حديث الأسبوع (3 كانون الأول)

أرشيف

وعظة الأحد

موضوع للأرشمندريت يوحنا التلي

لفرقة عائلات القديسين أثناسيوس وأنستاسيا

في دير الشيروبيم 12 تموز 2012

 تربية الولد في العائلة الكنسية

 

أولاً: مقدمة: ملاحظة عن الطفل قبل البدء بتربيته

يخرج الطفل إلى العالم ممثلاً بجسده الذي يمدّه بأحاسيس متعلقة بحياة الجسد. وبالرغم من أن أمه تحتضنه، ولكنه يظلّ متمركزاً حول نفسه بصورة نرجسية. لا يهتم إلا بأحاسيسه المرتبطة بجسده وطعامه ولباسه. لا يرى ولا يسمع ولا يحس إلا من وراء جسده الذي هو مركز كل شيء. بكلمة واحدة هو أناني مفرط في محبته لذاته. تلك المحبة التي هي بنظر آباء الكنيسة أُم الأهواء جميعاً. علاوة على ذلك فهو بخيل لا يمد يده إلى الغير بسهولة. الطفولة معقدة وهي أساس العيوب اللاحقة. إنه أناني، وما أن يكبر قليلاً حتى يسعى ليسود على الأولاد الآخرين، وهذا له علاقة بالكبرياء وحب الاستعلاء وحب الاستيلاء، فهو يريد أن يجذب كل شيء إليه، وأن يمتلك كل شيء.

أول ما يتعلق به هو ثدي أمه فيعشقه، ثم يعشق أمه فتبرز لديه رذيلتي الغيرة والحسد، فيغار من أخوته أيضاً، فتبرز لديه الكراهية والعدوانية والغضب، خاصة إذا عوكس في أمر من الأمور. علاوة على كل ذلك فإن الطفل طمّاع، إن أمكنه ابتلع الكون برمته.

بعد هذا الوصف البسيط لوجه من أوجه نفسية الطفل المرتبط بغرائزه، والمسيّر بأهوائه بوعي أو بدون وعي، علينا ألا نتشاءم أو ننزعج وينتابنا الخوف فيما يجب أن نعمله. لذا علينا أن نشمِّر عن سواعدنا التربوية والروحية بحب وتضحية، لننقل أطفالنا إلى الوجه الآخر الذي نريده لهم؛ لنحررهم من هذا الانغلاق على الذات، وما يجلب معه من نواقص ورذائل، لنعدَّه بوساطة أمّه وأبيه وذويه ليتدرّب على نفسية منفتحة على الله والإنسان والكون، لا بل والخليقة كافة. فالبيت الذي يستقي قيمه وسلوكه وأخلاقه وإيمانه من الكنيسة، معتبراً أن الله هو الأب الأول للبيت. وكذلك الأم التي تستقي أمومتها من الله الخالق ومن أمنا الأولى العذراء مريم، هو البيت هو الذي يرعى الطفل من شهوره الأولى ثم في كل مراحل حياته الطفولية لينتقل من الجو الأناني إلى مناخ الحب والعطاء، والتعرّف على الله والفضائل.

ويجب الانتباه إلى بعض مساوئ التربية المتداولة في أيامنا هذه، كمثل دلال الطفل المضرّ. فالدلال يجد صدىً في نفس الطفل خاصة التدليل المفرط، فهو لا يساعد الطفل على التخلّص من أنانيته، بل الاستزادة فيها. فالدلال والأنانية مرتبطان ارتباطاً وثيقاً. إنما يجب الاعتدال في هذا الموضوع المتنامي مع شخصية الطفل ليصير إنساناً سليماً ناضجاً ونافعاً ومحباً ومخلصاً ومستقيماً. وكما الدلال، كذلك تأمين العطاء المفرط لكل طلبات الطفل هو مضر. ويقابله تعويده على الصوم والصلاة والسجود، وأيضاً الحرمان ولكن بتدريج وتفهّم. فالحرمان يقوّي شخصية الطفل، بينما العطاء الزائد يجعله مائعاً أنانياً لا يعترف بالجميل. وعلينا الاستفادة من خبرة الآباء الذين فهموا النفس البشرية، وعالجوها على ضوء الروح القدس الساكن فيهم. هذا مرتبط بدورنا التربوي في إنشاء جيل يحيا الفرح بنور المسيح وبهجته.

