حديث الأسبوع (8 تشرين الأول)

أرشيف

وعظة الأحد

موضوع للأرشمندريت يوحنا التلي

ضمن أعمال المؤتمر للأخوية الرهبانية

في دير الشيروبيم (27-29 آب 2012)

 المحبة بحسب الاتجاه الرهباني

أولاً: مقدمة: في محبة الله

زار مرة الأب عمّون النطروني العظيم أنطونيوس. وكان بينهما أُلفة ومودّة، فبادر الأب عمّون إلى سؤاله: كيف يحدث هذا يا أبت أنني أتعب أكثر منك، أما أنت فتتمجد من الجميع. فأجابه الأب أنطونيوس وهو يبتسم بمحبة: يبدو يا أخي، أنني أحب الله أكثر منك.

قد يقف راهب لدى سماعه جواب أنطونيوس عند نقطة الاعتزاز بالذات والتكبر، فيجد في نفسه نقداً لما سمع. ولكن نحن تلاميذ كلٍ من الأب عمون والقديس أنطونيوس نتابع مع هذه الدعابة في الجواب، والتي تساعد الإنسان لينال حصّته من التمجيد الإلهي بفضل إيقاف حياته كلها على محبة الله، علّنا نصل إلى شخص المحبوب فنتحول لنصير محبة مثله، فنبقى مقيمين معه حسب القصة التالية: تضرّع أحد نسّاك البرية إلى الله، أثناء الصلاة، أن يُظهر له آباء البريّة القدماء. فاستجاب الله لطلبه، وكشفهم له باستثناء القديس أنطونيوس الكبير. فتساءل الناس: وأين هو القديس أنطونيوس؟ فسمع صوتاً خافتاً يقول: أنطونيوس مع الله. يا لهذا المجد العظيم!! لقد غاب عن إعلان ذاته بمجد القديسين ليبقى بالله ملتصقاً. هناك يكمن مجده، لذا هذا هو الحب. إن البقاء مع الله يعني أن تتحول دنيانا لعيش الحب مع الآخرين مثل الله. لهذا يُعقِّب القديس مكسيموس المعترف بقوله: محبة الله هي الميل الحسن في النفس. ومَن يحوز هذا الميل، فإنه يؤثر الخالق على كل الخليقة. لكن يستحيل على الإنسان أن يقتني هذا الميل إذا كان متعلقاً بأمور هذا العالم. فمَن يحب الله، يحيا على الأرض كملاك، فيصوم ويسهر ويرتِّل ويصلّي، ويحمل أفكار تكون صالحة تجاه الجميع كل حين.

هذه المحبة التي امتلكها القديس أنطونيوس نقلته إلى مرحلة عليا في القداسة فجعلته يقول: أنا لا أخاف الله يا اخوتي لأنني أحبه. "فالمحبة الكاملة تطرد الخوف" (1يو18:4).

ثانياً: سعيٌ لإتمام المحبة الإلهية

          يقول القديس مرقص الناسك: (إن الذين يحبون الله يموتون كل يوم). والموت في الحياة الروحية هو ارتقاء نحو الله، وهو يعني أن أولئك الذين يموتون يرتفعون عن كل تفكير بالحياة الدنيوية الزمنية، فلا يفكِّرون بشيء آخر سوى أوان البلوغ إلى محبة المسيح الكاملة. إن الله يوم خلق الإنسان ترك لهذه المحبة فجوة عميقة في قلب الإنسان لكي يملأها بحريته إنْ أراد. ومع معمودية الإنسان يصير سهلاً على الإنسان تحقيق ذلك. ولقد سعى بولس الرسول هذا المسعى عندما قال: "لستُ أدَّعي أني بلغت الكمال، ولكني ما زلت أسعى لبلوغه، كما أن المسيح يسوع قد اقتناني" (في12:3). هذا يعني أن غاية الرسول بولس في معرفته للمسيح هي وصوله لله، تلك المحبة التي تستدعي الاستغراق فيها بكل طاقاته. ونحن بدورنا يجب ألا نسمح لأي شيء أن يحوِّل أنظارنا عن هدفنا الذي هو المسيح. وهو كنـز حبنا، أي هو الذي نسعى لحبّه بقدر ما هو أحبنا. هذه هي العذوبة المفرحة التي يتمتع بها الراهب بفعل الروح القدس.

          فالتأكيد القائم لمحبة الله لنا ومحبتنا له، يجعلنا غير قادرين على افتقاد هذا الحب، لأننا نزداد التصاقاً به، فالحب الذي يغمر كلينا هو مبتغانا: "فمَن يفصلنا عن محبة المسيح؟ هل الشدة أم الضيق أم الاضطهاد أم العري أم الخطر أم السيف؟ بل كما قد كتب: إننا من أجلك نعاني الموت طول النهار" (رو35:8-36) ثم يجيب بولس قائلاً: "فإني على يقين بأنه لا الموت ولا الحياة ولا الملائكة ولا الرئاسات ولا الأمور الحاضرة ولا الآتية ولا القوات. ولا الأعالي ولا الأعماق، ولا خليقة أخرى تقدر أن تفصلنا عن محبة الله لنا في المسيح يسوع ربنا" (رو38:8-39).

