حديث الأسبوع (5 تشرين الثاني)

أرشيف

وعظة الأحد

 محاضرة للأرشمندريت يوحنا التلي

للمخيم الإرشادي الأول لفرع صحنايا

دير الشيروبيم 5-7 تشرين الثاني 2011

 

 المراهق في اهتماماته الروحية

 أولاً: مقدمة

ما أن ينهي الطفل مرحلة جميلة من مراحل عمره في سن يتراوح بين نهاية العاشرة وما قبل الثالثة عشر حتى تبدأ مرحلة جديدة من عمره لتكون المرحلة الثالثة باعتبار أن المرحلة الجنينية هي الأولى.

ومرحلتنا التي نسعى لتفهم صعوباتها الكثيرة تسمى مرحلة الدخول إلى عالم الشباب وتتصف بأنها تسير عبر فترة معقدة من التحول والنمو، تحدث فيها تغيرات عضوية ونفسية وذهنية واضحة خلالها ينتقل الطفل ليصير راشداً. إذاً هي كما يعرِّفها علماؤه بأنها (فترة نمو شامل ينتقل خلالها الكائن البشري من مرحلة الطفولة إلى مرحلة الرشد). ولذا فهي تقع بين الحادية عشر والعشرون من عمر الإنسان. ومن المفيد القول أن المراهق يعاني خلالها إحساساً بأزمات متنوعة أهمها الإحساس الجنسي والأزمة الاقتصادية لأنه يرغب في (أن يكون ذاته) وأن ينسلخ عن أهله بحيث لا يكون هو ذات الطفل الذي يرعاه والداه ويصرفان عليه. أما الإحساس الجنسي الذي هو الدالة المهمة لمرحلة المراهقة فيرمز إلى الانسلاخ عن أسرته وتأسيس أسرة خاصة به يتحمل هو مسؤوليتها.

هذا الشعور بالمسؤولية لدى المراهق تعترضه قوى معاكسة كمثل الحياة الاجتماعية التي تعمل على كبح حركة المراهق لدى سعيه لتحقيق فرديته ويبقى في الواجهة أمام أعين المراهق من كامل الصورة الاجتماعية شخص الوالدين الذين يستلمان زمام قوة الكبح لديه، لأنهما يعملان على إبقاء ابنهما مرتبطاً بهما. فالصراع الكبير ينشأ من هذا التصادم الذي يعقِّد حياة المراهق ويجعله عاجزاً عن أخذ قرار ملائم بحرية وبدون تردد. ويجب ألا ننسى أنه مع رغبته إلى الاستقلالية بمسؤولية هو يبقى متآلفاً مع اتكاليته التي اعتادها أن تكون وسيلة حياته البيتي . لذا يصعب عليه اتخاذ قرار يحمل تلك المسؤولية.

فالصراع مرير بين هذه الحيرة والتذبذب بين طفل الأمس وشاب اليوم. خاصة وأن الأهل يريدون الإبقاء على شابهما حسب ما كان عليه من الطاعة والاستسلام لإرادتهما، مع رغبتهما في صيرورته كبيراً ولكن دون تمرد عليهما. مثل تلك الأمور تساعد المراهق لمزيد من الضياع. فالمنقذ هو المرشد والأب الروحي فهل هما حاضران في حياة شابهما؟

وهل من قدرة عندهما لمساعدة كل شاب وفتاة ممن دخلوا في مرحلة المراهقة أن يقدموا لهما ولجميع أترابهما غذاءً روحياً يتناسب وتطلعاتهم ليساعدوهم ليس فقط لتخفيف اضطراباتهم النفسية بل الأهم أيضاً أن يسيرا مع موكب نموهم ليكون غذاء التنمية الشامل يتناسب مع كلِّ مرحلةٍ من مراحل سنوات المراهقة مقروناً ببرنامجٍ تكتسب فيه هذه الشبيبة احتياجها الذي يرضي تطلعاتها، ويفرحها مبهجاً قلبها بما يفيد خلاص نفوسها.

