حديث الأسبوع (4 شباط)

أرشيف

وعظة الأحد

محاضرة للأرشمندريت يوحنا التلي

ضمن احتفاليات القديس نكتاريوس

 20-11-2011

القداسة

 أولاً: مقدمة: التكوين المقدس للإنسان

في لحظةٍ من لحظات الزمان "قال الله لنصنع الإنسان على صورتنا ومثالنا، فخلق الله الإنسان على صورته، على صورة الله خلقه، ذكراً وأنثى خلقهم" (تك26:1-27) هذا الخلق الذي تم بإرادة الله وعمله المباشر، شكَّل إنساناً ينتمي إلى التكوين الإلهي، من حيث أن صورة الله إلهية. فإذا كان الله قدوساً، فإن المخلوق على صورته قدوسٌ هو. لهذا يقول سفر الحكمة: "فإن الله خلق الإنسان لعدم الفساد وجعله صورة ذاته الإلهية" (حك32:2).

وإذا كنا اليوم - ولأسبابٍ عديدة - نشعر بالذل أو الانتقاص لكرامتنا أحياناً، فإن هذا لم يكن يوم خَلْقِنا، ولا علاقة له بالمشيئة الإلهية، مشيئة القداسة التي كونتنا. فنحن البشر خُلقنا للحرية وليس للعبودية، للألوهة وليس للمحدودية. فبناؤنا الروحي متشكِّلٌ بوساطة الارتباط الوثيق الذي أراد الله لنا أن نكون مرتبطين به. ولذا دُعي الإنسان ليتمثَّل بالله، ليصير بتدرّجه المتنامي تصاعداً في سعيٍ حثيث ليكون كاملاً مثله. والكمال هو بيت القداسة.

ما نشاهده اليوم في إرث الإنسان الحالي من زوّادة الإنسان الساقط، هو أنه - أيّ الإنسان - يحيا في عطشٍ دائمٍ إلى الكمال والمطلق، ليستعيد صورة الكمال المفقودة. ومهما حقق الإنسان من كمالات، إلا أن الذي ينقصه يبقيه فاقداً لأهم سمة من سمات التشبه بالله /والتي بإمكانه أن يحوزها/ ألا وهي سمة القداسة، التي تعيده إلى الأصل الذي تكوّن منه.

    القداسة تعني خلوّ صاحبها من الخطيئة، مثله كمثل الله. فالمعنى العبري للقداسة هو (الانعزال). ولكنه الانعزال عن الخطيئة والتكرس لله في طهارةٍ. والإنسان يكتسب القداسة باكتسابه شيئاً من صفات الله، مع الالتصاق به (عب10:12)، وكلمة قدوس حسب ما وردت في العهد الجديد باللغة اليونانية تعني (مختلف)، أي أن يكون الإنسان لديه معايير مختلفة كمثل: (سلام مختلف وجمال مختلف).

هذه القداسة هي في الأساس قداسة الله، وهي صبغت الإنسان ليكون مثله. فالله قدوس هو، ونحن نهتف إليه قائلين: "قدوسٌ قدوسٌ قدوسٌ رب القوات، الأرض كلها مملوءة من مجده" (أش1:6-3). وإن السيد المسيح يخاطب الله بقوله: "أيها الأب القدوس...." (يو11:17). ومريم العذراء في تعظيمتها تتحدث عن الله وتقول: ".... واسمه قدوس" (لو49:1)، وزكريا أبو يوحنا المعمدان يتحدث عن عهد الله بقوله: ".... ويَذْكُر عهده المقدس" (لو72:1). ورسالة رومية تتحدث عن وصية الله وشريعته بقولها: "الشريعة مقدسةٌ والوصية مقدسةٌ وعادلةٌ وصالحة" (رو12:7). ليس هذا فقط، بل إن مذبح الله كأحد أغراض العبادة هو مقدسٌ: "... المذبح هو الذي يقدّس القربان" و"الهيكل هو الذي يقدِّس الذهب الذي يطلي الهيكل" (راجع، مت19:23+18). لذا يناشدنا بولس الرسول باسم قداسة الله، واصفاً لنا نوع عبادتنا قائلاً: "فأطلب إليكم أيها الأخوة برأفة الله أن تقدموا أجسادكم ذبيحة حيّة مقدسة مَرضيّة عند الله عبادتكم العقلية" (رو1:12). أمام هذه القداسة المدعوين لنكونها، والتي ترتكز إلى إعلان الله قداسته هذه لنا بمختلف أسفار الكتاب المقدس، فإن المؤمن الحقيقي يلمس نجاسته أمام قداسة الله، مما يشجعنا على الاعتراف بخطايانا. والمؤمن يصير قدوةً لضعيف الإيمان، فيتشجع ليقتدي به، ويصير هو أيضاً مثالاً لله. هكذا ندرك مدى عظمة الله، وشناعة خطيئتنا، ومدى أبعاد غفران الله.

ثانياً: القداسة في العهد الجديد

قديسو العهد الجديد هم المسيحيون عامةً (أع41:9)، أعضاء الكنيسة المقدسين في المسيح يسوع: "إلى الذين تقدسوا في المسيح يسوع، المدعوين قديسين..." (أع2:1)، ومختاري الله: "فباعتباركم جماعةً مختارةً من الله، قديسين محبوبين..." (كو12:3).