ثانياً: انطلاقة الأولاد والآباء

هنالك وجه إيجابي في شخص الأولاد يجب أن نستغله ونربيهم بموجبه، وهو أنهم دقيقوا الملاحظة، ويريدون معرفة كل الأمور، ويبحثون عن أجوبة لتساؤلاتهم. ومثل هذه الأمور تسبب الضيق عند الأهل أحياناً، بدلاً من تقديرها بمحبة وفرح، لأن ابنهم يسعى لقضايا المعرفة حسب خصائص لغة الطفل وبحسب عمره غير المناسب نسبياً. ومن جهة ثانية فإن امتلاك الأولاد للحيوية والاهتمامات الكبيرة باللعب والحركة يرجع إلى أنهم ممتلئون نشاطاً. كل مظاهر الطفولة هذه وغيرها تجعل الأطفال أحياناً في نظر بعض الأهل موضوعاً مناسباً ليصبّوا جام غضبهم عليهم لضيق يحملونه من خارج البيت، أو من داخله لعلاقة بعضهم ببعض. هذا كله ينتقل من الأهل ليعطيهم وجهاً سلطوياً اتجاه الأولاد، فينهرونهم بالقمع والعنف الصادر عن طبع سيء. وبدلاً من أن يجيبونهم على تساؤلاتهم بحكمة وعلم له أبعاده العلمية والأدبية والروحية، يهزؤون بقيمة أسئلتهم ويتهكمون عليهم.

ففي مثل هذه الأمور وغيرها يتركز الموقف في أن الوالدين يستعملان سلطتهما لاستبداد فيه خنوع، ويكون الولد غير قادر على مواجهته لأنه الأضعف. يكبر الولد وهو يغتذي بتربية تقوم على العنف، وأول تمرد له تكون على السلطة الأبوية. في حين أن التربية مرتبطة بالحنان التي هي لغة العلاقة بين الأهل والأبناء خاصة، وفي هذا الجو يتفتح الأولاد للوجود بصورة صحيحة، إذا كانت أجوبة أهلهم على أسئلتهم تُنمّي فيهم اكتشاف الله، الذي يفترض بالأب والأم أن يكونا على صورته. فالأولاد بأسئلتهم هذه غالباً ما يطولون عالم الله بعفوية غير مقصودة، تتيح للأهل بإجاباتهم الصحيحة إدخال عالم الله إليهم، وانتزاع رغبات الأهواء بما فيها من أنانيات تفسد روح الأولاد، التي يسعى الروح القدس أن ينمي أرواح الأفراد من خلال نشاط أبناء الروح، أعني بهم الأهل والمربّين. من هذه الناحية يكون الولد عميقاً وليس سخيفاً. صحيح أنه قد يختلف عن أبويه، وهذا أمر يتعلق بفرادته. لذا يجب استغلال أسئلته من قبل الأهل لإقامة حوار مفيد، كما ويجب متابعة تنميته بدلاً من تسفيهه قهراً بالصمت.

في مثل هذه الأمور على الأهل الانشغال الفكري الدائم بالتفتيش عن أجوبة ملائمة لأسئلة أولادهم حسب عقليتهم. قد تكون الأجوبة صعبة أحياناً، وقد لا يجد الوالدان القدرة على الجواب، لهذا عليهم أن يعِدوا أولادهم بالبحث عن أجوبتهم، وأن يحققوا وعدهم. فالطفل يتمسّك كثيراً بوجوب تحقيق الوعد، علاوة على مزيد من الحب والاحترام يوجّهه لذويه، الذين يهتمون به على هذه الصورة، بدلاً من طلبهم منه أن يسكت. وهنا يبدأ الوالدان بصيرورة جديدة، وهي أنهما /بفضل تربية ولدهما وتعليمه، والحوار الدائم معه/ يتحولان ليصير الواحد منهما ابن ولده أيضاً من الناحيتين الروحية والعقلية. قد يكونا أغزر معرفة منه وهذا أمر أكيد، ولكنهما ليسا أقدر منه دائماً على طرح الموضوع على بساط البحث. فالطفل ينتمي لحلقة أكثر تطوراً من والديه، إلا أنهما يتغلبان عليه بالخبرة العملية. إذن علينا أن نقر بأنه يحمل طراوة قد لا يمتلكها الأهل، وحقيقة نيّرة تنتظر إسعافها بمزيد من المعرفة.

