حديث الأسبوع (25 كانون الأول)

أرشيف

وعظة الأحد

 تأملٌ ميلاديٌ لأسرة العاملين في مركز دمشق

        19-12-2011

  عطاءات سر التجسد

 

    حتمية الموت الذي اقتناه الإنسان بعصيانه "إن أكلت من هذه الشجرة موتاً تموت" (تك17:2) كان سبباً لتجسد الإله الكلمة كضرورةٍ ناتجةٍ عنه. ولم يكن من الممكن للخلاص أن يتم بأيّة وسيلة، حتى ولا التوبة؟!! نعم حتى ولا التوبة. لماذا؟ لأن الموت الذي دخل إلى الوجود مقتحماً حياة الإنسان، كان طاقة تغييرٍ لطبيعة الإنسان. وهو ما لا تقدر التوبة على تغييره. فللتوبة حدود، كما لكلِّ شيءٍ حدود. إلا أن التوبة قادرةٌ على أن تعيد الخاطئ إلى كمال السير مع الله، وهذا أمرٌ يختلف عن موضوع العصيان الأول الذي أنتج الموت، لأن ذلك العصيان، علاوةً على أنه عملٌ خاطئٌ، كان منبع كلِّ خطئ جزئي، يتبعه فساد، أعني به الموت. وهذا ما أدى إلى أن النعمة الإلهية قد نُزعت عن جدّينا الأولين، ولم يبق لديهم نعمة أي (مماثلة صورة الله).

التجسّد، هذا الميلاد الإلهي أتى ليُحقق تصحيحاً، ويُعيد النِّصاب الذي أراده الله جمالاً وبهاءً للإنسان. يمتلكه ولا يفقده إلى الأبد، وهو ما أنتج موضوع أبديته وخلوده. التجسّد أعاد النعمة التي يبقى الإنسان بواسطتها في شركة الحياة مع الله، متحرراً من الفساد الذي بطل مفعوله. وفي هذا يقول بطل مجمع نيقية القديس أثناسيوس: (إنه لم يكن ممكناً أن يُحوِّل الفاسد إلى عدم الفساد إلاّ المخلص نفسه، الذي خلقَ منذ البدء كلَّ شيء من العدم، ولم يكن ممكناً أن يعيد خلق البشر، ليكونوا على صورة الله إلا الذي هو على صورة الآب، ولم يكن ممكناً أن يجعل الإنسان المائت غير مائت إلا ربنا يسوع المسيح الذي هو الحياة ذاتها. ولم يكن ممكناً أن يعلّم البشر عن الآب، ويقضي على عبادة الأوثان إلا الكلمة الذي يضبط الأشياء، وهو وحده الابن الوحيد الحقيقي). ثم يضيف قائلاً: (وبعدما قدّم براهيناً كثيرةً عن ألوهيته بواسطة أعماله في الجسد، فإنه قدّم ذبيحته عن الجميع، فأسلم هيكله للموت عوضاً عن الجميع، أولاً لكي يبررهم ويحررهم من المعصية الأولى، ثانياً لكي يثبت أنه أقوى من الموت، مظهراً جسده الخاص أنه عديم الفساد، وأنه باكورةٌ لقيامة الجميع).

التدخل الإلهي لخلاص الإنسان ينبع من صلاح الله وحبه، وهذا بديهي. وكذلك كان أيضاً بسبب مسؤولية الله عن رعاية خليقته. فلو ترك الله مسؤولية الرعاية هذه، لكان قد قضي على البشر بالموت المحتم، وهذا أمرٌ يتعارض مع صلاح الله. فالتجسد هو البرهان على صدق الله، الذي هو وحده القادر أن يصون صدق الآب كأب للجميع.

