حديث الأسبوع (23 تشرين الأول)

أرشيف

وعظة الأحد

                                                                                                                                                                                                                                             موضوع للأرشمندريت يوحنا التلي

ضمن أعمال المؤتمر للأخوية الرهبانية

في دير الشيروبيم (27-29 آب 2012)

 الدخول في الحياة الرهبانية

أولاً: السير نحو الله

تقوم الحياة الرهبانية على أسسٍ يمكن تسميتها بأنها برنامج ودرب وطريق تقود الساعي إليها للدخول في عالم الله. كان المسيحيون الأوائل يستعدون للمعمودية بوساطة بشارتهم، وسماعهم مواعظ التهيئة للمعمودية للدخول لسر المسيحية. وهذه حال الرهبان، فإن حياتهم في تهيؤ دائم للدخول في سر الاتحاد بالله. والذي يتم الأمر فيه عن طريق استعداد داخلي وليس خارجي. إنه اختبار يتحقق للنفس البشرية لتعي تكريسها عن طريق نجاح اختبارها مع ذاتها، ليس بكلام يعبّر فيه الراهب عن حاله فقط، بل أيضاً بعيش يحياه مع شخصه. فالكلام الذي لا بد من استعماله لنتكلم فيه عن الله وعن الأمور الإلهية والمعاني الروحية، هو يحتوي شيئاً غير بشري، إنه كلام الإنسان الذي باختباراته الجديدة حاز على معلومات آتية من ذاته العميقة التي هي مسكن الله، فتشكّلت لديه كلمات إلهية. هذا الراهب يحمل مدلول الإنسان الصالح في مدلول الراهب، الذي يهتم بألا يتحدث إلا عن سر اتحاده بالله. هو إنسان لم تعد تهمه الأقاويل التي تخص فلاناً وفلاناً من إخوته الرهبان، بل يكفيه أنه مهتم بعالم الله مع الابن والروح القدس.

          نداء الله يجذبه فتعلو كلمات هذا النداء على أية كلمات أخرى، فيأتي نشاطه في رهبنته مرتبط بالبحث والتفتيش عن مواقف يحياها ويعيشها لتكون ملتهبة بحرارة إلهية، ومناسبة لتصير استجابة لنداء الله؛ هذا النداء الذي يوقظ في الراهب شيئاً من السر الإلهي. والسر الإلهي لا يستطيع أن يحتضنه راهبٌ تُعكِّره أحداث الحياة، بل هو فقط لمستنير بنار الألوهة، التي تمنحه نسائم الألوهة التي تسعى لتكونهم، بينما تتحول إلى محرقة للذين ينظرون للآخرين من جهة تراتبيتهم. يسعى الراهب إلى الاستنارة الإلهية فيستعمل كلماته المخزونة بفكره وقلبه بصورة قدسية. قداسة الله هي روح تمسّ كلماتنا فتجعلها مقدسة، ولن يكون هذا إلا للذين يلمسون قداسة الله وسط شقاء العالم. فهم لا يميلون أذنهم إلا للنداء الإلهي رغم أن صوت الشيطان يسعى ليجتذبهم، وذلك لأنهم مستنيرون.

          لا يظنن الراهب أنه ينتمي ورفاقه الرهبان إلى عالم هابيل بشكل عام، بل عليه أن يدرك أن لقايين نصيب في تلك الذرية. وآثار هذه الشوائب لن تكون مهمة إذا استطعنا أن نتطلع إلى الوجود المحيط بنا: بيئة وبشراً، وندرك أن المسيح أتانا ليقلع الشر ويبارك أرضنا، فنأتيه إلى موضع انحداره نحونا، لنرى من خلاله أن لأخينا – الراهب الآخر - علينا حقاً، وأننا سنحاول الاقتراب نحو مَن أتانا، نحو المسيح مؤسس تكريسنا، فنطوله بما صرنا عليه من جديد، أي تلك الصورة الحية الروحية التي هي سر الله في أرقى درجات عليائه، والتي صرناها نحن لأننا سعينا لنـزيل كل العقبات التي تعيقنا.

          ما هو هذا الذي يعيقنا؟ أهو أخانا الضعيف؟ أم أخانا الخاطئ؟ لا هذا ولا ذاك!! الذي يعيقنا هو وجود الخشبة في أعيننا والتي لا تمنعنا من انتقاد القشة في عين هذا أو ذاك. هنالك عباءة على كل مكرّس عليه أن يستعملها. والعمل بها هو دوره لينجح في الامتداد نحو سر الله حيث عليه أن يضع هذه العباءة على أخيه الضعيف ليستره، ويستر عيوبه بحب وقبول. فالمسيح لا يقبل المكرس الذي بدوره لا يقبل أخاه. لأن التكريس يتحقق ويتم بسر حب يصعب وصفه بين الله والإنسان، وبالتالي يصعب تحقيقه إن لم يصر لنا فكر الله وسره. وبحسب تعبير الآباء (نحن لا نستطيع أن نتكلم عن الله)، ولكننا نستطيع أن نفتّش عنه، وأدوات التفتيش هي تعاليم الإنجيل، ومنها المحبة للآخر والمسامحة، والأهم هو حمل عبء الأخ بدلاً من الحديث عنه، لأن علينا أن نستجمع قوانا للسير نحو الله، بدلاً من هدر هذه القوى في الأحاديث عن بعضنا البعض. بهذه الصورة نتكلم عن السبل للاتحاد بالله ريثما نتحد به حقاً.

