حديث الأسبوع (29 تشرين الأول)

أرشيف

وعظة الأحد

                                                                                                                             موضوع للأرشمندريت يوحنا التلي

              لعائلات القديسين أندريه وأثناسيا

 في دير القديس جاورجيوس صيدنايا 31-10-2014

لا تضطرب قلوبكم

(يو1:14+27)

أولاً: مقدمة

قال يسوع آيته هذه: "لا تضطرب قلوبكم"، من خلال الواقع المرتبط بأزمة كبيرة جداً، وهي قرب وقت آلامه وموته، وبالتالي فإن الحديث مرتبط بفدائه لنا على الصليب، فأحداث يسوع هي التي نُحقق من خلالها خلاصنا. وما علينا إدراكه هو أن الأزمات التي تسبّب اضطرابات غالباً ما ترتاح النفوس بعدها، لوجود النتائج المرتبطة بفرحنا الآتي وخلاصنا المنتظر.

          نقطة ثانية ترتبط بهذه القضية وهي أن يسوع عندما يتحدّث عن آلامه وموته، لا يكون هناك دور للاضطراب لنا فقط، إنما لأجله أيضاً. ولكن في الإصحاح18:13-20 يتحدث يسوع عن خيانة تلميذه يهوذا له، وأنه سيسلمه. ثم تبع هذا مباشرة قوله بلسان يوحنا "فاضطربت نفسه" (يو21:13) نعم، "لما قال يسوع هذا اضطرب بالروح".

          لماذا يا ترى اضطرب هو، وبعدها قال لنا: "لا تضطرب قلوبكم" (يو1:14) لأن خطايا المؤمنين تُحزن قلب السيد المسيح الأبوي القائل في سفر أشعيا: "ربيت بنين وأنشأتهم، أما هم فعصوا عليّ" (أش2:1) ثم قال: "في ضيقهم تضايقت لكنهم تمرّدوا وأحزنوا روح قدسي" (أش9:63-10).

نحن بأحداثنا التي تجري اليوم على الأرض نتمرّد على الله ونُحزن قلب يسوع. الخيانة تجعل الاضطراب يهز يسوع بالروح، ليس الخوف من الموت، إنما خطايا المؤمنين هي التي تؤثر.

بعد هذا يحذّرنا السيد المسيح من القلق والاضطراب، لأنه يرانا أننا نحيا في الأزمات مضطربين وقلقين، بل أكثر من هذا فهو يكشف قلوبنا في الداخل لأنها تحمل هذا القلق. وهو لا يريد منّا إلا سلامنا الداخلي ليحل مكان الاضطراب والقلق، فيفتح لنا باباً نجد فيه الحل وهو الإيمان. إيماننا بالمسيح هو منقذنا. فبقدر ما نؤمن به أنه مخلّص، يتألم ويموت من أجلنا، فيلغي الموت عندما داس عليه ووهبنا قوة القيامة وبهجتها، ففتح لنا طريق السماء للعبور إلى موضع الراحة الأبدية. ففي التحذير الأول يهبنا الحل بالإيمان، ويكرر التحذير ثانية بربطه بهدية ننالها منه قبل تحذيره الثاني بقوله: "سلامي أعطيكم" (يو27:14) أي أننا إذا شعرنا بوجود السلام معنا ينتفي وجود الاضطراب. وما تقديم هذا السلام إلا تسلُّمنا حقيقة تقديم ذاته لنا من خلال الإيمان. فسلام المسيح هو عمل النعمة التي تحفظ الإنسان، وبفرح أيضاً رغم كل معاناة.

ثانياً: القلق والاضطراب

          هذا الموقف الذي ينتاب الإنسان في الأزمات هو دليل على وجود الخوف عنده. وما القلق إلا اضطراب ينفجر في أعماق الأنا. فتكتئب نفس الإنسان إذا ما وقع في مأزق، أو في وضع أمنيّ يُهدّد حياة الإنسان ويبعث الخوف في نفسه.

أما الإنسان البار والمؤمن فيتّجه حاملاً قلقه نحو الله الذي يستطيع أن يخلّصه من أزمته، خاصة وأن مثل هذا القلق يشعر به قلب كل إنسان، ولكن بحضور المسيح في حياته فإن السبب الباعث على هذا القلق يتغير.