الرهبنة تقوم على حفظ الوصايا والعمل بها، والشغل الشاغل للراهب هو أن يحاسب نفسه على ضوء الوصايا وتعاليم الإنجيل، ليكون راضياً لله ومرضياً من يسوع المسيح. هذا الكلام له مدلول كبير لدى الحديث عن المحبة. فالمسيح الذي أخفى ظهوره، أي ذاته المرئي إلينا داخل الوصايا فهو يقول: "مَن يحبني يحفظ وصاياي، وأبي يحبّه وأنا أيضاً أحبه وأظهر له ذاتي" (يو21:14) فالعمل بالوصايا يتم بها طاعة لله، أي أن أتباع يسوع يُظهرون محبتهم بطاعة الله. فندرك هنا أن المحبة هي أكثر من كلمة لطيفة رقيقة، فهي التزام وسلوك. ونحن الرهبان إن كنا نحب يسوع فعلينا أن نثبت ذلك بطاعتنا لكلمته.

ومن خلال هذا الكلام تحصل فرصة للراهب ليتأمّل كل يوم /وبدون انقطاع/ سر تدابير الله المحب للبشر، وإحساناته الجسدية والروحية الصائرة منذ بدء الخليقة إلى اليوم، ويضعها أمام عينيه. فلا تعود هذه الأمور رتيبة بل حيّة فعّالة، يجدّدها تذكار محبة الله لنا في كلّ يوم من أيام حياتنا. بعدها بإمكان الراهب أن يرتّل متسائلاً: "بماذا أُكافئ الربّ عن كلّ ما أعطاني" (مز3:115). فالراهب الذي يلهج بالروح من أجل علاقته الحسنة مع الله يقول: إنّ أهمّ ما أعطاني إياه الله هو مسلكي في درب النسك. محبة كهذه توصل الراهب ليكتشف بأنّه فخور بانسحاقه الذي وصل إليه، وهو غير قادر على أن يبقى ولو للحظة واحدة دون استمرارية هذا الانسحاق. إنّه انسحاق مبني على تقييم عملي من خلال محبة الله لنا. فبالرغم من خطايانا الكثيرة، فبفكرنا نُخطئ، وبقلبنا غير النقي نُخطئ، وبكلامنا نُخطئ، وبأعمالنا نُخطئ، وفوق هذا وذاك بنقص محبّتنا للآخرين نُخطئ، فنعود للترتيل قائلين: "لا حسب آثامنا صنع معنا، ولا حسب خطايانا جازانا" (مز10:103). فكم بالحريّ إذا ما تنامى الراهب بالمحبة مع بقية الفضائل، فإن مجازاته الحسنة تتعاظم؟.

لهذا لا نستغرب عندما نرى الراهب يسعى دائماً ليحفظ نفسه في هذا التفكير، بقلبٍ متشوِّقٍ، إلى إتمام المحبة الإلهية وكمالها، فيُقدِّم سيرة فاضلة ـ قدر استطاعته ـ مزدانة بالجهاد النسكي الصالح والعمل البار، مع استعداد دائم لتنفيذ إرادة الله المتمثِّلة ديرياً بقدسية الطاعة. قلب الراهب هنا يصير مفعماً بعشق المحبة الإلهية بصورةٍ عفويةٍ وطبيعية، ويتم هذا بعون النعمة الإلهية.

ثالثاً: أحاسيس المحبة

يقول القديس ذياذوخس: (لا يقدر أحد أن يحبّ الله بحسٍّ قلبي ما لم يخشَ الله بكلّ قلبه. لأن فعل الخوف يُطهِّر النفس وينقّيها لكي تستطيع أن تبلغ إلى المحبة الفعّالة، ويتمّ هذا عن طريق طرح كلّ الاهتمامات الدنيويّة). بهذا الحبّ يصبح الذهن في هدوءٍ تام. فيتطهّر ويتنقّى تنقية تامة بما يحمله من ألم في خوف الله من كلّ ما هو ماديّ، ويصير هذا الذهن مهيأً ليتقدّم ويدخل إلى محبة صلاح الله. وأهمية هذا الخوف تكون واضحة عند المبتدئين الذين لا يزالون في مرحلة التطهير، التي لم تصِر فيها المحبة كاملة لأنها ما زالت محبة متوسطة. أما عند الذين تطهّروا وتحرّروا من الخوف، فالأمر مختلف. لأن هؤلاء يكونون قد وصلوا حقّاً إلى المحبة الكاملة، فلا حقد ولا شر ولا تشهير، ولا رغبة في أذى بل يتبنوا مقولة (أن المحبة تستُر كلّ عيب)، فيُخفوا عيوب إخوتهم.