          يقودنا هذا الكلام الذي يُعبِّر عن شعورنا بأننا في الله عن طريق السير الدائم نحوه، لنكونه بالحقيقة وبالفعل. وأوضح تعبير لسعينا هذا هو اندماجنا بالحركة الليتورجية. نحن أمام القربان المقدس لسنا بمتفرجين، بل مشتركين. سيرنا هو أن نمتزج بالقربان المقدس. المسيح هو قرباننا، ونحن علينا أن نصير معه وبه قرابين وقدسات. بهذه الصورة نحيا سر التجسد الإلهي، مبرهنين أن تكريسنا حي وفعّال لا عن استحقاق، بل بفعل النعمة. تلك النعمة التي لا تمس أشخاص الديانين غير النفورين وغير المحبين. لولا التجسد لما فهمنا هذه الأمور. ولولا التجسد لصعُب علينا أن نحب مجاناً، وأن نحب الضعيف والخاطئ أكثر من القديس. فذاك الخاطئ بحاجة إلينا، أما الآخر فهو الذي يحبنا، وبهذا الحب هو قريب من الله. كل خطأ في هذه المعايير دليل على حبنا لذاتنا وليس حبنا لله. فالله نصله بحبنا للإنسان الآخر.

          لذا نحن في الحياة الرهبانية بحاجة لأمرين؛ أولهما النعمة الإلهية التي نقوِّم بها اعوجاجنا، وهي المركبة التي توصلنا إلى هدفنا ومبتغانا. أما الأمر الثاني فهو جهادنا ومشقاتنا، وتعبنا وإماتة أهوائنا وتفانينا. وإذا ما كنا جادين في تكريسنا، فإن أهم ما نقدّمه في هذا المجال هو حريتنا وإرادتنا، فتلك التقدمة هي باب العطاء لنا. حينها سيكون تكريسنا مباركاً حقاً من الله. فهو ليس كلاماً ورغباتٍ، إنه موت من أجل حياة، كما يقول الآباء القديسون: (اعطِ دماً وخذ روحاً)، وهو أملنا في سيرنا هذا نحو الله، وتكلمنا عنه هو سعينا لننال منه سرّه وروحه، لينسكبا في قلوبنا مباشرة، فننال في داخلنا حياة جديدة وفهماً جديداً، هو الروح القدس الذي يرشدنا وينيرنا. وفي الوقت نفسه ننتقل في حديثنا من تأمل الأسرار الإلهية إلى اعتبارات عملية تخص حياتنا اليومية، التي نرتبط بها كرهبان بعضنا مع بعض بالمسيح وليس بذواتنا، وبتقييم المسيح المقيم في داخلنا، وليس بتقييم ينبع من إنساننا الضعيف، من بشريتنا. فتكون نظرتنا لبعضنا نظرة إلهية، وتفكيرنا ببعضنا هو فكر إلهي. وحبنا لبعضنا ينبع من حب الله لأبنائه، الذي هو حب نظيف نقي طاهر وغير مرتبط بأهواء بشرية. هو سرّ التجسّد الذي يعلّمنا كل هذا، لا ضعفاتنا الشخصية. انحطاطنا البشري يرتقي ويرتفع في دخولنا في الرهبنة، لنشهد للرب من خلال معاملاتنا بعضنا لبعض، وطاعتنا لبعضنا البعض، وبذلك نقدم شهادة للرب، نشهد بها كلها في أن نصبح (حضورات) للرب. هي حضورات شفافة تدل على أنفس نظيفة، يتم النطق من خلالها أن دور كل راهب منا من خلال إخلاصه في إعطاء ذاته لله، كشهادة له كمثل قول بولس الرسول: "وقد كنت عندكم في حالة من الضعف والخوف والارتعاد الكثير. ولم يقم كلامي وتبشيري على الإقناع بكلام الحكمة، بل على ما يعلنه الروح والقدرة" (1كو3:2-4). مسيرة بولس تدل على أنه كان يحمل في نفسه تلك الحياة في حضرة الله، وذلك الاتحاد به في قلبه إلى الأبد، فكان يترك في الناس أثراً لا يُنسى، فيمجّدون الله.