شخصية الأولاد إذن تحمل خصوبة، وخيالاً، وإبداعاً، وهو ما لا تكتشفه عيون أبوين غير خبيرين بعالم الأولاد، وهو ما يجعل الوالدين يظنان أن ولدهما يكذب. هذا النشوء للطفولة يظهر بمظهر الكذب، وهو ليس كذلك. إنه نوع من تصوّره للعالم الخاص به، والحقيقي جداً بالنسبة إليه. ولأنه غير قادر على تصويره بما يجعله مقبولاً عند الكبار، فإن على الأهل التفتيش على صدقه وراء خياله. وهنا جزء من الحقيقة غني جداً، فيها يسمو الولد على أهله، وعليهم البحث في عالمه بمساعدته للوصول إلى ما لا يعرفوه. الله يعرف كل شيء. لذا على الأهل أن يعرفا كيف يكون الله ثالثهما مع أبنائهما، خاصة وأن الأطفال قبل سن المدرسة الابتدائية، يمزجان بين الأب خاصة ودور الله في الأسرة والوجود.

كما أن الراهب يكرّس وقته للصلاة والتواصل مع الله، هكذا على الأهل أيضاً تكريس وقتهم لأولادهم. الله يعرف بأمر الراهب غير المستقيم في تكريسه فيرفضه. وهكذا الأولاد بحسّ خاص فيهم يشعرون أن والديهما غير مهتمين بهم، إذا حرمهم والدهما من الوقت الذي يعرفون أنه لهم ويخصّهم. وهذا ما يجعل الأبناء يشعرون أنهم لهذا السبب حُرموا من العاطفة. هذا الإهمال سيؤذي الطفل طول حياته. ولنعلم أن البالغ حين يكون عدوانياً، منتقماً، حذراً، غاضباً، مستبداً، فإنه يكون قد قضى طفولة أحسّ فيها أنه مهمل ومتروك. وهناك أدوار للوالدين يتناوبان فيها أحياناً، أو يجتمعان معاً للاهتمام بالولد أحياناً أخرى، سواء كان قبل ذهاب الولد إلى المدرسة، أو أثناء مدرسته، أو في الوقت الذي يعود فيه منها. يجب عليهما مجتمعين أو منفردين ملازمته خلال هذه الأوقات. فهو (أي الولد) بحاجة لأن يستهلك وقتاً كبيراً من كل من والدته ومن والده. هذا يعني أن على الأهل ألا يتركوا البيت خلال طفولة أبنائهم. هذه الرفقة ضرورية وعمادها أن يكون الأهل وأطفالهم في كل الأمسيات تقريباً. فالإنسان لا ينمو إلا إذا أُحيط بدفء العاطفة، وهي تأتي من الجهة المنتظر منها هذه العاطفة. وليس من الصحيح أن الرعاية مما يمكن للأهل أن ينتدبوا إليها غيرهم، حتى وإن كانت هذه الرعاية أولادهم الكبار. وإن كان لا بد من حدوث ذلك، فهو يسمح به لمناسبات ضرورية وليس باستمرار. أما إذا كثرت المناسبات والسهرات التي يُترك الأولاد فيها دون أبويهم، فإن أوقات هذه السهرات مسروقة من وقت الأولاد.