          لنتذكّر قول المسيح فيما يجب علينا قوله أو فعله في الملمات: "فلا يهمكم حين يُسلّمونكم كيف تتكلمون أو ماذا تقولون، فسيُلقى إليكم في تلك الساعة ما تتكلّمون به. فلستم أنتم المتكلّمين، بل روح أبيكم يتكلّم بلسانكم" (مت19:10-20). هذا يعني أننا كمؤمنين عند الشدائد والصعاب، يوجد مَن يدافع عنا وعن أنفسنا. إنه روح الله الذي لا يتركنا بواسطة نعمة خاصة ترافق حياتنا، فيذهب الاضطراب والخوف والقلق.

          مثل آخر: كان التلاميذ في سفينة ويسوع نائماً بداخلها. "فعصفت ريح شديدة وأخذت الأمواج تندفع على السفينة... فأيقظوه... فاستيقظ وزجر الريح... فسكنت الريح وحدث هدوء تام" (مر37:4-39). نحن هنا أمام كارثة تسبب الدمار والموت لأن بحر الجليل هذا ينخفض عند الرياح الشديدة إلى حوالي 210 أمتار فتأتي العواصف التي نشبّهها هنا بمثل عواصف الوضع اللاأمني في زورق حياتنا المنذر بهلاكنا. نعم إن العواصف تهب علينا بأشكال مختلفة وتسبب لنا قلقاً واضطراباً شديدين. لذا نحن مدعوون على إيماننا بيسوع الذي يؤخر إنقاذ الأحداث أحياناً، كمثل ما حدث في الزورق هنا، لأنه كان يبدو أنه نائم ولا يُبالي. لا، إن يسوع هو معنا دائماً، ولكن علينا تقوية إيماننا به، ومناداته باستمرار.

          يدعونا بولس الرسول في رسالته لأهل فيليبي بقوله: "لا تقلقوا من جهة أي شيء، بل في كل أمرٍ لتكن طلباتكم معروفة لدى الله، بالصلاة والدعاء، مع الشكر. وسلام الله، الذي تعجز العقول عن إدراكه، يحرس قلوبكم وأفكاركم في المسيح يسوع" (في6:4-7). يريد بولس الرسول من هذا الكلام أن نحوِّل كل الاضطرابات وكل الأمور التي تقلقنا إلى صلاة. وكلما زادت علينا الهموم والعنف والقتال المخيف والضعف الأمني، لا نتمسّك بما تمليه علينا عقولنا وتدابيرنا البشرية فقط، بل أن نصلي عندما يراودنا مثل هذا القلق وبعدها نُخضِع تدابيرنا لله ونعمل ما هو مناسب. هذا يعني أن دواء القلق والاضطراب هو صلاةٌ بإيمان. حينها يدخل السلام لدواخل نفوسنا؛ إنه سلام الله الذي يأتينا من إيماننا الأكيد بأن الله مهيمن على كل شيء، وأن انتماءنا للمسيح مرتبط بمصيرنا، وفي ضمانه النصر.

          والآن إذا طالعنا المقطع من متى25:6-34 الذي يحدّثنا فيه يسوع عن مفهوم هام بصدد ما نحن عليه وهو اعتناء الله بنا نجد أنه بإمكاننا أن نستخلص منه عدة مفاهيم لمعالجة الاضطراب والقلق اللذين يعكّران صفو حياتنا وأهمها:

-  خَلَقَ الله الحياة فينا، وباتكالنا عليه ننال كل ما تلزمه حياتنا.

- ألاّ نبالغ باهتمامات الغد على حساب جهودنا المطلوبة لمنجزات اليوم.

- قد يكون هناك نوعٌ من القلق الإيجابي ولكن القلق يضر ولا ينفع على وجه العموم.

- أن تكون لدينا ثقة بأن الله لا يُهمل المتكلين - بلا تكاسل - عليه.

- يدل القلق وخاصةً المزمن على عدم الإيمان بالله وفهمه.

- حياة المؤمن حياة تحديات مستمرة والقلق يعوقنا عن الوصول بواسطة تحدياتنا.

- إن سيرنا بنجاح يوماً بيوم يبعد القلق عنا فلا يعود هناك ما يعيق تقدّمنا.

