حديث الأسبوع (15 تشرين الأول)

أرشيف

وعظة الأحد

                                                                                                                                                         موضوع للأرشمندريت يوحنا التلي

ضمن أعمال المؤتمر للأخوية الرهبانية

في دير الشيروبيم (27-29 آب 2012)

الراهب والكتاب المقدس

بحسب تعاليم الأسقف أغناطيوس بريانشانينوف

 

أولاً: مقدمة

          الكتاب المقدس دعوة من الله لنا لنحيا حسب مشيئته بالعمل بوصاياه. ويسوع المسيح في العهد الجديد دعانا أن نقترب بحكمة للعمل حسب تعاليمه ولحفظ وصاياه. ونحن إن فعلنا هذا نضع أساساً ثابتاً لنا للتلمذة، لنرتقي نحوه بشكل صحيح في بناء شؤوننا خاصة الداخلية منها. ونحن بحاجة إلى فضيلتي الحكمة والمعرفة اللذين بهما يتم تنظيم عملنا، وفيهما يتحقق أساس كل أمورنا. وكل هذا آت إلينا من كلمات الإنجيل الذي يبني حكمتنا بقدر اقتدائنا بتعليم يسوع حسب هذا المثل: "فكل مَن يسمع هذه الكلمات ويعمل بها أشبهه برجل عاقل بنى بيته على الصخر. فنزل المطر وجاءت الأنهار، وهبّت الرياح ووقعت على ذلك البيت فلم يسقط لأنه كان مؤسساً على الصخر. وكل مَن يسمع أقوالي هذه ولا يعمل بها يشبّه برجلٍ جاهلٍ بنى بيته على الرمل فنزل المطر وجاءت الأنهار وهبّت الرياح وصدمت ذلك البيت فسقط. وكان سقوطه عظيماً" (مت24:7-27)

          صخرنا الذي هو يسوع نصله بكلمة الله الحية في الكتاب المقدس، وفي حال إهمالنا له نتحول إلى جهلاء، وحياة الجاهل تنهار كما ينهار بيت من القش. لذا فإن عدم توطيد علاقتنا بالله وبيسوع المسيح عن طريق الكتاب المقدس فإن علاقتنا بدلاً من أن تندفع بنا نحو العلو إلى سماء الله، فإنها تندفع نحو الهلاك لأسباب تعود إلى عدم التبصر وعدم التروي. أما الإنسان الحكيم، بل الراهب العاقل، فهو إنسان يشغل نفسه بكل عناية وانتباه بمطالعة الكتاب المقدس ودراسته، على نحو يكون فيه هذا الكتاب دائم الحضور في ذاكرته، وهو ما يجعله أن يستحضر تعاليم الإنجيل مع كل خطوة يخطوها، وذلك حتى آخر نسمة من حياته.

          والكتاب المقدس لا يقوم بالنسبة للراهب في الفراغ، فإذا كنا رهباناً نحيا في حياة شركة، فكتابات السلّمي في هذا المجال هي المناسبة. أما المتوحدون فما يريدوه يكون عند اسحق السرياني بشكل واضح. أما حياة البرية عامة، وكذلك حياة العالم عامة، فيصلح لكل منها كتابات القديسين يوحنا وبرصنوفيوس اللذين دونا أجوبة عليها وضعاها في القرن السادس في فلسطين حول الكتاب المقدس. ولا مانع البتة من الاستفادة من النص الرهباني القديم المعروف باسم (أقوال آباء البرية)، تلك الكتابات ذات الأقوال القصيرة، والتي هي على درجة عظيمة من الحيوية والبساطة، والتي تعود للقرنين الرابع والخامس، وتؤلف سيكولوجيا الأب النسكي أيضاً. وبعد الجميع يأتي القديس اغناطيوس بريانشينوف في القرن التاسع عشر ليقدم خبرته ونصائحه حول هذا الموضوع.

          هؤلاء جميعاً وغيرهم كثير، كلهم يرى أن قوة المسيح تفعل من خلال وصاياه. وأن المسيحية الحقيقية، والرهبنة الحقيقية يقومان على حفظ وصايا الإنجيل. لذلك عندما تغيب هذه الممارسة لا يعود هناك وجود للمسيحية أو للرهبنة مهما كان المظهر الخارجي برّاقاً. ولنقل مع صاحب المزامير: "فم الصديق يلهج بالحكمة، ولسانه ينطق بالحق. شريعة إلهه في قلبه، وخطواته لا تتقلقل" (مز30:37-31).

