حديث الأسبوع (26 تشرين الثاني)

                                                                                                                                                                                                                                                                

ندوة للأرشمندريت يوحنا التلي

في قاعة القديس جاورجيوس

في صيدنايا 27-11-2015

الفرح

 

أولاً: مقدمة

يشكّل الفرح النسيج الأساس لكل الكتاب المقدس، خاصة وأنه يستعمل كلمة الفرح نحو ستين مرّة. فهو يسطع من ضحكة سارة إلى فرح طوبيا، من دموع فرح يوسف ابن يعقوب، إلى رقص مريم أمام تابوت العهد، ومن نشيد حنّة إلى تعظيمات مريم العذراء. إنه تسبيح عظيم دائم.

          يجمع الفرح كلمة الإنجيل الأولى والأخيرة وما بينهما. إذن مجيء المسيح بكونه (الماسيا) نقل العالم من الظلمات إلى النور والفرح الأبديين.

          من الواضح إذاً أن الفرح يشكّل الوجود المهم لكل الكتاب المقدس. هذا الفرح هو ذاته: (البشرى السارة) الذي هو (الإنجيل). هكذا يُسمّى من أيام الرسل.

 ثانياً: الفرح كما في العهد القديم

          إعلانات الله بمجيء الماسيا، شكّلت في ذهنية إنسان العهد القديم حضوراً مفرحاً، نفهمه بواقعيته كلما قرأنا العهد القديم. إنها نصوص تقود انعكاساتها على الإنسان لنفهم من خلاله إلى أي حد يحب الإنسان الحياة.

بالنسبة إلى اليهودي الفرح هو قبل كل شيء، تذوّق الحياة كما هي. فمثلاً محبتنا للحياة هي أن نحبّ سعادتنا الخاصة؛ فنجد الفرح بكل أشكاله في بساطة الحياة اليومية، أكان ذلك الفرح بالحصاد الذي يجمع مرات عديدة، أو الفرح بنتاج الكرمة للتمتع بالخمرة الطيبة التي نشربها باعتدال، فتُفرّح قلب الإنسان (مز15:104)، أو عندما نتقاسم الحياة مع المرأة التي نحب وننجب الأطفال.

ولكن لا شيء يضاهي فرح إنشاد المزامير الذي هو كتاب الكنيسة بامتياز والذي هو مغمور بمسرّات مفرحة تقودنا إلى ينابيع الفرح، وتجيب عن أسئلتنا. ومن بينها فيما يخص الفرح ما يلي: "فيلذ له نشيدي وأنا أفرح بالرب" (مز104). "لتفرح السماوات ولتبتهج الأرض أمام الرب، لأنه يأتي" (مز96).

 

ثالثاً: الفرح في العهد الجديد

          المسيحية منذ بدايتها إعلان للفرح؛ للفرح الوحيد الممكن على الأرض ومن دون إعلان هذا الفرح لا يمكن أن نفهم المسيحية. لم تنتصر المسيحية في العالم إلا كفرح، وقد فقدت العالم عندما فقدت الفرح وعندما توقّفت أن تكون الشاهد له. المضمون الأساس في الكنيسة هو الجملة الصغيرة التي نقلها لوقا البشير بقوله: "الفرح العظيم" (لو10:2 و52:24) ليكون هذا الفرح متحقّقاً مع بداية النص الإنجيلي بقدوم المخلّص طفل المذود، ومع خاتمة النص الإنجيلي الذي بعد صعود المسيح إلى السماء بقي للتلاميذ من يسوع هذا القول: "ورجعوا بفرح عظيم" (لو25:24).

          من هذا الفرح يكتسب كل شيء آخر في المسيحية، معناه. فالفرح هو علامة نجاح الحياة، هذا إذا كانت السعادة الحقيقية عند الإنسان تخلو من أي مظاهر سطحية. وهذا يستدعي أن نعي دورنا الذي نقوم به ونحياه في هذه الحياة. لأنه حيث يكون الفرح موجوداً تنتصر الحياة. الفرح هو حقيقة كياننا، وهو نبض الكائن ومعيار الحقيقة. وبالنتيجة الفرح والحقيقة هما بالكلية واحدٌ.