          نشعر نحن عملياً بالنتائج السيئة للقلق وما يولّده في حياتنا، وعقولنا من خوف واضطراب، ويؤذينا جسدياً لأنه يحرمنا من النوم والأكل بصورة صحيحة. وقلقنا يشغل أفكارنا فلا نعود قادرين على التفكير بشكلٍ صحيح. وهو - أي القلق يُعطّل إنتاجنا من كافة النواحي وخاصة الاجتماعية والمتعلّقة بالمصير. والأهم الأهم أن القلق يُقلّل من قدراتنا في الاتكال الصحيح على الله. لذا يجب أن نختار بين عاملين: الله أو القلق!!!

ثالثاً: مَن أنا؟ من حيث فعلي تجاه أولادي

          في الربع الأخير من القرن المنصرم حكمت المحكمة العليا في أمريكا بعدم قانونية الصلاة والدراسة الكتابية في المدارس. هذا الحكم يساوي سيطرة الإرهاب على مجتمعنا ومدارسنا المغلقة ولو نسبياً. فما تصرفاتنا وردود أفعالنا نحن كمؤمنين لنعرف مَن نحن تجاه هذه الأحداث؟ الجواب يأتي من عودة إيمانية للذات نسعى من خلالها ليسكن المسيح في بيتنا الداخلي؛ في قلوبنا إضافة لإقامته في بيتنا العائلي. نعود إلى قرار المحكمة العليا التي كان قرارها بمثابة ضربة مؤلمة للأسر المؤمنة. ولكن تتحول الآلام من خلال الأتقياء إلى حلول تستبدل الخسارة بربح، لأنهم إذا لم يكن مسموحاً للأولاد أن يُصلّوا في المدرسة، فلتكن الصلاة في البيت. وإذا لم تكن الحياة الروحية قائمة مع قراءة الكتاب المقدس وشرحه، فليستمعوا لهذا كله في البيت. وفي هذا تأكيد على أن البيت يتحوّل حقاً لما دعانا الذهبي الفم إليه وهو أن يصير كنيسة صغيرة يسكنها المسيح مع هذا التعويض ليصير حقاً المبارِك الدائم لهذا البيت والأهم لجميع أفراد هذه الأسرة.

          ومن خلال تساؤلي (مَن أنا)، وأمام هذا التساؤل المهم وبنظر علماء النفس كل شيء نفعله تقريباً يبدأ من نوع صورتنا عن أنفسنا. الإنسان الذي يعتبر نفسه فاشلاً سوف يجد طريقةً توقعه في الفشل مهما كانت الفرص السانحة له طيبة. أما الإنسان الذي يعتبر نفسه ناجحاً، فسوف ينجح بغض النظر عن العوائق التي عليه أن يواجهها. وفي هذا المجال كتب الدكتور كارل روجر وهو عالم نفس مشهور: (تعاملت مع أفراد مضطربين وعسيري التوافق مع بيئتهم.... وكما عرفتهم لقلت إنهم يحتقرون أنفسهم وينظرون إليها كغير نافعين وغير قابلين للمحبة). ولكن في حالات عديدة التغيّر في صورتهم عن أنفسهم يغيّر طريقة حياتهم. ونحن كمسيحيين بالمسيح نغيّر حياتنا، فيتسنى للواحد منا أن يقول: بكلِّ تأكيد أعرف ذاتي وأنني رفيقٌ للمسيح ومُبارَكٌ منه، تصبح تصرّفاتي مع أسرتي ومع الآخرين مثل تصرفات المسيح الذي أنا أنتمي إليه وأجعل أولادي ينتمون إليه كما أنا وأمهم. ويصبح كما يقول عالم النفس الكبير فريتز كونكل: (لا يستطيع الطفل أن يميّز بين الأهل والله. بالنسبة إليه الأهل هم الله.. فإذا كنا آباءً سيئين فإن الطفل يتعلّم أن الله سيء).

          الحياة قاسية كما هي الآن، وكما هي في أوقات كثيرة. ولكي أعرف مَن أنا فلنستمع لهذه القصة: (أَخبر سجين حرب سابق، كيف أنه ألقى به هتلر في السجن الانفرادي. وكل ما كان له أُخذ منه. الشيء الوحيد الذي بقي لديه كان ذاكرته، وقد كانت خلاصاً له. لقد وجد القوة والعافية بترديد المزامير والأناشيد والآيات الكتابية التي حفظها عن ظهر قلب في البيت من والديه عندما كان صبياً. ذكريات الطفولة أنقذته). في الواقع لولا والديه المجبولين بكلمات الروح القدس والمعاشين مع ترديد هذه الكلمات المحيية بقيا مع يسوع في ذاكرة ابنهما، وسيبقيا مهما كبر الولد. هذا هو أنا الذي أبحث عن ذاتي. هو أنا المشترك مع يسوع في حياة أولادي وفي ذاكرتهم على مر الأيام. وأيضاً أنا الذي أتصرّف بهذه الروح مع كل آخر. وأنا بالمسيح سأبقى في ذاكرة الجميع، وخاصة في أنفس أولادي.

