رهبانية الديرين

الحياة الرهبانية

قديس اليوم

زيارة لديـر القديس جاورجيوس

زيارة لديـر الشيروبيم  ( رؤساء الملائكة )

البحث في الموقع

الوصول إلينا

............... ديرا القديس جاورجيوس والشيروبيم في صيدنايا...............

صوت الراعي

صوت الديرين

حياة روحية

صنارة روحية

شهادات حية

أيقونة تتحدث

ملتيميديا

سؤال وجواب

إصدارات الدير

نشاطات

المكتبة

أخبار

مساهمات القراء

ارتباطات

حديث الأسبوع (23 كانون الأول)

أرشيف

وعظة الأحد

موضوع للأرشمندريت يوحنا التلي

لطلاب معهد اللاهوت       

البلمند 20 شباط 2018

تقبّل الآخر بحسب الوصية العظمى ليسوع

أولاً: مقدمة
فيما أنا جالسٌ لأخطَّ موضوعي هذا، كان هناك على طاولتي كتابٌ روحيٌّ يُجمِّلُ غلافُه أيقونة قديسٍ يحملُ لافتةً بمثابة رسالةٍ بشارية مكتوبٌ عليها: (يا ربُّ أعطني دموعاً لتبكي روحي، لمحبة أخي نهاراً وليلاً).
ففكّرتُ، إذا كان هاجسُ كلِّ واحدٍ منا مستعداً لتكريس نفسه بدموعٍ من أجل أخيه، فهذا يعني أنَّ هذا الحبَّ تجاه الآخر يعني قبولَه. وبعد ذلك نتركُ للحبِّ أن ينطقَ، وأن يقودَنا في الطريق، فنجدُ أنفسَنا أننا وصلْنا لعند أخينا ليبدأ فيضٌ من العطاء والاهتمامات والمواساة نحوه يغدق بلا حدودٍ وبلا توقفٍ. فنكونُ قد أوصلْنا أخينا لسعادةٍ هو بحاجةٍ إليها. ولكن بذات الوقت فإننا نجد أن باباً آخر قد انفتح لنا نحن الاثنين، أي: أنا والآخر، وما علينا إلا أن نَدخلَه معاً كمصيرٍ حقيقي، لنجدَ أننا حقاً قد دخلْنا إلى بيت الملكوت المليء بأمثالنا، وأن يسوعَ بداخله يستقبلُنا بفرحٍ.
مع وجود كتبٍ أخرى على طاولتي أيضاً، سأكتفي في مقدمتي هذه بكتابٍ يتضمّنُ فكر وحياة وتطبيق لقديسةٍ روسيةٍ معاصرة، أرادت أن تخرجَ في مسيرة حياتها لتُنجحَ برنامجَها الذي هو رسالتُها من خلال إيمانها بالسعي لتقديم كلِّ متطلبات العوز للآخرين. فاتّصفَت هذه الراهبةُ الأم بالتزامٍ كليٍّ. كانت قويةً وصبورةً، لا تعرفُ التعبَ والبرد، وتمرُ عليها أيامٌ بدون طعامٍ أو نومٍ. همُّها أن تكسرَ ليس فقط روتين الحياة غير الديناميكي، كما وأيضاً تريد من كلِّ محبٍّ للآخرين أن يكسر ذاته حتى إلغائها لكي ينجح الإنسانُ في جعل طمأنينة الآخرين تشّعُ.
فسعَت ونجحت في مسعاها بأن تقدِّمَ طعاماً وسقفاً، وتوزّع ثياباً للعراة. وبمحبةٍ ورحمةٍ غير متناهيتين تعلّمت هذه الراهبةُ أن تتقبّلَ كلَّ أنواعِ المشقات.
نعم لقد اعتبرَت الأم ماري أن الحياة الرهبانية شكلاً من أشكال العطاء الكلي. فالآخرُ هو الوجه الآخر لهذه الراهبةِ والأم القديسة.
ولن أنس أن أذكر الكتاب الثالث الذي هو شذرات لمعلم الحياة القديس اسحق السرياني الذي تعلَّمَ من الله ما صارَ هو يعلّمه بأن (المحبةَ والرحمةَ) قاعدةُ علاقتِنا مع الآخر، ولبس (العدل). وفي آخر المطاف كتاب لشفيع روسيا القديس يوحنا كرونستادت الذي ببعده الرعائي شكّل لنا قاعدة ختامية لحديثنا.
علاوة على تلك الكتب الأربعة، هنالك اقتباسات أفكار أو جُمل مأخوذة من عدة كتب أخرى، وعلى رأس جميع تلك الكتب كان هنالك: الكتاب المقدس.