ثانياً: وصايا الرب روح وحياة

          يتوجب على الراهب منذ لحظة دخوله إلى الدير، أن يشغل نفسه - بكل اهتمام وانتباه – بمطالعة الكتاب المقدس، ليكون حاضراً في ذاكرته كل حين، وعند كل موقف أخلاقي، وفي كل نشاط وعمل وتفكير. إنها بالتحديد وصية المخلص: "اذهبوا وتلمذوا كل الأمم معمّدين إياهم على اسم الآب والابن والروح القدس، وعلّموهم أن يحفظوا جميع ما أوصيتكم به، وها أنا معكم كل الأيام إلى انقضاء الدهر آمين" (متى19:28-5).

          بهذا – أي حفظ الوصايا – يخلص الراهب ويدخل في اتحاد عميق مع الله، ويصبح هيكلاً له: "إن من عنده وصاياي ويحفظها، يحبني، ومَن يحبني يحبه أبي، وأنا أحبه، وأكشف له ذاتي" (يو21:14). هذا يعني أن الرب يكشف ذاته لمن يحفظ الوصايا فيجعله يعاين الرب بعين الروح وبعين الذهن. الإنسان يعاين الرب في داخله، في أفكاره وأحاسيسه التي تتجلى وتتألّق بالروح القدس. ولا يجوز البتة أن نتوقع ظهور الرب للعيون الحسية: "إنْ أحبني أحدٌ يحفظ كلامي ويحبه أبي وإليه نأتي وعنده نصنع منـزلاً" (يو23:14).

          من الواضح أن الرب يأتي إلى قلب من يحفظ الوصايا، فيجعله هيكلاً ومسكناً لله. وفي هذا الهيكل تكون معاينة الله، ولكن ليس بعيون الجسد بل بعيون الذهن. وهكذا نصل إليه بالإيمان أولاً، ثم تضاف الخبرة المغبوطة. أما الإهمال في حفظ الوصايا فيؤدي بالراهب إلى العقم الروحي، ويُغلق في وجهه باب التقرب من الله، والهلاك: "بدوني لا تقدرون أن تعملوا شيئاً" (يو5:15) وأيضاً: "إن كان أحدٌ لا يثبت فيّ يقطع كالغصن ويُجمع، فتجمع الأغصان وتُلقى في النار لتحترق" (يو6:15) ويضيف ربنا يسوع: "اثبتوا في محبتي، وإذا حفظتم وصاياي تثبتون في محبتي" (يو9:15-10) لهذا تنبهنا محبة يسوع بالقول: "ليس كل مَن يقول لي يا رب يا رب يدخل ملكوت السماوات، فقط الذين يعملون إرادة أبي الذي في السموات" (متى21:7) ثم يقدم لنا يسوع برهان قبوله لنا: "وفي ذلك اليوم فإن كثيرين سيقولون لي: ألم نتنبأ باسمك ونطرد الشياطين باسمك ونطرد الأرواح باسمك، ونجترح العجائب باسمك؟ عندها سأقول لهم: أنا لا أعرفكم. اذهبوا عني يا ملاعين..." (متى21:7-23).

          هذا يعني أن وصايا الرب كونها روحاً وحياة، فإنها تصير دعوة إلينا لنحوِّل الإنسان القديم فينا إلى الإنسان الجديد. فالراهب هو إنسان التغيّر والتحول بالانجذاب الدائم نحو الله. ويجب أن يحافظ على هذه الحواجز وإلا فإنه يخسر سكنى الله فيه، فيصير كمثل الأصم أمام الموسيقى الرفيعة، فلا يقدر أن يتذوقها. هكذا الشخص الذي يرفض الله، فإنه لا يمكنه إدراك رسالته الجميلة، وهو ما يقطع التواصل معه، ولا يبقى لوصاياه وجود بحياته، فيفقد قدرته على سماع ما يقوله الله له. هذه الحالة بعكس حالة الراهب الذي يستنير بالروح القدس، والذي يضع فكره الدائم بالله، فيسمح للعلاقة الوثيقة التي يريدها الله أن تكون فاعلة فيه. لهذا يقول بولس الرسول: "غير أن الإنسان البشري لا يتقبّل أمور روح الله إذ يعتبرها جهالة، ولا يستطيع أن يعرفها لأن تمييزها يحتاج إلى حس روحي. أما الإنسان الروحي فهو يميّز كل شيء، ولا يُحكم فيه من أحد. لأنه مَنْ عرف فكر الرب فيعلّمه. وأما نحن فلنا فكر المسيح" (1كو14:2-16).