القداسة هنا صفةٌ تُطلق على الذين تعمّدوا على اسم الثالوث القدوس، وتقدّسوا بالنعمة الإلهية، فامتلأوا من الروح القدس وصاروا هيكلاً له: "أما تعلمون أن جسدكم هو هيكل الروح القدس الساكن فيكم والذي هو لكم من الله..." (1كو19:6).

المؤمنون هم قديسون، لأنهم يجتمعون حول كلمة الرب، وحول الأسرار الإلهية التي تقدسهم. هم قديسون أيضاً، لأنهم يجتمعون في كنيسة الرب المقدسة. فيسوع المسيح القدوس هو رأسها ومقدسها، وهو في وسطها إلى الأبد. فالمؤمنون ليسوا قديسين بحدِّ ذاتهم، بل لأنهم دخلوا المعمودية والأسرار في شركة الكنيسة المقدسة.

إلا أن هنالك مفهومٌ خاصٌ للقداسة، وهو يختص بالذين تعلنهم الكنيسة على أنهم قديسين، فتطوبهم بعد رقادهم. أي أن الكنيسة اعترفت بقداسةٍ متميزةٍ لمثل هؤلاء. فالقديس بحق هو ذاك الذي حقّق في ذاته القداسة بنعمة الله، مقتدياً بالمسيح في حياته ومماته، مقيماً علاقةً حميمةً مع الله. فالقداسة هي نتيجة علاقة المحبة المتبادلة بين الله والإنسان، ليكون الإنسان على مثاله: "وإنما اسلكوا سلوكاً مقدساً في كلِّ أمرٍ مقتدين بالقدوس الذي دعاكم" (1بط15:1). ليس القديس المطوَّب من الكنيسة قديساً لأنه تقدس بيسوع المسيح والروح القدس من خلال المعمودية فقط، بل هو بالإضافة إلى قداسة المعمودية قد حافظ على نعمة القداسة هذه بالعمل حسب وصايا الله، متمماً مشيئته، ومحققاً مشيئة الله في ذاته. وحين يرقد المؤمن وهو بهذه الحال. محققاً التأله في هذه الدنيا. ومستوطناً عند الرب في الحياة الثانية يكون هو مَن يستحق تطويب الكنيسة بالقداسة. "فنحن واثقون إذن، وراضون بالأحرى أن نكون مغتربين عن الجسد ومقيمين عند الرب" (2كو8:5).

فمثلاً: مريم العذراء التي تطهّرت بحلول الروح القدس عليها (لو35:1) أي أنها تطهّرت بنار اللاهوت، فحملت الكلمة القدوس في أحشائها، وصارت بحسب تسمية الكنيسة لها: (أكرم من الشيروبيم، وأرفع مجداً بغير قياس من السيرافيم...) وصارت مثال الإنسان القديس المتحرر من الخطيئة، بفضل النعمة الإلهية، وبقبولها الشخصي الحر، وسعيها المتواصل للحفاظ على القداسة.

وبحسب العهد الجديد فإن الكنيسة هي بيت القداسة، لأن الكنيسة مقدسة، وفي وسطها ينمو أشخاصٌ قديسون يتممون مشيئة الرب ويتلقّون نعمته. وفي ساعة موتهم تبقى تلك القداسة المعاشة فيهم، لتُستعلن في يومٍ لاحقٍ على الملأ. فيبقى القديس مكرماً إلى الأبد في الكنيسة وعند مؤمنيها. فالقديس يُطوَّب لأنه أعاد صورة الله إلى نفسه بعد أن شوهتها الخطيئة. ومن أبرز الأمثلة على هذا نجدها في شخص اللص التائب عندما قال له الرب: (اليوم تكون معي في الفردوس). لقد رفعه المسيح من حالة الذل والهوان التي سببتها له الخطيئة، إلى المجد الذي سيناله المؤمنون بحيث يعطيهم: "كل من سينتصر - بحسب قوله - سأجلسه معي على عرشي، كما انتصرت أنا أيضاً فجلست مع أبي على عرشه" (رؤ21:3). فالتكريم أساساً مصدره يسوع، ومصدره الكنيسة أيضاً، التي تقوم بهذا التكريم ويسوع فيها هو الرأس. فيسوع شفيعنا عند الله الآب، وكل قديس هو بالمسيح شفيع لمن يطلبه.

وهناك أمثلةٌ كثيرةٌ يصفها لنا تعليم العهد الجديد، كمثل (المدينة المقدسة) أورشليم، وهي التي يقيم فيها الله (مت5:4)، و(جبل التجلي) قد صار (جبلاً مقدساً) لحضور الله فيه (2بط18:1)، وبطرس أيضاً (يناشدنا بالقداسة) كمثل الله: "نظير القدوس الذي دعاكم كونوا أنتم أيضاً قديسين في كلِّ مسيرة. لأنه مكتوب: كونوا قديسين لأني أنا قدوس" (1بط15:1-16)