ثانياً: أسس تقبّلنا للآخر
لنعُدْ إلى المسيح الذي منه ننهل كلَّ تعاليمِنا الحياتية خاصةً. لقد أكّدَ يسوعُ أنه بدون محبةٍ لا نقدر أن نصلَ إلى عيشِ هذه الإمكانية وتحقيقِها. لكنه ربطَ تلكَ المحبةَ بالله، فالعهدُ الجديدُ يعلنُ لنا أن "اللهَ محبةٌ" (1يو8:4). ونحن علينا أن نحملَ اللهَ بإيمانِنا في حُبِّه، لنحبَّ بهذا الحبِّ. وهذا ما دعا يسوع أن يعلّمَنا بأن الحبَّ الواحد يكتمل علينا عيشُه بوجهيه: اللهُ والإنسانُ وذلك حسب قوله: "أحببِ الربَّ إلهَك بكلِّ قلبِك وكلِّ ذهنِكَ وكلِّ نفسِك. هذه هي الوصيةُ الأولى والعظمى. والثانية تشبهها: أحببْ قريبَك حبَّك لنفسِك" (متى 37:22-39).
يسوع المسيح جعل من هاتين الوصيتين كاملَ العلاقة بالله. لأننا إذا كنا نحبُّ الله وقريبنا، فإننا بذلك نحفظ الوصايا. خاصةً وأنه أنهى المقطع المذكور بقوله: "بهاتين الوصيتين تتعلّقُ كتبُ الشريعة والأنبياء" (متى40:22). لذا فإن هذه المحبةِ تحملُ نظرةً إيجابيةً إلى ناموس الله، فبدلاً من القلق عما لا يجب أن نفعله، يجب أن نركّز على ما نستطيع أن نفعلَه لإظهارِ محبتِنا لله وللآخرين.
ولأهميةِ دور المحبة وعلاقتها بالله دعونا نوسعُ معنى هذه المحبة لنفهم دورَنا من خلال هذا التبيان. كلُّنا يعي أن العهد الجديد بذاته هو رسالةُ محبةٍ. نقرأ منه: "اللهُ محبةٌ" (1يو16:4) أي (الله هو المحبة). والله هو الثالوث: الآب والابن والروح القدس، ومتحدين في محبتهم التامة. هذه هي الحقيقةُ الأساسية لسرِّ الثالوث القدوس: الله هو اتحاد أقانيمٍ (أشخاصٌ) يعيشون في محبةٍ تامةٍ. اللهُ هو المحبة، والمحبة تستلزم أقنوماً (شخصاً) آخرَ. وفي كتابِ (معاينةِ الله كما هو)، نقرأ: (المحبةُ الكاملةُ لا تعيش منغلقةً في ذاتِها بل في الأقنوم الآخر، والمحبة تستلزم أقنوماً آخر).
ولمزيد فهمنا للثالوث نعودُ لقصة الخلق التي بها يُنهي الله خلقَه بالإنسان فيقول بلغة الجمع: "لنصنعَ الإنسانَ على صورتِنا كمثالنا" (تك26:1). إذن خُلِقَ الإنسانُ من الله الثالوث ليشاركَ ويعيش في المحبة، لأن اللهَ الذي هو محبةٌ متأصلٌ وجودُه في البشر. فإذن محبةُ الله ومحبةُ القريب اللذين هما موضوع هذه الفقرة وتهيمنان على الموضوع بكامله، يشكّلان معاً حياةً واحدةً، بمعنى أنه دون محبة الله تستحيل محبة القريب. ودون محبة القريب تستحيلُ محبة الله. فمحبة القريب هي معيارٌ من محبة المرء الحقيقية لله. "فإن قال أحدٌ أنا أحبُّ الله، ولكنه يبغض أخاه فهو كاذبٌ.." (1يو20:4).

