رهبانية الديرين

الحياة الرهبانية

قديس اليوم

زيارة لديـر القديس جاورجيوس

زيارة لديـر الشيروبيم  ( رؤساء الملائكة )

البحث في الموقع

الوصول إلينا

............... ديرا القديس جاورجيوس والشيروبيم في صيدنايا...............

صوت الراعي

صوت الديرين

حياة روحية

صنارة روحية

شهادات حية

أيقونة تتحدث

ملتيميديا

سؤال وجواب

إصدارات الدير

نشاطات

المكتبة

أخبار

مساهمات القراء

ارتباطات

حديث الأسبوع (25 تشرين الثاني)

أرشيف

وعظة الأحد

                   موضوع للأرشمندريت يوحنا التلي

لرعية كنيسة مارالياس في قطنا

25-11-2018

 الأهواء وكيفية محاربتها

 مدخل

إن الأهواء في الأساس هي قوى النفس. يهبنا الله هذه القوى، لتعمل مفاعيلها من أجل الخير، ويتم هذا الأمر عندما نهتم برعايتها، أما عندما نُهمل الاهتمام بها، يستغلنا الفكر الشرير الناتج عن ضعف دور الله في حياتنا، فيحدث بسببها استغلال هذه القوى، فننحرف ونبتعد عن إعطائها الدور الإيجابي، فتُستغل، ورأس المستغلين هو الشيطان وفكره. وبادئة ثمار استغلالها أنها تصبح أهواء تدفعنا إلى التذمر والمشاجرة مع الله بكونه هو الذي أعطانا إياها لنحقق بها أعمال الخير، إذن لقد أعطانا إياها لتصبح لنا عوناً في جهادنا الروحي.

هذه المفارقة تشبه من الناحية المادية الطاقة الكامنة في وسط الذرات الفاعلة عند استخدامها، والتي بمفاعيلها يمكن القضاء على بعض الأمراض وعلى رأسها السرطان، وباستعمالها لأهداف شريرة يمكن استغلال طاقتها لاستعمالها في صناعة الأسلحة وخاصة المدمِّرة والفتّاكة منها مثل القنبلة الذرية وغيرها.

ونحن في استعمالنا الصحيح لقوى الأهواء بإمكاننا أن نتحلّى بها في حياتنا، وخاصة حياتنا الروحية. فعلى الإنسان إذن أن يعمل بحسب نصيحة القديس باييسيوس التالية: (أنْ يحوِّل القوى التي يتحلّى بها نحو الخير فيصل بمعونة الله إلى حالة روحية جيدة. فليقدّس ميله للثرثرة بتنمية الصلاة، وليحوِّل الأنانية ضد الشيطان فيقاومه عندما يجرِّبه. إن استعمال القوى الموجودة في النفس بشكل صحيح أو خاطئ يجعل الإنسان رجلاً صالحاً أو شريراً).

          وفي هذا يقول القديس يوحنا السلّمي: (لم يُبدِع الله الشر ولم يسبّبه، وقد ضلّ الذين زعموا أن في النفس أهواء شريرة، وخفي عليهم أننا نحن الذين حوَّلنا خواص طبيعتنا إلى أهواء، فإن قدرة إنجاب الأولاد فينا، بالطبع، ولكننا حوَّلناها إلى الزنى. فينا الغضب، بالطبع، لكي نغضب على الشيطان، فحوّلناه ضد القريب. فينا الغيرة لنتنافس في الفضيلة، فتنافسنا في الشر.. فينا التكبّر بالطبيعة، ولكن على الشياطين فقط. كذلك فينا الفرح ولكن لنفرح بالرب وبحُسن عمل القريب. قد أُعطينا الحقد لكن لنغتاظ من أعداء النفس، ونلنا شهوة الطعام ولكن ليس للإفراط في تناوله بل لتغذية الجسد).

          فقديسنا يرى بأن الإنسان القادر على تجنب الأهواء، نافع له، ليكون ممتثلاً للفضائل ومدعواً لكي يعتاد على تمييز ما يريده الله عن النقيض، وهذا ما يريده الشيطان.

 

 

أولاً: هوى الشراهة

          على الإنسان أن يستعد للتخلص من الشراهة عن طريق استعداده للقيام بمعركة جسدية تتطلب منا وضع خطة ترتكز على قاعدة ونظام وشروط تضمن نجاح هذه المعركة الروحية. أهمها أن نُخضع جسدنا لإرادتنا حينها يأتي النجاح إذا حققناه ببرهان وصولنا لنكون أحرار. لأن "الإنسان مستعبدٌ لمَن غلبه" (2بط19:2).