          هذا هو طريق بدايتنا نحو حياتنا الجديدة، الحياة الرهبانية التي تنادينا ونناديها بصوت المسيح الذي يغزو فينا قلوبنا العطشى لحياة الروح، وينطلق بنا نحو الله رغبة في أن نتحد به من خلال صمته في سره غير المنظور. سر لا يكشفه إلا القلب فينا، والقلب القادر على كشف هذا السر هو القلب الصالح، حيث يولد من خلاله الإنسان الجديد. في شكلنا ومظهرنا نحن نبقى على ما نحن عليه، ولكنه في أعماقنا ينفتح ويطلع فينا نبت حياة جديدة؛ هو انفتاح يطل على ما لا نعرفه، إنما نعرف أننا إليه مدعوون لنكون فيه هناك، هي إطلالة على الأبدية، بنينا الآتي الرائع منها في ديرنا الحالي الآن.

          كم وكم علينا أن نجاهد للوصول إلى هذا المطال. استحسان نوايانا يؤهلنا لوقوف تشرق عليه شمس، ويسطع من خلاله نور. أما الدخول في نور الأبدية فهو شيء يتبع الخطوة الأولى، التي سرنا خلالها للوصول نحو هذه الإطلالة.

          ثبّت أقدامنا يا رب لنتابع طريق تكريسنا.

 ثانياً: اللقاء مع الله طريق أبديتنا

          لما كان الله هو سر حياتنا، وهو بالتالي عنوان أبديتنا، فإن حياتنا تبدأ به. فهو الذي خلقنا على صورته، وتنتهي إليه عندما نكون على مثاله. الله هو (الرب الأزلي الأبدي)، وهذا الاسم الإلهي يعني أنه بعيد عن كل تحديد وكل إدراك. أما الاسم الآخر لله فهو الذي يعلنه لنا بقوله: "في وسطكم أنا القدوس" (          لا32:22) والذي يرتبط فيه اسم القداسة مع الأبدية في قوله: "لأنه هكذا يقول العليّ السامي، المقيم في الأبد، الذي يدعى اسمه القدوس. إنني أسكن في العلى وفي الموضع المقدس، وأقيم مع المنسحق، وذوي الروح المتواضعة، لأحيي أرواح المتواضعين، وأنعش قلوب المنسحقين" (أش15:57) فالله يتعامل مع المتواضع والتائب الذي هو منسحق الروح. وهو قد نزل إلى مستوانا ليرفعنا إلى مستواه، وهو بهذا يخلصنا ويعدّنا لنصير أبناء الملكوت أي أبناء في أبديته.

          فقداسة الله تظهر في وسط الشعب، في حياة الراهب، الذي يسير مُخلِصاً بتكريسه ليصل إليه. فقداسة الله تنادينا إليه، لأن قداسة الله هي حياة الله عينها، وحياة الله لا تنفصل عنه. الله هو الحياة، وهذه الحياة مصدر حياتنا. وقد تركت فينا جرحاً لن يشفى ما دمنا غير متحدين به من جديد، في خضم هذه الحياة. وبالرغم من أن فينا عطشاً إلى الله، ورغبة حارة في أن نكون في ذلك السر الذي هو الله ذاته، أي في تلك الأبدية التي نبدؤها معه، بالرغم من كل ذلك. برغم ذلك وفي أحيان كثيرة نبقى مهتمين بأمور تافهة في هذه الحياة، ونبقى تحت رحمة صغائر أمور دنيانا، إضافة إلى حياة نغذيها بالغيرة والحسد والضغينة وما شابهها، تاركين القداسة التي على صورتها خُلقنا.

          لذا نقول بأن راهباً في ديره لا يسعى مع بدء شروق الشمس حتى غروبها عاملاً بدأب للسير نحو أبدية بدأت تتفتح معالمها في شخصه، ليس هو براهب. وتبقى كلمة أبدية تعني بكل بساطة (اللقاء مع الله) الذي يتحقق عبر طريق نبدأه من خلال وجودنا. فوجودنا المادي هو نعمة إلهية معطاة لنا، بشرط أن نتحرر من هذا التعود بيننا وبين تلك العطية، التي أهم ميزاتها أنها تحتوي بداخلها على (عطية الطفولة)؛ وهي طفولة في النفس عبّر عنها السيد المسيح عندما قال: "إن لم تصيروا مثل الأولاد لن تدخلوا ملكوت السموات" (مت3:18) أي أننا من أجل دخول الأبدية يجب أن نستعيد روح الطفولة. هذه البراءة في النفس، وهذه النقاوة في الذهن بدون خبث وبدون كراهية هي ما نحن بحاجة إليه. وبتعبير أوضح هذا اللون من أنماط الحياة الذي كنا عليه قبل حياة الخطيئة، نحياه مع الله بقربه وبجنبه، ونلعب معه كأطفال بشفافية لا مثيل لها يوم كنا في أبديته، في الفردوس الذي صار مفقوداً، والذي نسعى لاستعادته وللعودة إليه، لنكرر هناك حياتنا التي كانت أول طفولة في العالم، التي هي طفولة الإنسان الأولى المتّصفة بأنها نعمة الله للإنسان، والتي من أهم صفاتها أنه لم يكن فيها مكان للضجر. الطفل لا يضجر أبداً لأنه في حالة نضارة نفسية، لأنه لا يهتم بذاته. نحن عندما نترك الاهتمام بالله والتحرك في قضايا الله، ننجر من قبل الشرير لنراقب أخانا: ماذا يعمل؟ ماذا يقول؟ كيف يتصرف؟ في مثل هذه الأمور ينهار درب سعينا للأبدية، ولا يعود الله شغلنا الشاغل. فالحل ليس فقط في أن نحب أخانا لنستعيد به حضور إلهنا، بل الأكثر من ذلك أن نطيعه، ونعمل لأجل نجاحه وسعادته، فنكتسب بدورنا حصة من الله آتية تجعلنا سعداء وناجحين.

