حديث الأسبوع (19 تشرين الثاني)

أرشيف

وعظة الأحد

                                                                                                                                                          

                                                                                                                                                               موضوع للأرشمندريت يوحنا التلي

                                                                                                                                                      لمجموعة من فرقة عائلات كنيسة الصليب

                                                                                                                                                     دير القديس جاورجيوس 20-11-2009

 التوبة

 أولاً: "التائب مجرم غير مرذول" السلمي 5/1

          تبتدئ حياة التوبة في الإنسان، عندما يستيقظ إلى نفسه الغارقة في كل ما هو بعيدٌ عن حياة المحبة النقية. فيعمل ليستعيد عيش المحبة, ليجد أنه يصارع لينتصر الجديد فيه على إنسانه العتيق. فإن مات العتيق بداخلنا, حلَّ محله جسد المسيح. فالتوبة هي الشرط الأساس لاستعادة حياة المحبة. هكذا فعل القديسون لكونهم شعروا بعدم مقدرتهم على استحقاق محبة الله، فوضعوا التوبة المتواصلة أساساً لحياتهم كلها.

          التوبة تصير عهداً مع الله لبدء حياة أخرى. أما إذا استعمل الإنسان الاعتراف والتوبة بمثابة خدعةٍ لله، أي جعلها مطيةً لخطاياه، آملاً الحصول على صلاح الله وشفقته، فهو بذلك لا يكون سائراً في درب خلاص, بقدر ما يكون دربه درب هلاك. لأنه حسب قول القديس نيقوديموس الآثوسي: (هذا الدمُ، دمُ يسوع المسيح الذي يستخدم لغسل التوبة والاعتراف، يجعلونه يروي خطاياهم، ويضيف إليها خطايا أخرى). هذه الخطيئة التي تستعمل التوبة مطيةً لها, يُعبِّر عنها القديس أمبروسيوس بقوله: (دواؤنا يصبح  غلبة للشيطان).

          ليست التوبة واجباً يتحقق حسب المقولة المرفوضة: "أخطئ ثم أعترف"، إنما هي (حياةٌ تتغير). سلوك الطريق الأول يبقى فاعلوه متمرغين في حمأة الأهواء، ولكنَّ سالكي الطريق الثانية ينالوا سكنى الملكوت بدلاً من أن يهلكوا.

          وهناك قولٌ يردده نوع آخر من الخطاة وهو: (سوف نعترف لاحقاً). أي أنهم يؤجلون توقيت توبتهم. إنهم غير مدركين أن التوبة موقفٌ وحالٌ, يصل إليه الإنسان بندامةٍ لدى اكتشافه أعماله البعيدة عن توقير العيش في الحضن الإلهي.

          الخوف من تأجيل التوبة وعدم الاعتراف بها يؤدي إلى الألفة مع حياة الخطيئة لتتحول إلى عادةٍ راسخةٍ, وكأنها طبيعةٌ جديدةٌ. مما يجعل القلب قاسياً وبعيداً عن الرغبة في التوبة، فيصير الإنسان بعدها غير قابلٍ للصلاح. و هذا ما يرفع نسبة الاحتمال بأن مثل هؤلاء يصلون إلى الموت بدون توبة.

          ويعبر القديس اسحق السرياني عن مثل هذه الحالة بقوله: (كلُّ من يخطئ وراجياً التوبة، ويقع في خطايا لاحقة، هذا يتصرف شراً مع الله، ويموت من دون رجاء، فلا يدرك عمل التوبة والفضيلة كما كان يأمل)

          وأما الوجه الذي يجب الالتزام به فيبدأ بيقظةٍ في النفس. يطلب فيها الإنسان التدخل الإلهي, فيناشد الله مع داود في قوله: "افتح عيني فافهم عجائب ناموسك، أنر عينيّ لئلا أنام إلى الموت" (مز3:13).فيرى الإنسان يسوع أمامه, فيخاطبه برحمةٍ وتوسلٍ طالباً منه أن يفتح عيني قلبه. ويخاطب نفسه قائلاً مع الباقين أمثاله: (لنتب أيها الإخوة مادمنا نملك فرص التوبة). فيأتيه الجواب من يسوع القائل: "إن فرحاً عظيماً يكون في السماء بخاطئٍ واحدٍ يتوب" فيحل الفرح مكان اليأس مع صوت يسوع المسعف: "تعالوا إليّ يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال وأنا أريحكم" (مت28:11). وهذا ما يدفع التائب ليناجي نفسه متذكراً أنه لا ثقلٌ أكثر من الخطيئة، ولكنه لا توجد راحةٌ أكبر من فعل التوبة؟ متذكراً بهذا قول يسوع ذي القلب الرحوم: "لم آتِ لأدعو الصديقين، بل الخطاة إلى التوبة" (مت13:9).