والمكوث مع الأولاد يستدعي /على صعيد الإيمان والروح/ مسؤولية، فليس المهم ملازمة الأولاد والتحدث إليهم فقط، بل المهم كذلك هو صحة الأحاديث معهم. فكل كلمة وكل موضوع وكل أمر يستدعي أن يشارك الله في حضوره ومعرفته، وفيما إذا كان المسيح راض عن كلماتنا وأحاديثنا تلك. فالسعي بمسيرة الأبناء إلى المسيح هو غاية التربية. فالولد يجب أن يحسّ بمحبة والديه، حينها يتساوى لدى الولد لطف الأهل وحزمهم. كما يجب أن يشعر الأولاد بدور الله ومحبته لهم في حياتهم. للأولاد أبوان وحبيبان: الوالدان من جهة، والله من جهة ثانية. ومهم ما قاله كوستي بندلي بلسان المطران جورج خضر: (إنك لن تعرف الله أباً لك إلا إذا أحسست بأبوة أبيك الجسدي، الإنسانية هكذا قائمة على أنك تلد ابنك وتربيه وكذلك هو يربيك). فالمطلوب من الوالد أن يكون على خط كبير من نباهة النفس، وأن يُنشئ نفسه على التقوى، ليكون ذا حضور روحي يجعله منادياً لابنه أن يذهب إلى الله. فالإهمال يعرّض الولد أن ينمو كالعوسج، بينما الرعاية تجعل الولد أن ينمو كالورد. والرعاية تعني انتباهاً دائماً لحاجات الولد. له حاجات جسدية من طعام وكساء وتدريس وطبابة، وهي ما تُضطر الوالد إلى العمل الدؤوب، والإنفاق بلا بخل ولا ترف. وهناك حاجات روحية تتطلب المعرفة بأصول التربية، وهذه لا تأتي عفوية، ولكنها تقتضي درساً وقراءة. هناك مبادئ في علم النفس الحديث لا بدّ من تحصيلها. أجل هناك لوم وزجر، فإن كان لا بدّ منهما فليكن ذلك كله بتأنٍّ ورفق. لا بدّ من الحزم في مقام الحزم، والشِدّة في مقام الشِدّة. ولكن ذلك كله لا ينفي الرقة ولا ينفي الغفران. فالوالد الصالح حزين ليس لأن ابنه تمرّد عليه، ولكن تمرد الولد قد حصل لكونه هو قد تمرّد على الله.

وقد يضلّ الولد، ولكن أباه يفرح بعودته وينتظرها. ليس من شيء يسرّ الأب مثل توبة ابنه: "إن ابني هذا كان ميتاً فعاش وكان ضالاً فوُجد" (لو24:15). كل ضلالات الولد تُمحى وتزول إذا وجد أباه رفيقاً به ورفيقاً له، يعذر خطأه، ويفهم طيشه، ويتقبّله في حنو. نعيش بالحب الأبوي إذا انسكب، أكان تعبيره لطفاً حتى الدلال، أو شِدّةً نرى الخير لنا من خلالها. الوالد الكامل من قاده تفانيه إلى المسلك التربوي، الذي يظهر تارةً في صورة الملاطفة، وطوراً في صورة التأديب. الوالدان يؤدّبان بتلك الرحمة التي تنسكب بها حلاوة الرب علينا.

ثالثاً: أسس التربية المسيحية

بما أن الأهل هم الذين اشتركوا مع الله في إعطاء الحياة لأولادهم، فعليهم يقع واجب التربية داخل البيت العائلي بحسب الحياة الروحية الكنسية، التي هي بيت التعليم الممنوح من الله. هذا يعني أنه بتكليف كنسي تصير العائلة مدرسة النمو والإيمان والفضائل، وحُسن العلاقات مع الله ومع الإنسان الآخر. وتكون الخطوط الأولى لهذا كله تتدرج في وسط العائلة مع الأب والأم والإخوة والأخوات.

الأسرة تنشئ أولادها على شاكلتها. لذا فإن واجب تربية الأولاد فيه دعوة للأبوين لكي يعيدا النظر في تصرفاتهما من أجل أولادهما. فيكتسبان بسببهما حُسن علاقة مع المسيح، الذي هو المربي الأول لهما.