علينا ألا نضيع طفولتنا إذن. وعندما نسقط بفكرنا بسبب نقص محبتنا لأخينا، علينا أن نستدرك الأمر مباشرة متذكرين أن الله أعطانا حياته بتجسده. فالراهب النشيط في الروح، والصافي النية في القلب والذهن، يكتشف أن الله صنع من جديد طفولة العالم، وسكب فيه من روحه: روح الطهارة والبراءة والفرح، هي روح الخروج من الذات، والتي هي روح الكبرياء والبغضاء والأنانية، روح به يكره الراهب أخاه الآخر. لذا فإن دعوة التجسد، لملامة الذات يتم فيها عشق لله، وحب للآخر. وهذا الأمر الجديد دخله كل واحد منا بمعموديته، وما عليه إلا أن يبعثه لحياة قيامة جديدة تخدمه في الملمات، لتشكل توبته باستعادة حياة البراءة في عيش طفولته من جديد. فجميل بنا أن نتغنّى دائماً بلسان يلهج بمحتويات القلب يوم لبس المسيح، فندرك أقوالاً كتابية كمثل: "هوذا كل شيء صار جديداً" (2كو17:5) و"رتلوا للرب ترتيلة جديدة" (مز1:96). الفصح ينبعث من قلوبنا المتجددة والمتغيرة، فندرك به كياننا الجديد عند تلاوتنا لهذه الأقوال، التي يجب أن يلهج بها كياننا مثلما يلهج عند تلاوتنا صلاة يسوع. إذن بفضل معموديتنا نساهم في حياة الله، كما ونساهم أيضاً في حياة الطفولة الأبدية.

قد يعترض أحد قائلاً: أيجوز لنا أن نسمي الله (الطفل الأبدي)؟ فلنتذكر صوت كنيستنا في مديحها للعذراء بأحد أبيات مناشدتها نقول: (افرحي يا مَن بها صار الخالق طفلاً) هو قول عميق ومدعاة للتأمل. لأنه قبل العذراء مريم ومنذ سقوط آدم، لم يعد الله للإنسان طفلاً كما أن الإنسان لم يعد طفلاً. لقد شاخ كل شيء. لم يكن الإنسان يقدر أن يتأمل الله بعيون طفل. الخطيئة شوّهت أفكاره، وهكذا الإنسان بل والراهب أيضاً عندما تتشوه أفكاره من جراء عدم التفكير بالفكر الإلهي، فإن نظراته غير البريئة اتجاه الآخر تجعله يتصور الله في هيئة مخيفة، فيصير يراه شخصاً ظالماً رهيباً، في حين أن الله ليس هكذا. الله ينظر إلى الإنسان نظرة حنان وحب، ينظر إليه من خلال معموديته في إطار مبدأ جديد، وينبوع جديد، ومسلك لطريق جديد، لأنه بالمعمودية يسير الإنسان نحو الأبدية. هذا يعني أن مياه المعمودية ليست مياهاً خارجية فقط، ولكنها تنبع من أعمق أعماق القلب، وترافقنا في سيرنا نحو الله. فكم بالحري أن تكون مسيرة الإنسان المكرّس كذلك، فالأمر أكثر جدية، والبعد الروحي أكثر عمقاً، لأن التكريس الرهباني بمثابة دخول ثان في الأبدية، يذيقنا طعماً لله بما يحمله من نعمة فوق نعمة.