 

ثانياً: كلمة لمرشد المراهقين

على البيت الحركي أن يصير مَصحَّاً للشبيبة المراهقة تساعدهم على أن يشبّوا داخلها أكفاء في عملهم أصحاء نفسياً، والمساعد بقدر الإمكان أيضاً على الصحة الجسدية، ولكن الأهم أن ينموا بالروح ويشبوا بغذاء الإيمان والفضيلة والغذاء الروحي الذي هو الكلمة الإلهية مع الجسد والدم الإلهيين حينئذٍ يصيروا قادرين على تحمل المسؤولية في إطار دنياهم بما فيها من أفراح ومتاعب دون التعرض للخوف والقلق وضعف الثقة بالنفس ودون التوتر النفسي والتعاسة التي تُسبب تأثيراً سيئاً على صحتهم النفسية.

البيت الحركي المرتبط بالكنيسة كما أنه مرتبط ببيوت هذه الشبيبة يسعى على الترحيب بهم ليجعل منهم شبيبة ناجحة دون استهتار أو غرور، وعدم تبرم بالفشل المؤقت، بل تخطيه بتشجيعٍ حركي يقوم على اعتبار التجربة الفاشلة هي خبرة تربوية تمهد لنجاح لاحق وأكيد.

ولتحقيق هذا الهدف يحتاج البيت الحركي وجود مرشدين ومسؤولين يهتمون بأنفسهم ليكونوا ذوي فهمٍ واعٍ من قبلهم، مصحوبةً بعوامل يتعبون فيها لتأهيل أنفسهم بثقافة واعية تدرك نفسية الطفل في تقلبات مشاعره التي تسبب اضطرابات في الشخصية يعيها المرشد ويتعامل معه من خلال أنها موجودة. ولكن الأمر الثاني والمهم جداً هو إحساس المرشد بالمسؤولية تجاه من يرشدهم من المراهقين فيدرك تبدلات أحوالهم بحبٍ ورعايةٍ وصدقٍ مع نقاوةٍ في القلب والفكر. فالمراهقون يهتمون بوجود هذه الصفات في مرشديهم.

تنطلق محبة المرشد للمراهق أو المراهقة والتي هي نصيحة للأهل أيضاً من مقولة الإنجيل القائلة: "من منكم إذا سأله ابنه رغيفاً أعطاه حجراً، أو سأله سمكةً فأعطاه حية؟ فإذا كنتم وأنتم أشراراً تحسنون العطاء لأبنائكم، فما أحرى أباكم الذي في السموات بأن يحسن العطاء للذين يحبونه!" (مت10:7).

هذا المثل أساسي للأهل وللمرشدين لأن التشبه في علاقة المحبة تنطلق من محبة الله لنا. فالمراهقون يتعلمون من انعكاسات المرشدين نحوهم حقيقة دور الله في حياتهم، فيصلون إلى الأمان الذي ينشدونه وسيكون متجذراً فيهم من خلال أهلهم إذا كانوا من هذه النوعية، ويكمل المرشدون تمكين هذه العلاقة من خلال دورهم الفعال المبني على المحبة والإيمان.

أما ثمار هذا الإرشاد فيظهر في الزمن اللاحق حيث يتنامى الإحساس بالله على أنه أبٌ وخالقٌ ليس لنا نحن البشر فقط، إنما للكون برمته، فيصير عند مثل هؤلاء المراهقين إيمان بأن الوجود كله وليد عمل حبٍ خلاقٍ وموضوع رعايةٍ دائمة.

وأيضاً يكسب المراهق بفضل تعامله بهذا الحب ثقة عميقة بنفسه وبالناس وبالحياة وبالكون، ولكن الأهم أن هذا الحب يربطه بثقة بالله التي هي المضمون الأساسي للإيمان. فيتحرر حينها المراهق من بعض الخصوصيات السلبية للمراهقة مثل التقوقع والانطواء، ولا يعود يسرح بفكره خارج حدود ذاته إلا عندما يتعامل إيجابياً بحبٍ وانفتاحٍ مع الحياة ومع الآخرين ومع الله بحيث يكتمل إيمانه بالمحبة الفاعلة. ولنتذكر في ذلك المقولة الشائعة: (لا يمكن للمرء أن يصبح قادراً على الحب إذا كان قبل ذلك لم يتلقَّ الحب بشكلٍ مناسبٍ من الآخرين) فكم بالحري من المرشدين.