1- تربية بواسطة العراب عن طريق المعمودية:

+ في كنيستنا يبدأ الاهتمام التربوي رسمياً مع جرن المعمودية، فيأخذ الطفل المعمّد اسماً كنسياً. أي أنه انتمى إلى الكنيسة وصار عضواً فيها. وعلى العرّاب دور لتوطيد هذه العضوية. فمَن هو العرّاب؟ إنه الكاهن الذي يُغطِّس الولد في الماء والروح ليخرجه مولوداً جديداً. يستلمه مَن صار له عرّاباً متعهداً أمام الله والناس أنه سيقوم بواجب تنميته الروحية بحسب إيمان الكنيسة التي ينتمي إليها. والسؤال المهم الذي يطرح هنا: مَن الذي اختار الكنيسة ومَن الذي اختار العرّاب؟ إنهما الوالدان للطفل المعمَّد. فهما علاوة على أنهما الأبوان بالجسد، وهما المسؤولان عن صحته وغذائه ونموه، فإنهما أيضاً الأبوان الروحيان، ومعمودية ابنهما دليل على ذلك. بقي الأمر الأساس، وهو أن يُعطيا المسيح الذي هو في داخلهما والمحرك لحياتهما، أن يعطياه لولدهما (لكي ينمو بالروح مكتسباً ملء قامة المسيح في حياته). فالعرّاب في الأساس هما الوالدان اللذان يهتمان بتلازم حياة الروح مع نمو الجسد، وهما في ذلك يكونان على تواصل مع الكاهن المعمِّد، ومع العرّاب الأب الروحي الإضافي لوليدهما.

  فوق هذا التعاون الضروري بين الأطراف الثلاثة يبقى شخص الوالدين اللذين ثبت بأن دورهما هو الأساس، دون تغييب الأدوار الأخرى. ويبقى أن الكنيسة هي بيت الانتماء ليتحول البيت العائلي إلى (كنيسة صغيرة). ويصير لله حضور مميز في حياة الأسرة، يتمثل بحضور دائم للمسيح فيها. فيترعرع الطفل بحرية رغم وجود هذا الكَم الكبير من الذين يكونون عاملين على خدمة اكتسابه لنموّه. فيتخلق الولد بخُلُق الله عن طريق اقتدائه بكل مَن هو حوله. فيصير مكتسباً - ومن أهله خاصة – هالة مقدّسة يترعرع ببهاء نورها، فتتكون حياته الداخلية ليُرى على أنه أيقونة المسيح.

  بيت كهذا يختلف عن بيت آخر في تربية الأولاد، حين تكون المحبة ناقصة في التعامل بين الوالدين خاصة. فالتعامل بمحبة واحترام يغرس عند الولد وفي قلبه منذ كان طفلاً صورة، لا نجدها عند والدين يتشاجران ولا يهتمان برعاية أولادهم.

+ يتدرج الولد في النمو، وتظهر آثار تربيته مرئية بمزاياه التي وصل إليها. ومع كل عمر من أعمار الطفولة مزايا تتناسب مع هذه الأعمار، ولكن غالباً ما تكون دون ما يمكن أن يكون الطفل عليه، أي أن الطفل كان بإمكانه أن يكون أفضل مما هو عليه. فالأب والأم عليهما الانتباه لمعاملة وليدهما من خلال مزاياه الواقعية، مع مراعاتهما لمزاياه المنتظر تواجدها فيه. فكل تعامل محمول بمزايا أفضل تجعل الولد يتحول إلى هذا الأفضل. وبسبب هذا التعامل سوف يتحسّن الولد. فالنتائج التربوية الجيدة تأتي من هذا المديح المعتدل.

  هذا يعني أنه على الوالدين معاملة أبنائهم باحترام، مع إظهار كوامن الرغبات إضافة إلى المزايا الظاهرة. كل هذا يشعر الأولاد بقيمة أنفسهم من خلال فضائلهم، التي يكتمل تواجدها بسبب تشجيعنا ومديحنا لهم. فإنهم بهذه الصورة يحققون لأنفسهم ما سمعوه، ويتصرفون بمقتضاه. فالأهل والمربّون هم الذين يغرسون في الأولاد طريقة التعامل؛ سلبية كانت أم إيجابية. فحديث الأبوين الدائم عن فشل أحد الأبناء يجعل منه فاشلاً حقيقة. أما الحديث عن النجاح في وصفنا له، فهو يصل إليه ويصير به إنساناً ناجحاً. ولنعلم أن كل الأولاد بإمكانهم أن يصبحوا ناجحين، لأنه ليس هناك من ولد فاشل، بل إن الأهل هم الذين يجعلونه فاشلاً. لذا عليهم سحبه من فشله لا أن يغرقونه فيه. فالاهتمام التربوي بالولد على كل الصعد النفسية والروحية والاجتماعية يجعل منه ناجحاً في كل شيء.