          ننال التحرر من هوى الشراهة إذا كنا نحمل فكراً نقياً نجاهد لأجله كي لا نتلوّث بالإثم الناجم عن أية شهوة رديئة، لنؤكّد أننا لسنا عبيد الجسد، لأن "كل مَن يعمل الخطيئة هو عبدٌ للخطيئة" (يو34:8). فالمعركة ضد الرذائل يجب أن تستمر، خاصة وأن أهمها الشهوة الجسدية، واضطرابات حركات النفس. ولنعلم أن الإنسان إذا كان متخماً لا يقوى على خوض معارك داخلية، وإلا فإنه يتعرّض فيها للانهيار والخسارة.

          ومن أجل أن ننتصر على الشراهة، فلنعلم أنه أولاً يكون عراكنا بغية إخماد شهوة الطعام توخياً للكمال، ونقوّي فينا الاهتمام الروحي. فمثلاً عندما تنهمك الروح بوخز الضمير المتواصل، فإنها تُبعد فجور الجسد الذي يمنحه الغذاء حدّة وحرارة. فننال هدية من الروح القدس بها يُخمد فينا غليان الشهوة الجسدية. حينها نستطيع لجم شهوات النفس، وإيقاف الجسد عند حدّه، وإخضاعه لروحنا. فبولس الرسول يقول: "فأنا... أقمع جسدي وأستعبده لئلا أكون أنا نفسي مرذولاً، بعدما وعظت غيري" (1كو26:9-27).

 

ثانياً: هوى الزنى

          في روح الزنى نحن معرّضون لنوعين من الرذائل، هما: (روحية وجسدية). فنحن إذاً معرّضون لنُهاجم من جبهتين. وهو لا ينجح في هجومه هذا إلا عندما يتملكنا ضعف جسدي وروحي.

          إصلاح هذه الرذيلة يتعلق خاصة بكمال القلب وطهارته: "فمن القلب تخرج الأفكار الشريرة: القتل والزنى والفجور والسرقة.." (متى19:15). لذا يجب مداواة القلب لأنه هو ينبوع الحياة والموت، فسليمان الحكيم يقول: "احفظ قلبك لأن منه مخارج الحياة" (أم23:4). فالجسد يطيع قرار ووصية القلب. لكنه عندما يشبع حين شراهته بتخمة فهو يقاوم مبادئ النفس السلامية، ويهمل بوقاحة الروح المرشد. فتهذيب النفس في عدم اهتمامها بالرذائل واستبدالها بالانشغال في التأمّل الإلهي والأمور الروحية تصل إلى النزاهة الحقيقية بعيداً عن هوى الزنى. وفي هذا يقول السيد المسيح: "نقّ أولاً داخل الكأس والجام، حتى يتطهَّر خارجهما أيضاً" (متى26:23). فالزنى مرض، يحتاج من أجل الشفاء منه، تقشّفاً جسدياً وتوبةً عميقةً، وأيضاً بُعداً عن معاشرة الناسدون انتباه ويقظة، للتمكّن من إسقاط حرارة الأهواء الرديئة ليتم شفاء الذات بالكامل.

          والخروج من شهوة الزنى هو انتصارنا في الوصول إلى مرحلة النقاوة التامة، وهي التي تجعلنا غير منخدعين عند رؤيتنا أي صورة، بل نكون مستمرين بحياة الهدوء والسلام اللذين وصلنا إليهما لنبقى في راحة مستمرة، فنستسلم في الوقت المناسب للنوم بلا اضطراب لأن يومنا الذي اجتزناه لم يسبب لنا أي إثارة أو أي مشاعر شهوانية مما يدل على ضرورة التقيّد بالآية التالية: "احفظ قلبك بعناية" (تك15:3).

          عملنا الدؤوب يقوم في سعينا الحثيث لقمع المشاعر النفسية، والأهواء الجسدية حتى يُرضي الجسد متطلبات الطبيعة دون إيقاظ اللذة المفتعلة خاصة.

 

ثالثاً: هوى حب المال

          مرض حب المال يأتي إلى الإنسان متأخراً وعادة يبقى مؤثراً عليه من الخارج. ولكنه إنْ دخل إلى قلب الإنسان، فإنه يعشش فيه لأن "المال أصل كل الشرور" (1تيمو10:6). وهو الذي ينمّي فروع باقي الرذائل ليصبح لها إناءً، يصعب مفارقتها لهذا الإناء.