هاتان الحالتان (أي الخوف والمحبة الكاملة)، تتوفران كلتاهما في حياة الأبرار الذين يتمِّمون الفضائل بفعل الروح القدس. وهذا ما يُثبته الكتاب المقدس حيث يقول: "خافوا الرب يا جميع قديسيه" (مز10:33)، "أحبّوا الربّ يا جميع أبراره" (مز24:30). أمّا في حالة انتفاء الخوف بفعل المحبة الكاملة فيقول عنهم الكتاب: "لَصِقَت نفسي وراءك وإياي عضدت يمينك" (مز9:62). لذا نطلب من الله أن يكون خوفه أولاً فخراً لنا فوق كلّ فخر، وثانياً ليهبنا المحبة التي هي كمال الناموس، كمالاً لنا بالمسيح: "وفوق هذا كلّه البَسوا المحبة، فهي رابطة الكمال" (كولو14:3).

وإذا تساءلنا عن أهم إعاقة في وجه المحبة فإن الجواب يأتينا، بحسب الآباء القديسين، أنّ الذي يُحبّ ذاته لا يقدر أنْ يُحبّ الله، أما الذي يُبغض ذاته من أجل غنى محبة الله التي لا تُضاهى، فهو يحب الله، لأنّه لا يُحبّ من أجل مجد ذاته، بل من أجل مجد الله. فما علينا إلا التشبّه بصنيعة يوحنا المعمدان الذي كان يفرح لمجد المسيح، فنقول نحن أيضاً مقتدين به أثناء حديثه عن المسيح: "ذاك ينبغي أن ينمو، ولي أن أنقُص" (يو30:3).

حب كهذا يدخلنا في عمق محبة الله، تلك التي عبّر عنها القديس ذيايوخس بحس صوفيّ مُعاش: (مَن يحب الله بحسّ قلبي فقد عُرف منه، وتزداد محبته فيه بمقدار ما يزداد تحسّسها في نفسه، ويرتع في غمرة عشق شديد يفيض بنور المعرفة الإلهية. ويرافقه هذا الحسّ حتى يتسرّب إلى عظامه، وفي هذه الحالة، لا يعود يعي ذاته لوجوده تحت تأثير المحبة الإلهية – التي حوّلته وغيّرته بالكلية – فيغدو غير موجود في هذه الحياة رغم وجوده فيها بالجسد لعدم توقّف نفسه في سيرها نحو الله منجذبة بمحبته تعالى. وإذ تُلهب هذه المحبة قلبه بسعيرها يتولّد فيه شوق الالتصاق بالله، شوقٌ لا يعرف انفصاماً، فينكر نفسه حباً به تعالى تأكيداً لقول الرسول: "وإن تصرفنا بحمق فلمجد الله، وإن تصرفنا بتعقل فلأجلكم" (2كو13:5).

إن هذا المقطع الرائع والعميق ينم عن أن كاتبه إنسان ثمل ووصل في سكره لنشوة تربطه بالروح، ليسكن بعيداً عن كل اضطراب في خضمّه. وما الاستشهاد البولسي إلا تأكيد على قبول حالة خاصة نادى بها، بل عاشها بعض القديسين الذين عُرفوا بالمتبالهين من أجل المسيح، فكانوا يتصرفون بهذا الشكل أي (بحمق واعٍ) لكي يجعلوا الناس يحتقرونهم، بينما هم يمجِّدون الله في داخلهم ملتهبين بشوق محبته.

المحبة الإلهية تولِّد عند صاحبها إحساساً داخلياً تجعل مشاعر صاحبها تتدفق بغزارة، يبدأ معها يحسّ بالحب نحو قريبه روحياً. ولكي نتعرف عليها أكثر، علينا أن نتوجه إلى الكتب المقدسة ونستمع منها الأحاديث التي تتكلم حولها. وهذه الفكرة تحتاج لفقرة خاصة للتحدث عنها.