ثالثاً: ارتباط القداسة بالروح القدس

القداسة هي عملٌ من أعمال الروح القدس. يصل إليها الإنسان بعد جهادٍ حقيقيٍ، يسعى من خلال إيمانه، في أن يتجنب عيش الخطيئة وينفصل عنها كلياً. فتنجذب نفسه نحو الروح القدس الذي يفعل فيه فعل الطهارة، فيكرّس نفسه لهذا الروح، بواسطة تبنّيه لحياة القداسة التي تتم بفضل امتلائه من الروح القدس. هذا الروح هو الذي يتعهد القداسة لمن حلّ فيه، رغم أن مصدر القداسة هو الآب السماوي حسب قول الكتاب: "كونوا قديسين كما أن أباكم السماوي قدوس" (1بط16:1) ونتعلمها من مصدرها بحسب الإله المتجسد، الذي يقول عنه بولس الرسول: "وبفضل الله صار لكم مقامٌ في المسيح يسوع الذي جُعل لنا.. قداسةً وفداء" (1كو30:1). فالقداسة تتحقق بالشركة مع يسوع من خلال مفاعيل الروح القدس التي تأتينا بطرقٍ أهمها:

أ- قبول الروح القدس: يقول يسوع في سفر يوحنا: "عن الروح القدس الذي كان المؤمنون مزمعون أن يقبلوه" (يو39:7) حيث يتابع في مكانٍ آخر قوله: "ولما قال هذا نفخ فيهم وقال لهم اقبلوا الروح القدس" (يو22:20). إن هذا القبول قد كان بمثابة امتلاءٍ من الروح القدس، ليكون بمثابة عربونٍ - أو تقدمةٍ - لما سيختبره كلُّ المؤمنين في يوم الخمسين. ولن يتوقف فعل الروح القدس عندهم، بل سيتحول إلى قداسةٍ عند كل المجاهدين بنعمة من الله، وسترافق هذه القداسة حياتهم إلى الأبد. وللتوسع بهذه الفكرة نذكر أن نسمة الله كانت حياةٌ في الخلق الأول للإنسان (تك7:2)، وبالتالي فإن نسمة الحياة تلك هي التي صيّرت الإنسان مختلفاً عن سائر كلِّ أشكال الخليقة الأخرى. والآن - ومع الروح القدس - تتم نفحة نسمة من الرب يسوع، فينال الإنسان - إن أراد - من الله الحياة الروحية الأبدية، أي القداسة. ومن جهةٍ أخرى، فإنه /مع هذه النسمة/ جاءت القوة لتنفيذ إرادة الله على الأرض، أي عمل القداسة ليشمل الجميع، فينتفع منه الذين يريدون (أي المؤمنون الحقيقيون). هذا الكلام دعا بطرس يقول للشعب: "توبوا وليعتمد كلُّ واحد منكم على اسم يسوع... فتقبلوا عطية الروح القدس" (أع38:2).

ب- الامتلاء من الروح القدس: يطالعنا سفر الأعمال عن القداسة التي تحصل للمؤمنين عن طريق هذا الامتلاء، فالتلاميذ وجمهرة المؤمنين عندما حلَّ الروح القدس عليهم يوم الخمسين: "امتلأوا جميعاً من الروح القدس، وابتدأوا يتكلمون بألسنةٍ أخرى كما أعطاهم الروح أن ينطقوا" (أع4:2). ومرةً أخرى بفضل صلاة التلاميذ يقول سفر الأعمال: "...ارتجّ المكان الذي كانوا مجتمعين فيه وامتلأوا جميعاً من الروح القدس فأخذوا يعلنون كلمة الله بكلِّ جرأةٍ" (أع31:4). وبكل تأكيدٍ ليست هذه الجرأة اندفاعاً متهوراً، بل جرأةً يشترك فيها الروح، وتتطلب شجاعةً للعمل بما هو صوابٌ وحقٌّ. ونضيف القول، إن التلاميذ الذين تمثلت القداسة فيهم، ازدادت جرأتهم وشجاعتهم بفضل الصلاة، فلنتعلم منهم أن نحقق بصلاتنا نيل قوّةٍ تأتينا من الروح القدس، فنتحول إلى شجعان. وحينها تكون حياتنا الروحية مصدر قداسة لنا، نحقق بها مفاعيل كلِّ أعمال بشارتنا وأدوارنا الاجتماعية. وبهذا تستمر حياتنا الكنسية بنجاحٍ، ويتكون لدينا قديسون وربما شهداء، كما كانت الكنيسة القديمة حافلةً بأعدادهم وأعمالهم، التي كوّنت منجزاتٍ في التقدم الكنسي.

 رابعاً: القداسة هي حياة الله فينا

الله يريد قداستنا (أش3:4) وهو الذي يقدسنا. فهدف حياتنا ليس الأخلاق الحسنة والسلوك الجيد، فمثل هذه المزايا يجب أن تتوفر عند الجميع وخاصةً عند المؤمنين. إلا أن هدف حياتنا هو القداسة، التي تشغل الإنسان ليظهر المسيح بكلِّ تصرفاته وأقواله، مع السعي المستمر نحو الكمال. فالإنسان هو رسالة الرب المكتوبة بالروح القدس، ليصير شاهداً ليسوع بالدم، أو بقداسة حياةٍ محققاً قول بولس الرسول: "أنتم ختم رسالتي في الرب" (1كو2:9). هذه الخاتمة هي انطلاقةٌ نحو تصيير قداسة تكون متصفةً بصفات من خَتَمَها بختمه، لأن الإنجيل وُجد ليصير أشخاصاً، والكنيسة تتكون بالمسيح مع قداسة هؤلاء الذين يعملون لتغيير قلوب العالم.