          وهكذا لا مندوحة من أجل نيل الخلاص من أن ينعتق المرء، لا من تأثيرات الجسد والأهواء فحسب، بل من التأثيرات التي بها تعمل الأهواء ضد النفس أيضاً، خاصة أولئك الذين يتبعون مشيئتهم الذاتية وفهمهم الذاتي، فينتج عن ذلك رفضهم لوصايا الإنجيل أو مشيئة الله. أما الراهب الذي يعمل بحسب مشيئة الله فيقول: "أما أنا فخير لي – كراهب أصيل – أن ألتصق بالرب وأن أضع عليه رجائي" (مز27:72-28).

ثالثاً: الدينونة يوم الرب تكون بحسب وصايا الإنجيل

          سَنُدانُ بمقتضى وصايا الإنجيل التي حددها الله لنا، وعلى أساس الوصايا يقوم مصيرنا الأبدي. ولدى المجيء الثاني ليسوع المسيح ستكون الدينونة بكلمته حسب ما أعلنها متى الإنجيلي (متى31:25-46). أي أن مجموعة القوانين التي بها سنحاكم، وبموجبها سيصدر قرار الحكم فهي الإنجيل: "فالذي يرفضني ولا يقبل كلامي، له مَن يحكم عليه، فإن الكلمة التي قلتها هي تحكم عليه في اليوم الأخير. لأني لا أتكلم بشيء من عندي، بل أقول ما أوصاني به الآب الذي أرسلني، وأنا أعلم أن وصيته هي حياة أبدية. فإن ما أقوله من كلام، أقوله كما قاله لي الآب" (يو48:12-50). يتّضح من كلمات الرب هذه أننا سنُدان على أساس الإنجيل، وأن التواني والإهمال في تطبيق وصايا الإنجيل هي بمثابة رفض فعلي للرب نفسه. فصداقة الله من خلال حفظ وصاياه تجعله مقيماً داخل الإنسان مع نيل هذا الإنسان خلاصه في يوم الدينونة الأخير. لذلك فالويل للمتوانين المهملين والمسيّرين بمشيئتهم، والآخذين برأيهم الذاتي.

          الراهب الحقيقي هو مَن يعيش بمنأى من هذه الويلات خاصة، وإن التسمية القديمة للرهبنة تُحدَّد بأنها حياة تعاش بمقتضى وصايا الإنجيل. والقديس يوحنا السلمي يحدد الراهب هكذا: (الراهب هو مَن ينقاد لوصايا الله، وكلمة الله في كل مكان وزمان وشأن). والرهبان الذين كانوا خاضعين للقديس باخوميوس كانوا حافظين الإنجيل غيباً، وذلك لكي تكون نواميس يسوع المسيح (الله – الإنسان) كتاباً مفتوحاً على الدوام أمام الذاكرة، وأمام عيني الذهن، مطبوعة على صفحة النفس من أجل حفظها الناجح والسلِس.

          فالإنجيل يقودنا من الطفولة إلى النضج الروحي في المسيح، فجميل بنا أن نردد مع داود النبي: "طوبى للرجل الذي لم يسلك في مشورة الكفرة، ولم يقف في طريق الخطأة، وفي مجلس الفاسدين لم يجلس. بل في ناموس الرب هواه. وبشريعته يهذ ليلاً ونهاراً. ويكون كالعود المغروس على مجاري المياه، الذي يعطي ثمره في حينه، وورقة لا ينتثر، وكل ما يصنع ينجح" (مز1:1-3). وفي مكان آخر يخاطبنا الله في أحد المزامير بقوله: "أنصت يا شعبي إلى ناموسي، أمل أذنك إلى كلمات فمي" (مز1:77)