          التوبة هي طريق الخلاص والمعبر إلى الملكوت، فهل بإمكاني بعد الآن أن أتكاسل بعيداً عن هذا التنعم؟ إنني لن أضع نفسي في مثل هذا الموقف بل سأقول لنفسي ما قاله الرب لي: "ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه" (مت26:16).

          ولأوجه نفسي خارج خطاياي، وأقر وأعترف بأنني إنسانٌ خاطئٌ, طالباً من الله أن يمنحني (دموع توبة), بها أغسل خطاياي لأنتقل إلى النقاوة التي قال عنها السيد المسيح: "طوبى لأنقياء القلوب فإنهم يعاينون الله" (مت8:5). فأتعلم بنقاوتي الجديدة هذه أن أبتعد عن (الطريق الواسع), وأن أسير في (الطريق الضيّق), مقتدياً بهؤلاء الذين التزموا بكلمات يسوع, لأكون ساهراً مثلهم على الدوام, بعيونٍ شاخصةٍ إلى مجد المسيح, ومبتهجاً برؤياه.  

ثانياً: افتح لي أبواب التوبة يا معطي الحياة

          أصل كلمة التوبة في اليونانية من كلمة (ميتانيا) Metanoia, وهي التي نستعملها باللغة العربية كلمة (مطانية) لنسجد صلاتياً أثناء تلاوتنا صلاة يسوع, أو أية صلاة تستدعي سجدة. إلا أن الكلمة في الأساس تعني (تغير الذهن) أو (تغيير العقلية) لتكون أساساً لتغييرٍ جذريٍ في حياة المصلي. فالتوبة ترافقها صلاة تجعل من صاحبها إنساناً جديداً. إنساناً غيّر سلوكه الشخصي, وغيّر طريقة تفكيره.

          التوبة هي وقفة شخصٍ لإعادة النظر في طريقة رؤية هذا الشخص للأمور ولسلوكه في الحياة. ويتم هذا الأمر في الحياة الروحية. فبعد أن يتمرغ الإنسان بالخطيئة أو بلون من ألوانها, ينشغل عقله بالأمور المرافقة لعالم خطيئته, وغالباً ما تكون آتية من الاهتمامات الدنيوية, وهذا ما يصرف هذا الإنسان عن الاهتمام لحالته الروحية, ويفتقد تحسس أهوال دربه الخاطىء.

          إلا أن إلهنا الرحيم بمحبته الكبيرة وتحمله ضعفاتنا لا يهملنا, بل يفتح أمامنا قبسات من نورٍ إلهيٍ, يخترق روحنا فينا, فنرى بهذا النور ضعفاتنا فنرثي لحالنا, مقتدين بالطريق التوبوي المتاح لنا لنسلكه, طريقة افتداء المسيح من أجلنا, وهكذا تنفتح لنا أبواب توبته ليعطينا حياةً جديدةً. فتبرز أمامنا تفاهة حياتنا الداخلية والروحية, كلما كانت مناداتنا إلى الله تصرخ من أعماق قلوبنا بقولها: "ارحمني يا الله كعظيم رحمتك, اغسلني كثيراً من إثمي ومن خطيئتي طهرني". وأصلي له أيضاً: "هب لي أن أعرف ذنوبي وعيوبي وأن لا أدين إخوتي".

          وهكذا فكلما تعمقت بخطاياي أكثر, كلما كبرت ندامتي, وازدادت توبتي, واستعدت لمسات الروح فيَّ منذ يوم خروجي من جرن المعمودية.