    ثم، بعد هذا الختم تستمر المسيرة بالنعمة تلك، التي يهبنا الله إياها، فيتفاعل معها الإنسان ويصبح قديساً. أي يبتدئ بحياة القداسة. فالقديس بهذا المعنى ليس هو المنزّه عن الخطيئة، إنما هو مَن يدرك أنه خاطئ وأنه يبتعد عن الخطيئة، مع السعي الدؤوب عبر توبته الصادقة. ولنتذكر أن القديسين بدأو بمثل هذا الطريق، لدرجة أن بعضهم كانوا زناة ولصوصاً وقتلة.... الخ، ولكنهم لم ييأسوا من رحمة الله، بل دخلوا الكنيسة ونالوا النعمة الإلهية. فالمتعمدون تذكّروا معموديتهم، وغير المعمدين تعمّدوا، وتغنى الجميع بالقداسة المعطاة لهم عبر هذا القول: "أنتم الذين بالمسيح اعتمدتم المسيح قد لبستم" (غلا27:3)، هذه الآية الجميلة التي ترددها الكنيسة لتذكرنا بغاية حياتنا، تدل على أنه يمكننا الاتحاد بالله ونيل التأله والتقديس "والمشاركة في الحياة الإلهية" (2بط4:1).

خامساً: القديسون وأثرهم على حياتنا

1- "انفتح" (مر34:7) هذا ما قاله يسوع للمريض الأصم الأخرس "وفي الحال انفتحت أذناه، وانحلت عقدة لسانه، وتكلّم بطلاقةٍ" (مر35:7). والمسيحي المؤمن عندما يقرأ قصصاً وأحداثاً وكلماتٍ لآباءٍ قديسين، عليه أن يتذكر أن المسيح يفتح كلَّ ما هو مغلقٌ في الإنسان. فنحن بحاجةٍ لكي تنفتح أذهاننا نحو موضوع الإيمان، لا بل وقلوبنا أيضاً. فهذه القراءة هي دعوة الإيمان، فالمؤمن هو مَن ينفتح فيه الذهن والقلب، وهو ما دعا يسوع مرةً أن يقول لأحدهم: "إن كنت تستطيع أن تؤمن فكلّ شيءٍ مستطاعٌ للمؤمن" (مر23:9). ونحن نطلب أن ينفتح أمامنا الكتاب المغلق، كتاب إعلانات الله السماوية لندخل من خلاله إلى عالم القداسة. ونحن نذكر أنه انفتح مرّةً أمام يوحنا صاحب سفر الرؤيا، وقرأ ورأى وسمع وفهم، حتى احتوى في قلبه ذات المعنى لقول بولس الرسول: "إني أستطيع كلَّ شيءٍ بالمسيح الذي يقوّيني" (في13:4).

ونحن اليوم علينا أن ندع يسوع يخترق القلوب والأذهان، التي رضي أن يفتحها ويقيم له فيها مسكناً، فهي بيت الألوهة غير المحدود. فليدخلها عبر هذا الإيمان، إيماننا الذي هو مفتاح حياة الذين يعيشون حياة الله والمسيح. لنقرأ مع قراءتنا غير المنقطعة للكتاب المقدس قصص القديسين وسيرهم وكتاباتهم التي تتنوع فيها القداسات. ولنضع في بيوتنا أيقونات رسومهم. ذلك الكتاب المقروء بالحواس الذي يُغني الأمّي والمتعلّم على السواء.

تتشكّل القداسة عندنا، عندما نقف أمام الله لنسمعه ونكلّمه، ليصير لنا حديثاً شخصياً معه، نغنيه بخبرات مَن سبقونا في الوقوف له، من قديسين عاشوا ما نسعى إليه اليوم بواسطة الإيمان والفضيلة والتقوى والأعمال الصالحة؛ فحققوا القداسة المنشودة التي يريدنا الله أن نقتنيها نحن بدورنا أيضاً. ولنا مَثَلٌ في شخص القديس بولس القائل لنا "اقتدوا بي كما أنا بالرب" (في17:3). فلنتعرف عليه كثيراً، فنعرف من خلاله الله كثيراً. هذا عمل يساعدنا فيه الروح القدس، الذي ألهم هؤلاء القديسين أن يقتنوا الله، وجعل لهم بالمسيح حياة. فلنطبِّق عليهم قول بولس الرسول، ونردد معه قائلين بأن علينا أن نقتدي بهم كما اقتدوا هم بالرب. فنصل مثلهم إلى الرب، هذه هي القداسة التي تنفتح علينا كعمل إلهي يتحقق لنا من لدنه تعالى.

القداسة هي أن ينشغل ذهننا مع الله، فالانفتاح الذي يحققه المسيح لنا يستمر بمتابعة الروح القدس له، والذي نعبِّر عن تواصله فينا غير مقتصر على الذهن، بل يمتد عبر الفم الذي ينقل حركة الذهن بصلاةٍ مسموعةٍ نحو الله، لأن بإمكان الذهن أن يوصل حركة صوته مباشرةً دون أصوات الفم. لكن المهم أنني عندما أتحدث إلى الله بذهني أم بفمي، عليَّ أن أركِّز ذهني بشدةٍ نحوه. وهذا التركيز يستدعي أن يكون لنا ذهنٌ حرٌّ من كلِّ فكرٍ وشعورٍ وخيال، من كلِّ ما يمكن أن يجذبه ويحرك اهتماماته ويجعله يميل عن طريقه. بمستدعيات هذا التركيز ينفتح باب القداسة على المؤمن، كما سبق وانفتح على القديسين السابقين لنا، كما سبق وانفتح على القديسين السابقين لنا.