 

ثالثاً: كلمة لمسؤولي نشاط المراهقين

النشاط هو المكمل للإرشاد، وهو بنظر المراهقين أهم من الإرشاد فلا مانع أن يكون النشاط هو حلقةٌ امتداديةٌ للعمل الإرشادي تتصف بالحيوية الفكرية والجسدية والروحية.

هدف المسؤول الإرشادي هو تحقيق حياةٍ نفسيةٍ متوافقةٍ تتم عبر الأنشطة التي يجب على كافة المشتركين أن يكون لهم نصيبٌ فيها بحيث لا يُستثنى أحدٌ من الذين يشملهم نشاطٌ ما.

فمن أجل تشكيل أنشطة متعددة للمراهقين علينا أن نعرف أشخاصهم الداخلية؛ أي الحالات النفسية التي تصاحبهم، ومسيرة نموهم ليكون عند مسؤول النشاط معلومات تجعله قادراً أن يتعامل من خلالها معهم محققاً لهم الحيوية والنشاط والفرح والتعاون، وكل ما يوصلهم إلى معرفة الله أكثر. الحب الكبير يحقق النصر الكبير.

يحمل المراهقون إجمالاً حدَةً في انفعالاتهم مقرونةً بالسرعة. وهم يحملون شخصية المسيح الطفل ذاك الذي ترك أهله ليبقى في الهيكل مع مطلع سني مراهقته ليعبر بمشاركته في حديث وصله من خلال نموه الجسمي والعقلي والنفسي. فلنجعل فيهم شخصيات جدية تقول بثقة يجب أن نكون حيث نحن. فالحوار جذابٌ وممتع. وبالنشاط، على البرامج النشاطية أن تقرب المراهقين من يسوع الجذاب في هذا الموضوع بكون أحاديثه أكثرها حوارية لدرجة أن المسلمين يطلقون قول (الحواريين) عن التلاميذ لأن يسوع كان يحاورهم باستمرار.

للنشاط بابٌ واسعٌ نحو التجديد والابتكار وأكثر ما يرغب به المراهقون هو أن يحققوا ابتكارات ولو كانت صغيرة بالرغم من طموحاتهم الكبيرة. ولكن لا ينسى مرشدوا النشاط أن للمراهقين صفة الثورة السريعة التي تحتضن أمراض انفعالية مثل الخوف والقلق والحب المرضي والاكتئاب واليأس والغضب المفاجئ والسريع. لذا يجب أن يكون مرشد النشاط متأهباً دائماً ليتحمل مثل تلك الانفعالات ويقدم الحلول كأشفيةٍ مناسبة.

ولما كانت هذه الشبيبة مولعةٌ بالتلفزيون والكمبيوتر والانترنت فما على الأنشطة إلا أن تتحول بقسمٍ من فعاليتها إلى توظيف هذه الشبيبة بجهودٍ يرغبون بها وتعود نفعها عليهم كأبناء كنيسةٍ ووطنٍ وإنسانيون، وأن تتحول أعمالهم أيضاً لمعالجاتٍ كتابية فيها روح التحدي والتقدم نحو الأفضل، خاصةً وأن روح المراهقين متعلقة بالمثالية الزائدة التي تجد مكاناً لها في مثل هذا السبق النافع. ولابد من ذكر أن نقص الكفاءة في أشخاصهم تغنيها خبرة العمل التكنولوجي بوجهه المفيد.

ولما كان المراهق يرى في نفسه عجزاً لإشباع تطلعاته وحاجاته التي لا تقف عند حد، فليستفد مسؤول النشاط من تشغيلهم بلا توقف، بالطبع ليس على حساب درسهم إنما من أجل تفوقهم في دروسهم أيضاً.

وليعلم مسؤول النشاط ومن معه من العاملين في حقل النشاط أن المراهق يبتعد عن كلِّ ضغطٍ اجتماعي فهو يعاني كمعادي للمجتمع الذي يشعر بأنه قاهرٌ له، فلتدخله إذن الأنشطة الى الحياة الاجتماعية من زاوية القبول والرغبة اللتين يجدهما المراهق في حقل أنشطته مع أترابه من الرفاق والإخوة في مدارس الأحد، لتكون ليس فقط بديلاً وتعويضاً بقدر ما تكون تأهيلاً لعتبةٍ يعلو عليها المراهق في زمنٍ لاحق، ليعود إلى المجتمع ليس كمنفعلٍ من خلاله، بل كفاعلٍ فيه لأن مسؤولي النشاط بالتعاون مع المرشدين الروحيين هيأوا من خلال طبيعة المراهق الحقيقية شخصية جديدة لها دور في المجتمع.