          أما إذا لم تهتم الأسرة بالأولاد وخاصة بالمحن العامة كمحنتنا اليوم، أو بالمحن الظرفية التي لا تتوقف ولا تنتهي، يحدث إهمال بيتي للأبناء ويتركون لمربٍ بديل هو الانترنت والتلفزيون وغيره من وسائل الإعلام. كل هذا جعل الدكتورة مارغريت ميد الخبيرة في علم الإنسان تقول: (هذا هو الجيل الأول الذي ربّته وسائل الإعلام بدل أن يربيه ذووه) لدرجة أن أحد علماء النفس يسمّي التلفزيون: (ساحراً يخطف الأولاد من ذويهم ثلاث أو أربع ساعات في اليوم، أي ما مجموعه 22000 ساعة متى بلغوا الثامنة عشرة من عمرهم). ومن ناحية أخرى، قليل هو الاهتمام أو معدوم الذي يُبديه الأهل، بنوع البرنامج الذي شاهده الولد. والنتيجة هي شحن عقل الولد بكل أنواع الأفكار من الشاشة منذ مرحلة الحياة المبكّرة والحساسة. هكذا يصل الأطفال إلى عمر المراهقة غرباء عن أهلهم المنذهلين والمشدوهين.

          نعم أعرف من انذهالي تجاه أولادي مَن أنا.

          إن أهل شيكاغو ينعمون بحالة هدوء وسلام لعدم وجود إرهابيين عندهم، ولكن تم الكشف على البرنامج التلفزيوني أنه في غضون أسبوع واحد تُعرض على شاشة التلفزيون للأولاد من عمر ما قبل المدرسة إلى الصف الثالث الجرائم التالية: 93 جريمة قتل، 78 حالة إطلاق نار، 9 حالات خطف، 9 حالات سرقة، 33 حالة لعب عنيف، حالتا طعن بالسكين، حالتا جلْد، حالتا تفجير، حالتا تسميم، 44 تبادل إطلاق نار. فلأعرف مَن أنا أقول أنه في بلدي رغم الحالة اللا أمنية السائدة فإن ابني لا يرى كل هذا في الأسبوع الواحد. وتربوياً واقع التلفزيون أكثر خطورة لأن كل هذه الأحداث تجري في بيتي أنا.

          تُعقِّب العالمة الكبيرة الدكتورة (مارغريت ميد) على كل ما يتعلّق بالتلفزيون ما يلي: (نحن نعرض على صغارنا عكس ما نريدهم أن يقتدوا به تماماً. نعرض عليهم صورة رجال يهاجمون غيرهم بعنف عندما يكونون غاضبين. نعرض أن الحب لا يُعبّر عنه سوى باشتهاء جسد الإنسان الآخر. وقليلاً ما نعرض عليهم غير ذلك).

          فعندما أكون أنا الذي أريد أن أعرف مَن أنا، أجيب أنني أنا إذا لم أكن منتقياً لبرامج التلفزيون. أكون أنا العنيف والمفسد لأولادي ومؤسس ذاكرة العداء ضدي منهم عندما يكبرون.

فشاشة التلفزيون الصغيرة هي الباب الرحب المفتوح لبيتنا، فعلينا كمسيحيين ألا نسمح لكلِّ شيء أن يدخل من هذا الباب، وخاصةً للبرامج التي لا نرضى بأن يشاهدها الأولاد.