ينجم عن كل هذا أن طريق حياتنا طريق صعبة أحياناً. هي كمثل طريق خلاصنا. فطريق الرهبنة وطريق الخلاص كلاهما يمران بطريق الصحراء، إنها الطريق التي يجب أن نسلك بها لنصل إليه. ولكن الله يذكِّرنا دائماً أن علينا أثناء مرورنا بالطريق نحوه أن نتذكر دائماً نعمة المعمودية. يطلب منا أن نلتمسها وننتظرها دائماً، وأن نتجدد ونجددها فينا، ونتبناها في عزم ورغبة حارّة وبتواضع كبير. ولنعلم أن أكبر قوّة مجددة لنعمة المعمودية فينا هو التكريس الرهباني. ولذا فالتكريس الرهباني هو بمثابة دخول في الأبدية.

ثالثاً: التكريس الرهباني كبداية طريق

          ينتظرنا الله في أبديته منذ الأزل.

          يؤلف تكريس حياتنا الرهباني في الزمان ما يقابل أبدية الله. إن نداء الله هو نداء الحب المطلق الذي أوجدنا به. ونحن بتعدديات أجوبتنا المختلفة التي لا عدد لها، فإن الله يقبلها كلها. لا لأنها أجوبة كاملة، بل لأن الله يكمل بنعمته نقص طبيعتنا وصغرها، وبالتالي هو لا يرذل أحداً من أمام وجهه. هو سر قبول الله للجميع.

ولكن هنالك جواب أبدي في الزمان كأبدية الله في حد ذاتها، هو الجواب الذي نستقيه من الكتاب المقدس بلسان أبينا إبراهيم في قوله: "هاءنذا يا رب"حدأحد (تك1:22) هو الجواب الذي نعطيه يوم تكريسنا القائم على تكريس حياة وحب، والمبني على الطاعة النهائية التي أوجدها الله في قلوبنا. (هاءنذا يا رب) هو الكلمة الأولى والأخيرة في سر الخلاص وفي تكريسنا الرهباني، هذا التكريس الذي يكرر كل مرة مقولة: (هاءنذا يا رب) كنموذج في إعطاء الذات، يقولها الرهب ويرتمي أمام الله مقدماً ذاته له، واضعاً كل ما فيه تحت نظره. ماذا يحصل بفعل هذا الارتماء؟ التاريخ يتغير لأنه ينتقل إلى نقطة تحوّل، لأن إنساناً أراد أخيراً أن يستجيب لله دون تحفّظ، ويعطي ذاته كحضرة خالصة لله. إنها الكلمة الأولى في سر الخلاص التي ستؤدي يوماً إلى جواب العذراء مريم وإلى التجسد: "هاءنذا أمة الرب" (لو38:1) إنها أيضاً الكلمة الأخيرة، لأن حياتنا مع الله في الأبدية لن تكون سوى هذا الحضور الاستعدادي. فالإنسان يبدأ بمثل هذا القول، ليتممه الله بقول نهائي يقدم ذاته للإنسان ويقول: "هاءنذا معكم إلى انقضاء الدهر" (مت20:28).

فمن هذه الناحية نكون بذهابنا إلى الله وتكريس أنفسنا له نذهب إلى تلك الأبدية، هي أبدية الحب والحياة التي ينادينا فيها الله منذ الأزل. من هنا يكون التكريس الرهباني بداية طريق. إنه (الطريق) بقول يسوع: "أنا هو الطريق والحق والحياة" (يوحنا6:14) الله هو طريقنا، الله هو دربنا. ويتحقق لنا هذا الأمر عندما نكون متابعين طريقنا، الذي يكون كل منا حاملاً الله. أي أن الراهب في مسيرته يحمل في ذاته حياة الله. متذوقاً في داخله طعم أبدية الله طالما أنه يحمل حياة الله. هو في ديره وعبر زمانه بكونه (منذ الآن) والأبدية فيه ومعه، تسبقها زمنها الآتي بعد الموت. نعم عبر حياة الراهب يكون الزمن الآتي متحقق. فالله عن هذا الطريق أعطى ذاته لنا عبر تلك الأبدية التي (أتت إلينا). يبقى أن نصبح نحن جاهزين، وأن نصير له، وذلك زمن الانتقال الذي هو الطريق. وهكذا تكون كل حياتنا الروحية في الطريق التي تبدأ بالكلام، لتتحول وتصير بالأفعال، أي بالحقائق المرتبطة بالمسيح الذي هو (الحق). فكل كلامنا وكل حياتنا المعاشة ترتبط بهذه الحقيقة التي يحياها الراهب في قلايته ومع اخوته. من هنا ليس المهم ما يقرأ الراهب، بل المهم هو ما يعيشه. هذا هو رأي آباء البرية، وهذا هو قوّة التكريس القائم على الإيمان، وليس على الكلام فقط. المعرفة والعلم لا يخلِّصان وليسا جزءاً من التكريس المؤدي إلى الأبدية، إنما الإيمان هو كل ذلك.