 

رابعاً: فرح الميلاد بحسب تصوّر أشعيا في العهد القديم

          كان اليهود يردّدون بفرح منشدين واحداً من أناشيد أشعياء في هذا المجال والقائل: "الشعب السالك في الظلمة أبصر نوراً عظيماً. الجالسون في أرض ظلال الموت أشرق عليهم نور. أكثرت الأمة عظّمت لها الفرح. يفرحون أمامك كالفرح في الحصاد. كالذين يبتهجون عندما يقتسمون غنيمة. لأنه يولد لنا ولد ونُعطى ابناً وتكون الرئاسة على كتفه ويدعى اسمه مشيراً عجيباً إلهاً قديراً أباً أبدياً رئيس السلام" (أش2:9-6) ومفديّو الرب يرجعون ويأتون إلى صهيون بترنم وفرح أبدي على رؤوسهم. ابتهاج وفرح يدركانهم. ويهرب الحزن والتنهد (أش10:35).

          علينا أن نقرأ نحن أبناء العهد الجديد هذه النصوص وغيرها، ونكتشف كم تحمل في طياتها فرحاً لا يوصف. فنحن مَن تنعّم بثمار هذه النبوءات التي أسكرت إنسان العهد القديم فغنّى ورقص وطرب. واليوم نحن الذي أشرق علينا هذا النور، فهل بإمكاننا أن نُعبِّر عن فرحنا بمتابعتنا لكلمات استمر بها أشعيا النبي حيث يقول: "ستفرح الصحراء والقفر الأجرد، وتبتهج البرية وتزهر كالورد" (أش1:35) حتى أن السماوات سترنّم فرحاً أمام عمل الله هذا، والأرض تبتهج: "ترنّمي أيتها السماوات لأن الرب قد أنجز فعله. اهتفي يا أعماق الأرض، وتفجّري غناء يا جبال ويا غابات وكل ما فيها من شجر، لأن الرب قد افتدى يعقوب وتمجّد في إسرائيل" (أش33:44). إن الله سيغمر الجميع فرحاً لا نهاية له: "لأنني ها أنا أَخلق سموات جديدة وأرضاً جديدة... إنما افرحوا وابتهجوا إلى الأبد بما أني خالقه، فها أنا أخلق أورشليم بهجة، وشعبها فرحاً" (أش17:65-18).

          هذا سيكون عندما يصل الماسيا المنتظر. أما العهد الجديد فله نكهة فرح خاصة به أيضاً.

 خامساً: فرح الميلاد بحسب تصوير لوقا في العهد الجديد

          كل إنجيل يتميّز بميّزات خاصة به. وإنجيل لوقا علاوة على أنه إنجيل الرحمة لكثرة أحداث الرحمة التي جمعها عن يسوع وتركها إرثاً لنا، فإنه يتّصف أيضاً بأنه إنجيل الفرح فمن بدايته يعلن ملاك الرب عن ولادة المخلّص بقوله: "ها أنا أبشركم بفرح عظيم يكون لجميع الشعب" (لو10:2) ثم في خاتمته يعلن لنا الإنجيل عند صعود المسيح إلى السماء: "فسجدوا له ورجعوا إلى أورشليم بفرح عظيم. وكانوا كل حين في الهيكل يسبّحون ويباركون الله. آمين" (لو52:24-53) فرحهم عبّروا عنه بتسبيح الله ومباركته الذي هو أيضاً لون من ألوان الفرح.

          ولا ننسى طمأنة الملاك لزكريا زوج أليصابات عندما أتاه ملاك الرب ليخبره بأن طلبته لمجيء ولد قد استجيبت من الله، فيقول له: "ويكون لك فرح وابتهاج وكثيرون سيفرحون بولادته" (لو14:1). ثم خبّر الملاك مريم بحملها جنيناً حين قال لها: "افرحي أيتها الممتلئة نعمة. الرب معك... فستحملين وتلدين ابناً فتسميّه يسوع" (لو28:1+31).

          مع ولادة يسوع يتهلّل بفرح عظيم كل كيان مريم، ويبتهج للحدث الفائق وصفه. هذا الحدث الذي أعلنه الملاك لأكثر الناس صمتاً، أي الرعاة، داعياً إياهم إلى الفرح ذاته. وعاد وظهر بغتة مع الملاك جمهور من الجند السماوي مسبحين الله: "المجد لله في العلى وعلى الأرض السلام، وفي الناس المسرّة" (لو10:2-14).