وقد يتساءل أحدهم حول دور ومعنى المحبة الجسدية في حديث كهذا. فإن الجواب هو أن المحبة الجسدية تزول سريعاً لأتفه الأسباب، كونها غير مرتبطة بحس روحي. أما المحبة الروحية فإنها تختلف بسبب تواجد الروح القدس الذي يحرّك هذه المحبة، فيصونها بقدر ما تغذّي ذاتها بنار المحبة الإلهية بصورة مستمرة. فالمحبة الصحيحة عند الإنسان مرتبطة بهذه المحبة الإلهية التي تساعدها على أن تعود بسرعة إلى حالتها الطبيعية. فالأسباب العارضة لا تبقى أمام قوة العلاقة بين المحبة، والمحبة الإلهية. فإذا كانت أسبابها العارضة تسبب سوء علاقة مع الأخ الآخر، فإنها قادرة أن تسترجع محبتها له، حتى ولو أُهينت وحصل لها ضرر منه، لأن وقودها الخلاف والمشاحنة وهو ما يُلتهم بحلاوة الله. ويظهر بعد هذا الفرق بين الحب الروحي والحب الجسدي، فكل عنصر من هذين العنصرين يتوق إلى جنسه، فالنفس كونها منزّهة عن الجسد تتوق نحو الكمالات السماوية، أما الجسد فكونه ترابياً فإنه يتوق إلى المآكل الأرضية. فإننا إذا أضعفنا الجسد بالنسك نبلغ إلى خبرة الخيرات اللاهوتية ونذوقها.

رابعاً: المحبة في وجهها المستنير

          يقول القديس مكسيموس المعترف: (المحبة هي الميل الصالح للنفس الذي يجعلها تفضّل معرفة الله على كل الكائنات، وأنه يستحيل على الإنسان أن يألفها وهو متعلق بأحد الأشياء الأرضية). فمعرفة الله تجعلنا منقادين لمعرفته فوق اهتمامنا بأيٍّ من مخلوقاته رغم أهمية هذا الاهتمام. وسبب هذا التفضيل للمعرفة الإلهية أنها مرتبطة باستنارة هي حياة الذهن، ودعامتها هو الشوق في توجهه لله وليس لخليقته. لذا جدير بنا أن نُسمِّر ذهننا في محبة الله، فنكتشف أنه وحده غير الغريب عنا. وكل آخر غيره مرتبط بالأهواء وليس بالله، وخاصة الجسد الذي يبدو قريباً منّا. في حين أن القريب الحقيقي منا الذي هو الله، وهو الذي يكون باعثاً للفضائل، وفي هذا كمال المحبة الإلهية.

          فالعلاقة متينة بين الحب الإلهي والفضائل، من خلال أن الفضائل كلها /وخاصة الصلاة النقية/ تقوّي الذهن في العشق الإلهي. فبالصلاة يتّجه الذهن نحو الله ولا يعود يحسّ بشيء من الكائنات كلياً، حتى ولا بذاته. هنا يغمره الله بكليته، فيسطع بالنور الإلهي غير المدرك – بحسب ما كشف لنا ذلك المستنيرون – كثمرة لهذا الحب العظيم، وتصبح حاله حال العين الحسية التي تشرق الشمس عليها وهي تراقب النجوم ولو كان ذلك في ظلمة الليل. وبفعل المحبة المرتبطة بالمعرفة الإلهية يصبح المحب بالروح خارج المحسوس فيقول مع أشعيا: "ويحي أنا الشقي قد اضطربت لأني رجل دنس الشفتين ساكن بين قوم دنسي الشفاه، وقد شاهدت بعينيّ الملك رب الصباؤوت" (أش5:6).

          هذه حال كل منا عندما يرتقي بحبه ليتمكن من رؤية الرب، فيتيقن هذا الإنسان القديس أنه بخس بالمقارنة مع الرب الذي يقف أمامه، كما يدرك أن لا رجاء له في بلوغ مقياس الله للقداسة. والسعي للقداسة لا نصله بالمعرفة وحدها، بل بالمعرفة العملية المعاشة التي أداتها المحبة. وفي هذا يقول القديس مكسيموس: (فكما أن تذكُّر النار لا يُدفئ الجسد، كذلك فإن المعرفة الإلهية لا تدفئ الذهن النقي بدون المحبة. إن المعرفة الإلهية تجذب نحوها المحبة بشكل طبيعي. الذهن النقي هو الذي تحرر من الجهل وسطع بالنور الإلهي). ويضيف قائلاً: (مَن يحب الله لا يقدر إلا أن يحب كل إنسان كما يحب نفسه، حتى ولو كان يتضايق من أولئك الذين لم يتنقّوا بعد من الأهواء. لهذا فإنه يفرح فرحاً لا يوصف ولا يُقدّر عندما يرى رجوعهم وإصلاحهم). مثل هذا الكلام يدعونا لنقبل الأقوال الآبائية المنبعثة من المعرفة الإلهية والخبرات المعاشة، والتي ترى أنه إن وُجد في قلب إنسان أثر بغض تجاه الآخر لأي سبب كان، فإنه يكون كزلّة مهما تعددت أنواعها، فيكون هذا الإنسان غريب بالكلية عن محبة الله. لأن محبة الله لا تحتمل البغض تجاه الإنسان بالكلية. خاصة وأن يسوع قال: "مَن يحبني يحفظ وصاياي" (يو15:14) ويضيف: "هذه هي وصيتي أن تحبوا بعضكم بعضاً" (يو12:15) وقال أيضاً: "مَن لا يحب قريبه لا يحفظ الوصية، ومَن لا يحفظ الوصية لا يقدر أن يحب حتى الرب نفسه" (مز10:103).