          محبة المال التي تحيط بها الأهواء والرذائل، تجعل من الأسيرِ أسيرَ فكرة الربح المادي، فيوجِّه اهتمام قلبه نحو الوسائل التي توفّر كسب المال. ولتحقيق هذه الرغبة يهون عند محب المال الكذب، وتحلو له السرقة، ولا يشعر بوخز الضمير إذا حنث اليمين. فلا يخاف التراجع عن وعد قطعه، ولا الاستسلام لثورة غضب عارمة إذا وجد نفسه محروماً من نفع يتوقّعه، ولا يبالي في تخطّي حدود الشرف والتواضع.

          تَحِلّ عند البعض بسبب حب المال محبة الذهب ومحبة الربح فيحلاّن محل الله، كمثل ما يكون عند الشرهين، إلههم هو بطنهم. بعد هذا ينزلقون منجرفين نحو هلاكهم. ويُعبِّر الرسول بولس عن أمثالهم بقوله: "أما الذين يرغبون في أن يصيروا أغنياء، فيسقطون في التجربة والفخ ويتورّطون في كثير من الشهوات السفيهة المضرّة التي تُغرق الناس في الدمار والهلاك. فإن حب المال أصل لكل شر" (1تيمو9:6-10).

 

رابعاً: هوى الغضب

          يحتل الغضب القلب أحيانا، فيطفئ سراج العقل، فيستحيل علينا عندها أن نحكم بتبصّر، وأن نتمتع بتأمّل مقدس، وأن ننصح الآخرين بمنطق، كذلك لا نستطيع أن نشارك الآخرين بالحياة الحقيقية. لأن "الغضب يستقر في صدور الجهّال" (جا10:7) وأيضاً: "لأن الغضب يُضيّع العقلاء الحذرين" (أم1:15) فيفقد الإنسان القدرة على التبصّر أو المحافظة على قلب متيقّظ "لأن غضب الرجل لا يعمل على بر الله" (يع20:1). ومن ناحية أخرى فإنه غير قادر على التمتّع بنضج الرأي، رغم أن مظهره يدل على الاتزان والعلم "لأن السريع الغضب يعمل بسفهٍ" (أم17:14).

          وإنْ شئنا التوضيح أكثر فإن الغضوب هو إنسان مريض نفسياً. وعليه الشفاء منه بمساعدة نفسه في أن يكافح ليبقى بعيداً عن رذيلة الغضب والغيظ، عاملاً بموجب نصيحة بولس الرسول: "انزعوا عنكم كل حقدٍ ونقمةٍ وغضبٍ وصخبٍ وسُباب وكل شر" (أف31:4). ثم يتابع واصفاً العلاج بلغة إيجابية، يقول: "كونوا لطفاء بعضكم نحو بعض، شفوقين، مسامحين بعضكم بعضاً كما سامحكم الله في المسيح" (أف32:4).

          غالباً ما يكون الغضوب منفعلاً لتصحيح قولٍ بزعمه أنه قول خاطئ. فيغضب ساعياً لشفاء الآخر الغلطان. ولكنه من حيث لا يدري يكون هو قد وقع بسبب غضبه في مرض أشد خطورة، ألا وهو الضلال. حينها يحتاج لقول يسوع: "أيها الطبيب اشفِ نفسك" (لو23:4). نعم، إن الشعور بالغضب وغليانه، يَعمي البصيرة، ويُطفئ سراج العقل، وأحياناً، قد يتحوّل الغضوب إلى قاتل. ولنا من كلمات السيد المسيح فائدة كبيرة خاصة عندما يقول: "إن كل مَن غضب على أخيه يستوجب الدينونة" (متى22:5) ويضيف في مكان آخر: "وكل مَن يُبغض أخاه فهو قاتل" (يو15:3).

          فالغضب خطيئة كبيرة بها يتعدى على وصية الله عن المحبة. والغضب هنا يشير إلى حالة الغليان والشعور بالمرارة ضد أحد الناس، وهو شعور خطر يهدد بالخروج عن اللياقة وضبط النفس، مما يؤدي إلى العنف والأذى العاطفي، والتوتر العقلي المتزايد، وغير ذلك من النتائج المدمرة.

 

خامساً: هوى الحزن

          يقول الكتاب المقدس: "كما يعبث العثّ بالثوب، والسوس بالخشب، هكذا يفتك الحزن في قلب الإنسان" (أم20:25). فإذا سمحنا للحزن أن يستولي شيئاً فشيئاً على نفوسنا تبعاً لتبدل الظروف واختلاف المناسبات، فإنه ينتزع قدرة المضيّ لتحقيق أهداف الحياة، هذه التي تحتاج كثيراً من المسرة والفرح: "افرحوا بالرب دائماً، وأقول أيضاً افرحوا" (في4:4) حتى في وسط الصعاب يمكننا أن نستمتع بالفرح. في حين أن الحزن يسلب طهارة أرواحنا، فنفقد بوجوده حلاوة التأمّل الإلهي، فلا يسمح بتأدية الصلوات بشكل صحيح، ولا المواظبة على الكتب المقدسة، كما يمنع الوداعة واللطف مع الآخرين، فيخسر الإنسان طول أناته، ويتعامل مع ذاته ومع غيره بشيء من العنف. فيصبح بسببها عاجزاً عن اتخاذ قراراته بشكل صحيح، لأنه محروم من الهدوء القلبي.

