حديث الأسبوع (10 كانون الأول)

أرشيف

وعظة الأحد

                              محاضرة للأرشمندريت يوحنا التلي

                             في قاعة الصليب 9-12-2010

                                                                                                                                                                                     بدعوة من النادي الأدبي النسائي

 

التغيير طريق لمواجهة تحديات العصر الجديد

 

أولاً: مقدمة: البحث عن الهوية

وضع علماء النفس والتربية أسساً استقوها من الفلسفة، تقودنا هذه الأسس المنتهية بنظرية المعرفة إلى معرفة أن الله يهدينا إلى أن الهوية كلها تبدأ فيه، أي أن هوية كل الخليقة تنبع منه هو، بكونه هو بدايتنا الحقيقية، فلا عجب أن نجد أن كياننا وأنفسنا تصرخ لكي نعود متواصلين معه ومرتبطين يه. وهذا الارتباط بالله هو معيار لكل الخليقة هو بمثابة (خيط المطمار) أو (الميزان الشاقولي) للبناء. صحيح أن هذا الاكتشاف للعالم جعل من البشر يرون أن هذا الارتباط بخيط المطمار ليس واحداً في جميع معتقدات البشرية. إلا أنني في حديثي أتبنى ما يؤمن به مجتمعنا بكل تفرعاته الإيجابية لتبني مشترك يقوم على الديانة التوحيدية التي تشمل الجميع. وتتكاثف مجتمعة لتجد نفسها في قلب أزمة الهوية تتصارع أمواجها للوصول إلى شاطئ الإجابة عن أسئلة الحياة الأساسية. فمسعانا هو الاقتراب من (الكائن) مصدر الحقيقة التي تصلنا بالإجابة لمعرفة: (من نكون نحن). وبهذا نكون قد وضعنا أيدينا على نقطةٍ مرجعيةٍ صحيحة وصادقة.

ينشغل إنسان دنيانا في البحث عن جواب هذا السؤال: ما هي الحياة، وكيف نحياها؟ نجد أن شريحة بدأت تتلمس ذاتها بما سُمي (الوعي الجديد)، وهو المرتبط بالسحر والتنجيم بأنواعه والممارسات الروحية الغربية، لا بل وأيضاً بالمخدرات، وغير ذلك من الأنواع الكثيرة للواقع المعاصر المزيف. إلا أن هذا السؤال المحوري يضعنا أمام معالجة تظهر وجهاً من وجوهها نبرزه في هذه الصورة:

1- التجاوب السلبي: يظهر لنا فيه الإنسان على الشكل التالي: يغلف نفسه (بدفاعات شخصية)، وغالباً ما يترك لنا هذا الإنسان انطباعات تتمثل بالصفات التالية: شخص يقف موقف المدافع - شخصٌ خائف - أعمى - وحيد - ضعيف - هشّ - سلبي - أخرس وأصم - مكتئب - محبط.

إذاً هو يمر بأزمة هوية ويتحاشى الإجابة عن السؤال (من أنا)، ربما لأن محاولاته السابقة في التعامل قد باءت بالفشل، لذا نراه يهرب من مواجهة هذا السؤال، متعاملاً مع الآخرين من خلال ألمه الذي سبب له ذلك. وهذا ما جعله يختفي خلف أسلحته ودفاعاته، مبتعداً عن كل ما قد يهدد إحساسه بالأمان.

2- التجاوب العدائي: ولتوضيحه نأخذ مثلاً عن شخصية امرأةٍ تصارع مع هذا السؤال الرئيس، فتبدو لنا حاملةً بيدها قوساً وسهماً. وهو ما يستدعي إلى ذهننا من تأملنا بحالها بالصور التالية:

عنيفة - سلبية - مستاءة - وحيدة - تقف موقف النقد دائماً - تدافع عن نفسها - لا تشعر بالأمان – خائفة.

فأزمتها مع الهوية تظهرها بعكس مظاهر الدفاع السلبي، لكونها تأخذ موقفاً أكثر عنفاً وعدوانية. فهي ترسل تحذيراً لمن يقترب منها، وإلا فإنه يتعرض لسهامها الجارحة. ولكونها لم تضع السهم في القوس، فإن هذا يدل على أنها لا تريد أن تكون عدوانية، ولكنها تضطر إلى ذلك إذا استدعت الظروف.

الآن: لنضع هاتين الشخصيتين إلى جانب بعضهما فإننا نرى أنهما من يتوافقا من بعض الأوجه، فالمرأة إذا استعملت سهمها، فالرجل المحصن بدرعه سيعرف أن شخصاً آخر يخفف من وحدته. فالتواصل بين هذين النموذجين لا يقود إلى أذية أحدهما للآخر. فمثل هذا المثال يمثل نموذجهما لنا كارثة تحصل من وراء زواجٍ بينهما، وقد بدأت زيجات مجتمعنا تقوم على مثل هذا الارتباط لتقود العلاقة إلى التدهور. فلماذا يا ترى يحصل ذلك كله؟ لأن مثل هذين الزوجين لم ينجحا في الإجابة على السؤال الخاص بهويتهم. فالذي يتيه عن معرفة (أناه) يحتاج إلى خيط المطمار ليتمكن به من أن يكتشف مكمن الخطأ في لون الفساد الذي يحيا به. إن كل واحد منهما يحتاج إلى إسعافٍ لخروجه من عالمه المظلم الذي يهدده بالسقوط. وعلينا جميعاً - مع هذين الزوجين - أن نستعين بتعليمٍ قائمٍ على التضحية والعطاء، بدلاً من الانسحاب والتأهب للعداء. أي نستعين بذاك الذي يكشف نوره علينا جميعاً، ويعيدنا إلى الاستقامة لمعرفة الحق الذي نحيا بموجب أحكامه. علماً بأن هذا الحق هو مبدأٌ أصيلٌ على كلِّ شخصٍ أن يحدده بحسب المقولة التالية: (أن يفتش كل إنسان على حقيقةٍ تكون بمثابة حياة أو موت بالنسبة إليه).

والإنسان يكون هو المعوج عوضاً عن الحائط المعوج، ولا يستقيم وضعه إلا مع استقامة هذا الميزان، الذي يمسك به الله خالق هذا الإنسان بصورةٍ سوية، لأن بنيان هذا الإنسان التربوي بُني باعوجاج، يحتاج فيها ليد ذات الله ليصلح ما لم يعد مستقيماً فيه، من أجل أن يعود بحسب الصورة التي خُلق عليها. لتوضيح الأمر نرسم حائطاً وبجانبه الميزان الشاقولي لنكتشف استقامة هذا الحائط وفقاً للمعيار السليم. الذي إن لم يكن يطابقه فهو حتماً سيهوي. وهكذا الإنسان يهوي كالحائط غير المستقيم، وما هذا الميول إلا نتيجة أزمات حياته السابقة.