          والوجه الآخر الذي يجب ألا نهمله في المحبة، هو أن الذي يحب الله يعيش حياة ملائكية حسب قول الآباء القديسين، فيكون في صيام وسهر وترتيل وصلاة، مع التفكير بكل إنسان بفكر صالح. حينها يؤهَّل الإنسان لنيل المعرفة الإلهية الموصلة إلى الاستنارة، لأن صاحبها يحمل قلباً محباً. وإذا أهمل المحبة هذه، فإنه يبقى تحت سيطرة سلطان (شيطان المجد الفارغ) الذي ينفخ الإنسان وسط فراغ الوهم.

ولكن بالمحبة الحقيقية يتحرر هذا الإنسان من هذا المجد الفارغ. فلننتبه إلى وجوب عدم إهمالنا هذه المحبة، لأننا بدونها نتنقل من مكان لمكان بعملنا وبفراغنا على السواء أيضاً، ظانين – ويا للأسف – أن ما نفعله هو بحسب إرادة الله. فلننتبه ألا نساوم مع آراء الناس، لأننا بهذا لا نكون بعد قد وصلنا لاقتناء محبة كاملة، بل تبقى مشيئتنا الذاتية قائمة على أننا نحب فلاناً ونبغض فلاناً بسبب كذا أو كذا. ويصل الخطأ عند البعض أن الإنسان يحب نفسه مرة ويبغضها مرة أخرى للأسباب ذاتها. في حين أن الذي يحب الله لا يُحزِن أحداً، ولا يحزن من أحدٍ على أشياء زمنية. فقط الحزن الخلاصي بذاته هو الذي يُحزن ويضايق.

ولكي تزداد شهوتنا في العشق الإلهي الذي هو ذروة المحبة، على ذهننا أن يكون دائماً عند الله. فيصير على الإنسان - بهذه الحالة - أن يُحوِّل قوته الغضبية كلّها إلى محبة الله. وللوصول إلى مثل هذا النجاح علينا أن ندرك بأن الإشراق الإلهي المتحقق للمحبين يساعد الناس في نقلتهم، وفي إشغال فكرهم إلى السماويات بدلاً من الأرضيات: "لأنه حيث يكون كنـزك، هناك يكون قلبك" (متى21:6) فلندرك أن سر المحبة هو الذي يرفع الذهن فوق كل الكائنات، ويجعله لا يرى شيئاً إلا الله، لأن الرب يمنح الحكمة للذين لا يشاهدون شيئاً بعد الله. إنه هو دون الذي يظهر لنا الأمور الإلهية.

خامساً: المحبة تطبع في الإنسان تغيرات إذا ما انسكبت عليه

          يقول القديس إسحق السرياني: (إنّ محبة الله حارّة في طبيعتها، ومتى انسكبت على أحد ما بفَيضٍ تجعل نفسه مختطفة. لذلك لا يمكن لذاك الذي مسّت قلبه هذه المحبة أن يسعها ويتحملها، بل يُشاهَد فيه تغيّر غير اعتيادي يتناسب مع نوعية المحبة المنسكبة عليه).

          ونحن نلمس في إنسان التغيير هذا، متحوّلات ظاهرية كمثل تغير وجه الإنسان، فهو يصير منيراً بفضل ناريّة المحبة، ويُلمس فرحٌ حقيقي بادٍ عليه. أما جسمه فيصير حاراً، فالمحبة تسكب على جسم الإنسان حرارة آتية من عمق الإيمان بفعل المحبة. كما ويفارقه الخوف والخجل ويصبح في اختطاف، وتفارقه القوة التي تضبط ذهنه، فتحلّ المحبة مكان المنطق، ويصبح هذا الراهب كمن لا عقل له، ويصير الموت المخيف سبيل فرح لنفسه. أما ذهنه فيستمر في التأمّل بالأمور السماوية بلا انقطاع. وتفارقه رؤيته ومعرفته الطبيعيتان أيضاً، فلا يعود يحس بشعور طبيعي كالمعتاد، وإن فعل شيئاً فهو لا يحسّ به، لأن ذهنه يكون يكون محلّقاً في الرؤية، فيحيا بهواجس منبعثة من فيض المحبة، فتكون كأنها حديث جارٍ مع شخص آخر.