ثالثاً: دورُ الرحمةِ في التوجّهِ نحو الآخرِ
لنتابعْ من الكتاب المقدس فنقرأ في التطويبات ما فاه به يسوع على الجبل قائلاً: "طوبى للرحماء، فإنهم سيُرحمون" (متى7:5) وسنكتفي بالحديث من بين هذه التطويبات عن الرحمة فقط لأنه هو الجانب الذي يخدمُ موضوعَنا، ونشدِّدُ هنا على العمل الواحد الذي يربط الرحمة بالمحبة، وننطلق من مقولةٍ رهبانيةٍ تقول: (ناسكٌ عديمُ الرحمة كشجرةٍ عديمة الثمر). فلو جاهد هذا الإنسانُ في صلاةٍ وسهرٍ وصومٍ، وكان قلبُه عديمَ الرحمة ولم ينصرف بمحبةٍ تجاه أخيه الإنسان أو يتعاطفُ معه كما تعاطفَ اللهُ مع الجميع عندئذٍ فلا جدوى منه. وبحسب قول الآباء: (الرحمةُ وحدَها تُخلِّصُّ). فالإنسان الرحيم يشبه الله.
من هنا نجدُ أن طريقَ الرحمة الذي نتوجّهُ فيه نحو أخينا الآخرِ تعبرُ من خلال رحمةٍ ملآنةٍ بالحبِّ، فيصبحُ هذا الإنسانُ الذي يمتلك الرحمة واقفاً بدالةٍ أمام الله مدافعاً عن المظلوم ومقدّماً كلَّ ما عنده لمساعدة الضعيف والمحتاج والمريض والجائع. بمعنى أنه يصبحُ مشابهاً لله. فصومُنا وتُقانا وجهادُنا الروحيِّ كلُّ هذا وغيرُه يتجلّى فينا عندما تتفاعل الرحمة في قلوبنا: "فنُطعم، ونسقي، ونآوي الغرباءَ، ونكسي العراةَ، ونزور المرضى والمساجين" (راجع متى35:25-36).
القلبُ المتحجرُ لا تُليّنه القراءات ولا السهر في الصلوات، بل الرحمةُ التي تتفاعل مع كلمات القراءة، والقلب الروحيُّ الذي يلهج مع الصلاة بفعلٍ، يكمِّلُ صلواتِنا بخدمة أخينا بحبٍّ ورحمةٍ وخدمةٍ مجانيةٍ. ولا شيءَ أكثرُ من الرحمة التي هي قادرةٌ على تفتيت القلب البارد أو القاسي الذي هو بالنتيجة غيرُ رحومٍ فتحوّلُه إلى قلبٍ يقتني برحمته سعةً يساعد فيها الآخرين بديمومةٍ.
دعوةُ يسوعَ واضحةٌ إلينا كما أتت عليها التطويبةُ والمكمّلة بمقولة يسوع: "كونوا رحماءَ كما أنَّ أباكم أيضاً رحومٌ" (لو36:6). ولكي يصبحَ اقتناءُ الرحمة أمراً سهلاً، علينا أن نسعى جاهدين بالفكر والروح أي بالعقل والقلب أن نحوز على كافة الفضائل لتكون مع الرحمة داعمةً لأفعالِنا بحبٍّ وحريةٍ لنعطي الإنسان الآخر، والمحتاج والذي بعوزٍ متبنين فعل العطاء الذي يقول عنه الرب: "العطاءُ أفضلُ من الأخذ" (أع35:20).
ولنراجع ما يقول لنا الكتاب المقدس بلسان يعقوب أخي الرب: "يا اخوتي، هل ينفعُ أحداً أن يدّعي أنه مؤمنٌ، وليس له أعمالٌ تُثبتُ ذلك، هل يقدر إيمانٌ مثل هذا أن يخلِّصه؟ لنفرضْ أن أخاً أو أختاً كانا بحاجةٍ شديدةٍ إلى الثياب والطعام اليوميِّ، وقال لهما أحدُكم: أتمنى لكما كلَّ خيرٍ، البسا ثياباً دافئاً وكُلا طعاماً جيداً!! دون أن يقدَم لهما ما يحتاجان إليه من ثيابٍ وطعامٍ، فأي نفعٍ من ذلك؟ وهكذا نرى أن الإيمانَ وحدَه ميتٌ ما لم ينتجْ عنه أعمالٌ" (يع14:1-18).
تعتمد البشارة على ترجمة العطاء بالرحمة التي فيها تلمُّ شملَ المحتاجين فإنْ استطعنا ذلك عندئذ بإمكاننا أن نحدِّثَهم عن الملكوت ورسالة الإنجيل. نحن بحاجةٍ لنشتغلَ على أنفسنا لنصلَ إلى هذا المستوى وكلٌّ حسبَ استطاعته. وأهمُ ما علينا أن نعمله كخدمةِ كلٍّ لنفسه هو "نكرانُ الذات" (مر34:8).
كثيرون من القديسين تحدّثوا عن العطاء وفعل الرحمة، وهو يساعد الإنسان لكي يخلص. لذلك سأفردُ أربعة عناوينَ لاحقةً لأربعة قديسين من بين باقي الآباء والقديسين الذين تميزوا بربط المحبة الفاعلة في الاهتمام بالآخر ليكونَ فكرهُم أساساً حياً يترجمُه كلٌّ منا إلى حياةٍ وفعلٍ وعطاءٍ حسبَ قدرته. وهم:
1- القديس اسحق السرياني.
2- القديس سلوان الآثوسي.
3- القديسة الأم ماري سكوبتسوف.
4- القديس يوحنا كرونستادت.