وإذا ما عُدنا إلى بدء تكويننا، نرى بأن خَلْقَنا كبشرٍ على صورة الله ومثاله كان سيقودنا إلى معرفة الله، لكن السقوط جعلنا ننحرف عن معرفة الله، فكان هذا ما دعاه للعبادات الغريبة. وخلال مسيرة الإنسان بدأ التهيؤ من جديد لتحضير الإنسان لكشف سر التجسد الآتي، فكان دور الوحي الإلهي - بواسطة عمل الأنبياء لتربية الله للبشر عن طريق فتوحاتٍ جديدة في صميم كيان الإنسان - لمساعدته على معرفة الله، وتهيّئته ليتطلع إلى مغارة بيت لحم.

وهكذا دخل المسيح - بعد نيله الجسد من العذراء مريم - إلى العالم وحلَّ فيه، وكان ذلك من أجل البشر ومحبتهم. وهكذا تحققت رسالة المسيح بعد دخوله إلى الإنسان، ليستعلن بالتجسد الإلهي. وتحققت "المسرّة للناس" (لو14:2) وأيضاً (السلام) الذي اقترن مع الفرح، فكان هدية التجسد إلينا. وبقي كلٌّ من هاتين الهبتين الإلهيتين مرافقتين لإعلانات يسوع إلينا، كقوله مثلاً: "سلاماً أترك لكم، سلامي أعطيكم. ليس كما يعطي العالم أعطيكم أنا" (يو27:14) وفي ما يخص الفرح يقول: "كلّمتكم بهذا لكي يثبت فرحي فيكم ويُكمل فرحكم" (يو11:15) فالتجسد فرحٌ وسلام يطلاّن علينا من السماء، ليقدّما المسيح نفسه لنا، على أنه هو "مجد الله" (لو14:2) وهو الينبوع الإلهي الذي يفيض سلاماً ومسرة. وهكذا يكون - بالمسيح - تحقيق معطيات السلام الملائكي، الذي يُختصر بالكلمات الثلاث التي ذكرناها وهي (المجد والسلام والفرح).

بعد نيلنا تلك الهبات المقدسة، تفيض من المسيح القدوس القداسة في قلوبنا، وتنهال علينا بركات نعمة التجسد، لنغتني روحياً بتلك العطايا التي تدخل إلى قلوبنا بحلول المسيح فيها، كما هو البرِّ الإلهي المقرون بالقداسة (أي التزكية المطلقة) التي هي من الله، والتي فيها يقول المسيح: "ولأجلهم أقدّس أنا ذاتي، لكي يكونوا هم أيضاً مقدّسين بالحق" (يو19:17) ومع البر والقداسة تسكن محبة الله في قلوبنا. فالمحبة جوهرها الله لأن "الله محبة" (1يو8:4). ومع صلاة يسوع الكهنوتية يخاطب الله قائلاً: "عرَّفتهم اسمك وسأعرفهم، ليكون فيهم الحب الذي أحببتني به" (يو26:17). والحب هو الصليب الذي نبت غرساً من مغارة الميلاد.

هذه السُكنى لإله التجسد في قلوبنا، ولَّد فينا إيماناً به أتانا من ميلاد المسيح فينا، مما جعله ميلاداً لنا نحن البشر الضعفاء. الإيمان الذي أنبتته الفضائل السابقة الذكر صار شيئاً جديداً في حياتنا، وكان الميلاد حقاً هو مُعطي المستجدات فينا. لقد صار أحدنا قادراً أن يقول مع بولس الرسول: "فأحيا لا أنا، بل المسيح يحيا فيّ. فما أحياه الآن في الجسد، فإنما أحياه في الإيمان، إيمان ابن الله الذي أحبني وأسلم نفسه لأجلي" (غلا20:2) وهكذا لم يعد أحدٌ قادراً أن يفصلنا عن المسيح أو يفصل المسيح عنّا لا هيرودوس ولا بيلاطس، وصار بإمكاننا القول: "مَن سيفصلنا عن محبة المسيح؟ أشدةٌ أم ضيق أم اضطهاد أم جوع أم عريٌّ أم خطر أم سيف؟" (رو35:8).