          علاوة على ذلك، علينا أن نترك مجالاً لتكون العائلة مجتمعة يومياً بدلاً من أحد برامح التلفزيون، وأن يكون هنالك وقت للرجل والمرأة أن يجلسا لوحدهما أيضاً بدلاً من برنامج آخر من برامج التلفزيون ليتبادلا أطراف الحديث حول أفراحهما اليومية، وما يقلقهما وما يخيفهما ويجعلهما مضطربين، وأن يعرفا كيف يستعينا بيسوع ليُبدّد لهما مخاوفهما وأن يبقى بعض الوقت لصلاة العائلة ككل أو إفرادياً بحسب الضرورة. لذا يجب ألا نسمح للتلفزيون أو الانترنت ليكون عاملاً في انشقاق العائلة والحد من الاتصال والتواصل المباشر والحر بين بعضهم بالتواصل المفروض عليهم. إن الموقف الذي آخذه هو الذي يعبّر عن أناي ويحدّد لون تصرّفي مع القريب والبعيد.

          أخيراً، عليّ أن أُجيد انتقاء بعض البرامج الملهمة والتربوية؛ تلك التي تزيد الكبار معرفة ودراية، مع توسيع آفاق الصغار لينفتحوا على العالم. فالتلفزيون يحمل هو والانترنت خبرات يصعب الوصول إليها من دونهما. فمسؤولية الوالدين أمام الله يوسِّع دائرة العلاقة بين جميع أفراد الأسرة الواحدة لسلامة الجميع والأولاد خاصةً، ليتكوّنوا على مثال صورة خالقهم. هذه هي الأنا الكبيرة التي علينا السعي لمسؤولية حملها.

 رابعاً: الحالات النفسية للإنسان المضطرب

كل محنة تجربةٌ يخوضها الإنسان لتكون بمثابة تجربة يتعرّض خلالها لأزمة أو لأزمات متعددة الجوانب. وعندما يخوض تلك التجربة عددٌ كبيرٌ من البشر يتعرّضون خلالها لمرض كبير تأتيهم من أفكار الناس الدنيوية، ويفتقدون خلالها للأفكار الحسنة، فإنهم يتعذبون لأنهم لا يواجهون الأمور مواجهة روحية تأتيهم من الإنجيل، وبالتالي لا يواجهون ضعفهم الذي يقعون فيه أثناء سقوطهم بسبب أفكارهم تلك، فتزداد محبتهم لأنفسهم بمعايير مبنية على الحسابات السيئة، ويرفضون المعالجة التي تحمل بعض الصعوبات، وكأنهم يهربون من التعب. فيزداد بعدهم عن السير بالطريق الروحي، وتكثر التبريرات التي لا تُبقي لله دوراً. ومن بين تلك الأفكار تواجهنا مواضيع عدة أهمها:

+ الإيمان الضعيف:

يُعطي الإيمان اتجاهاً مميزاً للعقل، ويشكّل الفكرَ والحياةَ وفقاً لكلمة الإنجيل. فالإيمان يشكّل القوّة التي توجّه كل قرار صحيح للعمل بموجبه. فالإيمان في الأساس مرتبط بمعناه الأولي الذي هو الإيمان بيسوع المسيح، وخاصةً لأجل عمله الخلاصي لأجلنا.

وفي الأزمات علينا التشدّد بالإيمان، لأن الإيمان يعني الأمان، وهذا ما نحن بحاجة إليه اليوم، إنْ لم نقل كل يوم. إضافةً للأمان فإن الإيمان يدل على الثقة، وهو ما يمنح صاحبه الصلابة والاستقرار. وبحسب لغة الكتاب نقول: "أما الإيمان فهو الثقة بأن ما نرجوه لا بُدّ أن يتحقق. والاقتناع بان ما لا نراه موجود حقاً" (عب1:11)، فبكل بساطة نفهم ما يلي: الإيمان مرتبط بالثقة واليقين، وبدايته هو تصديق الله، ونهايته هو الإيمان بوعود الله أنه يفعل كل ما يقول، ولو أن تحقيق هذه الوعود لا يحصل بالضرورة الآن إنما على الأكثر لاحقاً.

ونحن اليوم إذا كنّا قد سلّمْنا كل أمر من أمورنا لله نكون قد اقتنينا الإيمان. علينا ألا نخضع للمعرفة البشرية على حساب المعرفة الإلهية. لذا إذا رأى أحدنا أن المعرفة البشرية حاكمة بأمرها فيه، فإن قواه العقلية تضعف عند أقل خطر ويقع في اليأس. حينها عليه أن يعلم أن الإيمان لا زال ينقصه، وأنه لا يثق بعد بأن الله قادر أن يخلّصه.

