حديث الأسبوع (1 تشرين الأول)

أرشيف

وعظة الأحد

موضوع للأرشمندريت يوحنا التلي

في دير أورميليا

22-6-2012

 الفيلوكاليا

مقدمة وتعريف

         فيلوكاليا كلمة يونانية تعني محبة الصلاح، أو محبة الخير، أو محبة الجمال. وهي تحتوي ترجمة للحياة الداخلية (السريّة) في ربنا يسوع المسيح. وهذه الحياة هي الحياة المسيحية بحقٍّ، تبدأ في الإنسان، وتنمو فيه وترتفع إلى الكمال ظاهرة في كلّ إنسان حسب قدرته. ويتمّ ذلك كلّه بواسطة إرادة الله عن طريق الروح القدس الحال في الإنسان، وتحت إرشاد ربنا يسوع المسيح الذي وعد أن يسكن فينا إلى كل الأجيال.

         فالنصوص الفيلوكالية إذا وقفنا عليها كاملةً، تُبرز الطابع الكتابي والمسيحي المميز لحياة الهدوء والسكينة. فالنفس في داخلها في الذات الإنسانية لا تذوب، بل تدخل في شركة لا تنضب، حيث ربّها وقريبها معاً. إنّهما يمنحان جهلاً بقدر ما يمنحان معرفةً. والقوى الإلهية ليست فيضاً يقوم حاجزاً بين الله والبشر. بل هي تشير إلى الله ذاته وقد أصبح في متناولنا بتجسده وتواضعه حتى الصليب، مع بقائه ممتنعاً عن الإدراك ومحجوباً بذات وهج ضيائه. سر الشركة هذا يتجذّر في سر الله الأقصى، سر الوحدة الثالوثية.

         إن مصطلح (فيلوكاليا) يقودنا إذن لفهم روحي، يشير إلى محبة كل ما هو جميل وصالح، أي المحبة نحو الله كونه أصل كل جمال، وأيضاً المحبة لكلّ ما يقود إلى الاتحاد بالجمال الإلهي غير المخلوق. كل هذا آتٍ وموجود في كتاب الفيلوكاليا الذي يضم في طبعته الأولى بالبندقية عام 1782 صفحات عددها 1207 صفحة. ويعود ظهـور هذا المؤلَّف للجهد العظيم الذي قام به القديسين مكاريوس الكورنثي المولود عام 1731 في كورنثوس اليونان، ونيقوديموس الآثوسي المولود عام 1749 في ناكسو اليونان. لقد جمع القديسان في الكتاب نصوصاً نسكيّة وصوفيّة تعود إلى ستة وثلاثين كاتباً، على فترة تمتد من القرن الرابع ولغاية القرن الخامس عشر. وهذه النصوص لا يوجد فيما بينها علاقة ترابطية، بل جُمعت لغاية السهولة بين دفّتي كتاب.

إعادة كشف لاهوت الآباء

         في القرن الثامن عشر ظهرت حركة تجددية في جبل آثوس عُرف أعضاؤها باسم (الكوليفاذس)، التقى بأفرادها شخصيتان قياديتان في الكنيسة اليونانية هما الشخصان اللذان طَبَعا مجموعة الفيلوكاليا، وهذا ما جعل الفيلوكاليا أحد أهم ثمار هذه النهضة. مجموعة الكوليفاذس أحبّت التقليد الشريف ليس من خلال الشكلية والتعصب الحرفي فقط، إنّما سعوا باهتمام أساسي إلى حماية الحياة المسيحية، والإيمان الأرثوذكسي وصونهما. الأمر الذي يشمل بحسب رأيهم على الصلاة القلبية، بالإضافة إلى الممارسات والتعابير الخارجية. ويتّضح لكلّ جلاء أنّهم كانوا متأصِّلين وموجّهين بتعاليم (الهدوئية) وأسلوبها. وكرّموا بشكل كبير مجموعة من الكتّاب، جاء على رأسهم القديسون: سمعان اللاهوتي الحديث، وغريغوريوس السينائي، وغريغوريوس بالاماس.

         كانت هذه الجماعة على قناعة أن تجديد الكنيسة والشعب وتجددهما، من الممكن أن يتحقق عبر إعادة كشف لاهوت الآباء وروحانيتهم فقط. أي أن يجد الفكر المسيحي مجدداً جذوره الحقيقية الأصيلة في الماضي الآبائي والبيزنطي، وليس في فكر عصر الأنوار الغربي، وليس عبر أعمال فولتير والموسوعات المعرفية.

         وكما يرى الأسقف كاليستوس وير بأن (الآباء الكوليفاذس بارتباطهم وبعثهم للتقليد الآبائي عزّزوا تجديداً جذرياً وعودةً إلى الينابيع الأرثوذكسية الأصيلة. فتشكّل لديهم برنامجهم الذي كان له وجهان رئيسان؛ الأول ليتورجي شدّدوا فيه على المناولة المتواترة، والثاني تثقيفي).