لذلك على العمل النشاطي بالتعاون مع العمل الارشادي فهْم شخصية المراهق ومساعدته للحاجات التي يريدها ويعاني من كيفية الحصول عليها وأهمها الحاجات العشرة التالية:

1- الحاجة الفيزيولوجية

2- الحاجة إلى الأمن

3- الحاجة إلى الحب

4- الحاجة إلى التقدير

5- الحاجة إلى المعرفة

6- الحاجة إلى النجاح والتفوق

7- الحاجة إلى الإنتماء

8- الحاجة إلى الاستشارة

9- الحاجة إلى الحرية

10- الحاجة إلى الضبط

وهنالك بالمقابل 10 نقاط على المسؤولين تحريرهم من سلبياتها وتصعيدها هي:

1- نفور من العمل والنشاط

2- الملل وعدم الاستقرار

3- الرفض والعناد

4- الانفعال الشديد

5- انتفاص الثقة بالنفس

6- شدة الحياء

7- الرغبة بالتفرد والانعزال

8- عدم التآزر في الحركات

9- الاهتمام بمسائل الجنس

10- أحلام اليقظة.

بعد هذا التبيان علينا أن نؤمن معالجة داعمة لرعاية النمو الانفعالي تحقق الأمور الثمانية التالية:

1- دعم ثقة المراهق مع نفسه

2- الانتصار على مخاوف الطفولة المحمولة معهم

3- تأمين جو من الفكاهة والمرح لتحقيق البهجة في قلوبهم

4- تذوق الجمال والسماع الفني وتنمية المواهب

5- التدريب بألعاب فكرية وجسدية مناسبة لضبط الانفعالات

6- تعويدهم على الشجاعة والجرأة

7- تعويدهم على الإيثار والتضحية

8- تقديم خبراتنا لهم بتواضع.

وأخيراً علينا أن نقف معهم في ميولهم التي أهمها التالية:

1- الميل لانتقاء الأصدقاء

2- الميل لمساعدة الآخرين

3- الميل للزعامة والتمرد بتحويلها لجدية النجاح والتفوق والمسؤولية

4- هنا بدلاً من الميل يوجد  إحساس بإدراك الأمور إدراكاً عقلياً لذا يجب تأمين أنشطة تستجيب للتطور العقلي.

سأقترح الآن بعض المراجع المناسبة للاستعانة بمعالجات مفيدة:

ملاحظة: يجب الاستفادة من الملحق الذي يحتوي مراجع مناسبة لكلِّ ما ذكرناه في موضوعيْ الإرشاد والأنشطة.

 

رابعاً: الحياة المسيحية أثناء فترة المراهقة

1- من أبرز صفات هذه المرحلة هي (مطلب الحرية) الذي هو أحد مميزات الإنسان المخلوق على صورة الله. فبالرغم من أن الحرية تنادي صاحبها للتحرر إلا أن الأهل غالباً ما يخافون على أبنائهم المراهقين أن يخرجوا عن السلوك المسيحي، وهكذا المرشد في الحركة أيضاً فإنه أحياناً يتبع أسلوب القمع والتسلط وهو لا يدري - أي المرشد - أنه بهذا الأسلوب الخاطئ يحرم شبيبته من قدرتهم على إتباع الإيمان الشخصي القائم على حرية الاختيار. فيتساءل هذا المرشد عندما يرى مرشده قد كبر وخرج عن الالتزام الكنسي: يا ترى لماذا لم يستمر في مواظبته على السلوك المسيحي الملائم للتربية المسيحية التي ربيته عليها؟ الجواب بكل بساطة: أنت أيها المرشد قد أبعدته بتربيتك الصارمة على تبني الحرية التي أودعها الله عنده في هذا العمر.

لذلك على المرشدين أن يعدوا أنفسهم لقبول المرشَدين الذين يسببوا الضيق للمرشدين أثناء مرحلة التعليم عن طريق تحملهم لهم في عيش دورهم التحرري الذي يختلط فيه الشك مع الإيمان بواسطة اعتمادهم على أنفسهم بتوجيه بسيط معطى لهم ولكن بحبٍ كبيرٍ وإبراز دور الكمال عس أنهم بحسن اختيارهم يتمثلون به.