          هذه النشوة الروحية، قد اختبرها الرسل والشهداء وعدد من الآباء القديسين، وهي جواب لكثير من البشر الذين يطَّلِعون على فنون العذاب للمؤمنين في عصور الاضطهاد، فيتعجبون من قدرتهم على التحمل. إن قوة تحمّلهم تكمن في تجاوزهم للأحاسيس الطبيعية التي تفارقهم، ويحلّ محلها حضور وجه الحبيب الذي يبدد كل أحاسيس الألم، ليحل محلها فرح الحضور الإلهي. فلا الأوصال التي تتقطع، ولا العظام المكسورة، ولا الدماء المهراقة تؤثِّر على الحب الإلهي الذي هو أقوى من الموت. فالصبر الذي يتحلّون به يصير مقدوراً عليه. وذلك لأن عذابات الجسد تكون في مكان، والروح تهيم بصاحبها إلى مكان آخر، إلى: "ما لم تره عين ولا سمعت به أذن، ولا خطرَ على قلب بشر ما أعدّه الله للذين يحبونه" (1كو9:2)

الآباء القديسون يشبهون عود الحياة – الذي حُرم منه آدم – بمحبة الله، والتي إذا سقط عنها تالياً خسر الفرح، وهام في حياة الشقاء. وهكذا كل إنسان سيبقى في أرض الأشواك وحياة الشقاء إذا لم يستطع أن يتجه نحو الله، رابطاً نفسه به في تلك المحبة المحيية والمغيّرة. ولو كان الإنسان مُجِدّاً في حياته وعمله ومستقيماً في دربه وعلاقته مع الآخرين فقط، فإن كل هذا وغيره لا يكفي. فنحن بحاجة لهذا الحب الذي يأتينا من لدن الله، لأن الحب مصدره واحد هو الله، وكل حب من مصدر آخر لا يفي بمطلب الإنسان وحاجته. وبالحب الإلهي يصير الإنسان مرتقياً في علاقاته مع الآخرين، على صورة الحب التي استقاها هو ونالها بحبه لله وبحب القريب، فنقول له: (التي لكَ مما لك نُقدِّمها لك). هو الحب ونحن نُقدّم إليه ذات الحب. هي نقلة من الخبز الأرضي الذي نقتاته مضطرين بعرق جبيننا، إلى أن نتغذى بخبز آخر هو مصدر فرحنا، إنه الخبز السماوي الذي حمل المسيح فيه أتعابنا ووهب به ذاته للعالم. لذا فإن الذي يجد هذه المحبة، يأكل المسيح بصورة دائمة ويصير عديم الموت: "مَن يأكل من الخبز الذي أعطيه أنا لا يرى الموت إلى الأبد" (يو58:6)

إذن مَن يحيا في المحبة يجتني ثمر حياة من الله، ويتنشق هواء القيامة من هذا العالم. وتعليم يسوع يوصلنا إلى أن المحبة هي الملكوت الذي وعد به الرب رسله أن يأكلوا فيه: "لكي تأكلوا وتشربوا على مائدتي في ملكوتي..." (لو30:22). المحبة تغذي الإنسان أكثر بكثير من الطعام والشراب. هذه هي "الخمر التي تفرّح قلب الإنسان" (مز16:103) فطوبى لمن يشرب منها. وفي هذا يقول إسحق السرياني: (من هذه الخمرة شرب الفسّاق وتورعوا، وشرب الخطاة فنسوا الطرق المعوجّة، وشرب السكارى فأصبحوا صوّامين، وشرب الأغنياء فاشتهوا الفقر، وشرب المساكين فاغتنوا بالرجاء، وشرب المرضى فأصبحوا معافين، وشرب السُّذج فأصبحوا حكماء).

سادساً: محبة القريب، أو الآخر

          تقول الأم ماري سكوبتسوف نقلاً عن إسحق السرياني: (إن مَن بلغ محبة الله لا يشتهي البقاء هنا، لأن المحبة تبطل الخوف. أصبحت جاهلاً يا أعزائي، ولا أستطيع أن أحفظ السر مكتوماً لأن المحبة الحقيقية لا يمكنها أن تكتم السر عن الأحبة.. فالمحبة أشهى من الحياة، والأحلى منها هو الفهم الإلهي الذي تنشأ منه المحبة الإلهية. وهي ألذ من الشهد. لا حزن في المحبة وإن اضُطرت إلى ميتات كثيرة من أجل محبّيها). ويضيف قائلاً: (لأنّك عندما تشتهي عملاً حباًَ بالله ضع الموت من أجله نصب عينيك). جعلت كلمات القديس إسحق السرياني هذه الأم ماري سكوبتسوف أن تقول أنّ حبّاً ملتهباً ومشتعلاً حرّك هذا القول. لهذا نراها تضيف لكلماتها الإسحاقية القول التالي: (مَن هو رحيم القلب؟ فأجاب: هو الذي يحترق من أجل الخليقة كلها: الناس والطيور والحيوانات والشياطين وكل مخلوق، الذي تنسكب الدموع من عينيه عند تذكّرها أو مشاهدتها. هو مَن ينقبض قلبه ويشفق عند سماع أو مشاهدة أي شرّ أو حزن يصيب الخليقة مهما كان صغيراً. لذلك فهو يقدّم صلاته كل ساعة مصحوبة بالدموع من أجل الحيوانات وأعداء الحقيقة، وحتى من أجل الذين يؤذونه كي يحفظهم الله ويغفر لهم. قلبه يفيض بالرحمة فيوزّعها على الكلّ من دون قياس كما يفعل الله).