 

ثانياً: حاجتنا للتغيير

يقدم لنا علماء الاجتماع لونين محركين لحياتنا من خلال الأبحاث المتضاربة هما (الطبيعة والتربية)، والتي تفسّر أحياناً بمقولة (الطبع والتطبع). فالطبع مرتبط بالجينات الوراثية، أما التربية فنؤكد على أننا قد تعلمنا ما نفعله، وأن ما تعلمناه يمكن أن يتغير ويتطور. وأنا في حديثي هذا أرى بأنه يجب ألا يقتصر على أنه يمكننا أن نتغير، بل إننا نحتاج بشدة للتغير حتى يمكننا أن نعيش. ولكن تغيير ماذا؟ إن القلب فينا هو مركز الحياة، ومركز الإنسان الداخلي ومركز صحة علاقتنا بالآخرين. فالتحدي الكبير في الحياة هو القدرة على تغيير القلب. وخيط المطمار العامل لأجل استقامتنا يأخذ شاقولية خيطه بما يوازي شخصية الإنسان، منطلقاً من مركزها الذي هو القلب. وقد نتساءل أليس الذهن أو العقل هو المعيار الأصح؟ الجواب هو أنه علينا أن نحافظ على أفكارنا وعقولنا بما يمليه القلب عليهما لأن القلب هو مكان سكنى الله في الإنسان. فالعقل مهم ونشيط، ولكن مرشده هو القلب المستنير. فالإنسان كشخص هو ما يقابل الإنسان الداخلي كله.

لذا يمكن القول بأن تغيير الذهن قد لا يعني بالضرورة تغييراً في الحياة. ولكن تغيير الحياة المرتكزة إلى القلب يعني بالتأكيد تغيير الذهن. وبقدر ما تنحرف حياتنا عن المعيار المرتبط بالحقيقة التي ننشدها باستقامة، بقدر ما نختبر عدم الأمان وعدم الاستقرار والضعف في مواجهة ضغوط الحياة ومتاعبها. ولكن كلما عدنا إلى الاستقامة مع خيط المطمار، كلما نكون قد بدأنا الرحلة المثيرة الممتعة نحو معرفة هويتنا الحقيقة. ولكن علينا أن نكون حذرين من أن نستعمل الموازين المزيفة، لأنه حينذاك نكون قد سلكنا بالطرق غير الصحيحة التي يجب ألا نسير عليها. فتتآكلنا الأفكار الهدامة والسلوك المعوج، ونصير مثل الجسر الخشبي الذي يشكل دعامة البنيان، ولكن السوس بدأ ينخر فيه من الداخل، فتغلفنا الهشاشة، ويدب فينا الخوف، فنصير غير قادرين على الاستمتاع بالصداقات العميقة الدافئة، ونشعر بالوحدة، ونقترب من الاكتآب. هذا بالإضافة إلى مشاعر الاستياء والمرارة الدفينة، والتي قد تتحول إلى كراهية ضد الآخرين.

الإنسان الذي لا يجعل القلب مركز معرفته، ولا يقوم بالاعتناء به كما يجب، فإنه يفتقد قدرة أن يتيح للعقل الاغتناء من الفكر الإيجابي البناء. فيفكر الإنسان بحسب مشتهيات قلبه غير المقوم بالله. فلنجعل القلب فينا مكاناً للتغيير، لنبني أنفسنا بعيداً عن هذه التشويهات، معتمدين على الحق الذي نؤمن به. 

    

ثالثاً: مؤثرات غياب أحد الوالدين على الأولاد:

حياة الطفولة التي تتمثل فيها البراءة والنقاوة بالرعاية والاهتمام عند أطفالٍ مغمورين، تنقلب أحياناً لتشكل جذوراً لإنسان المستقبل، حاملةً معها عدم الشعور بالأمان، مع خوف وقلق وحسٍّ بإذلالٍ لا يفارقه.

فما هو مصدر هذا الانقلاب غير العادي. والذي يشكل نسبةً كبيرة عند أشخاصٍ كثيرين يرافق البعض منهم حتى يصبحوا شباباً ورجالاً وكذلك شابات وسيدات؟ وكل واحد يحمل أنموذجاً في داخله، يهدم به حياته وبيته وعمله ومجتمعه وكلّ انتماءٍ ينتمي إليه؟

نعم، من أين يأتي هذا التيار المتصاعد المجبول بالخوف من داخل الإنسان؟ أهي المدرسة التي تُيّقظ نقطة الضعف عند صاحبها والتي كانت تسبب المغص في أحشائه لتنعقد أمعاؤه حينها عشرات العقد دون إمكانية القدرة على فكّها وتراخيها؟ المدرسة التي تجعل أحياناً بعض من يُخطئون ضحية إذلالٍ ومصدر هرج ومرج لطالبٍ فتيٍّ، يزداد خجله ويزداد ضعفه كلما ازداد الهزء به أو ضربه مهما كان ذلك قليلاً. إن هذا يزيد من خوفه وانسحابه من حلبة الحياة السوية، وبمرور الوقت يصبح إنساناً يحمل عاهات نفسية داخلية، تؤدي به ليكون ناقماً على كل من يتعامل معه، ومنظوراً إليه على أنه غير أهل للعشرة على صُعدٍ كثيرة.

طفل كهذا ينتظر الحب والفهم من الآخرين، في حين لا يجد سوى الظلم والجروح. كل هذا آتٍ من صراعٍ مع شخصٍ يمثل السلطة؛ إن كان معلماً أو معلمة خارج البيت، وأحياناً أباً أو أماً أو مربياً داخل البيت. كلّ هذا يقود مثل هذا الشخص إلى الوحدة. ومع الزمن يتأسس الشعور بالاكتئاب مقروناً بمزيدٍ من الخوف من كل آخر، ومن كلِّ شيء أيضاً. وحين يصبح متزوجاً، فإنه سيصب سلبيات تلك النوبات المؤذية التي يحملها، لتحل كنوبات غضب عارمة على الزوجة، أو على أحد الأولاد أو كلهم.