رابعاً: حياة وصايا الإنجيل تمنح وقاية من الخطايا

          عندما نبني حياتنا على وصايا الإنجيل، علينا في الوقت نفسه أن نتيقّظ لنحيا بعيدين عن مسببات الخطيئة على صعيد الفكر، بحيث نُبعد الخيالات والتصورات، وننشغل بترداد صلاة يسوع، وبالذكر الدائم لآيات من الكتاب المقدس نختارها، ليلهج فكرنا بها ليلاً ونهاراً. وأن نتجنب أسباب الخطيئة أو أسباب التجارب المؤدية لها، مثل السلطة والنفوذ والشرف والصيت لنا ولديرنا، فسبل المجد الباطل أكثر خطورة من قضايا الجنس والثروة والخمر. لا شيء يُطفئ كبرياء الإنسان وغروره أكثر من حضور المسيح في حياته من خلال الآيات والتعاليم التي قالها لنا. لذا علينا عدم الاهتمام بالتكريم المفرط الذي يبديه أهل العالم لديرنا أو لأشخاصنا، سواء ما كان يخص النظام أو ما خصَّ التقوى التي نُمتدح بها، لأن مثل تلك الأمور بدون الاهتمام بوصايا الإنجيل تقوِّض إمكانية التقدم أو النجاح في السيرة الرهبانية القائمة على محبة الإخوة والاتضاع أمامهم.

          بدون المواظبة الدائمة على حفظ وصايا الإنجيل والعمل بها، تصير الأهواء جائعة داخل الرهبان، لأنها تكون قد تُركت على سجيتها. فسرعان ما تنقض على أصنام شهوتها بشراسة لغياب المسيح من حياتهم، فتفتك بهم لأنها صارت تتحرك خارج أقفاصها.

          لذا علينا العمل بوصايا الآباء القديسين، الذين يرشدوننا إلى طريق الخلاص من خلال المواظبة على الاستمرار في دراسة الإنجيل حتى آخر نسمة من حياتنا. ولا نقل أننا أصبحنا نعرفه بالقدر المطلوب، حتى ولو كنا نتلوه غيباً. فوصايا الرب /كما يقول داود النبي/ واسعة جداً (مز96:119)، حتى ولو كان التعبير عنها ببضع كلمات. فوصيّة الرب لا حدود لها، كما أن الرب الذي تلفّظ بها لا حدود له. وحفظ الوصايا والتقدم فيها لا حدود له.

          أحياناً تأتينا أفكار صالحة نندفع لتطبيقها، ولكن لا. فإن علينا التريّث وفحصها في نور الإنجيل للتأكد من صلاحها، ومعرفة مدى مطابقتها للتعليم المقدس الذي من الرب. حينها نكتشف أنه ليس من وفاق كامل في كل الأمور بين صلاح الإنجيل والصلاح الذي في الطبيعة البشرية المعطوبة، لأننا سنكتشف أن كثيراً من الصلاح الذي في طبيعتنا المعطوبة يكون ممزوجاً بالشر. من هنا ضرورة الانقياد الدقيق لتعاليم الإنجيل ولشخص يسوع الذي يقول لنا: "مَن أراد أن يتبعني فلينكر نفسه ويحمل صليبه ويتبعني، لأن مَن أراد أن يخلّص حياته يفقدها، ومَن يفقد حياته لأجلي ولأجل الإنجيل يخلّصها" (مر34:8-35).

          يدعونا الإنجيل لنبذ رغباتنا الطبيعية وأن نسير وراء الرب. فالنبذ أو الترك واضح أنه يختص بالأمور الطبيعية التي لنا، ومن ثمّ نتبعه. فالتلاميذ خاطبوا يسوع بقولهم: "ها قد تركنا كل شيء وتبعناك، فماذا يكون لنا؟ حينها نسمع صوت الرب المغبوط بمقتضى مواعيده، فنتيقّن حينها من حصولنا على ميراث الحياة الأبدية ومن امتلاكها" (متى28:19-30) وأهم شيء نتركه هو التشبّه بالتلاميذ الذين تركوا كل رغباتهم الطبيعية، ونحن مدعوون مثلهم لنموت عن الجسد لنحيا للروح. أما إذا تمسكنا برغباتنا بدلاً من رغبات يسوع القائم فينا عبر وصايا الإنجيل، فإنه – أي يسوع – يتغرّب عنا، لأننا نحن المتغربون عنه بتمسكنا بأمورنا الطبيعية، فلا نخسر يسوع فقط، بل والله الآب معه، كما يقول يوحنا الإنجيلي: "مَن ينكر الابن ليس له الآب" (1يو23:2)