ثالثاً: الثوب السماوي

          في يوم المعمودية يتعرى الإنسان من كل كساءٍ أرضي, مصحوباً بهذا الترتيل الكنسي: "أنتم الذين بالمسيح اعتمدتم, المسيح قد لبستم. هللويا". في تهليلة الفرح هذه يخرج الإنسان من الجرن نقياً طاهراً نظيفا,ً فيرتدي اللباس الحقيقي لفرحه, الذي هو المسيح نفسه.

          في توبتنا نعود متذكرين أننا لم نخلع ثوبنا الذي هو المسيح, وإن كانت خطايانا قد عطّلت مفاعيل هذا الدور الإلهي بحياتنا, وأن المسيح باقٍ فينا. ويشرق أمام عيوننا أن سلوكنا الشائن أو فكرنا الطائش, قد استدعى المسيح ليصلب من جديد, فنرى المسيح يُصلب من أجلنا ولا يتركنا. ولكنه يأمل, أننا بملء حريتنا نستحم من جديد بماء التجديد, الذي هو التوبة. وأن استحمامنا الجديد هو توبتنا فقط, وذلك ليعود رونق سر العماد المقدس إلى مفاعيله. وليعود المسيح إلى الظهور فينا من جديد, فيصير ثوبنا ظاهر للعيان, بعد أن كان محجوباً بفعل الخطيئة المشين, بهذا الكبرياء والغيرة والحسد والتعالي والكذب والنميمة والزنا والرياء وكل ما هو قبيح. نعم إننا باستعادة صورة العماد المقدس فينا نتذكر ثوبنا الأبيض الذي يحمل نور وجه يسوع المسيح, بعد أن خرجنا من الجرن, جاهزين لنسلك طريق من لبسناه ليصير هو وجودنا. بالتوبة اليوم نفرح أنه قد أُتيح لنا من جديد أن نسلك سلوك المسيح الذي لبسناه قائلين مع بولس الرسول: "لست أنا الذي أحيا بل المسيح يحيا فيَّ" (غلا20:2)

          فالجديد فينا الآن هو أن نفي بالوعد, وهو أن نترك تصرفات إنساننا القديم ليبقى الواحد فينا أبيض ناصعاً كالثلج.

          فالمسيح الذي فيَّ ينقلني ليس فقط إلى سلامة سلوكي مع نفسي فقط. بل يمتد إلى أكثر من ذلك فيغيرّ علاقاتي مع الآخرين. وحين أشعر أن هذا قد تحقق فيَّ أمد يدي التي أشعر أنها مقرونة بيد المسيح. لتلتقي مع يد كل آخر يحتاج من المسيح خدمة. فالتوبة تطويرٌ لحياتي الخاصة لأستزيد محبةً وخدمةً لكل آخر.

          الخطيئة بهذا المنظور ليست ارتكاباً شخصياً لكلّ شيءٍ خاطىء, بل هي أيضاً القصور عن فعل الخير, خاصةً الذي بإمكاني فعله ولا أفعله. وهنا نوسع دائرة التوبة بكوننا نلبس المسيح مقتدين بقول بولس الرسول: "ليكن لكم فكر المسيح" بمعنى أن رغباتي وتطلعاتي تقوم على ما ينتظر المسيح مني, فكم بالحري أعمالي. فالمسيحي التائب ليس مدعواً ألا يلطّخ ثوب المسيح فيه بالبقع السوداء فقط, بل أن يحقق ما يقوله سفر الرؤيا عن مثل هؤلاء التائبين أنهم "قد بيّضوا لباسهم بدم الحمل" (رؤ14:7). فلنجعل هذا الدم المهراق لأجلنا, موضوع توبتنا. كلما انتابتنا أوهان وضعفات, وحلت بنا لحظات تَردُّدٍ ومواقف متراجعة.

          أما كيف يجب علينا أن نبيّض لباسنا بدم الحمل؟ والجواب مقرونٌ بانتمائنا الكنسي, ومشاركتنا في القداس الإلهي في كلِّ قداسٍ نتناول فيه  الجسد الإلهي مع الدم الإلهي الزكيّ.