          حتى نفس الإنسان الحزين لا تستطيع مساعدة بنيان شخصية صاحبها، فيَنس إنسان كهذا قول بولس الرسول: "أتنم هيكل الله، وأن روح الله ساكن فيكم" (1كو16:3).

          غالباً ما ينشأ الحزن من غضب عارض، أو خسارة لذة ما، أو حسم ربح منتظر، أو الوقوع في خيبة أمل. والشيطان بمكره يستغل كل أحداث حياتنا ليُدخلنا في ظلمة الحزن، في حين أن الروح الإلهي ينشّطنا لنصبح من عِداد أبناء البهجة. ونحن الآن في صوم الميلاد الذي يقودنا إلى اكتشاف الله في شخص طفل المذود مع سماعنا لترتيلة الملائكة ببهجة آتية من لدن الله تقول: "المجد.. السلام... وفي الناس المسرّة" (لو14:2).

          في الحزن نفهم من خبرة الآباء القديسين أن أهواءنا لا تُثار بغلطة الآخرين، كما نتعلّل في كثير من الأحيان، بل غالباً نحمل نحن في ذواتنا دافع وبذرة الرذائل. وهذا الموقف من الحزن لا يتوقّف فقط عند اقتناء هذه الخطيئة، بل هو موقف ينطبق على كل أشكال الرذائل الأخرى. فالإنسان لا يقع في حبائل الخطيئة إذا كان مُحرَّضاً برذيلة إنسان آخر، ما لم يمتلك في قلبه مادة الخطيئة. فلا يظنن أحد أن إنساناً يُفتن فجأة برؤية جمال امرأة ويقع في هوّة الشهوة المخجلة، لو لم تكن هذه الرؤية مناسبة لظهور سطحي لمرض كان يكمن سراً.

          أراد الله لنا العمل الدؤوب في جهاد مستمر لتسكين عواصف خطايانا، لأن كمال القلب لا نستحوذ عليه بالابتعاد عن البشر، عن طريق هجر معاشرتهم أو تجنب الذين نظن أنهم مسيئين إلينا، إنما أراد الله لنا أن نُنقّي أنفسنا وأن نتحلّى بفضيلة الصبر. إذن علينا أن نُغيِّر أنفسنا، لأن سبب الحزن الذي من أجله ابتعدنا عن الآخرين، يكمن فينا وليس في الآخر.

          ولا ننس أن هناك حزن إيجابي به نحزن على أنفسنا بسبب كثرة خطايانا التي تُبعدنا عن الخلاص. هنا، يقودنا الحزن إلى اقتناء توبة تعيدنا إلى حضن المسيح لننال به الخلاص فيا لفرحنا حينه.

 

سادساً: هوى الكسل (الكسل الروحي – الخمول – الإعياء النفسي) أو الكسل والتعب النفسي

          هذا الهوى قريب من هوى الحزن. فالإنسان الذي يهاجمه هذا الهوى، يَخلق عنده كرهاً لمكان تواجده، إنْ كان البيت أو العمل أو الدير أو أي كان. فينفر منه، وينفر من كثير من الأشخاص لا بل ويحتقر غيره. فيزدري بالآخرين، أما هو فيفقد حيويته في العمل ويتململ من البقاء حيث هو، ويرغب في الانتقال أو السفر للمجهول. نجده يتأوّه ويتذمّر، كما وأيضاً يتأسف لعدم تواجده في حلبة عمل غير التي هو موجود بها أو غير بيته حتى أسرته أحياناً. فيحزن ويكتئب لظنه بأنه سيكون ناجحاً في غير مكانه. فيندب حظه، وأحياناً يتذمّر على ربه.

          يمدح ويناشد باقي الأسر أو أماكن العمل الأخرى، فيصف هؤلاء الآخرين بكلام الإطراء والمديح رغم عدم معرفته الكاملة بهم. بعكس الذم الذي يشنّه على القريبين منه. والأسوأ من كل هذا أنه متشائم لدرجة أنه يظن نفسه في خطر دائم، وأن الموت سيداهمه قريباً مع كل حدث يمرّ به، سواء كان صحياً جسمانياً أو نفسياً. ويتأسّف على نفسه أنه لم يحقق ما يبتغيه أو يريده إنْ كان هدفاً دنيوياً أو روحياً.