والمرشد الناجح بربط رعايته للمراهق بمحبته لهم بعيداً عن قوله السلبي الذي يتضايق منه المراهق عند استعمال كلمة (لا) لأكبر الأمور وأتفهها، بل أن تكون قاعدة أوغسطين المغبوط: (أحبب وافعل ما تشاء) هي الملازمة للغة المرشد والتي تبني شخصية المراهق في تحمله للمسؤولية التي سيحتاجها أكثر عندما يكبر. وهي أكبر هداية مع التعليم الديني للوصول إلى اختيار المسيح دون سواه. خاصة وأنها تؤسس بذرة نافعة لعيش (التوبة) الآن ولاحقاً بصورةٍ يقوِّم بها هذا المراهق اعوجاجه فتجنح نفسه للاهتمام بدور الأب الروحي في حياته.

2- الحوار الدائم مع المراهقين: المرشد الذي يهتم بمن هو مسؤول عنهم فإنه يتحدث معهم ويناقشهم ويحاورهم بدلاً من أن يكون تعليمه لهم قائمٌ على التلقين. وخاصةً أبناء الخامسة عشر من عمرهم فهؤلاء يكونوا قد وصلوا إلى ذروة العمر الذي يضعف علاقتهم بوالديهم فتزداد حاجتهم لأصدقاء مع علاقات بديلة فالمرشد هنا مع باقي الرفاق هم الذين يحلّون لتلبية مثل هذه الحاجة أما إذا كان المرشد غير متفهمٍ لدوره فيهمل هو أيضاً كمثل حالة الوالدين.

المهم في الموضوع هو الحاجة إلى الإحساس بالأمان ليقولوا لمرشديهم كل ما تختلجه أنفسهم من أسئلةٍ وشكوكٍ ووجهات نظر وأن يتم ذلك بصورةٍ عفوية وبدون رسميات، فيشعرون بالطمأنينة والأمان فترتاح نفوسهم من جهة مرشديهم بسبب اهتمامهم بهم لكل ما يفعلونه ويقولونه ويفكرون به. وبهذا يبعد المراهقون عن العزلة المضرّة بهم لأن تشجيع المرشدين لهم للتحدث وإياهم تفتح لدى المراهقين علاقة منفتحة تحمل قيمة كبيرة بنظرهم فتقودهم إلى الشعور بالمحبة وتأسيس الروابط الاجتماعية.

المرشدون يأخذون قدوتهم لحسن التحدث مع المراهقين من الله الذي تنازل متواضعاً ليتحدث مع خليقته أي الجنس البشري. وكم هي شاسعة المسافة بين الله والإنسان، فكم بالحري أنه مطلوب من المرشد أن يقتدي بهذه العلاقة التي تبني في أنفس المراهقين الشخصية المتعاونة، والتي تجعل منهم أناساً يقبلون التضحية المنطلقة إليهم بمحبة بدلاً من كثرة التأنيب والإقلال من أهميتهم. فالمراهق يخفي عن أهله الكثير، ولكنه في هذه الحالة يقترب من مرشده ويحدثه بكل خلجات نفسه.

3-أهداف المرشد لإيصال المرشدين للغايات الأساسية في مرحلة المراهقة: من المهم أن يراعي حسن اهتمام المرشد في مرحلة المراهقة بالأمور العقلية والتعليمية والمادية أيضاً بحيث نتماشى مع إنسانٍ يضع اهتمامه بعلاقةٍ مع الله حسنة. ولكن الهدف الأساسي الذي لا يجب أن يغيب عن فكر المرشد وتعليمه هو الهدف الروحي الذي يصل إلى شخص المرشد. فالتنمية الإرشادية التي تتكامل مع مرحلة البلوغ والنضج هي إيصالهم للصداقة مع المسيح ومحبتهم له. ويتواصلون وإياه بواسطة الصلاة. فغرس الجوانب المسيحية في شخص المراهق هي المسؤولية الإنسانية لعمل المرشد، وهذا يتم على حساب عدم الاهتمام بالأمور الثانوية بل تقوية الأمور الأساسية مثل: الإيمان والحرية والمحبة والحق. فعلى المرشد أن يدرك تماماً أن نقص اهتمامه بهذه الجوانب هو تنشئة إنسان بعيد عن كنيسته والعمل في حقل الرب بل وخلاص نفسه أيضاً. لذلك علينا أن نعمل وفق القاعدة التالية: أن نرى قلوب المراهقين وليس مظهرهم الخارجي.