فلنتابع مع إبراهيم المتأهب ليكون كما يريد الله له، وكما يطلب الله منه. فلنتابع مع إبراهيم السائر في طريق الله. إنه الراهب الحقيقي الذي لا يريد شيئاً، إنما يريد إرادة الله له. الله يطلب منه الانطلاق، ويقول له: (قال الرب لإبراهيم اذهب من أرضك ومن عشيرتك ومن بيت أبيك إلى الأرض التي أريك... (تك1:12) وفيما يتأمل الراهب بكلمات الله هذه، تحدّثه نفسه إن كان راهباً حقاً، وإن كان مكرساً حسب مشيئة الله. وذلك بألا يكون ذا مشيئة ذاتية يلعب بها الشيطان، فتسيّره حسب رغبة الشيطان. وعندما يكون الراهب غير ملتفت لقضايا غير تلك التي يناديه فيها الرب أيضاً، الراهب الذي وضع حواسه حسب طريق أبدية الله، بحيث لم تعد عيونه ترى ما هو غير إلهي وتسمع أذناه ما هو غير صوت الله، ولا يتكلم لسانه بشؤون ليست إلهية، هذا الراهب حينها يجد نفسه ينبع من الله ويلتصق به ويردد مع داود النبي: "التصقت نفسي بك" (مز8:62) وأيضاً: "خير لي الالتصاق بالله" () حينها يكشف الله ذاته له بقدر ما يسير في درب الله هذا. أما الآخر المهتم برؤيته النابعة من الحواس، فإنه يكتشف عيوب أخيه وضعفات الآخر، وعدم النضج الروحي في برنامج الدير... الخ وهذا كله آت من أن حياة الروح لم تشتعل عنده، فيتحول إلى بطل من نوع ترابي، يفتخر بقدراته تلك التي أوصلته بالحقيقة إلى الحضيض. ومثل هذا الراهب عندما يسمع صوت يسوع في سفر الرؤيا: "لكن عندي عليك أنك تركتَ محبتك الأولى. فاذكر من أين سقطت وتُب واعمل الأعمال الأولى" (رؤ4:2-5) فلا بد من أن يعود إلى الطريق ليلتصق بالله. والكتاب المقدس يعطينا من رحلة الخروج مثالاً على السير في هذا الطريق؛ فبعد أن كان الشعب المنقاد من موسى، يرى بوصلة المسير تتمثل بالله كغيمة بيضاء في النهار، وكعمود نار في الليل، وهما بمثابة هداية إلهية ورضى وقبول، نجدهم قد تحولوا متذكرين البصل والثوم والتوابل التي كانوا يأكلونها في مصر، وبسبب لغة الحواس هذه قالوا عن إلههم: (مَن هو هذا الإله؟) في حين أن موسى كان من خلال متابعته الطريق قد وصل إلى الله في الجبل قائلاً له: "مَن أنت لأعرف وأقول للشعب" (خر13:3) أجابه الله: "أنا من سأكون" (خر14:3) أي أن الله من سيعلن ذاته. والسائرون في الطريق يعرفونه. وهكذا الراهب السائر في الطريق هو الذي سيعرف درب الأبدية. بالطبع فقد كانت هناك صعوبات في مسيرة الأربعين سنة من مصر، فقد كانت مليئة بالشدائد والضيقات وهكذا طريق الأبدية للراهب، هي طريق جهاد وصعوبات، ولكنها ليست طريقاً عقيمة بل مثمرة وخصبة، لأنه يتاح فيها الانتقال من الكلام إلى الحقائق.

ونحن كرهبان علينا أن نتمم هذا الانتقال (أي هذا الطريق)، بالانغماس في مجد الله، فنعطيه ما نلناه منه: (التي لك مما لك نقدمها لك). أن نعطي الله ذواتنا بهذا نمجِّد الله. ولا بد حينها من أن نشع بشعاع الله، هذا الشعاع الذي يتحقق  بفعل انتقالنا من كلامنا إلى حقائق سيرنا مع الله، فيصدر إشعاع خفي وسري وصامت. هذا يتم لأن إرادة الله تحقق هذا الأمر. فنعطي بعضنا بعضاً دروساً لا بالكلام ولا بالتحزب، وإنما بوحدة الالتصاق بالله. ولنعلم أن هذا الأمر يتجاوز إرادتنا وقصدنا، لأنه نابع من إيماننا ومن مسيرتنا في طريق الله. وبقدر ما نحن لله، وبقدر ما نحن فيه، وبقدر ما نتبعه، يجد هو فينا مكاناً، هو مكانه، إنه مكان الله فينا وبداخلنا.