 

سادساً: فرح يبدؤه داود النبي ويتابعه المعمدان

          عندما كان تابوت العهد الحاوي التوراة يسير بموكب ليصل إلى صهيون ويوضع هناك، كان الملك داود في نشوة فرحه، وكان يرقص حول التابوت بفرح جنوني (2صم6). والآن بعد الحمل بالطفل الإلهي، فإن مريم هي التابوت الحي الحاوي العهد الجديد، تحمل (الفعل الإلهي). كانت تسير على ذات طريق مسيرة تابوت العهد وفي ذات المكان لتصل إلى عند ابنة خالتها أليصابات التي كانت حبلى بيوحنا المعمدان.

          في هذا اللقاء بين الخالق وخليقته من دون أي حواجز، بدأ يوحنا المعمدان في بطن أمه بالرقص، فجأة كداود جديد "هُوَذَا حِينَ صَارَ صَوْتُ سَلاَمِكِ فِي أُذُنَيَّ ارْتَكَضَ الْجَنِينُ بِابْتِهَاجٍ فِي بَطْنِي" (لو44:1). بسبب هذا الحدث غير المتوقع ولكنه معبر جداً، يسمي التقليد يوحنا المعمدان (نبي الفرح)، لأنه افتتح الزمن الجديد للفرح العظيم الذي لا نهاية له، الذي هو زمن تجسّد الإله بين البشر.

          ونتابع مع أفراح يوحنا المعمدان بحسب معطيات لغة الإنجيل:

          يوحنا المعمدان هو صديق العريس الذي يقف ويسمعه، فيفرح فرحاً من أجل صوت العريس "مَنْ لَهُ الْعَرُوسُ فَهُوَ الْعَرِيسُ، وَأَمَّا صَدِيقُ الْعَرِيسِ الَّذِي يَقِفُ وَيَسْمَعُهُ فَيَفْرَحُ فَرَحًا مِنْ أَجْلِ صَوْتِ الْعَرِيسِ. إِذًا فَرَحِي هذَا قَدْ كَمَلَ" (يو29:3).

          يوحنا المعمدان الذي هو نبي الفرح سيصير الشاهد والمبشّر العظيم له، وسيقول: "الآن قد وُضعت الفأس على أصل الشجر، فكل شجرة لا تصنع ثمراً جيداً تقطع وتُلقى في النار" (لو9:3). الثمر هو الفرح لأنه ابن المحبة، وكل مَن يحب قد وُلد من الله (1يو7:4).

          سيولد يوحنا المعمدان بالحقيقة من هذا الفرح الفائق الوصف في وقت معمودية يسوع، عندما سيرى السماء مفتوحة ويُدخل في سر حياة الإله الأبدية، الثالوث القدوس الذي سيصير يوحنا أول معاينيه "رَأَى السَّمَاوَاتِ قَدِ انْشَقَّتْ، وَالرُّوحَ مِثْلَ حَمَامَةٍ نَازِلاً عَلَيْهِ. وَكَانَ صَوْتٌ مِنَ السَّمَاوَاتِ: أَنْتَ ابْنِي الْحَبِيبُ الَّذِي بِهِ سُرِرْتُ" (مر10:1-11). إنها اللحظة الأساسية في حياة يوحنا التي يختبر فيها أعظم ما في العالم وما في السماوات. إن عمق الكيان محبة وفرح.

          إذن، رقص يوحنا المعمدان في بطن أليصابات لأن نفس الروح المحرّك لمريم يستحوذ أيضاً عليه كلياً (لو15:1). إنهما الآن معاً، أم العهد الجديد ومعلنه، متناغمان مع نغمة ملء الزمان: الفرح والشكر والتسبيح دائماً: "تعظّم نفسي للرب وتبتهج روحي بالله مخلّصي" (لو46:1-47).

 سابعاً: الفرح بحسب رسالة فيليبي

          من داخل سجن روما كتب القديس بولس لكنيسة فيليبي رسالة موضوعها (المسيح فرحنا). المسيح مصدر الفرح في كل الظروف، يتجلّى بالأكثر وسط الآلام، حيث نشارك المسيح آلامه. كان الفرح بالألم شهادة بأن نفس القديس بولس حرّة. فقد وجد جواً من الفرح حتى داخل السجن. فاستعمل هذه الكلمة ست عشرة مرة في هذه الرسالة القصيرة وحدها.