2- (دموع القداسة): بعض من الناس يستخف بإنسان لأنه ينجذب إلى الله، وهو غارقٌ في بحر الدموع، ويكون كمن يسبح ليصل بمياه دموعه إلى شاطئ الألوهة. فلنعلم أن هذه الدموع ليست هي بكاء، ولا علاقة لها بموضوع البكاء. حتى مياه مقلتي العينين لا يأتيان بذات دموع البكاء. إنها دموعٌ معطاةٌ من الله، تساعد المتجه نحوه لكي يرتقي بها الطريق للوصول إليه سبحانه. أما وجهها البشري فهي دموعُ قداسةِ هذا الإنسان، الذي يتنقى بطهارةٍ ونقاوةٍ بواسطتها، كما حصل للقديسين الذين أسعفتهم دموعهم في الوصول إلى المبتغى. فما علينا إلا أن نعلم أنه عندما تأتينا هذه الدموع، حينها نعرف أن العون الإلهي هو الذي أتى، وأن الله هو في مكانٍ ما بالقرب منا، لا بل هو في داخلنا. هي - بكلِّ تأكيدٍ - حالة قداسةٍ لا يفوقها شيءٌ آخر، إلا حالة الإنسان الأول، يوم كان يمشي مع الله في الفردوس ويتحاور معه. فالمكمِّل الآن هو وصولنا إلى تلك الحالة، حالة القداسة التي تعطي لتلك الدموع غاية وجودها. فماذا يتحقق لإنسان الدموع هذا، لا بل لهذا القديس؟ إنه يدرك سرّاً مهمّاً من أسرار الله التي تنكشف لنا بالتدرج، يدرك أن الله بذاته يفرح بهذا الإنسان، فيخلق هذا الأمر في داخله تذوقاً مسبقاً للفرح، وكأنه إعلانٌ عن حضرة الله بقرب هذا الإنسان، فينتابه إحساسٌ بضرورة شكر الله، قبل نيل ما سيعطيه الله لهذا الإنسان الذي يتقدس بالتدريج. فكما يخبرنا القديسون من أنهم يحيون هذا الفرح، الذين وصلوا إليه بألم، لأنهم كانوا يتحررون به من الأهواء، ويصيرون عديمي الهوى وكثيري الفرح. يتحول القديس كما لو كان طفلاً صغيراً يركض، يعدو ولكنه في كلِّ لحظةٍ يحادث الله. إنه كالعصفور الحر الطليق. وامتلك حالةً من البساطة. وكلما توغل القديس بعمقٍ في بساطته، كلما ازداد حديثه مع الله وضوحاً. هي حالةٌ من البهجة يصبح فيها الإنسان ذي نفسٍ جديدة. في هذه الحالة الجديدة تزداد الرغبة في الصلاة النقية، صلاة يسوع التي هي صلاة الذهن، لا بل صلاة القلب أيضاً. كلُّ هذا يجتمع في وحدة الإنسان القديس، الذي يلملم أجزاءه بوحدةٍ كيانية لا تمَزُّق فيها ولا اضطراب. لذا يشعر القديس بحياةٍ مغمورةٍ في الهدوء والسكينة، يتوحّد فيها الذهن والقلب بصورةٍ خاصة، بدون القيام بأيِّ فعل. هي حالةٌ روحيةٌ ينساب فيها الذهن إلى القلب عن طريق الصلاة: "صلوا بلا انقطاع"(1تس17:9).

3- (القداسة هي الحياة مع الله): إنها أفضل صورةٍ لحياةٍ يحياها القديس مع الله، لأنه يصير "ملاكاً بالجسم" فكم بالحري بالروح. فعندما نقرأ حياة القديسين علينا أن نكتشف كلَّ تلك الأمور في حياتهم، ونقلدهم بها. ومع صلواتنا ومطالعتنا للكتاب المقدس نجد أنفسنا بين أحضان الله. نجد أنفسنا ننعم برفقة هؤلاء القديسين، الذين كلهم في قلب الله يسكنون، لأنه سبق وأسكن كلَّ واحدٍ منهم الله في قلبه. هي حالةُ البنوةِ الحقيقية لله، الحالة التي تكتمل أبوّة الله عند كلِّ واحدٍ منهم، فيحيا معه متفهماً تماماً أن هذا هو أبوه، الذي سبق وعرفه من قبل مولده، وها هما الآن يتحدثان الواحد مع الآخر.

4- (شروط إحساسنا بوجود القديسين قربنا): لا يظننَّ أحدٌ بأن القديسين بعيدون عنا، وعن تأثيرهم على حياتنا. ولكن لا نشعر بوجودهم عندما نهمل عيش مسيحيتنا، وخاصة حفظ تعليم يسوع ووصايا الإنجيل والعمل بهما. ولنعلم أن ما يجمعنا بهم هو الروح القدس، فهم يحيون بالسماء بالانقياد إليه، وبالارتباط لكافة ترتيباته لهم. ولكن الروح القدس بعينه هو معنا هنا على الأرض أيضاً، هو حاضرٌ في كنيستنا، ويعمل في الأسرار، وينفخ بروحه القدوس على معاني كلمات الإنجيل التي نقرؤها. وهكذا نراه يحيي النفوس، ويوحِّد البشر وكافة من هم تحت سلطانه. هكذا، نشعر بقرب القديسين منا؛ فمثلاً عندما نصلّي نشعر بأن القديسين قد سمعوا صلواتنا بالروح القدس، وتعرف أرواحنا أنهم أيضاً يصلّون لنا.