          يُذكّرنا كلام القديس اسحق السرياني هذا بكلام النبي موسى، الذي ناشد الله لأجل شعبه الخاطئ طالباً الرحمة لأجلهم بقوله: "إذا شئت أن تغفر لهم خطيئتهم فاغفر، وإلا فامحِني من كتابك الذي كتبت" (خروج33:32). أيضاً نتذكّر التعليم الكتابي في موقف بولس الرسول المصلّي للشعب الخاطئ والقائل: "إنَّ بي حزناً شديداً، وبقلبي ألم لا ينقطع: فقد كنت أتمنى لو أكون أنا نفسي محروماً من المسيح في سبيل إخوتي" (رو2:9-3). هذا يعني أن بولس يبدي أعماقاً فائقة الوصف للمحبة، فكان مثل سيّده يسوع على استعداد للتضحية من أجل الآخرين. وهكذا كان باقي الرسل، فالجميع قد أسلموا أنفسهم للموت المتعدد الوجوه، مدفوعين بشوقهم إلى خلاص الناس، كمثل سيّدهم الذي مات على الصليب حبّاً بالخليقة الخاطئة. وهي ذات المحبة التي يُجاهدُ في سبيلها القديسون، متشبهين بالله، ليحققوا بها محبة القريب. ونحن بتدبير إلهي نقترب منه بدافع من محبتنا وحريتنا، لنكون مثله في جعل الآخر مفتدى بنا. إنها محبة لا يستقيم وجودها إن لم يكن الله مقيماً في قلب المحبّ. وكتطبيق لما ذكرناه يروي لنا التقليد الآبائي أن الأنبا أغاثون كان يقول: (أفتّش عن أبرص لأعطيه جسدي وآخذ جسده). إنه قد فعل ما هو أعظم من ذلك، فهو إنسان الصمت والسكينة، وقد خرج عنهما لقوة محبته عندما (ذهب في أحد الأعياد ليبيع شغل يديه، فوجد رجلاً غريباً مطروحاً في الشارع مريضاً. فاستأجر له بيتاً ومكث معه يعيله ويشتغل لينفق عليه، بعد أن أعاله ستة أشهر شُفي).

          بعد هذه الشحنة الروحية في محبة الآخر نستمع إلى وصية للقديس اسحق السرياني يقول فيها: (ساوِ جميع الكائنات في البِرِّ والإكرام سواء أكانوا يهوداً أم وثنيين أم مجرمين، لا سيما وأنهم إخوتك من طبيعتك، وقد قادهم الجهل إلى الضياع. أحبب الخطأة لكن أبغض أعمالهم، ولا تحتقر عيوبهم لكي لا تُجرَّب مثلهم. الذي يلهج باسم الله لا بد من أن يكرّم كل إنسان، لأن به يجد العون، بنعمة الله). (المحبة لا تعرف الخجل ولا تهتم بإتقان طرائق الاعتناء بالجسد. المحبة بطبيعتها لا خجل فيها ولا حدود لها. طوبى لمن يجدك أيها المحبة، يا ميناء كل فرح). (واذكر أن المسيح قد مات من أجل الخطأة وليس من أجل الأبرار، وتأمّل عظمة الفداء. الحزن على الأشرار، وتفضيل الإحسان إليهم أمر عظيم... افرح مع الفرحين وابكِ مع الباكين، فهذا دليل طهارة. امرضْ مع المرضى، نُحْ مع الخطأة، افرحْ مع التائبين. صادِقْ الجميع، إنما كنْ وحيداً في ذهنك... لا تؤنّب أحداً ولا تعيّره، حتى لو كان سيء السيرة. ابسطْ وشاحك على المذنب واستره. وإذا كنت لا تستطيع تحمّل ذنوبه وتأديبه وعاره، فاصبر عليه على الأقل ولا تُخزه).