+ الشك:

ثم يأتي الشك الذي هو وليد ضعف الإيمان، وهو يأتينا غالباً من سيطرة الشيطان على عقولنا عندما لا ترتكز كلياً على الإيمان. وفي هذا يقول القديس تيخن الزادونسكي (الشرير عدوّنا الوحيد، يبذر الشك وعدم الإيمان واليأس، يبذرهم ليُضعف صلاح الله في أذهان الناس، وهو يحوّل عيوننا بعيداً عن المسيح. هو الذي يربح بسبب بطالتنا ويتملّك على الذين يغضبون. إذا لم ينجح الشرير في إضعاف الإيمان ذاته، يجعلك تيأس من صلاح الله، أو يضع الخوف فيك، أو يجعلك تشعر بالضجر واليأس حتى الموت. أو يجعل مَن هم حولك ضدك، بينما يثير فيك إما اليأس أو الكبرياء، ويجعلك قلقاً و مضطرباً ومهموماً حتى تبرّر ذاتك). فالشك هو جحيم للفكر وللقلب معاً.

أول ناتج لهذا الموقف أن الشك يتسلّل إلى قلب هذا الإنسان، نتيجة صِغَر إلهه في نظره فينتفخ لذلك بكبرياء فارغ يسبّب دمار صاحبه. مثل هذا الشك يلتقي مع الفيلسوف فيورباخ القائل: (نقطة التحوّل الكبرى أن يصير الإله الوحيد هو الإنسان نفسه).

وأفضل السُبُل لمقاومة الشك هو حسن التأمّل في صفات الله الجميلة، والقراءة في تاريخ الوحي والخلاص، مع إعادة النظر في موضوع الصلاة بحيث نتأكّد بأن الله يستجيب في الوقت المناسب، ويحقق استجابته بما يرى فيه خيراً للإنسان ومنفعته. وهذا ما يمنحنا أن يكون لنا الانتظار دون قلق.

+ اللامبالاة:

اللامبالاة والإهمال. لا مبالاتنا تودي بنا إلى مخاطر جمّة حتى ولو كانت ناتجة عن شؤون طفيفة، فكيف إذا كانت مرتبطة بالمصير، وخاصةً بالله والإيمان. علاوةً على ذلك فإن النفس اللامبالية والمهمِلة تصدأ كالحديد غير المستعمل. فاللامبالاة والإهمال هذا الصنوان كالتوأم لشخص واحد يحققان عند الـمتّصف بهما عادات سيئة. وكلما تمادت اللامبالاة عند الإنسان كلما صَعُب شفاؤها. إذ لا شفاء من اللامبالاة إلا بالانتباه والحرص والمبادرة السريعة إلى إتمام الوصية، والتعب، والاتضاع والطاعة، وخاصة الصلاة الدائمة.

+ اليأس:

يقود اليأس إلى الإحباط نتيجة عدم بلوغ الإنسان مأربه. لذا يجب أن نُبعد اليأس عن أنفسنا حتى لا يداهمنا غضب اليأس. اليأس جلاد يهاجم قوى النفس ويدمّرها. وبسبب اليأس ينتابنا حزن أليم، وأفضل محاربة له هو التحمّل بصبر ريثما تخرج النفس من ضيقها ساعية لتحويل اليأس إلى حالاتٍ مقبولة ثم مفرحة.

اليائس إنسان حزين ينزوي على ذاته، ويتّهم الآخرين أنهم لا يفهمونه، فتتحوّل أعماله إنْ عملها إلى نتيجة جوفاء وخاصة الصلاة إنْ رضي أن يُصلّي، فيبقى الفراغ الأجوف يُهدّد نفسه نحو الانهيار. ولكن إذا أصر لسبب أو لآخر على متابعة الصلاة عندها تنشأ لديه حالة من التحدّي ضد وضعه اليائس، فتتحوّل الصلاة لديه إلى أداة تغيير يكتشف من خلالها ضعفه وتمسّكه بسلبيات قاتلة يخرج منها قبل انهياره متجدداً فيكتسب نعمةَ تَقبُّله لنيل الحياة الروحية فيستعيد قواه إلى حالة سويّة.