5- (القديسون من السماء يطلّون علينا): يعاين القديسون الله في العالم الآخر، ويرون بهاء وجه السيد بالروح القدس، وبذات الروح القدس يرون حياتنا وأفعالنا. إنهم يعرفون عناءنا، ويسمعون أنّات قلوبنا، وبالروح عينه يعلمون باحتياجاتنا. وعندما كانوا على الأرض ولهم علاقات مع البشر، كانوا كتلاميذ للروح القدس، يتعلمون الحب حقيقة، ويتعاطون العلاقات البشرية مع أترابهم بهذا الحب عينه. والآن وهم في عالم الملكوت، لا زالوا أُمناء لهذا الحب، بل قد ازداد لهيب قلبهم به، فهل يمكن نسيان أبناء الأرض؟ كلا!! إنهم يتواصلون معهم بهذا الحب عينه. ونحن علينا أن نوطِّد إيماننا لرؤياهم كما يروننا.

6- (بالحب نلتقي مع القديسين): العلاقات وطيدةٌ بين الروح القدس والقديسين، وأيضاً العلاقة وطيدةٌ بين الروح القدس والشعب المؤمن المصلي، والذي يحيا الحب بين الله والناس. لهؤلاء ينكشف دور العلاقة المتحققة للقديسين، التي يساعد فيها الروح القدس، الذي كشف له كل شيء في الكون، وهو يكشف لنا نحن البشر الدور الذي يقوم به القديسون الذين يشهدون آلامنا وخطايانا وتوبتنا وكل ما يتعلق بنا. وفي محفل القديسين، حيث والدة الإله والرسل وباقي القديسين يطلبون من أجلنا عند الرب يسوع ليحقق لنا أموراً أفضل. ويسوع يلبي في كثير من الأحيان طلباتهم فينال الشعب الرحمة. ولا ننسى محبة يسوع لشعبه، الذي افتداه ورفع عنه خطاياه. فليس بغريب أن يقبل طلبات القديسين مثله مثل الله القائل في الأمثال وفي سفر صموئيل: "إني أحب الذين يحبونني، وأمجّد الذين يمجدونني" (أم17:8+1صم30:1).

نعود إلى القديسين فهم كانوا يمجدون الله، لذا فإن الله يمجدهم، لأنه بدوره ممجّد فيهم. ومن خلال هذا المجد ينال الشعب المؤمن البركات.

7- (الصلاة هي طريق شركتنا مع القديسين): ولنسأل السؤال المهم التالي: متى بإمكاننا أن نشعر أننا في حياة شركةٍ مع القديسين، كما هي حالة شركتنا مع الله؟ الجواب واضحٌ تماماً، الشعور يتحقق في ساعات الصلاة. فالصلاة ليست في عزلةٍ، إنما هي صلاةٌ تتم بالروح والحق. أي أنها صلاةٌ تتم بحضرة الله، وحضرة كلِّ مَن هو مؤمنٌ بالله، وعلى رأسهم القديسين. المصلّي الحقيقي يحمل رهافةً في الروح، فلا ينسى ذكر أحبائه ومعارفه، وبالتالي لا ينسى ذكر القديسين، خاصةً الذين هم شفعاء له. بدون هذا تكون صلاة الإنسان فارغةً كفراغ الروح الذي يتحرك فيه. أما المصلّي بالروح، فيريد أن يحضر أمام الله مع الجميع، وليس من الممكن أن يكون بدونهم.

كل هذا يأتي من قبل الصلاة، لهذا ينصحنا نيلوس الناسك بقوله: (إذا لم تحصل على موهبة الصلاة فأقمْ في مكانك بانتظار الحصول عليها). أي أن يكون لنا رجاء أن يمنّ الروح القدس علينا، ليوصل صوت تضرعنا إلى الله. والله لا بد أن يستجيب ويقدم لنا تلك الموهبة.

 سادساً: السُّبُل إلى القداسة:

بالقداسة نصل إلى المسيح، وسبيلنا لهذا الوصول يتحقق في التغيير بالسلوك والتصرف، وهو التجديد في المسيح يسوع، وهذا يتم "بأن تخلعوا من جهة التصرف السابق الإنسان العتيق والفاسد بحسب شهوات الغرور، وتتجدّدوا بروح ذهنكم، وتلبسوا الإنسان الجديد المخلوق بحسب الله في البرّ وقداسة الحق" (أف22:4-24). إذن علينا أن نلبس الجديد، وجديدنا هو المسيح. أما دورنا المرافق فنحقِّقه بالسبل التالية:

1- أن نتقدس بالمعمودية: بالمعمودية نغسل خطايانا الآتية من الخطيئة الأولى وتالياً من أفعالنا، فنلبس صورة الله الذي هو قداسة، أي يسوع المسيح: "... كلكم الذين اعتمدتم بالمسيح قد لبستم المسيح" (غل26:3-27). فكما أن الماء يغسل الجسد ويجعله نظيفاً، هكذا أيضاً الروح القدس الحال في الماء فيجعله متقدساً. فننال القداسة في المعمودية. ولكن عندما نخطئ فالخطيئة تشوه طبيعتنا، فنزيلها بواسطة التوبة التي هي تجديد لمعموديتنا بوساطة دموعها.