قد يتساءل مرشد ما: إذا كانت اهتمامات المراهق في الموضة واللباس تزيد عن الحد فما العمل؟ الجواب هو أن تتركه في رغباته تلك وأن تزيد أيها المرشد في إيصاله إلى الاهتمام بالمقابل بالجانب الداخلي لحياته وتوجه أنظاره إلى نظافة القلب. لأن المسيح هناك يسكن. فإدراك المرشد الحسي والروحي هو موضوع تعليمة الصحيح. لأن هذا الطريق هو الذي يقود المراهق للاهتمام بموضوع الحياة الأبدية.

4-توطيد الإيمان في شخص المراهق مكان الشكوك لديه: على المرشد أن يهتم في تربيته الروحية للمراهق عن طريق إيصاله بنفسه هو إلى مرحلة النضج في الإيمان لتكون خبراته الخاصة هي الموصلة إليه لهذا الإيمان. قد يمر المراهق باستبعاد مؤقت عن الكنيسة أو عن مدارس الأحد، ولكنه سيعود بفضل حبنا له واهتمامنا بشخصه وكشفه لأهمية شخص المسيح الحي في مرشده وباقي رفاقه فيعود من جديد إلى كنيسته وبيته التعليمي مدركاً بفهم عميق أن التحدي ضد إيمانه قد باء بالفشل ليحل مكانه تحدي ضد شكوكه قوة في الإيمان ومعنى جديد للحياة.

وكلما كان المرشد إنسان إيمان وكنيسة وصلاة كلما كانت العودة للمراهق بقوة وعمق أكبر. فالمرشد الذي يحيا إيمانه بصلاته هو الذي يؤسس الذين يرشدهم ليكونوا قدوة لباقي المراهقين فالامتحان للمرشد هو رؤية فرقة المراهقين عنده متمثلة بالتزامها الكنسي والصلاتي. ولن يصل المراهقون لمعرفة محبة المسيح إلا بفضل حب مرشد بهم لأشخاصهم. حينها يقتربوا من الآباء الروحيين أكثر ويصير لهم آباء روحيين في حياتهم.

وهنا لابد من القول بأن انجذاب  المراهق للإيمان يقوم على يد مرشد قارئ بصورة دائمة للكتاب المقدس والكتب الروحية وممارس جيد للصلاة وأيضاً قادر على الإيجابات الصحيحة في المواضيع الروحية و الإيمانية تُشعر هذا المراهق بأنه صار قريباً من شخص المسيح.

5- المبادئ المسيحية لمرحلة المراهقة: انطلاقاً من القول الآبائي "إن الفضيلة وجدت من أجل الإيمان ، وليس الإيمان من أجل الفضيلة" ولهذا ومن أجل تقوية حياة الإيمان في نفوس المراهقين على المرشدين أن يبثوا روح الفضائل الأخلاقية والأدبية عند المراهقين.

فالكرم فضيلة يبثها المرشد من أجل عوز المحتاج، كذلك للسعي إلى التحرر من روح الأنانية وحب التملك. وبالمقابل محبة الله والقريب وهكذا ينتقل المرشد بالمراهقين من فضيلة إلى أخرى مبتعدين عن الأهواء. وذلك مع كل مناقشة أو حديث يحاول المرشد أن يبرز معايير للسلوك في الحياة المسيحية يستقيها من تعاليم الكتاب المقدس والآباء القديسين تعكس أهم ما أرشدنا المسيح إليه على أن الأخلاق هي حياة، وهذه بدورها مقدسة ومحبة وإيمان.

وعلى المرشد التأكيد على أن مثل هذه الأخلاق هي وسيلة من أجل الخلاص لذلك يشدد المرشد في تعليمه هذا على دور الخلاص في حياتنا فنفهمها بمعناها الصحيح والقديس ساروف أكد على "أن هدف الحياة المسيحية هو اكتساب الروح القدس".