المسيح هو طريقنا، أتى إلينا في عملية نزول منذ تجسّده. هذا هو سرّه، إنه إله ينزل ويتضع ويعيش بين الناس. وطلب من الناس أن يتبعوه، كما وقال أيضاً: "احمل صليبك واتبعني" (مر21:10) الصليب هو الطريق نحو الله مروراً بمسلك الله في نزوله. إذن الراهب يسلك نحو خلاصه باتجاه الأبدية من خلال تواضعه. فالتواضع بدء طريق الخلاص ونهايته. فالراهب لا يقتدي بآدم الأول، الذي ظن أنه إنما يصير مثل الله في حركة استقلال وتمرد، وذلك حين أراد أن يصعد قبل أن ينزل. لقد انخدع.

والراهب بمزيد من التواضع يطرد الخديعة. وهو يحقق ذلك عندما يحاسب نفسه كل يوم على أصغر الأمور كمثل كبائرها. وإن قارن نفسه بإخوته فيضع نفسه في آخر المصاف. فهو لا يعرف حقيقة توبة أكبر خاطئ، ولكنه يعرف كبرياء نفسه في أمور كثيرة. لذا فهو لا يدين إلا ذاته. وهذا الأمر عليه أن يراه بينه وبين الله، وبينه وبين نفسه بانسحاق وتواضع ومحاسبة للذات ومسامحة للغير. هذا التواضع مع كثير من الصبر هو السير في الطريق التي يريه إياها الله. ومعنى هذا أن يتبع إرادة الله، لا أن يتبع إرادته في سعيه إلى الاستقلال فيسقط في حفرة الألوهة. ولكن أية ألوهة هذه؟ إنها الألوهة المزيفة. أما الألوهة الحقيقية فطريقها مع يسوع، هذا الإله الذي يتواضع وينسحق، بل الذي ينزل ويصير عبداً أيضاً. فهو بحسب إنجيل يوحنا يغسل أرجل تلاميذه مباشرة قبل عشاء الرب، أي قبل السر الأخير سر الله، الذي على الراهب أن يقتدي بيسوع ويعمل مثله مع الآخرين، من خلال أوضع الأعمال التي قام بها يسوع كمثل غسل الأرجل. ورهبانياً يتحقق هذا من خلال الطاعة للأخوة بعضهم لبعض. فإذا كان المسيح قد صار عبداً، فكم بالحري بالراهب أن ينسحق لأقصى الدرجات في تواضعه. حقاً ما أجمل الراهب الذي يخدم بطاعة أخيه الراهب الآخر. هذا يؤكد بأن الرب قد قلب الأوضاع. وعَمَلُ الرب في مثل هذا القلب للأوضاع يبقى قائماً ومرئياً في أشخاص الرهبان الحقيقيين.

علينا بعد هذا الكلام أن نعطي أنفسنا لله، وكلما كان امتدادنا نحو الله أكثر، كلما عرفنا بأن كل شيء يُزاد لنا هو منه، لأن الله وحده هو الذي يعمل فينا، وطريقنا الرهباني متوقف عليه لأن كل شيء هو منه، لأننا لم نعد نملك شيئاً، فكل ما لنا أعطيناه إياه (أنفسنا وعقولنا وقلوبنا). لذا صار الله الذي يعمل فينا هو الذي يحقق لنا الانتقال من الكلام والنيات إلى الحقائق المعاشة. سبيلنا من هذا الطريق هو تمجيد الله، وعيش الفرح.

ولكن هناك في هذا الطريق عائقان يجب الحذر منهما: الأولى فراغ الصبر والثانية اليأس. ولما كان على الإنسان أن يعرف كيف يستفيد من كل الأمور الإيجابية والسلبية، فتكون الفائدة من فراغ الصبر أنها تتحول إلى منخس لهمتنا لنتذكر أن الطريق أمامنا، وأنه ينبغي عدم التوقف فيه، وإلا أصبح عائقاً يمنعنا أن نحيا سر الإيمان. وهناك وجه آخر للخطر الذي علينا الانتباه له، وهو أننا بسبب فراغ صبرنا أحياناً، تصيبنا شهوة الوصول إلى نهاية جهودنا وغاية سعينا قبل أن يقرر الله ذلك. أي عندما نكون مستعجلين للوصول قبل الأوان. إن هذا مضر لنا بقدر الضرر الذي يلحق أجسادنا عندما نتناول الفاكهة غير الناضجة قبل أوانها. أما اليأس الذي هو الوجه الآخر لفراغ الصبر فنجد أن الراهب يجتاز فيه تجربة الترك أو التوقف في السير، لأنه لا يعود يشعر بما يرغب فيه. يهمل هذا الراهب وينسى /أو يتناسى/ بأن الله معه، وأنه ليس عليه تحديد الأزمنة والأوقات. المشكلة في كلا الأمرين أن بعض الرهبان بدلاً من أن يعودوا إلى ربهم وإلههم عن طريق أبيهم الروحي، نراهم يجتهدون في عمل العقل والمنطق والاهتمام بالتأويلات والتبريرات. وهذه كلها أمور يشكِّل من خلالها الشيطان ثغرة توصله إلى مثل هذا الإنسان، ليستسلم رامياً سلاح الله ولمسات الحياة الروحية.