يتحوّل قلقه لا لتغيير إيجابي يخرج به من مأزقه بل يتحوَّل اهتمامه إلى الذهاب هنا وهناك مع اهتمامات سطحية بالآخرين ظناً منه أنه المنقذ والمساعد ولا أحد مثله. في حين أنه يلهو بكسله ويعبّر عن انعكاسات تعبه النفسي. وعندما لا يجد ما يلهو به من أمور يضيّع فيها وقته فإنه يعيش التراخي والنوم بكسل.

          تستمر الروح التعيسة التي تتملكه مسببة له الإعياء النفسي، فيتسبب له ضياع البحث عن هدف يحيا لأجله بجد واجتهاد. فتغيب عنه أيضاً الرؤية المطلوب تفعيلها لتطوره الدائم في الحياة والتي يصاحبها بحسب لغة الروح تغيير مستمر مبني على قوة التوبة المصيّرة وبشكل يومي دائم إبداعات جديدة مصحوبة بثمار مغلّف بفرح لا يتوقف. لذلك نجد أن لسان حاله يرنم مع المرنم: "نفسي نعِسَت من الضجر" (مز28:118). فالنفس بتأثرها بحاله المضطرب تتغافل عن كل ما يختص بالفضائل والمعاني الروحية. نقص المحبة عنده هي أحد أسباب هذا المرض. فليزد محبته فتكثر حيويته ويزداد جهده وإنتاجه. فتنتقل ثورته لاستعادة المفقود من الفضائل والعلاقات الحسنة بقبوله للدواء الشافي الذي هو المحبة. وكمثل قول بولس الرسول: "أما المحبة الأخوية فلا حاجة لكم أن أكتب إليكم عنها، لأنكم تعلمتم من الله أن يُحبّ بعضكم بعضاً، وأنتم تفعلون ذلك نحو جميع الأخوة" (1تسا9:4-10).

 

سابعاً: هوى المجد الباطل

يُهاجمنا هوى المجد الباطل جسدياً وروحياً، وأخطر ما فيه أنه بخبثه يرمي حبائله، خاصةً على الناجحين والمتقدّمين وخاصة الروحيين، والمنشغلين باكتساب الفضائل فيصيبهم الغرور القائم على الاعتزاز بالذات، بصور وأشكال متعددة. وكلها تقود إلى الاحساس بالعظمة. ولكن قوته تكمن في قدرته على التستر بثوب الفضيلة. فتكون النتيجة تدمير هذا المدّعي بالتفوّق.

          فالمسيحي يجب ألا يُفكِّر بفضائله، ولا أن يتفاخر بنموِّه الروحي، لأنه وإنْ كانت الأهواء التي تغلِّف الرذائل، لها وجه واحد، فإننا نجد أن للمجد الباطل وجوهاً مختلفة. فهذا المجد مُقاد من الشيطان دائماً، فهو يحاول الإيقاع بالمسيحي الملتزم خاصة من خلال كل أموره: فكره وأعماله، وكلامه ومظهره. وأيضاً في أسهاره وأصوامه وصلاته وقراءاته وسعيه للمعرفة. وكذلك في تواضعه وطاعته ومروءته وغير ذلك كثير.

          فالسالك في طريق الله والمسيح والكنيسة، وكذلك القيم المطلوبة لعيشها في دنيانا، عليه، أي على مثل هذا الإنسان ألا يفكر بفضائله ولا بنجاحه الدنيوي ولا بنموّه الروحي، ليصير باحثاً عن (المجد) وساعياً إليه لأن بولس الرسول يرى أن "مجد المسيحي في خزيه" (راجع في19:3). حينها لا يبقى للغرور دور بل يحل مكانه التواضع، غير مبال لتحقيق مجده الشخصي لأنه يرضى بالمجد ليسوع لا لنفسه.

          فالشيطان، أو أفكار الإنسان غير المباركة، يجب التحرّر منها، بحيث لا يبقى دور لهذا العدو من قدرة لتعظيم الإنسان، فيبقى صبوراً في عمله، ومثابراً رغم التعب لاستمرار جهاده، وغير مبالٍ بكل الاغراءات المطروحة عليه، ليبقى برونقه مثابراً بسبب طاعته لما يريده الله، وللوصايا الإلهية سائراً بحسب المشيئة الإلهية، ولسان حاله يرنم مع داود قائلاً: "في هذه الطريق التي أسلك فيها، أَخفوا لي فخاً" (مز4:141). وما الفخ إلا الطعم الذي به يزداد افتخاره بدلاً من التواضع الذي يجعله بالمسيح متشبّهاً. لذا يُحذِّرنا بولس الرسول قائلاً: "فلا تتكبر، ولا تتحدى ولا يحسد بعضنا بعضاً" (غلا16:5).