إنسان كهذا يحمل في داخله أشلاءَ كثيرة ممزقة لكيانه النفسي. ترى هل بإمكانها أن تلتئم بعد كل هذا؟ الأمر يحتاج لمعيار لرسم صورة لذلك، حتى يعود هذا التمزق لوحدته. وهنا أتذكر ذاك السحر الذي يستعيد به الساحر جسد الفتاة التي مزقهّا بالسيوف. طالباً أن نضع أيدينا على معيارٍ يكون بالنسبة إلينا، (حقيقةً) نفتح بها الباب لهذه الحياة من جديد، بعد أن سُحقت في الألم والمرارة.

أُجريت في أمريكا أبحاث على 200 طفل من سن الثالثة إلى الثامنة عشر، واستطاع فريق من الأخصائيين النفسيين تقييم ما يمكن أن نطلق عليه ظاهرة غياب الأب عند الأطفال، الذين تغيّب آباؤهم لفترات طويلة - متقطعة أو متواصلة - عن البيت، ووجد العلماء عند هؤلاء الأطفال آثاراً لرحيل الأب، يماثل ردود أفعال الأطفال عند وفاة آبائهم. واستطاع الفريق حصر بعض الأعراض التي وردت في الدراسة كالتالي:

1- السخط والغضب: فالطفل في بادئ الأمر يشعر بألم الفراق، وبعد ذلك فهو إما أن يكظم هذا الألم ويبقيه في داخله، أو ينفجر غاضباً. إن كبت الألم كثيراً ما يعرض الطفل للمرض النفسي، أما الانفجار فقد يؤدي إلى المرض الاجتماعي.

إن نوبات الغضب العصبية عند الأطفال، قد تستبدل فيما بعد بنوبات عنف وجريمة عندما يكبرون.

2- محاولات لمّ الشمل: يسعى الأولاد للمّ شمل الأسرة. وهذا نكتشفه من سؤالهم المُلح لأمهاتهم بصورةٍ دائمةٍ ومستمرة: (متى يجيء البابا؟). وإذا أتى عيدٌ ما: (ألن يأتي هذا العيد؟). وتبقى إجابات الأم المتنوعة غير كافية، لدرجة أنه أحياناً تصاب الأم بالإحباط والانهيار.

المشكلة الكامنة في تحقيق (حلم لمّ الشمل) تنتقل مع الطفل لمرحلة البلوغ، مما يسبب أحياناً تشوهات في شخصيته يغلب عليها حب التملك والأنانية. ففتاة من هذا النموذج حين تصير زوجة، تنطلق وتريد أن تعرف كل صغيرة وكبيرة في حياة زوجها. والفتى منهم حين يصير زوجاً ينتابه الشك والقلق من أنه سيفقد زوجته بدافع الخوف. فيطلب أن يعرف أدق تفاصيل أنشطتها. وباختصار فإن محاولات لمّ الشمل هذه تقود إلى حب التملك.

3- الإحساس بالذنب: يشعر الطفل لغياب والده أحياناً أنه أقل من الأطفال الآخرين. أو أنه غير محبوب ولا يمكن أن يكون محبوباً. مثل هذه الأمور قد تقود إلى الاكتئاب أحياناً. إن الشعور بالذنب يقود إلى التمرد. بينما يقود كبت الشعور بالذنب إلى الاكتئاب، أما التنفيس عن الشعور بالذنب فيقود إلى الانحراف.

4- لوحظ أيضاً أن أبناء الآباء الغائبين يعانون من الخوف. وهذا ما يظهر في التصاقهم وتملكهم لأمهاتهم، وكذلك صراخهم الشديد والمبالغ فيه عند انفصاله المؤقت عنهن. فبالنسبة لهم تعتبر الأم عنصر الأمان الوحيد الباقي. ولهذا لا ينبغي لها أن تغيب عن عيونهم. وتكثر في هذه الحالات تعاطي المهدئات والمنومات في محاولةٍ فاشلةٍ للتعامل مع هذا المد المتزايد من العصاب. ويزداد القلق بتأزم عصبي قد يعرض مثل هؤلاء الناس في وقتٍ من الأوقات لأمراض القلب وغيرها من الأمراض. فالخوف يولّد عند صاحبه العصاب أي الاضطراب العصبي النفسي.

5- تغيير النبض الحيوي نتيجة غياب الأب يؤدي بالأولاد إلى ضغطٍ مكبوت، يؤثر على وظائف الجسم كالتبول في الفراش، على الرغم من أنهم وصلوا لمرحلة التحكم في التبول. وهذا يعرضهم للتوبيخ من قبل أمهاتهم. أو الأكل بنهمٍ مؤذٍ. فيكون مثل هؤلاء الأولاد عرضةً لخللٍ في النفس والجسد. والطبيب النفسي المعالج إذا اكتفى بمعالجة الأعراض دون علاج نمط الحياة، فإن الاستمرار يستمر، وهو ما يبقى عند هؤلاء الناس أمراضاً نفسية جسدية.

6- النكوص: يحدث عندما تكون صدمة الفراق عن الأب شديدة، أننا نجد الأولاد ينسحبون - في حالاتٍ كثيرة - من الاشتراك الفعال في وظائف الحياة الأساسية، كاللعب والأكل والاختلاط بالناس، ويقومون بالانزواء في ركنٍ من أركان المنزل، بحيث يكوِّرون أجسادهم متخذين وضعاً جنينياً. وهو وضع يعبر عن الخوف الشديد وعدم الأمان، ويؤدي إلى رغبةٍ في النكوص، الذي يحمل إليهم الأمان المنشود، لكون هذا الوضع الجنيني هو وضع اختبارٍ سابق لهم. إنه وضع الجنين داخل رحم الأم. وإذا تكررت مثل هذه  الصدمات للأولاد فإنهم يصابون بالذهان، وهو مرضٌ عقليٌ يجدون فيه أنفسهم في عالم الخيال بدلاً من الواقع المؤلم.

إن الأعراض الاجتماعية التي ترسخت في حياة الطفولة هذه، تشتمل على كل التحديات الرئيسية للنمو الاجتماعي في عصرنا الحاضر. فالصراعات التي لم تحل في الطفولة قد تعطي الأشخاص البالغين داخل نمط سلوكي تحسساً غير سوي وغير ناضج. ويرى الأخصائيون والأطباء النفسانيون وكل المعالجين النفسيين أن التحدي الأكبر في المجتمع اليوم، هو مساعدة البالغين الناضجين على أن ينضجوا بالعقل، داخلياً وخارجياً.