+ الخوف:

من المفيد القول أنه ليس كل خوف خطيئة، فهناك خوف مقدس. أما الخوف الذي يوصلنا إلى الخطيئة، فهو قد أتى الإنسان بعد الخلق، فآدم عاش دون خوف حتى من الحيوانات الضارية، وبالتالي كانت علاقته مع الله خالية من الخوف. بدأ الخوف بعد الخطيئة عندما أجاب آدم الله: "سمعت صوتك في الجنة فخشيت". ومن ذلك الحين – خاصة بعد أول قتل قام به قايين – أصبح الخوف من الأمراض النفسية، ودخل في طبيعة الإنسان لدرجة أنه يمكن أن يموت الإنسان من شدة الخوف أو يفقد عقله، أو تنهار أعصابه.

قال أحد علماء النفس: (إن الإنسان يخاف من ثلاثة أسباب: الظلام والمجهول والحركة المفاجئة). والمجهول أهمها.

ولنعلم أن محبتنا ليسوع الذي أحبنا أولاً، وكذلك محبة الأبدية، كلاهما ينجّي من الخوف.

ومن أعظم أقوال انتزاع الخوف من أنفسنا قول لأغسطينوس المغبوط: (جلست على قمة العالم، حينما أحسست في نفسي أنني لا أخاف شيئاً ولا أشتهي شيئاً). قليلون هم الذين يصلون إلى قمة العالم هذه، إنهم أولئك الذين يطبّقون آية الكتاب المقدس القائلة: "ينبغي أن          يُطاع الله أكثر من الناس" (أع29:5).

علينا أن نعي أن علاقتنا السليمة بالله تطرد فكرة الخوف عنّا، لأن الإيمان يمنع الخوف، ويذكّر بالقوة الإلهية الحافظة له، فيردد مع قيثارة داود "إنْ سرت في وادي ظل الموت، فلا أخاف شراً لأنك أنت معي" (مز23).

المؤمن الحق لا يخاف لأنه يثق بمَن قال لنا: "ثقوا بي" (مر50:6) فيعرف كيف يسلك في الحب بلا خوف لأن يسوع قال لنا: "أنا معكم، لا تخافوا" (مت27:14).

خامساً: عودة إلى الاضطراب والخوف

هنالك تساؤل محوره الوصول إلى وادي ظل الموت بلا خوف ودون اضطراب. وبالتالي لا أخاف أيضاً عندما تتحصّن حياتي بالرب ولو قامت عليّ أعنف هجمات المقاتلين. أيضاً يبقى قلبي مطمئناً لأن الرب مخلّصي. هذا الموقف الإيماني المطلوب سأتوسّع به من خلال حادثة السفينة في وسط البحر، فيأتي يسوع ماشياً على المياه وينقذها.

إن التأمّل في شخص الإنسان المضطرب والخائف بالتقابل مع يسوع يعطي السلام والأمان بكونه المنقذ، هو موقف اختياري يتبناه الإنسان بالإيمان في ملء حريته. هو ضمانة تأتي إلينا إذا ما شككنا بأن يسوع عنده القدرة ليُبعد عنا كل مكروه. من هذا القبيل سنعود للإنجيل في متى22:14-34 لنجد أن "يسوع ألزم تلاميذه بعد إشباع الخمسة آلاف أن يدخلوا السفينة ويسبقوه إلى العبر حتى يصرف الجموع. وبعدها صعد إلى الجبل منفرداً ليصلي. ولما صار المساء كان هناك وحده" (متى22:14-23). لقد اعتدنا أن نرى يسوع يصلي. ونحن إن صلينا مثله نلتقي به بالصلاة.

"وأما السفينة فكانت قد صارت في وسط البحر معذّبة من الأمواج لأن الريح كانت مضادة" (متى24:14) ماذا حدث الآن؟ الذي حدث أن خيبة أمل لاقاها التلاميذ بسبب الخطر الذي يكابدونه من جرّاء العوامل الطبيعية. يا للهول!! ماذا يفعلون؟ لا شيء سوى الثقة بيسوع الذي سيأخذ الأمر على عاتقه، ولكن هم مثلنا الآن بقوا خائفين، يقول الإنجيل: "فلما أبصر التلاميذ يسوع ماشياً على البحر اضطربوا قائلين: إنه خيال. ومن الخوف صرخوا" (متى26:15) لا زالوا في مرحلة غباء الإيمان. لم يصلّوا، لم يقولوا ثقتنا بيسوع تنجّينا.. إنما نحن اليوم في محنتنا أنضج منهم آنذاك فالروح القدس معنا ومن خلاله نتكلّم ونتصرّف، ولنتذكّر نمط حياتهم بعد العنصرة كيف صاروا أقوياء بالروح. نعود ليسوع وإليهم لنجده قد أزال اضطرابهم وخوفهم وفي اعتقادهم أنهم يرون خيالاً، فقال لهم: "تشجعوا، أنا هو لا تخافوا" (متى27:14).