مسيرتنا الرهبانية طريق مفرح مع يقين أننا بين يدي الله، وأن تكريسنا الرهباني يقيمنا إلى الأبد في بيت الله عبر سيرنا هذا الطريق. حينها نتجلى بروح الله لنجابه محن هذا الطريق وفخاخه، وإن صادفتنا التجارب فنحن أقوياء بتواضعنا ولكن بدون عنف، إنما بعزم وثبات دون سابق تفكير. فالله هو الذي يأتي إلينا، يتحد بنا أكثر وأكثر، ويصنع منا شهداء حياتنا بكاملها، لا شهداء كلام أو لحظات. ونحن عبر حياتنا الروحية قد قطعنا مسافة كبيرة في جهادنا الروحي، ولا زلنا نسير لندخل بتواضعنا عالم الأبدية التي هي عالم الله، حيث الجواب لكافة تساؤلاتنا آتٍ من أزلية الرب، التي هي أزلية المحبة المنفتحة أمامنا وستبقى منفتحة لتقودنا إلى داخل الطريق والتوغل فيه يوماً بعد يوم، ومحنة بعد محنة، وكشف بعد كشف، لنرى أنفسنا كلها مجتمعة في رحاب الله، ولا يرى كل واحد منا نفسه فقط. هذا هو ملكوتنا.

 رابعاً: خاتمة: شذرات آبائيّة

          قال أحد الشيوخ الحكماء: (الراهب الحقيقيّ هو فم حقّ، وجسد طاهر، وقلب لا عيب فيه).

قال الشيخ أفرام ناسك كاتوناكيا: (تأكّدت بالخبرة أن الطاعة أسمى من الصلاة).

هل تريد أن تقتني موهبة الصلاة؟ هل ترغب عندما تردّد: (ربّي يسوع المسيح ارحمني) أنْ تَفيضَ عيناك بالدموع؟ هل تريد أن تقتني موهبة الصلاة؟ هل ترغب أن تحيا حياة ملائكية؟ قل: (بارِكْ)، (فليكن مباركاً). إذن: عليك بالطاعة.

تعليم الآباء: (لست أدينك لأنك ارتكبت خطايا كثيرة وجديّة. أبداً فأنت إنسان يخطئ. لكنّي أدينك وألومك، لأنك لم تعترف. هل سقطت؟ أركض إلى أبيك الروحي. هل سقطت؟ اعترف بكل شيء إلى أبيك الروحي. تذكّر القديسة مريم المجدلية أو ما فعلت أي عندما اعترفت بكل خطاياها.

تعليم آبائي: (يسعى الراهب أبعد من الإنجيل، إلى شخص المسيح نفسه، وهو "الطريق والحقّ والحياة" (يو6:14). وبعض الحكم تقول ذلك بوضوح: (إن أردت أن تخلص فأحبب الرب). (إنَّ الحياة كلّها أكانت الدّنيا أم الآخرة، هي المسيح، فالذي يقتني المسيح في داخله، يملك كل شيء). (نحن ننظر إلى صليب المسيح). (ليس الكمال في الفضيلة البشرية، بل هو مستتر في صليب المسيح).

تعليم آبائي: (إن وجهة نظر آباء الصحراء تكمن في جوهرها فكرة الاستقامة. فعلى الراهب أن يكون متطابقاً مع الإنجيل، ومع دعوة الله التي موضوعها، ومع نفسه وعمله وثوبه. ولا يكون لقب راهب الذي يطلق عليه كذباً. وإذا لم يعمل هو نفسه بما يعلِّم الآخرين، فهو يشبه على حد قول (بيمن) خزّاناً يُعطي الجميع ما يشربونه وما يَغتسِلون به، لكنه هو بالذات منتن).

إنّ القديس أفرام السرياني - الذي هو شديد التأمليّة والصّوفيّة - كتب بشأن يوحنا المعمدان هذا الكلام الرائع: (مضى يوحنا إلى البرية. ولم يكن ذلك في سبيل أن يُصبِح متوحشّاً، بل من أجل أن يُلطِّف في الصحراء وحشية الأرض المأهولة). إن هذه العبارة البالغة الغرابة لذات عمق نادر. وعلى القلاّية والدير أن يكونا وسيلةً لمحبة أفضل للناس، كما يجب أن يكونا إشعاع الراهب، إشعاع لُطفٍ ومودّة، والأديار يجب أن تعلِّم الناس محبةَ بعضهم بعضاً. يتطلَّب كلّ هذا من الرهبان استعداداً كبيراً، فلا يمكنهم أن يكونوا أنانيين.

هذا هو صوت المؤتمر (الرياضة الروحية) لنا جميعاً، ولكلّ واحد منا.