هذا الإيذاء المتحقق للأطفال بسبب غياب والدهم عن البيت ليس هو الحالة الأسوأ!! بل إن هناك للأسف أنماط أخرى لها وجود في كافة المجتمعات، مثل الأب المهمل لأطفاله وأسرته، أو المدمن على الخمر، أو الذي يسهر في نوادي القمار ليلاً وينام في النهار، أو الخائن لامرأته ولا يهمه الأمر، وهو يجاهر بهذا بعيداً عن الأخلاق. إن هذه الأنماط ومثيلاتها من أشكال السلوك السلبي تؤثر على حياة الأطفال وتؤذيهم، وربما تعيق نموهم ونضجهم طيلة حياتهم.

وهذا الأمر ذاته يحدث كذلك بسبب الافتقار للأمومة الحقيقية، وبخاصة في سن الطفولة المبكرة. حيث يترك غياب الأم عن البيت أثراً يسيء للأطفال ويضر بهم وبنموهم.

كل هذا يُدرج اليوم في علم الأمراض الاجتماعية تحت اسم (الأنماط الأسرية)، وهذا يرتبط بموضوع الخلاف فيما إذا كان مرتبطاً (بالطبع أو التطبع) أي (الطبيعة أم التربية)، وفيما إذا كانت الأسباب وراثية أم مكتسبة. فإذا كانت مكتسبة فإن من الممكن أن تتغير، وفي هذا المستوى يكمن واقع المسؤولية في التغيير. فالحب، وعيش الحب، وديمومة الحب وهو ما يجب أن يتوفر كأساس لهذه المعالجة، التي بفقدانها يستفحل المرض كجريمة دوائية.

 

رابعاً: نتائج التشوهات التربوية:

الحب يعني الالتزام القلبي والولاء لشخصٍ ما، من خلال حضور الأب وحبه لأولاده بالتزامٍ حياتي صحيح. إنه الحب الصحيح الذي نحتاجه. وإلا فإن قيمة الحياة تتدنى لتصير صفراً أو قريبة من الصفر. لأن عجز المحبة في حياة الإنسان تجعله يحس أنه لا يساوي أي شيء، أو بتعبير أدق يشعر الإنسان أن قيمة الحياة أصبحت بلا مقابل على الإطلاق.

بالمحبة يأخذ الإنسان الإحساس بالقيمة في الحياة. لأن الحب ينطوي على العطاء والمشاركة. فالحب هو أن يشارك الإنسان بحياته ليساعد على حصول المحبوب على أقصى الخير. إن أكبر وأنجح عملية تغيير في حياة الإنسان تتم عن طريق الحب، أما في حال غياب المحبة فإن الرفض والتمرد هما لسان حال الإنسان وهما الموقفان اللذان يدافع فيهما عن ذاته واللذان تنتج عنهما جميع تصرفاته.

أ- الموقف الدفاعي عن طريق الرفض: بعض من الناس يبرمجون حياتهم نتيجة تربيتهم بصورةٍ دفاعية غير تفاعلية مع الحياة، فيحصل لهم تشوهاتٌ كثيرةٌ في موضوع الشخصية تتعلق بالمشاعر، ولها تأثير كبير على حياتنا. وهذه كلها تحتاج إلى طرقٍ في التغيير تناسبها. ومن بين تلك التشوهات أو العقبات في وجه نموهم، الأمور التالية:

1- الحزن: وهو الكآبة والأسى. فيكون الإنسان كئيباً ومحزوناً أو معتماً. إنه من الطبيعي أن يحزن الناس لفترةٍ وجيزة بسبب فقدان شريك الحياة في منتصف العمر مثلاً، أو لأسباب مهمة غيرها. ولكن عندما يصبح الإنسان غير قادر على ممارسة حياته الطبيعية لفتراتٍ تتزايد في الطول، فإنه عندئذٍ يصبح في حالة من الكآبة المزمنة.

وهنالك أسباب تدعو إلى ذلك؛ فمثلاً بسبب ضياع الحلم، أو إحباط التوقعات الكبيرة في الحياة، وما شابه ذلك. ولنأخذ مثلاً من الواقع الذي حدث للشاب (ماهر) عندما حرمه الحزن القائم والمستمر متعة الحياة وفرحتها: (منذ مطلع شبابه اهتم بالرياضة حتى إنه كان من الممكن أن يمثل بلده كعداء. وخلال مسيرة حياته وفي ذروة طموحه الرياضي أحب فتاة وتزوج منها، أخذت زوجته تعترض على الوقت الطويل الذي يقضيه في ممارسة الرياضة. فضغطت عليه لكي يعتزل. واستجابةً لمحبته لزوجته حوَّل حلمه الرياضي إلى بيت زوجي مثالي. وما إن بدأ بحياته الجديدة هذه حتى اكتشف خيانة زوجته له. وهنا بدأ حزنٌ لا تقاس شدته يفتك به، فهو قد أضاع حلم البطولة، وفقد وجود البيت الزوجي. فاصطبغت حياته بهذا الحزن العميق).

وقد يحدث مثل هذا الحزن خلال أمثلةٍ كثيرة: كفتاةٍ صغيرةٍ فقدت عذريتها عن طريق الزنا المحرم، أو زوجه فقدت حب زوجها بسبب خيانته، أو شاب أراد أن يكون طبيباً ولكنه لم يستطع دخول كلية الطب. وفي مثل هذه الحالات يكون الحزن هو الشعور السائد، لفعلٍ متشكل للصدمات المتلاحقة من الرفض والإحباط، التي يتلقاها المصاب من مصدرٍ هامٍ في حياته؛ كالأب، أو الزوج، أو الزوجة، أو الصديق المخلص...إلخ

في أوقات الحزن الشديد الذي نحتاج به إلى التغير لنعود إلى عالمنا الحقيقي، يرى البعض ضرورة ارتباطنا بالواقع من جديد، من خلال أمور تنسينا حزننا. والبعض الآخر يلمس التغير من خلال تنمية علاقتنا بالله، الذي هو مصدر التعزية الحقيقية من كل حزنٍ ووجع قلب. وما علينا إلا أن نختار الطريقة المناسبة لتغيرنا لمتابعة طريق حياتنا.

