية، ويرى ذاته مطروحاً خارجاً، فيجوز في موت لا نجاة منه إلا برحمه الله. وهنا يتكشّف الله عن ذاته: "هو الذي يميت وهو الذي يحيي" (1صم6:2؛ يو21:5). وفي هذه المعركة المغلوب من الله هو في الواقع الغالب الحقيقي.

سابعاً: بعض الإيضاحات لسفر التكوين حسب ما قدّمها الآباء القديسون إلينا
الخلق دعوة لنا لنمجّد الله الخالق، ومن خلالهما أيضاً تم تمجيد الله (بواسطة كلمته الذي هو ابنه الأزلي، وبالروح القدس الذي هو حكمة الآب الذي هو أب الجميع. هذان الأقنومان الإلهيان (الكلمة والحكمة = الروح القدس) لهما في خدمتهما طغمة من الأرواح الملائكية تدعى الشاروبيم والسيرافيم الذين يمجّدون الله بتسابيحهم التي لا تنقطع).
الابن والروح القدس هما يدي الله. (لقد خلق الله الإنسان بيديه نفسها، آخذاً جزءاً رقيقاً ونقياً من الأرض ثم وحّده بجزء من قوته. بعد ذلك طبع صورته على خليقته – الصورة تتضمن المواهب الطبيعية، وعلى الأخص العقل وحرية الإرادة، وهذه لا يمكن أن تُفقد. والشبه فائق الطبيعة وهو اقتناء الكلمة وشركة الروح، وهذا فقده آدم واسترجعه المسيح).
آمين.

 

الحياة الرهبانية

قديس اليوم

زيارة لدير القديس جاورجيوس

زيارة لدير الشيروبيم  ( رؤساء الملائكة )

البحث في الموقع

الوصول إلينا