رابعاً: الآخرُ بحسبِ تعليمِ القديس اسحق السرياني (النصف الثاني من القرن السابع)
ينطلق القديس اسحق السرياني من ضرورة الوصول لمعرفة الإنسان لنفسه من الله بواسطة المسيحِ. فهو يقولُ: (الإنسانُ الذي لا يعرفُ نفسَه هو إنسانٌ تائهٌ، أما الذي يعرفُ نفسَه فبإمكانه أن ينهض). هذه المعرفة تقوده إلى معرفة دوره في الوجود البشري فالإنسان الداخلي فينا أو كما يسميه هو (غرفةُ الكنز الداخلية) تدفعنا لنستعين بحواسنا الداخلية لنكتشفَ الطريق المدعوين للسير فيه والعمل بموجبه. حينها يتحرك الإنسان الخارجيُّ عندنا، فنشعرُ بحاجتِنا للآخر، والآخرُ هو الله. وكذلك الإنسانُ (الآخرَ) الذي يتواجدُ بالقربِ منا لإقامةِ حياةِ شركةٍ معه. فيتشبّه هذا الإنسان باللهِ ليكون رحيماً وليس عادلاً لأن الرحمة بتعليمه هي فوق العدالة فهو يقول: (إنَّ الذي لا يقدرُ أن يذهب بعلاقته مع الآخر خارج العدالة يكونُ غير عادلٍ كذلك).
غالباً ما يربطُ القديس اسحق ممارسة المحبة بتطهير القلب الذي يؤدي بنا إلى رؤية (الجمال في كلِّ الناسِ) مما دعا أن يأتي الملهم الكبير (دستويفسكي) ويقول: (الجمال يخلّص العالم). نعود لقديسنا اسحق فهو يقول: (لا تفرّقْ بين غنيٍّ وفقيرٍ ولا تحاول أن تعرف مَن هو مستحقٌ ومَن هو غيرُ مستحقٍ. فيما يختصُّ بكَ اعتبر أن الناسَ كلّهم أهلٌ للخير، فبهذا تحثُّهم إلى الحقيقةِ). في تعليمِه نجد أن الناس كلَّهم يستحقون الخير والإكرام. هذا الكلامُ أيضاً يؤهّلُنا للتحلّي بقلبٍ رحيمٍ. فهو يقول – ولكلامه هذا أهميةٌ بالغةٌ –: (ما هو القلبُ الرحيم؟ إنه نارٌ في القلب تجاه الخليقة كلِّها: البشرُ والطيور والحيوانات والشياطين وكلُّ ما هو موجود. عندما يفكِّرُ فيهم ويراهم، تنهمر الدموعُ من عينيه نظراً لقوة الرحمة التي تغمرُ قلبَه وبسبب محبته الكبيرة، يصبحُ القلبُ صغيراً ولا يعودُ يحتملُ أن يرى الأذى ويسمعَ صرخةَ آلام أي مخلوقٍ حتى ولو كان بسيطاً. لذلك يقدّم دائماً الصلواتِ بدموعٍ من أجل الخليقة كلِّها حتى من أجل الكائنات غير العاقلة ومن أجل أعداء الحقيقة ومن أجل الذين يكرهونَها؛ كلَّهم حتى يحميهم الله ويقوّيهم. وحتى الزواحف بسبب رحمته العظيمة التي تنبعُ من قلبه بغيرِ حدودٍ على صورة الله).
بالنسبةِ للقديس اسحق (لا شيءَ ولا حتى أسوأَ الخطايا باستطاعته أن يبرّرَ شعورَ الكراهية والرفض تجاهَ أيٍّ كان)، لأن الهدفَ الأساس هو المحبةُ الصادقة والحقيقية تجاه الكلِّ دون تمييزٍ وبوضوحٍ. وهذه الآن بعض النصوص التي تحملُ استشهاداتٍ لفكر القديس اسحق السرياني:
+ (هذه علامةُ الكمال كما أثبتَها موسى وبولسُ المضطرمُ غيرةً وسائرُ الرسل: إذا قُدِّمتَ إلى النار عشر مراتٍ في اليوم لأجل محبة القريب فلن تكون راضياً. لقد أسلم اللهُ ابنه إلى الموت على الصليب من أجل محبة الخليقة. ولو كان في حوزته ما هو أكثرُ قيمةً، لأعطانا إيّاه ليخلِّصَ الجنسَ البشريَّ. جميعُ القديسين يقتدون بذلك لبلوغ الكمال، يحاولون أن يجعلوا أنفسَهم مشابهين للهِ عبرَ محبة القريب الكاملة ولا يحقُ لأيٍّ كان القولُ أنه يتقدّمَ روحياً في محبة القريب إذا كان يهملُ بُعد هذه المحبة التي عليه أن يتمّمَها وفقَ قواه وبحسب متطلبات الزمان والمكان. فهذا الجهدُ وحدَه كفيلٌ بتأكيد وجود الحبِّ الكامل في الإنسان).
+ إن الإنسانَ الرؤوفَ حقاً لا يتصرّفُ فقط على مَن ينتمي إليه، بل هو ذلك الذي يتصرّفُ محسناً أيضاً إلى أخيه).
+ (دعْ نفسَك عرضةً للاضطهاد ولا تضطهدْ أنت. دعْ نفسَك تُصلَب ولا تَصلِب أنت. دعْ نفسَك تُهانُ ولا تُهن أنتَ. دعْ نفسك للافتراء ولا تفترِ أنت.. افرحْ مع الفرحين وابكِ مع الباكين: هذه هي علامةُ النقاوةِ. تألّمْ مع الذين يتألّمون. اذرفْ دموعاً مع الخطأة. افرحْ مع التائبين. كن صديقاً للجميع).