          هنالك صورة أخرى لسوء حفظ الوصايا والعمل بها، تكمن عند مَن يفاخر بتقدمه مدّعياً كمال مسيحيته، من خلال أنه يقوم بأعمال وخدمات حسنة كثيرة، مجاهداً من أجل الكمال في البر في الطبيعة الإنسانية الساقطة. فمثل هؤلاء الرهبان ينطبق عليهم كلام الإنجيل: "لأن هؤلاء يكرمونني بفهمهم... أما قلبهم فبعيد عني" (متى8:15) خاصة أن الذين يمارسون البر الإنساني يمتلؤون اعتداداً وزهواً وضلالاً. فهم ينفخون بالبوق من أجل أعمالهم الحسنة، غير منتبهين لما يقوله يسوع في وصايا الإنجيل: "احذروا من أن تعملوا برّكم أمام الناس، بقصد أن ينظروا إليكم..." (متى1:6) في حين أن الذي يحفظ وصايا الإنجيل يلبس لباس التواضع كل حين، وإذ يقارن بين سموّ الوصايا المقدسة ونقاوتها وحفظه لها، يقرّ بأن جهوده التي بذلها غير كافية وغير جديرة بالله البتة ولها لا يتباهى بها. لا بل يرى نفسه مستحقاً اللوم بسبب تطبيقه الناقص، وتقلّبه في حفظ الوصايا. ومن ثم فإن قلبه يلين ويزداد محبة، ويكون لطيفاً ورحوماً مع أعدائه، ويصلّي من أجلهم على أنهم إخوة أوقع الشرير بهم، فهو وإياهم أعضاء جسد واحد. عليهم كلهم أن يغتذوا من الطعام الواحد الذي هو كلمة الله مع الجسد والدم الإلهيين، ليُشْفوا من مرضهم الروحي، رغم أنهم يحسنون إليه، ليكونوا كلهم أدوات للعناية الإلهية.

خامساً: حفظ وصايا الإنجيل تولِّد عداوة وصراعاً مع الإنسان بسبب طبيعته الساقطة

          ماذا يحصل عندما تقود وصايا الإنجيل الراهب لينكر نفسه كل حين، ويتخلّى عن آرائه الخاصة، ومشيئته الذاتية، وبرّه الشخصي حسب تعليم الكتاب المقدس؟ الذي يحصل بعد كل تلك الأمور العظيمة والنافعة، أن الطبيعة المعطوبة تشن حربها على مثل هذا الراهب، وأيضاً على الإنجيل والله، وسيؤازر هذه الطبيعة الأرواح الساقطة؛ أعني الشياطين التي تعمل على مؤازرة مثل هذا الإنسان.

          هنا على الراهب ألا ييأس. بل يبقى في جهاده بثبات بقوة المسيح الساكن فيه، وبإرشاد الوصايا الإنجيلية التي تنبعث من قلبه، حيث المسيح مقيم. فتظهر نتيجة هذا كله ثبات في إرادته الحرة. وقد يحصل أن يسقط نتيجة المداهمات الآتية من مثل هذا الصراع، فلا يأس ولا قنوت، بل يجب العودة إلى التسلح بالسلاح من جديد، كمن يعدّ نفسه للقتال. فلا مانع البتة من رؤية الراهب لسقطته التي تتمثل بسقطة البشرية كلها، وأن يصير التعرف عليها ودراستها في صميم الخبرة الروحية في القلب والذهن. فيكتشف الراهب ضعف معرفته وعمل ذهنه وإرادته. فيلتجئ أكثر إلى الكتاب المقدس لمعرفته والعمل بتوجيهات الله عبر كلماته.

          إذن يحصل حين يتحقق للإنسان رؤية سقطته، فيحصل حينها على رؤيا روحية كما يقول القديس اسحق السرياني.