+ قد يتعلم الأولاد أموراً غير صالحة، وقد تملي عليهم غرائزهم وأهواؤهم بفعل أنانيتهم وتمركزهم حول ذاتهم خصالاً مؤذية أو ضارة أو سيئة. ولكن بالمقابل يكون هناك فيهم ما هو صالح ونافع. والأبوان يريدان لابنهما أن يتخلص من الخِصال الأولى الضارة، ويستزيد من الثانية الصالحة. والطريقة المثلى لذلك هو أن يركّز الوالدان على كل ما هو مقبول، ويمدحوه ويشجعوه عليه فيزداد تمسكاً به. أما الأمور غير الصالحة فالأفضل أن يصفوا سوءها بكلمات مقتضبة ويهملوها. إهمال الوالدين لتلك الأمور يعدي الأولاد لإهمال التعاطي أو الكلام حولها.

  الإنجيل يعلمنا أن يسوع كان يرى إمكانية الصلاح للجميع، لا بل الوصول إلى القداسة حتى عند الخطاة. فإيصال الأبوين أولادهم إلى ذروة هذا الصلاح هو إمكانية ممكنة. وما عليهما إلا أن يمسكا طرف الخيط ويسحبانه إلى هذا الموقع. فلنتعلم دائماً من يسوع، فهو المربي الأول، وهو الغاية التي يجب إيصال الأولاد إليها، وهو الطريق الذي نسلك به وعلى منواله لتحقيق أهدافنا. لذا علينا أن نهتم بأن نتخطى الأخطاء التي يرتكبها الأولاد، مستبدلين إياها بالثقة التي تجعلهم أفضل. فلنحرضهم على الجهاد لإتيان الأعمال الصالحة. ولنتذكر أن زكا /وهو ليس بطفل ومع ذلك/ عندما أراد أن يرى يسوع رغم كونه من أكبر الخطاة، وجدنا كيف أن يسوع شجّعه على الصلاح بتبنيه في حب وثقة، ورضي أن يكون زائره في بيته، فتغيرت حاله إلى إنسان قديس. وهذا ما ينتظره الله من تربية الأهل لأولادهم.

2- أهمية الوقت في التربية:

+ على الأهل أن يبحثوا مفتّشين عن الحاجة القصوى التي يحتاجها أولادهم ليؤمّنوها لهم. هناك الحلوى والألعاب والهدايا بأنواعها، كل هذا يحبه الولد ويرغب به. ولكن بالعمق يبحث الأولاد على عطاء مختلف يدخل في صميم حياتهم، ويكوّنهم فيصيرون من خلاله ممتلئين بالدفء العاطفي والروحي والعقلي، ومنتعشين بالحيوية فيصيرون أيضاً أكثر فرحاً وبهجة به، لأنه القناة التي توصل إليهم الحب والمعرفة والمعلومات وتطوير الذكاء. إنه الوقت الذي من خلاله يغتنون. ولا شيء أثمن منه إلا نور المسيح الذي يضيء حياتهم.

  يرغب الأولاد في حديث أهلهم، وفي تناول الطعام معهم، وفي الصلاة وإياهم. لا بل في اللعب معهم وفي مباراتهم بألعاب الفكر والبدن أيضاً، يسرهم التحدث معهم، فيشعرون أنهم مصدر اهتمامهم، وأنهم أيضاً متساوون في القيمة مثلهم، وأنهم مصدر ثقة لهم. وبالتالي هي الفرصة الكبيرة للوالدين من أجل نقل ألوان تربيتهم المبرمجة خصيصاً لهم. فالوقت هو الأداة التي تتمحور حولها أصول التربية، ويعاش في خضمّها للوصول إلى الهدف.