خامساً: الآخرُ بحسب تعليم القديس سلوان الآثوسي (القرن التاسع عشر)
هو قديسُ التواضع والمحبة والصلاة بشكلٍ مميز. وُلد في روسيا عام 1866 ومع نضوج شبابه التحق في جبل آثوسَ بدير القديس بندلايمون الروسي.
ما يهمُّ موضوعُنا نجد عنده تأكيدٌ خاص على المحبة التي تطولُ كلَّ البشر بما فيها الأعداء. يؤكِّد بأن المحبة للأعداء هي المعيارُ الأصليُّ الوحيدُ لمحبة الله الحقيقية. وتمتد محبتُه كليةُ الرحمة لتشملَ الملائكةَ الساقطين، أي الشياطين. وقبلَه لا نجدَها عند أحدٍ سوى القديس اسحق السرياني.
اهتمامُ القديس سلوانَ بالمحبة يرتبط بشخص المسيح الذي أحبَّنا وعلَّمنا أن نحبَّ كمثل قوله: "وصيةٌ جديدةٌ أنا أُعطيكم، أن تحبوا بعضكم بعضاً، كما أحببتكم أنا، تحبون أنتم أيضاً بعضكم بعضاً. بهذا يعرفُ الجميعُ أنكم تلاميذي إنْ كان لكم حبٌ بعضاً لبعض" (يو34:13-35).
يرى القديس سلوان أن محبةَ القريب تؤدي إلى التشابه مع المسيح. ومن ناحيةٍ أخرى يعلِّم القديس سلوان: (إنْ كان المرءُ يكره قريبَه، فهذا يبيّن بأنه جعل من قلبه مكانَ سُكنى لروحٍ شريرةٍ. ودون محبة المرء لأخيه تفقد الحياة توجُّهَها الملائمَ وتصبحُ مستبدةً وصعبٌ تحمُّلِها). بنظره لا يستطيع الإنسان العيشَ بلا محبةٍ أخويةٍ حتى ولو ليومٍ واحدٍ. وهذا ما دعاه لقول جملته الشهيرة: (أخونا هو حياتُنا). فكلُّ البشر هم في الحقيقة قريبُنا وأخونا وحياتُنا.
بحسب القديس سلوان يجب أن تشملَ المحبةُ التي أمر بها المسيح (كلَّ إنسانٍ). كل شخصٍ سبق وكان، وكلَّ واحدٍ هو الآن يكون، وحتى كلَّ مَن سيولدُ، فالقصدُ هو أن الكلَّ يجبُ غمرَهم بهذه المحبة كمحبة المسيح الكلية والأبدية.
وبخصوص "محبة الأعداء" (متى44:5) يكتبُ تلميذُ الأب سلوان، الشيخ صفروني: (محبةُ الأعداءِ هي كحجر الزاوية لتعليمنا الكامل والتركيبة المطلقة لكامل لاهوتنا)، لأن الربَّ بذاتِه يُصرِّح الكلامَ المذهل التالي: "سمعتم أنه قيلَ: عينٌ بعينٍ وسنٌ بسنٍ. وأما أنا فأقول لكم لا تقاوموا الشر، بل مَن لطمَك على خدِّك الأيمن فحوِّل له الآخرَ أيضاً... سمعتم بأنه قيلَ تحبُّ قريبَك وتبغضُ عدوَّك. أما أنا فأقول لكم: أحبوا أعداءكم، باركوا لاعينكم، أحسنوا إلى مُبغضيكم، وصلّوا لأجلِ الذين يسيئون إليكم ويطردونكم" (متى38:5-39 و43-44).
يا ترى مَن هو هذا العدو الذي يعنيه يسوع؟ الذي يلطمُ أم الذي يخاصم أو يبغض أم الذي يجرح بالكلمات؟ يشيرُ القديس سلوان إلى هذا التعريفِ الواسعِ للعدو، فيشملُ حسب تعليمه أيَّ إنسانٍ يُذنبُ بحقِكَ، إضافةً إلى أي شخصٍ لم يتصالحْ معه المرءُ، أو ينظرْ بعين قاسيةٍ. إذاً الشخصُ الذي يسببُ معاناةً للآخر مع شعورٍ بالاحتقار والكره والإذلال والحزن والأسى، هو بالضبط العدوُّ الذي يجبُ محبتَه والصلاة لأجله.
ولنا هذه الشهادةُ من الأب صفرونيوس كشهادة حياةٍ لقديسنا: (جرت محادثةٌ بين القديس سلوان وأحد النسّاك. عندما أظهر الناسك عدمَ رحمته، لا بل رضاه عن منظر الكفرة يحترقون في الجحيم، انزعجَ القديس سلوان وحزنَ وقال بادياً عليه الانزعاجُ: قل لي، لنفرضْ أنك صعدتَ إلى الجنة وهناك نظرت إلى الأسفل ورأيت شخصاً ما يحترق في نار جهنمَ، هل ستشعرُ بسعادةٍ؟ قال الناسك: لا يمكن عملَ شيءٍ. فذلك هو خطؤه. فأجابه الستارتس بوجهٍ حزينٍ: لا تستطيعُ المحبةُ تحمّلَ ذلك. يجبُ أن نصلّيَ للجميع).
لم تكن المسألةُ، مسألةً إنْ كان أو لم يكنْ أحدُهم – حتى العدوُّ – يستوجب العقاب. المسألة هي أن إنساناً يعاني، والمحبة تشعر بالشفقة والرحمة لأولئك الذين يعانون. علاوةً على ذلك: إنْ لم يُشفقْ أحدهُم على أولئك الذين نصيبُهُم العذابُ الأبدي، فإنه يبدو بأنَّ نعمةَ الروح القدس لا تسكنُ فيه.
أمرٌ آخرٌ نكتشفُه عند القديس سلوان يكمن ضمن الثمار الروحية المقتطفة من خلال محبة الأعداء يشملُ (نعمةَ السلام الداخلي الحقيقي) لأنه يقول: (إذا أحببنا أعداءَنا، سيسكنُ السلام فينا نهاراً وليلاً). ونحن اليومَ نعلمُ بأنه من الممكن للمرء أن يصلّيَ ويصومَ ومع ذلك يخفقُ في محبة أعدائه، فلن يجدَ السلامَ قطُ في داخل روحه. أما الذي يحملُ "سلامَ الروح القدس" (غلا22:5) بداخِله فهو سوفَ ينشرُ السلامَ تلقائياً للذين حوله.
وأختمُ للقديس سلوان حول ارتباطِ صلاتِه بالآخرِ حسب قوله في موضوع الصلاة التي تطولُ كلَّ البشر: (عندما تمتلئُ الروحُ بمحبة الله، فهي من خلال فرحٍ لا محدودٍ تحزنُ وتصلي باكيةً لكلِّ العالم، ليعرفَ كلُّ البشر ربَّهم وأبيهم السماوي. لا راحةَ لها، أو لا سبيلَ لراحتِها، إلى أن يفرحَ كلُّ البشرِ بنعمة محبته). والأهمُ الجملةُ التالية: (أريدُ شيئاً واحداً فقط: الصلاةُ لكلِّ البشر كما لنفسي). وفي مكانٍ آخر يقول: (كلُّ رغبتي هي أن أتعلّمَ تواضعَ ومحبة المسيح، وألا أُغضبَ أحداً بل أُصلّي للجميع كما أُصلي لذاتي).