          فهو يريد أن يبقى معهم فيخاطبهم قائلاً: "لأجل تقدمكم وفرحكم بالإيمان" (25:1) وإنما يقول هذا ليؤكّد أن (فرح الراعي مصدر لفرح الرعية في الرب). فيخاطبهم: "فتمّموا فرحي حتى تفتكروا فكراً واحداً" (2:2) وهو يريد أن يحقّقوا له فرحه الذي لن يتحقّق إلا بوحدتهم وحبهم أحدهم للآخر. فوصول كمال الفرح لقلب راعيهم يتحقق عندما يكون لهم فكر واحد، ويحملون ذات الحب أحدهم للآخر، ويشعرون بأنفسهم المشاعر والأحاسيس فيصير للكل قلباً واحداً.

          هذا بعض من صوت الفرح الذي بعثه الرسول من سجنه في روما، فتردّد في جنبات مدينة فيليبي، ولا شك أن الفرح يهبنا القوة لمواجهة التجارب، وأن الفرح هو وصية الله لنا. لذا نجده يتابع القول: "وبهذا عينه كونوا أنتم مسرورين أيضاً، وافرحوا معي" (18:2).

          إنه يفرح بخلاصهم وبلوغهم الميناء السماوي بسلام، ويسألهم أن يفرحوا معه، إذ يكون كسكب الخمر الواهب الفرح لشاربيه.

          إذا استعرضنا الإصحاحات الثلاث التي اجتزأنا منها بعض النقاط المتعلقة بالفرح، نرى أن الإصحاح الأول كشف لنا فيه الرسول بولس عن الآلام كمناخ طيب للتمتّع بالألم، وفي الثاني الخدمة كمصدر فرح حقيقي أما فيما سندوّن تأملنا حوله بالثالث سيعلن فيه عن طبيعة هذا الفرح أنه في الرب المتألّم القائم من الأموات وهو فرح على مستوىً سماوي. فنجد أولاً تحذيراً من حرفيه العبادة ذات الحرف القاتل. فرحنا يتحقّق عندما نتخلّص من الشكليات التي لا روح فيها. أما الفرح بالمقابل وهو الثاني فهو فرح يحقق الحياة الجديدة التي نهلل لها فتصير عبادتنا مبنية على الروح.

          فنكتشف من متابعة كتابة بولس لنا، أن الناموس وحده عاجز عن تحقيق الفرح الذي يعبر لنا فيه: "أخيراً يا إخوتي افرحوا بالرب" (1:3). نعم إن بولس الرسول يكتب إلى محبوبيه شعب الكنيسة التي في فيليبي مطالباً إياهم بالفرح في الخدمة. والعجيب أن الكاتب يبعث رسالته وهو مقيّد بالسلاسل، ويرسلها إلى كنيسة شعبها مؤمن، وبذات الوقت منتعشة بالرغم من أن المتهورين يزعجونها. فالمتاعب سواء من الخارج أو من الداخل لا تقدر أن تفقد المؤمن أو الخادم فرحه في الرب.

          وقدر ما نتهلل داخلياً نكون مستعدين لقبول الألم من أجله، ولا تقدر قوة ما أن تعزلنا عنه.

          فليس مصدر الفرح النجاح الظاهر، ولا الإمكانيات الخارجية، إنما في الرب. ليس من حصن آمن للنفس البشرية أكثر من الفرح في الرب.

          ما أروع أن يكتب الرسول لهم عن الفرح وهو في شدة الضيق والألم، فالألم يلازمه الحزن، ولكن اجتماع الألم مع الفرح لا يتحقق إلا في الرب.

          ولا ننس أنه عندما يقول لنا بولس الرسول افرحوا بالرب، فهذا لأن الرب هو الذي يهتم بكل أمورنا ويهبنا كل شيء. وأيضاً لأننا نطرح تحت أقدام صليبه خطايانا وآثامنا وهمومنا، فيحملها المصلوب عنا بحب ورضىً ولطف. فينقذنا من أعدائنا الخفيين والظاهرين، ويحوّل الشر إلى خير، والضيقات إلى فرج.

          ولا ننس أيضاً أن الفرح بالرب يهبنا القوة في جهادنا الروحي.