          أخيراً فلنعلم أن المجد الباطل هو الذي يحمل الإنسان إلى الرغبة في الشهرة والحصول على المركز الأول في المجالس على الرغم من رغبته في اقتناء الفضيلة–فيجمع بينها وبين مع هذا التمسك بالمجد الباطل - يعني أن ما يملكه ليس إلا مجداً فارغاً يسبب له العثرات فلنسلك بالتواضع الذي بسببه يملأ المسيح نفسه هذا الفراغ، فننال من خلال حضوره الفرح الذي بدونه تبقى حياتنا في جحيم بسبب غرورنا هذا.

 

ثامناً: هوى الكبرياء

          ننهي تعداد الأهواء بهذا الوحش المخيف: الكبرياء. هناك نوعان للكبرياء: الأول كبرياء خارجية يُظهرها تصرفه وبسهولة يستطيع الإنسان الساعي لعيش الكمال أن يتخلّص منها. وهناك الكبرياء الداخلية فهي مستترة لا تظهر للعيان لذلك بإمكانها أن تكون ماكرة، ولذلك يصعب الشفاء منها، وهي تصيب الناس الروحانيين وذوي الأخلاق الرفيعة، والسلوك الحسن، وبالتالي ذوي المراكز العالية.

          الكبرياء هوى يتقارب من خلاله إنسان الأنانية، والمتحلّي أيضاً بالغرور الذي يصاحب إنسان المجد الباطل. لذلك اعتبر الآباء أنه لا توجد رذيلة تُضعف الفضائل كلها، وتَسلب الإنسان كل عدالة وقداسة أكثر من الكبرياء.

          ولنتذكّر من خلال الكتاب المقدس خاصة (أش12:14-15) كيف أن أجمل ملاك وهو المدعو (لوسيفوروس) الذي لم يسقط من السماء إلا لكبريائه لجماله الباهر، وكيف أنه هوى وسقط. وهذا ما يصيب كل واحد منا، عندما يجد نفسه متحلياً بشكل يجعله أفضل من الآخرين، لميزة يتحلّى هو بها، لأنه حينها يعيد الفضل والأهمية لشخصه، بدلاً من الشكر لله الذي أعطاه هذه الهبة، والتي تدعوه ليقارن ذاته بالله بدلاً من غيره من الناس.

          فلنناشد الله مثل داود قائلين: "لم يسكن وسط بيتي المتصرّف بالكبرياء" (مز7:100). ولنتذكر مقولة يعقوب الرسول: "الله يُقاوم المتكبرين" (يع6:4) وأيضاً قول سليمان الحكيم: "الله لا يرضى عن كل قلب متشامخ" (أم5:16). كم هو جميل المتواضع الذي بدلاً من أن يقول: "سأصعد إلى السماوات" (أش13:14) مثل لوسيفورس نجده يقول: "فإن نفوسنا قد ذُلَّت حتى التراب" (مز26:43). وبدلاً من قوله: "أصير مثل العليّ" (أش14:14) نجده يسعى بالتشبه بأكبر متواضع في الوجود، الذي وحده من حقه أن يتحدّث من عليائه، إنه المسيح "الذي إذْ هو في صورة الله... أخلى ذاته آخذاً صورة عبدٍ... متواضعاً، فصار يطيع حتى الموت" (في6:2-8). نعود للمتكبر حسب لغة الكتاب فهو يقول: "أرفع كرسِيّ فوق كواكب الله" (أش13:14) أما المتواضع فهو يدعونا للتعلّم منه حسب قوله: "تعلّموامني فإني وديع ومتواضع القلب" (متى29:11). نعم، علينا تجنّب الكبرياء، ليبقى لسان حالنا يُردِّد مع بولس الرسول: "ولكن لا أنا، بل بنعمة الله التي معي" (1كو10:15).

          بعد كل هذا نكتشف أن الكبرياء تدفعنا إلى أن نكون عديمي الصبر، وناقصي المحبة، سريعيالغضب والرغبة في إهانة الآخرين، علانيةً أو مع أنفسنا، أيضاً قساة، نرفض تقبّل النصيحة ومترددين في الطاعة وكذلك ضعفاء في إماتة الأهواء فينا، وراغبين دوماً لفرض آرائنا ورافضين للنصائح الخلاصية. ومن ثمَّ فإن ثقتنا بأحكامنا الذاتية تكبر، وبالمقابل لا نهتم لنصائح أصحاب الخبرة والمتقدمين.