سادساً: القديسة الأم ماري سكوبتسوف: القرن العشرون
تحتلُ الأمُ ماري مكانتَها في التقليد الأرثوذكسي، تقليد محبة القريب المعاشة والمتألّمة، حتى الجنون، الجنونُ بالمسيح، حسب ما كتبه أوليفييه كليمان عنها. ويضيفُ ناشرُ كتابها في تعاونية النور: (عرفتُ كيفَ تعيشُ ملءَ المحبة، وأن تضحّي بنفسها في سبيل الآخر، وخصوصاً الآخر المتألّم والجائع والمعذّب، حتى استحقَتِ القداسةَ التي أعلنتها كنيسةُ روسيا خلال العام 2004).
كان هاجسُها الفقيرُ والمحتاجُ، وهي مقيمةٌ في فرنسا بعد نفيها من موطِنها الذي تحبه وهو روسيا، ولكن كان اسمه الاتحاد السوفييتي آنذاك. ولبست ثوبَ الرهبنة لتكونَ راهبةً في العالم وبدأت بتكريس حياتها (للآخر) الذي تحدّث عنه يسوعُ وأنشأَتْ مسكناً للَّواتي لا أُسرَ لهن وبدأَ عملُها بمنزلٍ حقير اسمه (فيلاساكس) جهّزته بالعطايا المتدفقة عليها، ولكن رضاها كان مؤقتاً. وبعد عامين وجدت بيتاً مهجوراً عبَّرت عنه بقولها: (كنت في فيلاساكس أُطعمُ خمسةَ وعشرين جائعاً، وهنا أستطيعُ أن أُطعمَ مئة. أشعرُ أحياناً بأن الربَ يُمسكني من عنقي ليحملني على فعلٍ ما، يرغب فيه. والأمرُ كذلك بالنسبة إلى هذا المنزل). واسمُ مقرِّها الجديد (لورميل) فيه توزِّع الأم ماري ثياباً للعُراةِ، وتقدِّمُ طعاماً وسقفاً. وبمحبةٍ ورحمةٍ غير متناهيتين تعلّمتَ الراهبةُ أن تتقبّلَ كلَّ أنواع المشقات، وأن تُغلقَ عينيها عن جميع نواقص الآخرين، لم تكن تتفوّهُ بكلمةِ نقدٍ لأحدِهم، فإيمانُها كان بسيطاً ومؤثّراً. وكتبت معبّرةً عن ذاتها في حبِّها للآخر وتقبُّلها له: (أريدُ أن أعطي روحي لكل شخصٍ، ليأكلَ الجائعون، ويستتر العراة، ويرتوي العطاش، ويسمع الطرشان البشرى من السماء الراعدة إلى همسات النسمة، كلُّ شيءٍ يأمرني: قدّمي حتى الفلس الأخير. من امتلاء خبرةٍ مقدسةٍ، روحي ممتلئةٌ كي تُفيضَ. وقد نسيت، إذا كان بين الجمع شيءٌ يسميه الجميع «أنا»، فما عادَ هناك سوى رفرفةٌ من الحبِّ والفقر، ونبضٌ للكل).
وامتدَ اهتمامُها بالآخر ليكون مستسعِفاً ليس فقط بالأمور المادية، بل أيضاً بعالم الروح والعقل، فالفكرُ انتقلَ إلى (لورميل) لتقديم أحاديثَ في كلِّ يومِ أحدْ يقدّمُها عشراتُ المحاضرين اللامعين أمثال الأب (سيرج بولفاكوف) والفيلسوف الكبير (نيقولا برديايف) وغيرهما كثير. فالعطاء عندها كان يشمل أيضاً غذاء الروح والعقل. لأنه بالحقيقة أيضاً كما قال السيد المسيح: "ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان" (متى4:4).
وكذلك أنشأت الأمُّ ماري العام 1935 حركةً جديدةً باسم (العملِ الأرثوذكسي) وشاركَها في التأسيسِ مفكرون كبار، وأصدروا مجلةً جديدةً هي (المدينةُ الجديدةُ)، وقد باركَ هذه الحركة المطران أولوج قائلاً: (كرّسوا أنفسَكم للوضيعين)، أي للإنسان الآخر المحتاج.