إن صوت يسوع المشجّع للتلاميذ ولّد عندهم بكل تأكيد شعوراً عميقاً مما جعلهم يحفظون ذكرى هذا الحدث المؤثّر ويدوّنوه. كما أن هذا الحدث يترك مدلولاً مرتبطاً بوعده بأنه سيبقى دوماً إلى جانب سفينة الكنيسة التي يجب ألا تخاف وتفقد شجاعتها عندما تتلاعب بها الأمواج وتهزها، كما هو الحال اليوم، وتبقى مرتبطة بالذي أبعدَ عنها الخوف. إلا أن بطرس ينقلنا إلى التطبيق العملي في العلاقة مع يسوع وهو لا يزال واقفاً على المياه عندما قال له: "أمرني أن آتي إليك على الماء، فقال له: تعال، فنزل بطرس من السفينة ومشى على الماء ليأتي إلى يسوع" (متى28:14-29). هذه الرغبة العفوية الصادرة من بطرس تؤكد حضور يسوع معنا في الملمات. ولكن، يا للأسف، أرجو ألا يحدث لنا ما حدث مع بطرس في المرحلة اللاحقة لسيره على الماء، لأنه "لما رأى الريح شديدة خاف، وإذ ابتدأ يغرق صرخ قائلاً: يا رب نجني" (متى30:14).

خاف بطرس من الريح الشديدة فبدأ يغرق. عندما نظر بطرس إلى الرب بثقة تمكّن من المشي على البحر، وهكذا نحن إذا وثقنا بيسوع نجتاز الأزمة التي نحن فيها، وليس بقوانا إنما بقدرة يسوع القادرة أن تنجّينا من كل أذية. ولكن عندما بدأ بطرس يخاف من أزمته التي هي الريح المضادة، وعندما بدأ يفكّر بالخطر المحتمل، أي عندما فكّر منطقياً بفعله في أمر يعود الفعل فيه لربّه، حينئذ أخذ بالفعل يقترب من خطر الغرق.

نحن اليوم بحاجة لنقول ليسوع: يا رب أبعد عنّا الخطر الـمُحدق بنا. بهذا الإيمان، وبهذه العودة لربنا المبتعدين عنه، نشعر أننا مشابهين لحالة الإنقاذ كما لبطرس، فالإنجيل يقول: "ففي الحال مدّ يسوع يده وأمسك به وقال له: يا قليل الإيمان لماذا شككت؟ ولما دخلا السفينة سكنت الريح" (متى31:14-32). شعر باقي التلاميذ بألوهية يسوع فاعترفوا به أنه "ابن الله" (متى33:14). نحن محتاجون اليوم لهذا التأثر الإيماني لنتمسّك بيسوع معترفين به أنه هو الماسيا. نعم، نحن أيضاً يجب أن نشعر بيسوع مخلّصاً لنا.

سادساً: الخاتمة

يؤكد لنا التأمل الذي عرضناه بأن بطرس الذي يمثلنا اليوم، بالرغم من أن حادثة الإحساس بالغرق كانت قبل استنارته بالروح القدس، أي أن إيمانه كان ضئيلاً بعد، مثله مثل باقي التلاميذ، وهذا تنويه لا يهمنا كثيراً الآن، بقدر ما يهمنا أن من الضروري أن يعي أحدنا بحضور المسيح قربنا، فإنه حينها ينتفي شكّه وخوفه، وبقدر ما يتوجّه إلى الرب إزاء المخاطر حتى يتقوّى ويثبت إيمانه.

من المهم أن نتذكّر أن يسوع الذي كان حاضراً مع تلاميذه وأنقذهم وأنقذ بطرس من الغرق هو القائل لاحقاً: "ها أنا معكم كل الأيام إلى انقضاء الدهر" (متى20:28) أي أنه وسط الاضطرابات والاضطهادات والأحزان والعوائق الأخرى، سيكون إلى جانب المؤمنين به والمستغيثين باسمه. فيا رب نجّنا من المحن التي نعانيها اليوم. آمين.