          القداس هو حفلنا, والمسيح الذي نتناوله جسداً ودماً هو عريسنا, فلنحافظ على ثوبنا العرسي ليكون مقبولاً لديه حتى لا نُطرح خارجاً. وما الثوب العرسي إلا المواظبة على الاعتراف بتوبةٍ حقيقيةٍ لا مراوغة فيها, لتكون بمثابة استعداد لتلك المناولة مقرونةً بأعمال الفضيلة والسيرة المسيحية الحقة. حينها ينطبق علينا بمرافقة المناولة مشاركتنا مع قول المرنم: "في بهاء قديسيك كيف أدخل أنا غير المستحق, لأني إن تجرأت على الدخول معهم إلى الخدر يبكتني لباسي لأنه ليس لباس العرس, وأطرح من الملائكة مغلولاً, فطهّر يارب دنس قلبي وخلصني". ولكن عليّ أن أتذكر دائماً نصيحة الشيخ يوسف الهدوئي القائل: (أنه من دون اعتراف لا تُحسب التوبة, ومن دون توبة لا يقدر أحد أن يخلص).

          يقول البار سيرافيم ساروف: (إن الذي يريد أن يخلص يجب أن يكون قلبه متخشعاً وجاهزاً للتوبة). ويأتينا تأكيد من داود النبي القائل: "الذبيحة لله روحٌ منسحق القلب الخاشع المتواضع لا يرذله الله" (مز17:50)

          قد يقول قائلٌ أريد أن أبقى بقلبٍ متخشعٍ ومتواضعٍ, ولكن الشيطان لا يتركني أو حسب قول الإنجيل: "إنسانٌ عدوٌ فعل بي ذلك" (مت28:13). هذا صحيح فعمل الشرير أن يصنع الشر. ولكن هذا لا يكون إلا إذا تهاونا وتركناه يفعل كما يريد. ولكن أيضا الإنسان المتكل على الله الكلي الصلاح, بعيداً عن الشر يكون عمله أن يصنع مثله الصلاح. فعندما يحاول الإنسان أن يبقى قلبه متواضعاً, وأن يحافظ على فكره سلامياً, تصبح كمائن العدو بلا فاعلية.

          إن بدء التوبة يُولد من اليقظة, فالتيقظ يلد الهدوء الداخلي, كما وأنه يوقظ الضمير النائم أيضاً, ويجعل النفس تنظر إلى قبحها فتراه كما لو كانت صورته تنعكس في مياه الغدير الرقراق والهادئ. هكذا تتولد بدايات التوبة وتتثبت جذورها.

          فهل ننتبه أننا في فترة حياتنا المتوانية إنما نهين بسقطاتنا عظمة الله؟ ولهذا فعلينا أن نطلب بتواضعٍ تامٍ من الرب مغفرة خطايانا دائماً. أي أنه بعد سقوطنا علينا أن نتذكر نعمة الله فينا, لتساعدنا لكي ننهض بالتوبة حسب قول المرنم: "دفعوني لكي أسقط, وكدت أهوي, لكن الرب عضدني" (مز13:117)، ولنتذكر أن هذا المرنم ذاته داود عندما وبّخه ناثان النبي على خطيئته, تاب مباشرةً وحصل على المغفرة.

          كثيرةٌ هي الأحداث السيئة في حياتنا, والتي نستطيع أن ننهيها بتوبةٍ نجعل المسيح في علياء سمائه فرحاً بنا: "ويصير فرح في السماء بعودة واحدٍ يتوب" (لو7:15). وبتوبتنا نعود إلى إله السماء بكل قلوبنا, فيصنع لنا الرب عيداً يدعو فيه ملائكته وقديسيه, ويحقق به الاحتفال إرادته التي فيها يسكن في نفس هذا التائب بكونه صار من مساكن المبتهجين.

وأما إذا يئسنا, ولم نعد بتوبةٍ إلى ربنا فإن هذا اليأس يحقق فرحاً عظيماً للشيطان وليس لله. لهذا ينبهنا القديس برصنوفيوس بقوله: (إذا لم يقف كسلك وعدم انتباهك عثرة, ستندهش, وتمجد الله لأجل الكيفية التي حولّك بها من خاطئٍ إلى بار). ولكن علينا ألا نكرر الخطيئة, ولنكن عالمين كما أنه لكلِّ مرض علاج فإن لكلِّ خطيئةٍ نقع فيها توبة. 