وعلى المرشد في هذا المجال أن يعي أن المراهق يشعر بدفء المسيح بكون هذا الأخير يهتم بالضعفاء ويقف معهم بموقف أخلاقي يقود إلى الخلاص مثل قوله: "إن العشارين والخطأة يسبقونكم إلى ملكوت السموات" (مت31:21) أو قوله للمرأة الخاطئة: "إن خطاياها الكثيرة قد غفرت لها لأنها أحبت كثيراً" (لو47:7).

المراهقون يحبون أن يسمعوا عن الغفران ويشعرون أنهم بحاجة إليه ونحن نعرف أن رسائل القديسين بولس وبطرس يتحدثان عن الغفران كثيراً.

ولابد من القول أنه على صعيد الأخلاق والسلوك من التذكير بالمواجهة القاسية التي يتعرض لها المراهقون على صعيد الانحلال الخلقي في الزمن الراهن. فالإباحية تقتحم مجتمعنا المعاصر تحت شعار مزيف ينادي بالسماح بالانحلال. لذا فإن البقاء على الإيمان بمبادئ المسيح يتطلب جهداً وجرأة.

وهناك آفةٌ أخرى تواجه المراهقين وتداهمهم عن طريق المخدرات لخراب عقولهم. تحتاج من المرشدين إيجاد أنشطة بالإضافة للمناخ الروحي تبعدهم عن أصدقاء السوء وتبقيهم في أجواء تربوية وبيتية وكنسية وخارجية تكون ذات مسرّة لقلوبهم وعقولهم.

لذا على المرشدين الإكثار من جلسات حوارية مع الشبيبة يناقشون فيها كل تطلعاتهم على ضوء الإيمان والكتاب المقدس والكنيسة. وأن تحظى هذه الحوارات بجو من الألفة والود والتفهم بعيداً عن الصدام وقريباً من احترام آرائهم.

وفيما إذا شذَ على السلوك القويم أحدهم أو أكثر، على المرشدين أن تبقى أيادي قلوبهم مفتوحة لاحتضانهم أثناء عودتهم مقتدين بدور الأب في مثل الابن الضال.

6- العلاقة بالجنس الآخر: إن أفضل طريقة يعلم بها المرشد الشبيبة المراهقة، النقاوة والطهارة المسيحية هي أن يستفيد من وضع الاختلاط في عالم اليوم بأن يتصرف كل من الشاب والشابة بصورة طبيعية وأخوية بين الجنسين. وأفضل تعليم له هو سلوك المرشدين والمرشدات بعضهم مع بعض ليكونوا قدوة أمام المراهقين في حقل التعليم.

ومن جهة أخرى لا يظننَّ أحدهم بأن عدم الاختلاط هو بيت المعالجة، إنما الاستفادة من الاختلاط لتوطيد الروابط الجماعية بصورة سليمة، مع منح الثقة للشبيبة تلك الثقة التي تدعم أسس الاختلاط السليم.

ولمعالجة الأوضاع الصحية في هذا المجال وأيضاً الأوضاع الخاطئة يجب إقامة ندوات بهذا الخصوص ومن المفيد دعوة آباء وأصحاب اختصاص يقدمون المزيد من الآراء المساعدة لتوطيد العلاقات الصحيحة.

وعلى المرشد أن يعلم شبيبته أن يستعينوا بالمسيح عبر صلواتهم عندما يكون لهم مشاعر خاصة في مجال العلاقة مع الجنس الآخر. ونحن نعلم كم هو مجتمعنا بحاجة إلى المزيد من النضوج . فالأبناء المراهقون قد يسألون أهلهم عن رابطة حب مع الجنس الآخر فتشكل صداماً سيئاً بين الطرفين. فما على المراهق شاباً كان أم فتاة إلا أن يتوجه نحو أبيه الروحي أو مرشده ليتابع الحوار والاستفسار الفاشل الذي لقيه بالبيت (أقول هذا بصورة عامة). فليعلم المرشد بأن هذا الحديث مهم وجدي عند المراهق لذا عليه أن يدخل معه في الكلام بذات الموقف الجدي، وأن يساعده على فهم حقيقة الأمر. ولكل قصة موقف يختلف ربما عن القصة الأخرى.