عظيمٌ هو الإرث الذي أتى إلينا بفضل سر التجسد، وهو ما منحنا حلول المسيح فينا. وحصولنا على ميراثه بالكامل: "فإن كنا أولاداً فإننا ورثة أيضاً، ورثة الله ووارثون مع المسيح" (رو17:8). لا بل أكثر من هذا، فقد صار المسيح يسمح لنا أن نرث موته الفادي على الصليب، ونرث من قيامته قيامتنا الآتية، ودخولنا إلى ملكوته. وباختصار صار لنا أن نحيا بحياته، ونجلس في السماء معه، وعن يمينه. هذه كلها مُحصِّلات ميلاد المسيح في بيت لحم منتهى الغنى، حيث لا دفء ولا طعام ولا مكان إقامةٍ ليسوع هناك. وبالرغم من هذه المظاهر كلها، فقد احتزنا من هذا الفقير كلَّ هذا الغنى. إنه عمل الله الذي الكلمة فيه صار جسداً.

ألا يجعلنا الميلاد نتساءل: إذا كان حلول المسيح فينا يعطي كلّ هذا التعداد من البركات التي حصلنا عليها، أفلا يعني ذلك أنه هو أكثر من مغارة وشجرة؟ بكلِّ تأكيد هو أكثر من ذلك، لأنه هو حلولٌ له في القلب منا، مُشكلاً بوجوده في داخلنا حياتنا الصحيحة. التي تجعلنا نحصل، علاوةً على كل ما عددناه من مظاهر الغنى، على (حق البنوّة لله). إنه سر التجسد العظيم.

آن الأوان لكي نقدِّم للمسيح ما يليق به. عطاءات المسيح لنا تجعلنا في عيد ميلاده هذا ننهض متحركين نحوه، وحاملين إليه شيئاً يليق بجود كرمه، فماذا نقدِّم لمثل هذه المناسبة الأغلى؟ يصعب علينا أن نجد أفضل مما وجده بولس الرسول، الذي دلنا على أن التقدمة هي التوجه ليسوع بقلبٍ مصلٍّ، عاملين وقائلين: "أحني رُكبتي لدى أبي ربنا يسوع المسيح..." (أف14:3)

صلاتنا، والتي هي ولادتنا الجديدة بفضل ميلاد السيد المسيح، لا تأتي بسهولةٍ. فلكي يصل أحدنا إلى قدرة إحناء الرُكَبِ أمام هذا المولود يحتاج إلى جهادٍ ليس بالقليل، لا بل تستدعي ما هو أكثر من ذلك، إنها تستدعي صراعاً. ولكن مع مَن؟ هو صراعٌ مع الله. فإحناء الركب لا يتحقق بالنزول لوضع رؤوسنا على الأرض، ولو كان الأمر هكذا لبقينا ترابيين. إن الأمر ليس كذلك، فنحن نبتغي السماء، وننتظر يداً تنتشلنا مما نحن عليه، يداً تعطينا بركةً كمثل اليد التي أنهضت آدم الترابي، لتجعله إلهياً على صورة الله، والتي ستكون ذات يد الله التي صرعت يعقوب، المصارع طول الليل لينال البركة من الذي يتصارع معه، من الله. أما الآن ونحن (أبناء الله)، فمطالبتنا تتساوى مع (حقوق المسيح وميراثه)، ننالها بإيماننا أثناء حني رُكبنا، وهو ما يعني أننا نريد منه (أي من يسوع) عطيةً مجانيةً، وهو - كما أعلن لنا في الإنجيل - على استعدادٍ ليلبي لنا هذا المطلب، لأنه "يُعطي الروح القدس للذين يسألونه" (لو13:11). هدية طفل المذود إلينا هو الأقنوم الثالث من الثالوث الأقدس. يا لغنانا!!