رابعاً: الطرق المؤدية إلى التوبة بحب الذهبي الفم

من بين طرق التوبة الكثيرة يعدد لنا الذهبي الفم ست طرقٍ أساسية:

1- الاعتراف هو الطريق الأول للتوبة، والكتاب يقول: "حدث بخطاياك لكي تتبرر" (إش26:43). ولنحذر أن نكون كقايين الذي لم يكتفِ بقتل أخيه هابيل, بل أجاب الرب بوقاحةٍ حين سأله عن أخيه, فكان قوله: "لا أعلم. أحارسٌ أنا لأخي" (تك9:4). فكانت عقوبته بعد أن أجابه بقوله: "صوت دم أخيك صارخٌ إليّ من الأرض" (تك10:4). ثم أتاه العقاب بقول الله له: "تائهاً وهارباً تكون في الأرض" (تك12:4).

          أما النبي داود الذي كانت فعلته أكبر من فعلة قايين بكونه زنا وقتل. فلما أرسل الله النبي ناثان له كان جوابه بعد حوارٍ دار بينهما: "أخطأت إلى الرب" (2صم13:12)، أي أنه أدرك خطيئته واعترف بها. ثم كتب المزمور 50 الذي يقول فيه: "خطيئتي أمامي في كلِّ حين". فسامحه الله لأنه حكم على نفسه معترفاً بها فعاش توبةً حقيقية.

2- طريق آخر للتوبة هو (الحزن). أي الحزن بسبب الخطيئة. فالله يسامحنا إذا كان حزننا مقروناً بالندم، وإن كان بنيته معاقبتنا فمجرد حزننا على فعلتنا أمامه يتغير موقفه تجاهنا وبسبب حزنه على خطاياه يمحو الله ما أتاه من خطايا.

3- (التواضع) يقول الذهبي الفم: "كن متواضعاً وستُخفى خطاياك الكثيرة". ويقدم لنا الكتاب المقدس مثلاً في شخصي الفريسي والعشار (لو10:18-14). فالفرّيسي أظهر فضائله من صوم وتعشير وتفضيل ذاته على الآخرين. أما العشار فاكتفى بالوقوف متواضعاً مع ضرب صدره قائلاً: "اللهم ارحمني أنا الخاطئ" فنجد بعدها أن العشار تبرر بتواضعه مخلّصاً من خطاياه، أما الفرّيسي فذهب من الهيكل عارياً من الفضيلة رغم كل ما ادعاه من فعل. فحُكم عليه بسبب كبريائه.

          وتأكدت توبة العشار بتواضعه رغم أنه كان منتصباً وقحاً، وطماعاً، وخاطئاً شرعياً. ولو أننا قارنَّا هذا العشار المتواضع ببار متواضع. فكم هو التواضع عظيم. لأن الإنسان إن اعترف بخطيئته صار متواضعاً فإنه يتبرأ ويتصالح مع الله.

          فالتواضع الذي هو طريق آخر للتوبة، نجد أنه قد برر العشار ووهبه ملكوت السماوات.

4- (الرحمة) ملكة الفضائل يقول سليمان الحكيم: "الإنسان شيءٌ عظيم. ولكن الإنسان الأهم على الإطلاق هو الإنسان الرحيم" (أم6:20). ألم يقل الكتاب المقدس في شخص الملاك لقائد المئة الورع والرحيم كورنيليوس: "صلواتك وصدقاتك صعدت تذكاراً أمام الله" (أع4:10).وهكذا تدافع الرحمة عند الله عن الإنسان كثير الخطايا. ثم، ألم يقل السيد المسيح: "ما فعلتموه بأحد إخوتي هؤلاء الصغار فبي قد فعلتموه" (مت40:25). وإن كانت لديك خطايا كثيرة، فإن رحمتك تالياً هي أقوى منها وتقاومها كلها.