2- كراهية النفس: إن كراهية الذات تكون نتيجة لرفض الآخرين لنا. إن مساعدة شخص لكي يتغلب على رفض الذات قد تكون من أعظم التحديات التي تواجه المصير. غالباً ما يتأتى هذا الداء من زمن الطفولة، التي تحمل معاناة قاسية من الأهل - مقصودة أو غير مقصودة - دون أن يصاحبها مشاركة لمشاعر تساعد في التعبير. وتبقى المشكلة خلال المراهقة بتدخل من الأهل، يُلغى فيها دور المراهق في اختيار حياته وأنشطته بما يتلاءم مع ميوله ومواهبه. كل شيء يكون مبرمجاً ومفروضاً له من أهله. وتستمر المشاعر مدفونة عنده. لكن مثل هذا الولد (ذكراً كان أم أنثى) يشعر أنه قذر مذنب، ولا يستحق سوى الكراهية. فهو بحاجة لوسيلة يخرج فيها من ذاته، وأن يسامح من عمق نفسه أهله، وأن يتفهم واقع حياته لتزول الكراهية من نفسه. إن كان مثل هذا الشخص مؤمناً بالله ازداد الحل السليم قرباً منه. وحينها تنقلب الأمور لديه. وقد ينخرط مثل هذا الإنسان في مؤسسات اجتماعية يعوض في نشاطها فيها خدماتٍ تنوب عن حرمانه التفاعل مع المجتمع سابقاً.

3- الاكتئاب: كثيراً ما يُعتبر الاكتئاب هو أول مرضٍ نفسي في انتشاره، وخاصةً بين الشباب. والاكتئاب يمثل عند صاحبه إجمالاً ردود فعلٍ في مواجهة الخسارة. ويشعر المكتئب في البداية بفقدان عام للحيوية والطاقة، فيبدو عليه الحزن والإرهاق، ثم يبدأ بالانسحاب من الحياة الاجتماعية، وحتى من الأصدقاء المقربين. ثم يقل النشاط في العمل والبيت، ويبدو كل شيء كئيباً، ولا أمل ولا رجاء. وتسود الأفكار القاتمة مع فقدان القدرة على التركيز. وأيضاً يتشكل إحساسٌ بالذنب وعدم الاستحقاق مع تأنيبٍ للنفس واحتقارها، وأحياناً يصير هناك صعوبةٌ في النوم.

من الطبيعي أن يكون لدينا بعض مشاعر الاكتئاب من وقتٍ لآخر، ولكن عندما تزداد هذه المشاعر في الكم، والتواتر، والمدة، فقد يحتاج الإنسان إلى طبيب. والذي يسرع في معالجة الاكتئاب أسهل من الذي ينتظر تأصل الداء فيه. والمعالجة السليمة لا تقوم بدفن الداء تحت كومةٍ من أدوية الاكتئاب. لأننا والحال هكذا تبقى حالتنا النفسية على ما هي عليه. إن ما يجب علينا هو التوغل لمعرفة الأسباب واستئصالها. والاكتئاب في بدايته هو رسالةٌ موجهة لنا لندرك أننا بحاجةٍ إلى تغيير، من أهمه تغيير أنماط حياتنا، والتي إن غيرناها لا نقع في انتكاسةٍ شديدة.

وكما أن الفرح هو عرضٌ من أعراض الحياة، فالاكتئاب هو عرضٌ يدل على أن هناك شيئاً ما مفقود في الداخل. فإذا كان المفقود مركب كيميائي وهذا لا يشكل نسبة أكثر من 5% بين تعداد المكتئبين فالعلاج صعب، أما الباقي فعلينا أن نساعد حياة المكتئب الذي إذا لم نقم بدورنا له هذا نفقد عنده فرصةً في التغيير.

4- تبلد المشاعر: يمكن تعريف تبلد المشاعر بأنه: (عدم وجود عواطف ومشاعر) لذا فهو العدو الأكبر في الحياة، وهي تشكل المرحلة الأولى في التسليم الكامل والانسحاب من تحدي الحياة نفسها. سأضرب مثلاً لذلك: إذا دعي أحدنا إلى بيت ما، وسيدة البيت مصابة ببلادة المشاعر، فالزائر يرى بأن طاولة الطعام ممتلئة بأكداس من الصحون المتسخة. كما وأن الكتب والملابس والأحذية تكون ملقاة في كل مكان، وتراكم التراب والغبار على كل الأسطح، والسيدة بذاتها تكون غير مهندمة المظهر، ولا يهمها إلا الجلوس مقابل التلفاز.

مثل هذا التبلد في الشعور ينتج من أفكار الرفض ومشاعر الفشل، وشعاره: (ما الفائدة؟)، (لا فائدة!!) سوف يظل الأمر هكذا ولن يتغير. لذا علينا مشاركتها في حياتها لإخراجها من دائرتها المغلقة، مجددين لها باهتمامنا بها نمط حياتها. فنتغيّر.

5- الإحساس بعدم الأمان: هو السمة المميزة لمجتمع اليوم، وهو ناتج عن عوامل عديدة منها: تفكك العائلات، والعائلات غير السوية، ونقص المحبة، ورسائل الرفض التي نستقبلها في الطفولة. أما الإحساس بالأمان فيتعلق مباشرةً بالمحبة. وقد أظهرت الأبحاث أن الأطفال الذين نشأوا في بيئاتٍ تفتقر للمحبة عادةً ما يشعرون بإحساس دفين بعدم الأمان، كالحمل غير المرغوب فيه، أو جنس الطفل غير المرغوب فيه، أو الوالدان السلطويان المتشددان المفتقران للدفء، غير القادرين على إعطاء الحب والتشجيع. فالتغيير هنا يجب أن يصدر من معاملة الأهل والمجتمع للنشء الجديد.

6- الفشل: ما أخطر هذا القول للأولاد: (أنت فاشل، لا فائدة منك، أنت غير نافع). كم هي خطرةٌ مثل هذه الكلمة الموجهة للأطفال، فبقدر ما تبنيهم فهي تهدمهم أيضاً. ومن أهم الصراعات التي يعاني منها الأشخاص الذين يختبرون الرفض، هو إيمانهم وإحساسهم العميق بعد استحقاقهم، وبعدم كفايتهم. فيتشكل في داخلهم صوت يقول باستمرار: (أنا سيء. سوف لن أصل لشيء. وكل ما أفعله خطأ). وكثيرٌ من الناس كانوا أسرى لقهر الخوف من الفشل، وعندما يفشلون بالفعل يبدو وكأنهم غير قادرين على الوقوف على أرجلهم مرةٍ أخرى. فهم (مبرمجون) مسبقاً أن يصدقوا الكلمات التي قيلت لهم وهم أطفال. هنا التغيير يجب أن يبدأ بالأهل وبالمدرسة، مع السعي لمساعدة كل فاشل لتغييره فلا شيء مستحيل. وإذا ما حررناهم من عبوديتهم لنا، فالحرية أكبر مغيّر للحياة.