2- نتقدس بالميرون: الميرون هو زيتٌ مقدسٌ حالٌ فيه روح الله القدوس، ويصبح المعتمد قديساً: "وأما أنتم فلكم مسحةٌ من القدوس وتعلمون كلّ شيء" (يو2:20) فتصير "أجسادنا هياكل للروح القدس" (1كو19:6). "هيكل الله مقدسٌ الذي هو أنتم" (1كو17:3).

3- نتقدس بالتوبة الحقيقية: نحن بالخطيئة نتشوه، وحتى روح الله القدوس الساكن فينا ينطفئ من دواخلنا، وما سبيلنا لاستعادته إلاّ بالتوبة والاعتراف، ولكن بصدقٍ وجدّيةٍ متجهين بسلوكنا إلى وضعٍ جديدٍ ومرددين تلاواتٍ من المطالبسي، ومن المزمور 50 خاصة قولنا فيه: "تنضحني بالزوفى فأطهر، تغسلني فأبيض أكثر من الثلج... اصرف وجهك عن خطاياي وامحُ كل مآثمي... وروحك القدوس لا تنزعه مني" (مز50 = 7:51-11). أما تطهيرنا فيتم بدم المسيح.

4- نتقدّس بسر الإفخارستيا: ملء حياتنا يكتمل قداسةً عن طريق مناولتنا للجسد والدم الإلهيين: (القدسات للقديسين) بهذه التلاوة المبنية على الإيمان الصحيح فإن دم المسيح المهراق من أجل خطايا العالم هو الذي يغسلنا من خطايانا، ويعيدنا إلى صورة القداسة. فالمناولة هذه تقودنا إلى الاتحاد بالمسيح، الذي هو اتحادٌ في القداسة. فالقداس الذي هو وليمةٌ سماويةٌ مركزها المناولة بوصيةٍ من الرب: "هذه الكأس هي العهد الجديد بدمي الذي يسفك عنكم" (لو20:22) "ثم تناول كأساً وشكر وقال خذوا هذه واقتسموها بينكم... وأخذ خبزاً وشكر وكسر وأعطاهم قائلاً هذا هو جسدي يبذل عنكم، اصنعوا هذا لذكري" (لو17:22-19). كلُّ هذا الفعل المقام في القداس يمنح التقديس لمن يريد التقديس. فمنذ دخول المؤمن إلى الكنيسة حاملاً خطاياه، إلى لحظة المناولة فإنه يتقدس، أيّ يصير قديساً، ويصبح مهيّأً لتناول جسد المسيح ودمه. لذا يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: (إن الله لا يمكن أن يعطي الإنسان أكثر مما يعطيه في المناولة المقدسة، ولا يمكن للإنسان أن يطلب ما هو أكثر من الله المعطى له في المناولة). فالكنيسة بهذا المعنى هي المكان الوحيد للقداسة. ويبقى هذا الكلام صحيحاً بالرغم من الضعفات التي نجدها أحياناً عندنا أو في الكنيسة. فلنتشدد كلما ضعفنا، ولنقل مرددين قول المسيح لتقويتنا: "قوتي في الضعف تكمل" (2كو9:12) لتبقى القداسة مبتغانا، ونحن في أشد الحلكة التي تخرجنا منها الكنيسة بسر قداستها.

5- نتقدّس بالصلاة: الصلاةٌ حديثٌ مع الله، نكلمه باللسان ولكن من الفكر والقلب والعقل. كل هذا يتجه إلى قداسة الله، فننال منه جوابه على صلاتنا، قداسةً من لدنه تعالى. والرب يسوع عندما صلّى رفع صلاته إلى الآب قائلاً له: "أيها الآب... قدِّسهم في حقك... ليكونوا هم أيضاً مقدسين في الحق" (يو17: 17+19). أيضاً في الصلاة الربانية علّمنا يسوع أن نقول لله: (ليتقدس اسمك) عسى أن ننال بالمقابل قداسة الروح والنفس والجسد، لنصل بالقداسة كما قلنا إلى الفكر والعقل. فنحن أيُّها القدوس بحاجةٍ ليتقدس لساننا وفمنا وكلامنا، لا بل أيضاً نياتنا ومشاعرنا وأحاسيسنا، وسننال بالصلاة كلَّ هذا، لأن اسمك يا الله قدوس. وهذا ما يصليه بولس الرسول لأجلنا بقوله الصلاتي: "إله السلام نفسه يقدسكم بالتمام، ولتُحفظ روحكم ونفسكم وجسدكم كاملةً بلا لومٍ عند مجيء ربنا يسوع المسيح" (أف23:5). فمثل هذه الصلاة وغيرها لا تعطينا فقط القداسة، بل تُبعد عنّا أيضاً خطايا اللسان، وشهوات القلب والفكر والنفس والجسد، لأن يسوع علمنا بقوله: "طوبى لأنقياء القلوب فإنهم يعاينون الله" (مت8:5).