          يقول الذهبي الفم: (هل لديك فلسٌ واحدٌ؟ اشترِ السماء، ليس لأن السماء بخسة، بل لأن الله محبٌ للبشر. وإذا لم يكن لديك ولا حتى فلس واحد، أعطِ كأس ماء بارد لأن الرب قال: "ومن سقى أحد هؤلاء الصغار كأس ماء بارد فقط، باسمي، فالحق أقول لكم إنه لا يضيع أجره" (مت42:10)).

          الرحمة تمحو الخطايا وتُبعد الدينونة. إذاً فلنعطِ بسخاء، وإذا كنا فقراء فليكن عطاؤنا بقدر فلس الأرملة. وإذا كنا لا نملك فبمشاركتنا محنة الآخرين. وأعظم ميراث يتركه الأهل لأولادهم هو (تعليمهم الرحمة).

5- (الصلاة) صلِّ كل ساعة، ولا تتعب، ولا تتهاون، ولا تتوقف عن طلب محبة الله للبشر، وهو لن ينساك، سيسامح خطاياك، وسيعطيك كل ما تطلب منه. واشكر الله إن حصلت على ما تريد أو إن لم تحصل. وتابع صلاتك ولا تفقد شجاعتك. فالصلاة تبقى دائماً وأبداً باباً للتوبة, وعملاً لنيل المراد.

6- (الدموع) من المفيد على الإنسان عندما يواجه نفسه بخطاياه أن يبكي بدموع. وإذا قرأنا الإنجيل بتدقيق وتتبعنا واحداً من أمثلته, وليكن الرسول بطرس الذي له من المآثر في قوة إيمانه الشيء الكثير، فهو الذي نال من الله الآب إعلان من هو يسوع المسيح فأثنى عليه يسوع قائلاً: "طوبى لك يا سمعان بن يونا، إن لحماً ودماً لم يُعلن لك، لكن أبي الذي في السماوات" (مت17:16). ولكنه حين أنكر المسيح أي لما وقع في خطيئةٍ كبيرة كهذه, وجد نفسه محتاجاً إلى التوبة, فبدأها بالبكاء والدموع كما يقول الإنجيل: "لقد بكى بكاءً مراً" (مت75:26). وكأنه تعمَّد بدموعه وتطهّر بها من خطيئته. لذا فإننا عندما نخطئ فلنتواضع طالبين رحمة الله بدموعنا فننال المسامحة من الله. 

خامساً: الخاتمة

          يقول القديس نيفن الأسقف الناسك أنه تعلَّم من آبائه: "بأن الله لا يدين المسيحي لأنه اقترف الخطيئة، بل لأنه لم يَتُبْ عنها. إذ أن يخطئ المرء ويتوب فهذا أمرٌ بشري، بينما ألا يتوب عن خطاياه فهذا الأمر من خواص إبليس. وبما أننا لا نعيش في التوبة باستمرار، فلهذا سوف ندان".

          لذلك يقول الكتاب المقدس على لسان أرميا النبي: "ارجعوا إليّ تائبين" (أر7:3). لقد أعطانا الله طرقاً كثيرةً للتوبة وبقي أن نكون نحن غير متهاونين في عودتنا هذه.

          وليكن لنا رباطٌ وطيدٌ بالكنيسة، فالكنيسة التي هي بيت القداسة ومسكن الله هي أيضاً بيت التائبين, وهي التي تعلّمنا بحسب معطيات الإنجيل القائم على مائدتها بألا نيأس ولا نتهاون ولا نفقد الرجاء. فالكنيسة كما يقول الذهبي الفم: "هي عيادةٌ وليست محكمة، تُعطي التسامح ولا تُعطي مسؤوليةً عن الخطايا"، يكفي أن نواجه الله فيها بقولنا: "إليك وحدك أخطأت والشر قدامك صنعت" (مز4:50). فننال بعدها المسامحة. يكفي أن نقدم لله التوبة وهو سيقدم لنا برحمته الغفران.

          ومن المفيد القول بأن لنا أباً روحياً في الكنيسة ينتظرنا بتكليفٍ من الله. ليحتضننا كما الأب مع ابنه الضال, فيصلي معنا. ومن أجلنا, ويبكي معنا ويطلب الرحمة لنا. وبمساعدته نتلمّس حضور الله في حياتنا.                                                                    (عرض شرائح مرافق للموضوع)