7- اليأس: أحداث الحياة قاسية أحياناً، ولكنها متشكلة من أخطائنا التي تقودنا إلى حياةٍ نشعر خلالها أننا محطمون وأنه لا شيء باقٍ، وهو ما يؤدي لينغرس فينا اليأس والقنوط. فمعركة الإنسان اليائس تكون من خلال سيطرة ذلك الإحساس العميق بالخوف وتأنيب الضمير، الذي لا يتوقف، والذي سببه هو ارتكاب خطيئة كبيرة، يصير صاحبها رهين حياةٍ ينتظر فيها وقتاً يحين ليدخل فيه إلى الهلاك الأبدي. وإن علينا السعي لنخرج اليائس من حفرة هلاكه هذه، بأن نتحمل منه ما جرى معه من أخطاء، ونريه مدخل طريق حياته الجديدة، عسى أن يقبل هذا التغيير وتتولد عنده عواطف جديدة نبيلة. فيستعيد حيويته في المجتمع، وإن كان مؤمناً بالله يستعيد ثقته فيه.

+ ملاحظة ضرورية: تأخذ بنود الرفض هذه موقفاً دفاعياً من صاحبها ليحمي نفسه بأسسها السلبية، والتي قد تصل به في هذا الطريق إلى الانتحار الفعلي أو المعنوي. ولكنه ربما لا يبقى استسلامه مستمراً على ذات الوتيرة التي تقود إلى ذاك الانتحار، بل قد تنعطف بصورةٍ أكثر عنفاً فتوصله إلى حالةٍ من الدمار الأشد تسمى بصفة التمرد. أي أننا ننتقل من الرفض في موقع اليمين المتطرف إلى التمرد في موقع اليسار المتطرف. تاركين الخط المستقيم الذي يحقق الموازاة لكلا الوضعين المتطرفين، والذي فيه تكون الحالة المثلى التي تتم عن طريق التغيير الذي يضعه في الوضع السليم، وينقذه من أخطار اليمين واليسار. ليكون هذا الإنسان قد حقق رسالته على الأرض في بهجةٍ وفرحٍ وحبورٍ وعطاء.

ب- الموقف الدفاعي عن طريق التمرد:

حالات التمرد كثيرة، أهمها:

1- العنف: قد يكون إنسانٌ ما في حالة هدوءٍ تامة، ولكن حديثاً معيناً أو تذكراً لأمرٍ ما يحوله فجأةً إلى بحرٍ من الهيجان بالصوت والجسد. لماذا؟ لأنه استحضر من جديد ألماً حصل على الغالب معه من أبيه أو أمه خلال ماضٍ سحيق من عمره، سبب له هذا العنف الشديد المصحوب بألم معرقلاً نمو شخصيته. قد يكون هذا العنف المنقلب والمتطرف خطيراً جداً. وغالباً ما ينشأ الغضب عن الألم، إذا كان الألم مستمراً فإن الغضب يكون مستمراً.

الشخص الذي يعاني من مشكلةٍ مزمنةٍ تتعلق باضطرابٍ في المزاج، عادةً ما يكون فريسةً لصراعٍ داخلي أو جرحٍ عميق. وعندما لا يجد الغضب عنده متنفساً مقبولاً فإنه يتسرب إلى الأعماق، وتكون حلقةً مفرغةً من الكبت المبالغ فيه، والانفجار وفقدان السيطرة. وهذا ما يسبب كبت مشاعر مؤلم بطريقةٍ مستمرةٍ ومزمنة، تظهر على صورة مرضٍ نفسي أو اضطرابٍ (نفسي جسدي).

2- الكبرياء: هو تشوهٌ كمثل باقي حالات التمرد، يتصف صاحبه بأنه يكون متعالياً عزوفاً عن الآخرين، عاكساً نوعاً من الزهو الشخصي، والانحصار في الذات. والمتكبر إنسانٌ يشعر المتعاملون معه بأنهم لا ينالون حقهم من التقدير، وأنهم صغارٌ بالنسبة إليه وذلك بسبب اعتداده الشديد بنفسه. لذا يصعب على مثل هذا الإنسان تكوين صداقاتٍ طيبة بسبب سلوكه المتعجرف، فيؤدي ذلك إلى خسارته لرفقة هؤلاء الأشخاص.

3- التسلط في البيت الزوجي: لاحظ علماء الاجتماع بقلقٍ، تزايد عدد الزوجات اللواتي يقمن بدور متسلط في حياتهن الزوجية. إن هذا التسلط ينشأ من الإحساس بعدم الأمان، الذي ينشأ بدوره من العجز في الحب. فالأزواج إما أن يكونوا قد نسوا، أو لم يعرفوا أبداً كيف يحبون زوجاتهم. ففي بعض الأحيان يشتهي الأزواج زوجاتهم غير مفرقين بين الشهوة والحب. فالعلاقة القائمة على الشهوة تجعل من الزوجة تشعر بأنها تُستخدم، وبالتالي لا تشعر بالأمان. فينشأ  الإحباط، وربما البرود الجنسي. ولتجنب حدوث هذا، قد تحاول الزوجة التأثير على زوجها لكي تحصل منه على الحب الذي تفتقر إليه. هذه الحركات التي تنشأ تهدف إلى السيطرة، قد تؤدي في النهاية إلى تدمير العلاقة بالكامل. وهذا بالتحديد ما يحدث في الكثير من أسر هذه الأيام.

4- الكراهية: تتولد الكراهية في قلوبنا، عندما نفشل في مسامحة إنسان أساء إلينا بكلمة أو تصرف أو ردة فعل. إننا نواجه الاختيار القائم على أن نسامح أو أن نكره. وإذا سمحنا للكراهية التي تولد فينا مرارة أن تدخل إلى قلوبنا، نكون قد سمحنا للعشب الضار أن يشكل في دواخلنا جذوراً تأكل المزروعات الجيدة. وهكذا فإننا نخسر بالكراهية الدفينة فينا إنساننا الطيب، لأنها تنتشر لتسيطر على القلب بالكامل، مع قدرتها على تلويث الذهن والروح والجسد معاً.

          إن مسامحتنا بعضنا البعض هو جوهر أكبر رابطة صالحة تربط بين البشر ألا وهي المحبة، والتي بخسارتنا لها نكتسب قسوة القلب التي تدمر العلاقات الاجتماعية، وتضرب بقوة الزيجات والبيوت، فتفكك روابطها.