 سابعاً: خاتمة: رحلة روحية مع الستارتس زوسيما لدوستويفسكي

          في الحديث عن المحبة علينا التذكّر أنّه لا يمكن وجودها بدون المسؤولية، فعندما يقول أحدنا إنّي أحبّ، فهو يعني أنه يشعر بمسؤوليته تجاه الآخر. وفي هذا يقول التلميذ يوحنا الحبيب: "أيّها الأحباء إن كان الله قد أحبّنا، هكذا ينبغي لنا أيضاً أن يُحبَّ بعضُنا بعضاً" (1يو11:4). وبولس الرسول فيما سُمّي عنده (نشيد المحبة)، يُظهر لنا فيه طبيعة المحبة الحقّة: "المحبّة تتأنَّى وترفُق. المحبَّة لا تحسِد. المحبة لا تتفاخر ولا تنتفخ ولا تُقبِّح ولا تطلب ما لنفسها، ولا تحتدُّ ولا تظنُّ السوءَ، ولا تفرح بالإثم بل تفرح بالحقّ. وتحتمل كلَّ شيءٍ وتصدِّق كلَّ شيء، وترجو كلّ شيءٍ وتصبر على كلّ شيءٍ. المحبَّة لا تسقط أبداً" (1كو4:13-8).

          وإذا انتقلنا من النص الكتابي إلى معالجة المسؤولية على ضوء المحبة، نجد أروع من أوضحها لنا هو الستارتس زوسيما في الإخوة كارامازوف لدوستويفسكي، بحسب المقطع التالي الذي جمعه الأرشمندريت نكتاريوس انطونوبولوس بتصرف: (لا توجد سوى وسيلة واحدة أمامك إذا ما أردت الخلاص: أن تجعل نفسك مسؤولاً عن كل أخطاء وخطايا الناس. بالفعل يا صديقي أن تصير مسؤولاً بصدق عن الكل وعن كل شيء، حتى ترى حالك أنك قد صرت فعلاً مذنباً عن الجميع وعن كل شيء. أما إذا رميتَ كَسَلَكَ وضعفَك على الآخرين فستكون حينها نهايتك وخيمة. تذكّر أيضاً أنّه لا يحقّ لك على الإطلاق أن تدين الآخر...

          عليكم أن تقفوا حراساً على قلوبكم معترفين بخطاياكم بلا انقطاع.

صلّوا هكذا: خلِّص يا رب كل الذين لا يصلّي أحد لأجلهم، وخلِّص حتى جميع مَن لا يُصلّون. اللهم إنّي لا أسألك هذا لأني أفضل، بل لأني أسوأ من جميع الناس.

إنّ كلّ واحد منا هو في الحقيقة مسؤول أمام الجميع عن كل الناس وعن كل شيء. غير أنّ الناس لا يعلمون هذا، ولو عَلِموه لصارت الدنيا فردوساً منذ الآن. إنّ نعيم السماء مخفيّ في نفوسنا.

لماذا نتخاصم ونتباهى ونحمل الضغائن على بعضنا البعض؟ انظروا حولكم إلى نِعَمِ الله،... إن الطبيعة جميلة طاهرة من الذنوب، ونحن وحدنا الخاطئون الحمقى... يكفي أن نفهم هكذا حتى نرى الجنة ماثلة أمامنا بكل سنائها، وعندها سيعانق بعضناً بعضاً.

إياك أن تهمل الصلاة. لأنك كلما صلّيت، وكانت صلاتك صادقة، فإنها ستولّد فيك شعوراً جديداً ومعنى جديداً يمنحانك شجاعة جديدة، وستُدرك أن الصلاة تهذِّب الروح. وتذكّر أن تردّد كلّما استطعت: يا رب ارحم جميع الذين يمثلون أمامك اليوم... وما أكثر الذين يلقون حتفهم في الوحدة منفردين بائسين، لأنّ أحداً من الناس لا يحزن لموتهم ولا يعلم أنهم أحياء أم أموات... لكن صلاتك لراحة أنفسهم تصعد إلى الله، حتى ولو كنتَ لا تعرفهم أو هم لا يعرفونك. ستتأثر النفس التي تدعو لها كثيراً، عندما ستمثل أمام الله شاعرةً أنّ هناك مَن يصلّي لأجلها، وأنه ما يزال على الأرض مخلوق يحبّها ويتشفّع بها. عندئذ تزداد رحمته تعالى عليكما أنتما الاثنين. لأنك إذا شفقت أنت الإنسان على تلك الروح فإن الله سيكون أكثر شفقة منك، لأن محبته ورحمته لا تحدّهما حدود.

أحبّوا الإنسان حتى في خطيئته. أحبّوا خليقة الله جميعها، أصغرها وأتفهها. أحبّوا كل برعم وكل شعاع نور أبدعه الله، الحيوانات والنباتات وكل شيء على وجه الأرض.

ثابر على العمل دون كللٍ أو ملل. وإذا تذكّرت وأنت في سريرك تستعد للنوم، أنك لم تفعل ما كان ينبغي لك أن تفعله، فانهض لتوّك وتدارك ما فاتك.

صلِّ كلما كنت وحدك. أحبب السجود للأرض. بلِّل الأرض بدموع فرحك.

ما هو الجحيم إذاً؟ إنّه عذاب ناتج عن عدم قدرة الإنسان على أن يُحِب).