6- نتقدّس بكلمة الله الحية: كلمة الله مقدسةٌ لأنها صادرةٌ من القدوس. وهي أيضاً كمثل فاعلية الصلاة فينا، تقدِّس الفكر والقلب والنية. لأننا حين نقرأ كلمة الله في الكتاب المقدس تسكن - بدلاً من الخطيئة - في فكرنا وقلبنا: "لأن كلمة الله حيَّة وفعَّالة وأمضى من كل سيف ذي حدّين، وخارقة إلى مفرق النفس والمفاصل والمخاخ ومميزة بأفكار القلب ونيّاته" (عب12:4). فالكلمة تنقي وتغسل لتبقى بموجبها القداسة وحدها ناصعةً واضحة. فيسوع عندما كان يكلم التلاميذ قال لهم: "أنتم الآن أنقياء لسبب الكلام الذي كلمتكم به" (يو3:15). هذه هي القداسة الآتية إلينا من سماعنا لكلمة الله.

7- نتقدّس بعودتنا إلى براءة الطفولة: بدون قداسة لن ندخل عالم الملكوت. ومن هذا القبيل قال يسوع كلاماً اقترن بربط القداسة مع حياة الطفل: "الحقّ أقول لكم إن لم ترجعوا وتصيروا مثل الأولاد فلن تدخلوا ملكوت السماوات" (مت3:18). فالقداسة تدعونا كباراً وصغاراً أن نترك الخبث واللؤم، لنحمل من شخصية الطفل براءته ونقاوته، بعيداً عن الخطيئة والشر والشهوة، ونبقى محافظين على مستودع الطفل الداخلي حتى نتصرف كمثل آدم قبل السقوط، أي بالبرارة والقداسة اللذين حملهما هو وحواء قبل شهوة الخطيئة. وبهذه الصورة نعود نحن إلى الطفولية المقدسة التي يدعونا المسيح إليها.

 سابعاً: خاتمة

يقول القديس يوحنا مكسيموفيتش: (القداسة هي ثمرة تعب الإنسان وعطيةٌ من الروح القدس. لا يبلغ إليها إلا الإنسان الذي يحمل الصليب ويخوض باسم المسيح حرباً ضد ما يحول دون القداسة وما يعيق التقرّب من المسيح. هذه العوائق هي الخطايا والعادات السيئة المتجذّرة بقوةٍ في النفس. إن النضال ضدها عملٌ أساسي للمسيحي، وبقدر ما يطهِّر نفسه يتلقّى الروح القدس).

كثيرون يعتبرون أن الآلام هي دربٌ يوصل إلى القداسة. هذا صحيحٌ بكلِّ تأكيدٍ، لكن العذاب والآلام لوحدهما لا يحققان الهدف المنشود، إنما يتحقق هذا الهدف عن طريق السعي إلى الله، ومحبته والجهاد لتخطي العوائق. كل هذا /وبعون الروح القدس/ يصير مصنعاً للقداسة.

من جهةٍ أخرى فإن القداسة هي التي تتحقق لنا، بقدر ما نفرز أنفسنا لنكون من رعية الله القدوس، تلك الرعية التي تسير وراء راعيها يسوع، بكونه هو (الراعي الصالح). ورعايته أن تقودنا إلى حظيرة القداسة، التي هي الكنيسة: لكون كلمة الله /التي هي الكتاب المقدس/ يتمركز في وسطها الله وعلى مائدتها بشكلٍ دائمٍ، ليكون لنا هو الطعام الحقيقي، الذي يتغذى منه الإنسان مقروناً مع الطعام الإفخارستي، الذي هو جسد يسوع ودمه. ومن هنا نفتح باباً لن يغلق وهو الكتاب المقدس، لنسترشد به إلى المعاني التي تحتوي على القداسة، لنحققها حياتياً كي لا تبقى كلماته جامدةً على الورق. وسأذكِّر ببعض هذه الآيات كي تحرِّك فينا رغبة التوجه نحو الروح القدس، لتصبح هذه الكلمات قوى روحيةً تصيِّرنا قديسين، فمثلاً:

1- "ببيتك تليق القداسة يا رب" (مز5:93) هذا يعني أن أساس مُلك الله الأبدي هو قداسته. فالله لا يمكن أن يفعل شيئاً غير مقدس، كما أنه لا يمكن أن يسمح لشيءٍ غير مقدس أن يستمر أبداً. وهذا يرينا خطر استخدام وسائل غير مقدسة لتحقيق غاياتٍ مقدسة، لأن الله يقول: "كونوا قديسين لأني أنا الرب إلهكم قدوس" (لا1:19-2).

2- "تبارك الله.. لنعبده بقداسة وبرٍّ طوال حياتنا" (راجع لو67:1-75)، بهذا التسبيح استهل زكريا كلماته بعد صمته الطويل، ليعلن رابطة العلاقة بيننا وبين الله، وأنها تقوم على عبادته بقداسة. فالقداسة هي الرابطة بين الله القدوس ونحن المتقدِّسين، لنتعامل معه بهذه القداسة عينها. ومثل هذه الأقوال آيات كثيرة مثل:

أ. "الثبات في الإيمان والمحبة والقداسة مع الرزانة" (1تيم15:2)

ب. "..الله يؤدّبنا من أجل منفعتنا لكي نشترك في قداسته" (عب10:12)

ج. "هذه هي إرادة الله قداستكم لا للنجاسة بل في القداسة" (1تس3:4)

وهكذا نجد عشرات الآيات في الكتاب المقدس تساعدنا على توسيع آفاقنا في هذا الموضوع. لذلك أقول بأنني أنهيت كلامي ليبدأ دوركم في العمل القدسيّ.