5- الانتقاد: ما أكثر ما يزداد القول التالي انتشاراً في مجتمعنا: (إنني لا أنتقد بل أقول الحق، فأنا لا أقبل الغلط ولو على قطع رأسي). نعم كثيرون يظنون بأنهم وحدهم يحملون كلمة الحق التي بها ينتقدون الغير. وعندما يحدث هذا فإن تركيزنا على أنفسنا ينقلب ضد ذواتنا، ونصير أهلاً للشفقة. قد نحاول أن ندافع عن حبنا للنقد على أنه (نقدٌ بناء). ولكنه على العكس تماماً فهو يحتوي على أصلٍ مدمر. فالتغيير المطلوب هنا، هو أن يكون الانتقاد للذات وليس للآخر. فنفس الإنسان هي المحتاجة للتغيير.

6- المناورة: هي محاولة التأثير على الأشخاص أو الظروف من خلال وسائل خادعة وغير مباشرة. وهي جانبٌ مدمرٌ من جوانب الشخصية، فهي تشبه المحبة من حيث غلافها الخارجي، ولكنها في مضمونها تعيق المحبة وتدمرها. ولهذا السبب فإن المناورة هي عاملٌ رئيس في صراعات الزوجية وتداعي العلاقات الأسرية. وهي تحمل (التغرير) أي انتظار الفرصة للاقتناص، و(الإغراء) لإظهار أمورٍ جذابة لكنها مضرّة، وتقود في النهاية إلى (الخبث).

المناورة بطبيعتها تنطوي على (عدم الأمانة)، أما المحبة فهي نقيضها لأنها تعمل على أساس الأمانة والمصارحة. الشخص المناور يحيا بسلسلة من الخدع والحيل والتمثيل، حتى يصعب على المرء عادة أن يحدد ما هي حقيقة الشخص بالفعل. أما المحب فهو الإنسان الحقيقي المنفتح على الآخرين بكل إخلاص.

الشخص المناور هو إنسان تلسكوبي بمعنى أنه لا يرى إلاّ ما يريد أن يراه، ولا يسمع إلا ما يريد أن يسمعه، وذلك لأنه يُركِّز انتباهه على مكسبه الشخصي فقط. وهكذا يصير ضميره شديد الظلمة فلا يرى. المناور إنسانٌ محبٌ للسيطرة كمثل لاعب الشطرنج، في أن هدفه الأوحد هزيمة منافسه. وهو أيضاً عديم الثقة بالآخرين، وبالتالي في أن يثق بنفسه. فهو دائماً يفكر كيف تكون له اليد العليا والسيطرة في العلاقة.

أما المحب فعلاوةً على أنه يستمتع بحرية التعبير، فهو أيضاً يثق بالآخرين بحرية. وإذا تحدثنا على صعيد اختيار الأزواج بعضهم لبعض، نحن نجد العديد منهم يرسخون قاعدة هذا الاختيار على المناورة والرغبة في التأثير على الآخر. فالرجل يتزوج لكي يحصل على الحب من زوجته، والمرأة تتزوج لتحصل على الحب والأمان، وكل منهما يناور. وهكذا يُبنى الزواج على أسس هشّة. وبتعبيرٍ أوضح فإن الحب مبني على العطاء، أما المناورة فهي علاقة مبنية على الأخذ، وهي علاقة يفضحها الرفض. فإذا قام المناور كنهاية حتمية لإنهاء اللعبة ورفض نفسه، فهو يقوم بعملية (الانتحار) لنفسه، حتى ولو لم يحقق فعل الموت. ولكن إن استطاع أن ينجح في جعل الرفض كموقفٍ يحمل تمرداً يُفرغ فيه غضبه على شخصٍ آخر، حينذاك يحصل القتل لذاك الآخر، مات أو لم يمت وتكون النتيجة منعكسة على آخر بدلاً من الذات.

ترى هل هنالك خيارٌ آخر غير الانتحار أو القتل؟ نعم هنالك خيارٌ مختلف، خيارٌ نرضى فيه أن تتحول شخصيتنا عن طريق تغييرٍ جذري لحياتنا ومبادئنا، بحيث نكون راضين عيش الحب والحقيقة فلا نراوغ في مناورتنا، بل نكون صادقين في حبنا، راضين أن ندفع الثمن بإعطاء الفرح مع الحب، فنجني نحن بالتالي حباً مع فرحنا الجديد.

 خامساً: دور الحب في التغيير

الحب يحررنا من شوائب كثيرة نحملها ونحن نحيا الرفض والتمرد. فإن كان اختيارنا مبنياً على تبني هذه الحقيقة، وهي أنني أحب مهما كان الثمن، فالثمن هنا أن أُسقط من حياتي ما يدمرها إما بالانتحار أو القتل، فلا يبقى عندي نزعات قاتلة لحقيقة شخصيتي، بل فضائل حميدة تفرزها الأنفس الطيبة، فأنجذب إليها وأختار طريق التحرر الذي يغيرني مما أنا فيه، لأصير على ما أريد أن أكونه ولو دفعت ثمن ذلك التضحيات الغالية.

لذا يجب علينا أن نكون مستعدين يومياً لأن نكتسب ثماراً جديدة مكان الثمار العفنة التي نُسقطها، فلا مكان للعتيق مع الجديد. هذا التغيير الذي نقوم فيه يجد مقاومة من داخلنا أحياناً. فيسعى هذا المقاوم فينا أن يغيّر لنا اتجاهنا. فعندما نسعى لنكون متجهين نحو الشرق يقدم لنا مغرياتٍ تحثنا للتوجه نحو الغرب، ويتم هذا الأمر عندما نُسلّم قيادتنا الداخلية التي صارت عن طريق التغيير في القلب بيد الروح والذهن، لتتحول وتصير بيد المشاعر والأحاسيس. فبدلاً من أن ننقاد تحت قيادة الحق والمبادئ، نصير تحت قيادة اللحظة والنزوات العابرة. هذا لا يعني أنه علينا أن تستغني عن المشاعر، فهي مهمة جداً ومفيدة للتواصل والتعبير. ولكن إذا احتلت مقعد القيادة تصبح في غاية الخطورة. إن المشاعر أُعطيت لنا لتكون تحت سيطرتنا، ومحققة إرادة الروح والعقل فينا، لا لتكون في طليعة حياتنا كسيّدٍ يسخّرنا لخدمته.   