في عام 1945 عندما كانت معتقلةً لدى النازيين، وتقرّر نقلها إلى معسكر النفي، وهناك تقرر نقل مئتين وستين سجينةً إلى معسكر (بوجنيد لعز) الذي هو مكان العذاب والموت أكثر شبهاً بمواصفات الجحيم، استطاعتْ أن تنضم إليهم بهدف تشديد عزيمتهن - من ناحية اهتمامها بالآخر- فانتزعت المخابرات الألمانية سجّلها وأنزلتها مع الأخريات. وبحسب شهادة جاكلين بيّرى: (إن الأم ماري بحسب الروح المتفانية، هي التي انضمَت طوعاً إلى اللواتي تم فرزهنّ، إذ كانت تساعد كلَّ واحدةٍ منا على تقبّل صليبها). وفي الحادي والثلاثين من آذار 1945 تمَّ إعدامها مع كثيراتٍ بالغاز السام لتدخل الأم ماري عشية عيد الفصح بسلامٍ مع الرب.
المهم في حياة القديسة الأم ماري أنها اهتمت بخلاصة الإنجيل في وصيته "محبة الله ومحبة القريب" (متى37:22-39). فحنت رأسها، ووضعت نفسها، وكرّست ذاتها لله بحسب الوصية الأولى واستلهَمت منه رسالتَها في دنياها لخدمة القريب الذي هو الآخرُ ولتموت في عطائها له. كل ذلك وجدته مطلوباً منها بحسب الوصية الثانية.
بدايةً برهنت على هذا الالتزام من تلاوة الصلاة الفردية التي على المؤمن تلاوتها بحسب ترتيب ووضع الكنيسة التي تحثنا الأم القديسة على تبنيه حسب التالي: (نكتشف في هذه الصلوات هيمنة واضحةً لضمير (نحن) الذي يستعمله الفرد بدلاً من صيغة (أنا). تبدأ الصلوات بعبارة: (المجد لك يا إلهنا المجد لك) يتبعها استدعاء الروح القدس: (أيها الملك السماوي هلمَّ واسكن فينا وطهِّرنا وخلص أيها الصالح نفوسنا، ويتابع بالأفشين الذي يليه: ارحمنا واغفر لنا خطايانا. يا سيد تجاوز عن سيئاتِنا. يا قدوس اطلع واشفِ أمراضنا. وبعدها تأتي الصلاة الربانية التي تبدأ بكلمة (أبانا) يليها الطلب: خبزنا الجوهري أعطنا اليوم، واترك لنا ما علينا كما نترك نحن لمن لنا عليه، ولا تدخلنا في تجربة لكن نجّنا من الشرير).
وهكذا أيضاً باقي صلواتنا الفردية الصباحية والمسائية كلِّها وأيضاً الصلوات الجماعية لا نتضرعُ فيها لأجل أنفسنا فقط بل لأجل الآخرين. كلُّ ما هو شخصيُّ نجده متغلغلاً داخل الشعور بالشركة مع الجميع. هناك إذاً شيءٌ معبّرٌ للغاية يستحق التفكير!! الإنسانُ في الكنيسة ليس وحيداً، فهو عضوٌ في جسد المخلِّص ويشاطرُ أخوته في المسيح مصيرَهم، ويحصلُ على البر بواسطة الأبرار، وله مسؤولية حيال الخطأة. ليست الكنيسة مقراً لحضور الله الفرد بل هي مكانُ شراكةٍ يربط كلَّ المؤمنين بواسطة محبة المسيح ومحبة القريب، بالطبع هذا وكثير غيره نستمدّه من وصية الإنجيل.