فلنبتدئ عامنا الحالي مع ميلاد المسيح القادم علينا بإطلالته الفريدة، ليكون لنا سجودٌ فريدٌ أيضاً مع سهرانية الميلاد القادمة، عسى أن يتحقق فيها بعث قوانا الروحي مقرونة برجائنا، ممزوجاً بضعفنا البشري. لننال مقابل ذلك كله عزماً نقدر فيه أن نصرخ الصرخة الولادية، التي تُشكل إعلاناً عن صحّة ولادتنا الجديدة، لتكون عوناً يرافق عامنا بكامله. والأكيد أننا لن ننال كل هذا إلا ثمرةً للصراع الذي تحدثنا عنه، وهو ما يتشكل من سهرنا وصلاتنا وجهادنا ويقظتنا، متذكرين في هذا سهرةً مميزةً ليسوع المسيح، لتدل على أنه منذ يوم ولادته بقي متيقظاً وهو ينتظر سهرة جثسيماني، التي لا يدانيها سهرٌ آخر كخدمةٍ لخلاصنا. لأن يسوع تطلع فيها ليوم مولده مقروناً بالصليب المرافق لهذه السهرة، لتكتمل نظرته الصلاتية يومها. إنه أسس لنا حقاً بكلِّ هذا (المجد والسلام والفرح) حين نرتل مغنين بأفراحنا الممزوجة بآلامه "المجد لله في العلى وعلى الأرض السلام وفي الناس المسرّة" (لو14:2) وهو إن أُتيح لنا رؤياه بالإيمان الذي صرنا نحمله حقاً، فلن نرى إلا "العرق الذي يتصبب من جبينه كقطرات دم" (لو44:22) فلنا نحن من هذه المواريث السابق ذكرها هي هدية الميلاد لنا. ولا بد أن يكون كلّ أخٍ وأختٍ الآن ممن يسمع هذا التأمل، أن يتذكر معي للمسيح قولاً هو "اسهروا وصلّوا" (مت41:26) فهل دعانا لذلك يا ترى ليذكرنا بسهره وصلاته على جبل جتسماني، التي فيها يقول لنا بصمته: القيامة هي ثمرة لقاء الميلاد بالصليب هذا أولاً. وليضيف القول كأمرٍ ثانٍ: اهتموا دائماً بالسهر والصلاة.

والآن ماذا بعد؟ ماذا بعد؟ لقد حلّ المسيح في قلوبنا وهذا يكفي!! يكفي أن نقبله، ونقدم له أتعاب الجسد وتواضع القلب، لنتمكن من رفع أفكارنا إلى السماء في الليل والنهار، ونطلب باستقامة قلبٍ ألا يفارقنا هذا الروح الناري، الذي يفيض بألسنةٍ تحلُّ على البشرية لعطاءٍ لا ينضب. عطية الميلاد هذه تكمن في توحيد قلوبنا، في محبتنا بعضنا لبعض، في قبولنا ليدخل المذود وهو يقدم لنا مع هداياه، هدية الهدايا التي هي الروح القدس.

ومن الممكن أن نضيف لهذا القول، أنه جميلٌ بنا أن نتناول من المسيح بيدٍ هداياه المقدمة إلينا، وأن نقدم له باليد الأخرى هدايانا التي نحن نقدّمها له. فبالإضافة للصلاة والسجود المذكورين. بإمكاننا أن نزيد عليها قولنا: (نحبك يا يسوع، وبحبنا لك نعرف كيف نتعامل بعضنا مع بعض بذات الحب ونعلم أن هذا يرضيك وأنك لا تريد منا شيئاً آخر). ويبقى صوت يسوع عاملاً بداخلنا وقائلاً لنا: "إن أحبني أحدٌ يحفظ كلامي، ويحبه أبي، وإليه نأتي، وعنده نصنع منزلاً" (يو23:14).

ختاماً أقول إن منزلنا اليوم هو مغارة المسيح المقامة في قلوبنا، والتي بداخلها يصنع المسيح منزلاً له فيها. آمين.