          وصلنا للإصحاح الرابع والأخير الذي يعلن فيه عن فرح الأسير – يعني نفسه – معلناً أنه ليس السجن، ولا تخطيط الأشرار، ولا غضب الإمبراطور، يقدر أن ينزع فرحه الداخلي منه، لذا نجده يختم رسالته عن الفرح الدائم.

          ومصدر فرحه أن يصبح أبناء كنيسة فيليبي بالحقيقة (سروره وإكليله) أي سرورهم الذي يحصلون عليه بتمتعهم بالإكليل السماوي، بهذا يتمتع هو أيضاً. فهو يفرح بسموّهم وسرورهم وإكليلهم عن طريق ثباتهم في الرب.

ثم يضيف لهم أقوى تعبير عن الفرح: "افرحوا في الرب كل حين، وأقول أيضاً افرحوا" (4:4). هو يسأل الجميع أن يمارسوا الفرح الدائم بالرب، مؤكّداً ضرورة الفرح، إذ هو طريق الخدمة الروحية الناجحة. المسيح هو فرحنا الحقيقي، فيه نجد حياتنا وقيامتنا وشبعنا ومجدنا، وبالتالي فرحنا الدائم. وإذ لا يستطيع أحد مهما حدث أن يعزلنا عنه، لا يمكن أن يُنزع فرحنا من داخلنا.

مَن يلصق فرحه بالزمنيات يفقد فرحه مع تغيّر الظروف والأحداث، ومَن يربط فرحه بثباته في المسيح يتمتع بالفرح الدائم فيه. ويؤكّد الرسول على أن أفراح الملكوت مستمرة في كل حين، في السعة وفي الضيق، وفي الراحة وفي الشقاء، في الظروف السعيدة وفي الظروف التعيسة، في الغنى العظيم وفي الفقر المدقع، في الصحة التامة وفي المرض القاتل. أفراح الملكوت تمنح القوة لمواجهة المشاكل والآلام.

هنالك نوع خاص من الحزن يبعث على النوح والبكاء أحياناً، يرضى عنه المسيح وهو يخص الذين تنخسهم قلوبهم فيحزنون على أخطائهم. فيتولّد عن هذا الأمر فرح خاص، لأن مَن يحزن على خطاياه ويعترف بها يفرح، لأنه استعاد المسيح لحياته.

ولا ننسى أخيراً أن الفرح الحقيقي هو فرح نيل الحياة الأخرى التي تتمزّق فيها الشهوة بسعادة المسيحي سعادة حقيقية، بدلاً من تلك اللذة المحمومة القائمة على الخطيئة وهكذا تنال النفس حرية جذابة وغنية باللذات الحقيقية. أي الفرح.

ومن ثم يضيف قبل الخاتمة لائحة يُعدّد فيها النقاط التي هي فكر المسيحي وعمله ومن بينها المسرّة التي هي الفرح ليُعلّمنا عن مكان العريس ومسكنه فيقول: "أخيراً أيها الأخوة كل ما هو حق، كل ما هو جليل، كل ما هو عادل، كل ما هو طاهر، كل ما هو مسرّ، كل ما صيته حسن، إنْ كانت فضيلة وإن كان مدحاً، ففي هذا افتكروا" (8:4).

عندما تحدَّث هنا عن فرح المسرّة كان يقصد أن نفكّر في كل ما يُسرّ الغير، ويجلب المحبة ويُسعد القلوب بالعطف والقدرة على التحمّل، وعدم ذم الآخرين أو إدانتهم. يغمر المؤمن السرور والفرح الذي لا ينطق به، فرح الروح في القلب. فيشعر حينها المؤمن في أعماقه أنه أسعد كائن على وجه الأرض.

وتأتي الخاتمة لموضوع الفرح في هذه الرسالة بقوله: "فرحت بالرب جداً" (10:4) يفرح بولس الرسول بالرب رغم قيوده في حبسه، وإن كان سبب الفرح هو معونتهم ومحبتهم، فالله هو الذي حرّك قلوبهم في ذلك. هو يفرح أيضاً، لأن الرب أنجح ما زرعه، الشجرة التي غرسها نمت وأينعت وأزهرت وأتت بالثمر. بالتأكيد يقصد رعية كنيسة فيليبي. وأما نحن فليزهر كل منا لنعطي ثماراً تعبيراً عن فرحنا فنُسرّ ونُسرّ الآخرين. آمين.  

أرشيف

وعظة الأحد