عندما نسمح لمشاعرنا أن تسيطر علينا فإننا عندئذٍ نتوجه نحو المصائب بسرعة جنونية. فنحن نرى الآثار المأساوية للمشاعر التي خرجت من عقالها ولم تعد تحت السيطرة في العالم كله. بعض البلدان تضع الانتحار السبب الأول في وفيات الشباب. والاكتئاب وصل لدرجات وبائية. مما يظهر كيف أن المشاعر يمكن أن تسيطر على المجتمع بأسره إذا أعطيت الحرية الكاملة. لهذا فإن المشاعر الطليقة لا يناسبها التغيير، لأنها تخسر دورها الأول، وما يهمها - والحال هكذا - أن توصلنا إلى حالاتٍ من الانهيار الهيستيري، الذي يمثله شابٌ منطلق بدراجته النارية بالقرب من مدرسة أطفال بسرعة جنونية يوقع بهم يميناً ويساراً، وهو يقهقه مع رفيقه الراكب بالقرب منه لعظمة الانتصار في مغامرته هذه.

التغيير هنا هو ألا تبقى المشاعر في مقدمة مسيرتنا، بل أن نتنعم من فوائد أن العقل والروح يحتلان المقدمة، حينها تكتسب المشاعر سعادة كبيرة. فيصير بإمكاننا أن نعيد بناء أنفسنا، لأن الصدق في المحبة يزيل رواسب الإعاقات النفسية المدمرة. فالصدق يساهم في تكوين الإنسان. فبديهي أن يكون الصدق مدخلاً لطريق الإنسان نحو الاستقامة وليس الاعوجاج. فعناصر الرفض والتحرر الآتيين إلينا من اعوجاج الحياة، يصطلحان عندما نسعى لنجعل قلبنا قلباً مستقيماً، وروحنا روحاً مستقيماً. فنحرر حياتنا التي كانت كلها كذبة، وقد كثر فيها الغش. ولكن بالصدق والاستقامة يبطل الغش فلا يثبت ولا يستمر. والمهم لتحقيق هذا كله أن يكشف الإنسان خفايا نفسه لآخر قادر أن يساعده. لأنه إذا إنسحق المرء واعترف بخباثته يأتيه الفرح، وخاصةً إذا كان مؤمناً فإنه يتنعم برحمة الرب التي تسعفه بلا حدود. 

 

سادساً: الخاتمة

فلنتصرف مع هذا النوع من البشر بحب، وليكتشف هذا الآخر أنه محبوب، بتأكيدنا على إيصال عبارة (أنك محبوب). لأن هاتين الكلمتين إن رغبّناه لقبولهما فإنهما قادرتان على تغيير حياته تغييراً شاملاً.

كلٌّ منا يحتاج من وقتٍ لآخر لأن يشعر بالحب. والحب بالأساس هبةٌ إلهيةٌ أعطاها الله البشر يوم خلقه لهم. فالحب يهزنا من أعماق كيان نفوسنا. وكما الله أحبنا فإن علينا أن نحب بعضنا.

الرسالة التي علينا أن نقدمها لكل متمرد ومرفوض تتحقق عندما نعلن له بالقول والمعاملة عبارة (أنت محبوب). إنها نقطة البداية للتغيير، ولكنها نقطة النهاية أيضاً لأن المتغير بها يطابقها. يصير أيضاً إنساناً محباً. لأن كل حبٍ يعني تحرك كائن نحو الآخر، تحركاً تدفعه الرغبة لنوع معين من اشتراكه في حياة الآخرين. أي أنه بالحب يخرج من عزلته، من قوقعته، ومن مواقفه السلبية الهدامة، فيترك انتحاره بحبه، ويبتعد عن القتل أيضاً بحبه. فالحب يعلِّم التضحية، والفرح الذي لا يُنزع منا هو فرحٌ يقدمه المحب للحبيب، أي الإنسان للإنسان الآخر الجريح. إن حبي للإنسان هو تحرك ذاتي نحوه، دون أن يشعر هو بذلك. أو إلى حدٍ ما دون أن تظهر تضحيتي من أجله، ولكن فرحي بلقائه هو الذي يظهر.

  فإذا كانت الكراهية أو الانحرافات - وخاصةً النفسية الدفينة في الإنسان - تطمس هذا الحب، لا بل وتغطيه أيضاً بطبقة من الوحشية الغريزية تبعده عن الحضور كما مر معنا في نماذج من الرفض والتمرد، إلا أن السعي لعدم التوقف عن حب مثل هذه النماذج، يجعل الحب المشوه لديهم، والملتقي بالحب الصحيح الموجه نحوهم، يتحول عندهم إلى ضميرٍ حي وبذل شامل. فللحب مظاهر كثيرة، وإن كان الحب واحداً. ثم إن الحب لهذا الآخر يكون مشمولاً في كل حالات حياته وفي كل حين.

  فليحمل حبنا محبة عظيمة. دون أن تنقص هذه المحبة لكل إنسانٍ آخر نعرفه. محبتنا مشوهة إن أحببنا فلاناً وكرهنا الآخر. فليكن حبنا طاهراً في نوعه، وليُعْطَ للجميع.

  الحب الحقيقي والكامل يشبه الضغط الجوي الذي يحيط بالكائن ويغلفه بالضغط. ويسعى ليجد منفذاً يصل من خلاله إلى القلب عبر هذا الإنسان. صحيح أن هناك من هو - بحسب ما مر معنا من تشويهات لداخلية الإنسان - يغلق قلبه منعاً من دخول الحب. ولكن الحب لا يتغير، ويبقى كالضغط الجوي محيطاً بالإنسان. ولا بد من أن يدخل إليه مهما تعثرت المحاولات. ثم إن الحب فريد، صحيح أنه واحد في جوهره، وواحد في اتجاهه نحو كل آخر، ولكن شكله يتصف بفرادة تخص هذا الآخر. فيجد أنه محبوبٌ بصورةٍ لا مثيل لها، وليست بصورة حبٍ يناله إنسانٌ آخر. لذلك يشعر هذا المحبوب بأنه مرغوبٌ به بحبٍ فريدٍ لا يقارن بحبٍ آخر. بحبٍ آتٍ من كليّة قلب الإنسان المحب. صحيح أن الإنسان بكونه محدود قد يتعثر حبه غير المحدود، بأن يصل إلى الآخر بصورةٍ غير محدودة. إلا أنه يكمل النقص بتواضعه وعدم كبريائه، الذي يجعل من الآخر راضٍ بكمال غير كامل.

  ختاماً أؤكد بأن لا شيء يغيّرنا كما هو الحب. ولا شيء يجعل من عصرنا يتحرك بلا أزمات، إلا أن حركة الحب هي وحدها القادرة على أن تحرك إنسان عصرنا.  عرض سلايد للموضوع pop