  يتبادلون وإياهم الحديث فيصيرون أصدقاء مع أطفالهم. ومع باقي فترات حياتهم حتى الشبابية منها. يتعرّفون على مدرستهم، وعلى رفاقهم في إطار هذه الجلسات، ويوجّهونهم التوجيه غير المباشر الذي هو أفضل ألوان التوجيه. وبإمكانهم أن يستقبلوا المسيح ليكون هو أيضاً جليسهم ونديمهم. وهكذا يتحول البيت ليصير كنيسة.

3- أهمية حُسن الإصغاء تربوياً:

+ في علاقة تربية الأولاد تبرز صفة هامة تكاد أن تكون هي المعيار لتقاربٍ أكبرَ بين الآباء والأبناء، لا بل بين القلوب والأنفس أكثر. هذه الصفة هي (حُسن الإصغاء). كما أن الكبير يرغب في أن يكون صوته مسموع، هكذا أيضاً الأولاد يشعرون بأن لهم قيمة واعتبار ولحديثهم أهمية، وعندما يرون بأن والدتهم أو والدهم يصغون لحديثهم ولكلامهم ويعطونه تقديراً في أن يناقشونهم بموجب محتوياته.

4- مشاركة الأولاد في حديث الأسرة:

+ علينا أن نلاحظ أن الأولاد يهتمون كثيراً بالتلفزيون والكمبيوتر والأنترنيت، ويقضون معظم وقتهم يعملون عليها. وغالباً ما يتذمر الأهل لكثرة هذا الانشغال، الذي له سلبيات إذا كثر. فما هو الحل إذن؟ إنه الارتكاز على الفضيلتين الأخريين إجمالاً، وهما إعطاء الولد الوقت وحسن الإصغاء، فيشعر أنه مشارك وليس متلقّياً فقط. أي أن له قيمة في إبداء الرأي بالمواضيع والأحاديث، وليس السماع فقط بصورة تكاد تكون سلبية. وهذا الأمر يقودنا إلى الانتباه بأن الجلسات مع الأولاد يجب أن تكون شيّقة وجذّابة، تستدعي مشاركة الأولاد في إبداء رأيهم وأحاديثهم، وإلا فإن التلفزيون أو الانترنيت أفضل من الجلسة مع الأهل. أقول هذا حتى عن الأولاد الصغار، فإنهم يدركون رتابة الجلسات والأحاديث، ويميزونها عما هو مشوّق وجديد في ما يسمعون ليشاركوا فيه. وهكذا يتمتع الأولاد بجلسة فيها حنان ومتعة وحب ومعطيات جديدة. والأهل يتمتعون بأنهم مع مشاركتهم الحلوة هذه يقدمون المفيد والنافع لفلذة كبدهم.

رابعاً: خاتمة: دور التقوى في تربية الأولاد

هناك في الأدب الروسي المسيحي أم اسمها أم جوليان، ربّت ابنها على التقوى تربية صالحة، فوعظ كاهن روسي مخاطباً الأهل بعظة اقتطفت منها هذا المقطع: (أيها الآباء والأمهات المسيحيون! أنتم بلا شك تتمنون أن ينشأ أولادكم كمسيحيين أبرار، لهذا اتّخذوا في قلوبكم بشكل كامل مثال أم جوليان وجاهدوا دوماً على اتّباعه. لقد علّمت ابنها من خلال مثال إيمانها وصلاتها. لهذا، في أيام العيد أو يوم الرب انتبهوا للمناسبة وأسرعوا إلى الكنيسة للصلاة المشتركة، وقفوا هناك بورعٍ، واتّخذوا في قلوبكم الصلوات والأناشيد. فليتعلّم أبناؤكم الذين معكم من جديّتكم في الصلاة. في أيام العمل، في تهيئتكم لعمل النهار، لا تنسوا أن تبدؤوا نهاركم بالصلاة، تقفوا أمام الأيقونات وتتلوا صلاتكم عالياً. فليقل معكم أبناؤكم صلواتهم. في نهاية نهار الأعمال والاهتمامات، عندما يحلّ الظلام لا تنسوا أن تصلّوا مع أولادكم.