ملاحظة: سيتم تكملة عرض الموضوع بفقرتين مكملتين بعد تقديم تعدديات الأهواء ممايلي:  

1-  التحرر من الأهواء

2-  الخاتمة

تاسعاً: التحرر من الأهواء

          خلق الله الإنسان بعد أن هيأ له فردوساً وصفه الكتاب المقدس بأنه كان "حسن جداً" (تك31:1). سكنه الإنسان برضى وفرح، لدرجة أن الله كان يتمشّى فيه مع الإنسان الأول، ويتحادثان ليس فقط صباحاً ومساء، بل مرات عديدة أيضاً. فكان الفردوس مكان اللقاء الإلهي، فهيّأت الإنسان لمعرفة الله، وبالتالي معرفته ليصبح "شريك الطبيعة الإلهية" (2بط4:1)، لأنه كان يتبادل النور والحياة مع الله.

          في لحظة أراد هذا الإنسان أن يصبح إلهاً، فتمرّد على الله ولسان حاله يقول: (لماذا تكون أنتَ الله، ولا أكون أنا؟). مباشرة تحوّل من إنسان فرِحٍ وشركوي، إلى إنسان وحيد وحزين وبائس. هكذا ابتعد عن الله وحمايته، فسيطر عليه الخوف، وتملّكه شعورٌ رهيب بالغربة عن الفردوس، فصار شقياً، ويتعب بلا جدوى، أي لا معنى لكل ما يقوم به. والأهم أن العلاقة مع الله، انقطعت. لأن موقفه يتلخّص بالقول التالي: (ابقَ أنت بعيداً، وأنا سأتدبر أموري لوحدي).

          هذا ما حصل وقد ولَّدَ لديه نوعاً من انفصام في الشخصية فاضطرب قلبه وتشتت حياته، ولم يعد بمقدوره أن يتحكّم بذاته. فشعر بعداوة تجاه الله، ظناً منه أنه السبب في كل ما آلت إليه حاله.

          أصبحت الخطيئة جزءاً لا يتجزّأ من جسده ومن روحه؛ هذا التأوّه، ولَّد في أعماقه شيئاً جديداً، هو: الخطيئة. فصارت حياته تفرز له شيئاً جديداً، وهذا الجديد هو أهواءه التي صار يشعرها بداخل نفسه.

          أضاع تاريخه السابق للخطيئة مستبدلاً عطاءات الماضي وأفراحه، بالجديد الذي سُميَّ بالأهواء. وكأن الأهواء هي استبدال وجود الله وحضوره في حياته. فانتقل من عالم النور إلى عالم الظلمات.

          والمطلوب هو أن عليه أن يتحرّر من ظلمة الأهواء. وهذا يتم ويتحقق إذا استطاع بإرادته الحرة أن يرغب. وإلا فانه يتحوّل مثل يهوذا الذي بالرغم من أن المسيح أمضى معه ثلاث سنوات ليقوده إلى درب الخلاص، لكنه لم يرغب قبول محبة المسيح له، أي أنه فقد الرغبة في قبوله فحصل له اليأس، فوصل إلى الهلاك.

          لم يبق الله مكتوف الأيدي، والإنسان الذي خلقه أرداه أن يكون مثله ليصير كمثاله، وهذا الإنسان يعيش بتيهٍ وضيعان ولا يعرف درب خلاصه!! بل أتاه الله، حاملاً جسد انسان أي انهلقد صار الله مثله إنساناً بشخص ابنه نعم أتاه بشخص ابنه يسوع إنساناً كاملاً بلا خطيئة، أي أنه بلا أهواء وعمل لأجل رفع الطبيعة البشرية إلى السماء. وما تجسّد المسيح إلا ليُقدِّم للإنسان فردوساً سماوياً بدلاً من الفردوس الأرضي الذي خسره. فلم يعد بمقدوره أن يخلص إلا بمساعدة المخلص له .

          فتح المسيح للإنسان إمكانية خلقٍ جديد ليكون بمثابة ولادة ثانية. على الإنسان فيها أن يتحرّر من أهوائه عن طريق (الرغبة والإرادة اللتين هما بداية طريق الخلاص) بحسب قول الأب دوروثيوس ليكونا الشرط الأول للسير نحو الله.