سابعاً: الخاتمة
أختم حديثي بهذين القولين للقديس يوحنا كرونشتادت:
+ إنَّ المصروفَ غير الضروري واقتناء الكماليات يشكّلان سرقةً للفقراء، لأن الفائض عن حاجاتنا هو ملكُهم ويعود إليهم. علينا ألا نتوقف عن المساعدة فلنتذكّر دوماً أنه ليس بمقدورنا أن نكون أكثر كرماً من الله، طالما أن كلَّ ما نقدّمُه هو عطيةٌ منه.
+ كن على قدر المستطاع وديعاً ومتواضعاً وبسيطاً في علاقتك بالآخرين. تصوّر الجميعَ أفضل منك دون أدنى رياء. فمن الأنانية يأتي التكبّر والادّعاء والتصنّعُ في العلاقات مع الآخرين الذين نعتقدهم أدنى منا، أو نتوقّعُ منهم فائدةً ما... لا تحقد على مَن يدينُك ولا تضمرْ له سوءاً. بل كن محباً كما لو كان طبيبُك الخاص، وصلِّ له. احرصْ على أن تكونَ دوافعُك الداخليةُ طيبةً نحوه في مختلفِ الظروفِ حتى لو سلبَك قرشَك الأخير. على هذا المنوالِ تظهرُ إنْ كنت تحبُّ صورةَ اللهِ فيه أكثرَ من محبتِك للماديات والفانيات.
كلُّ فرح لأجل خطايا القريب هو خبيثٌ وشيطاني.
المحبةُ تصبرُ على كلِّ شيء وتسترُ كلَّ شيء.
المسيحيُّ بكل صدقٍ يرغبُ في الخير للقريب كما لنفسه.
المسيحيُّ يشتهي أن يتمجّدَ اسمُ الله على الدوام من خلال حياته ومن خلال حياة الآخرين.
المسيحي يصلي ويدعو أن يصيرَ الجميعُ هياكلاً لله غيرَ مصنوعةٍ من يد.
ختاماً نستعيدُ قولَ السيد المسيح لوصيته العظمى في قسمها الثاني الذي يناشدنا فيه بالقول: "أحببْ قريبك حبُّك لنفسِك" (متى9:22) لنقول كما تعلّمنا من الآباء القديسين أن يسوع أوصانا في هذا القول بتطبيق الحد الأدنى من المحبة. ولكنه يباركنا ويرضى عنا أكثر إذا جاهدنا لنحب الآخر أكثر من حبّنا لنفسنا. آمين

 

الحياة الرهبانية

قديس اليوم

زيارة لدير القديس جاورجيوس

زيارة لدير الشيروبيم  ( رؤساء الملائكة )

البحث في الموقع

الوصول إلينا