          فمثلاً إذا كان لدي هوى الكسل أو الكبرياء أو حب المال، فلكي أتحرَّر منه أو من غيره، عليّ أن أرفض بإرادتي هذا الهوى لأني أصبحت متيقّناً، كما يقول بولس الرسول:إن الهوى هو "عداوةٌ لله" (رو7:8). فالصلح مع الله هو بداية الطريق. وهذه البداية يجب تنميتها وتقويتها بتبني طريق روحي نتعهّده باسم «قانون» ينشئ فينا محبة العلاقة مع الله من جديد فتتقوّى فينا كل من الرغبة والإرادة. ويبدأ حينها الإنسان يشعر بفرح قلبي نتيجة اكتسابه فضيلة اللاهوى بشكل صادق. ويتأكد هذا الإنسان بنجاحه في مسعاه هذا، ليس فقط من خلال إحساسه بهذا الفرح، بل أيضاً وبأهمية بالغة بتطبيقه الصحيح لقانونه فيقول مع بولس الرسول: "لستُ أنا الذي أحيا، بل المسيح يحيا فيَّ" (غلا2:20). ويتابع قوله مع بولس الرسول أيضاً: "لا شيء يفصلني عن المسيح، لا شدة ولا ضيق..." (رو35:8).

          بعد مرحلة النضوج بالروح، وبعد عيش هذا الفرح الذي لا تُشوّهه صعوبات الحياة ولا مرارتها إنْ وُجدت، فإنه يكتشف بأن مرحلة التحرر من الأهواء تستدعي تطبيق الأمور الثلاثة التالية:

1- عيش التوبة التي يسبقها إحساسي ويقيني بأنني حقاً أنا إنسان خاطئ، وأنني أرغب في التغيّر.

2- عيش المحبة التي من خلالها أدرك أنني عندما لا أحب الآخر أكون في الحقيقة معاديا ًله لأن المحبة تجعلني أقبل متفّهماً أن الآخر هو على حق أيضاً. لأن المحبة الحقيقية هي معاكسة للأهواء وتعمل على القضاء عليها، وتقوم على قاعدة أتبناها من خلال تغيرُّي السليم، بأن أفضِّل الآخر على ذاتي.

3- الهدوء. فإنسان الأهواء هو إنسان مضطرب باستمرار، غير قادر على التعايش مع الآخر أو مساعدته.

          أما إنسان الهدوء الذي هو أيضاً إنسان السلام،فهو الذي يصل إلى التوبة التي تساعده في القضاء على أهوائه.

 

الخاتمة

وكتعقيب على ما ذكرناه، فإن الأهواء التي ظهرت نتيجة ابتعادنا عن الله، تحوّلت وصارت هذه الأهواء بعينها وسيلة لكي نكتسب من خلالها «التواضع». هذا يعني أن الأهواء بالرغم من قباحتها، تحوّلت لتصبح مفيدة في الوقت نفسه، لأني بسببها أذهب لأعترف بخطاياي وبأهوائي، وهذا بحدّ ذاته سبب لأكتسب من خلاله التواضع. ونحن بالتواضع نعرف أنفسنا أكثر وأكثر. فالقديس أنطونيوس يقول: (لو رفع الله التجارب عن البشر فلن يخلص أحد).

          من هنا نستنتج أنه لا وجود للخطيئة بحد ذاتها، إنما هناك وجودٌ للفضيلة، وهناك وجود لله. وأمر آخر نستخلصه أننا لسنا نحن الذين سنتخلّص من الأهواء، بل الله هو الذي سيُخلِّصنا منها لأن (القوة الإلهية هي وحدها القادرة على قلع جذور الخطيئة والأهواء) بحسب قول القديس مكاريوس المصري. فما دور الإنسان إذن؟ عليه أن يحافظ باستمرار في جهاد حقيقي متذكراً أهمية تطبيقه لقانونه دون تلكؤ.

          ولنتذكّر أن كل واحد منا لديه من الهموم والمشاكل والصعوبات ما يكفيه. فما العمل إذن؟ فقط تسليم هذه القضايا إلى الله بثقة، فيرفعها عنا. أو يساعدنا بنعمته لنفهم متقبلين أن هناك خلف هذه الأمور منفعة غير مرئية علينا أن نقبلها وما قبولها إلا قدرة فائقة لدى الله، تحرّرنا هذه القدرة لطرد هذه الأهواء واستبدالها بقبولنا لله في اكتساب الفضائل التي من خلالها نصل إلى ذروة الفرح والسعادة للعيش بلا أهواء. وهذا هو مفتاح الدخول إلى الملكوت الذي به نقتني الفردوس السماوي.                                               

الحياة الرهبانية

قديس اليوم

زيارة لدير القديس جاورجيوس

زيارة لدير الشيروبيم  ( رؤساء الملائكة )

البحث في الموقع

الوصول إلينا