         وبهذه الصورة وفي غمار حركة التجديد، فإنّ الكوليفاذس اتخذوا هدفاً وهو صيانة ونشر أعمال الآباء وسير القديسين والنصوص الليتورجية. فرافق نشر كتاب الفيلوكاليا نشر كتابٍ آخر مرافق له باسم (الأفرييتينوس)، والمترجَم للعربية باسم (كيف نحيا مع الله)، والذي نُشر بعد عام من نشر الكتاب الأول، أي في عام 1783.

التمهيد الفيلوكالي للتأله

         يمكن تمييز النقاط التالية لما يطبع روحانية الفيلوكاليا:

1- هدف الفيلوكاليا بشكل عام نجده مرتكزاً إلى الاهتمام على العمل الداخلي للحياة، أكثر مما هو على العمل الخارجي. ونحن نستخلص ذلك من جواب الأب أغاثون لسؤال وُجّه إليه: «أيهما أعظم، التعب الجسدي أم اليقظة الداخلية؟» فأجاب قائلاً: «الإنسان كالشجرة، التعب الجسدي هو كالأوراق، بينما اليقظة على كل ما يوجد بداخلنا، هو بمثابة الثمار». وكما يقول الكتاب المقدس: "كل شجرةٍ لا تصنع ثمراً جيداً تُقطع وتُلقى في النار" (متى10:3). يبدو جليّاً أن جميع أتعابنا ينبغي أن توجّه نحو الثمار، أي نحو حفظ النوس، ولكن نحن بحاجة أيضاً إلى الأوراق من أجل الحماية والزينة، والتي هي التعب الجسدي.

فالفيلوكاليا هدفها الثمار أكثر من الأوراق، أي العمل الداخلي أكثر من الخارجي. فالانشغال الأساسي للفيلوكاليا ليس بالتعب الجسدي، وإنّما بحفظ النوس. ولمزيد من الإيضاح فإن الفيلوكاليا لا تركّز على تفاصيل القوانين فيما يتعلق بحفظ الأصوام، وعدد ساعات النوم، وعدد السجدات. ولكنها تتطلّع إلى ما وراء حرفية القوانين الخارجية، لتتتمكّن من الولوج إلى روحانيتها الداخلية، إلى النتيجة والهدف الروحي من وراء هذه القوانين.

ويساعدنا كاتب مقدمة كتاب الفيلوكاليا القديس نيقوديموس على فهم روح الكتاب، من خلال قوله لنا أن الهدف العام للفيلوكاليا ليس هو إظهار الجهد في أتعاب النسك الخارجية، كما يظنّ بعض المسيحيين، مهملين ما هو "الحاجة إلى واحد" (   )، أي اليقظة الداخلية. ويقول في ذلك بالحرف الواحد: «تجدهم قلقين على أمور كثيرة، على الفضائل الجسدية والعملية، مهتمين حصراً بالوسائل والأدوات حتى يصونوا الفضائل، ويهملون الواحد الذي نحتاجه، وحفظ النوس والصلاة النقية» ويستزيد في إيضاحاته مستعيناً لهذه الغاية بتعابير إنجيليةكمثل مقولة بولس: "الإنسان الداخلي" (روم22:7+ 2كو16:4 + أف16:3)، وأيضاً فكرة القديس لوقا الإنجيلي حول: "ملكوت الله في داخلكم" (لو12:17). كلّ هذه الإشارات تؤكد أن هدف الفيلوكاليا أنها تتوجّه نحو الإنسان الداخلي أي إلى القلب، وتقدم لنا طريق الولوج إلى (ملكوت الله الذي بداخلنا).

إن التعبيران: (الإنسان الداخلي) و(الملكوت الداخلي) يتميزان في الفيلوكاليا بصورة خاصة من خلال الفضيلتين التاليتين: فضيلة (اليقظة)، والمقصود بها الصحو والإمساك والاستنارة بما يخص الانتباه والسهر. والفضيلة الثانية (السكينة)، باهتمامها إلى (القلب الداخلي). هاتان الفضيلتان أو الخاصيتان الموجودتان في أساس الروحانية الأرثوذكسية يشكّلان قاعدة خاصة للفيلوكاليا، لدرجة أن مقدمة كتاب الفيلوكاليا يصفها على أنها (مستودع اليقظة)، ويربطها مع مفهومين أساسيين في اللاهوت النسكي الأرثوذكسي هما كلمة (الانتباه) وكلمة (حفظ النوس). فاليقظة هي التي تضمن لنا الدخول إلى (الملكوت الداخلي)، وبحسب فيلوثيوس السينائي هي (طريق يقود إلى الملكوت الموجود بداخلنا، وأيضاً إلى الملكوت الآتي). أما المصطلح الثاني فيعطيه إفاغريوس معنى (الصلاة النقية)، أي الصلاة التي يكون فيها النوس مجرّداً ومتحرراً من الصور والتخيلات والأفكار المسبّبة، وهو ما يختصـره القديس غريغوريوس السينائي في التعبير التالي: (السكينة هي إقصاء الأفكار).

ويوضـح إفاغريوس المعنى بشكل واضح: (فيلوكاليا الآباء النساك.. بواسطة العمل والثيوريا والفلسفة الخلقية، يتطهّر النوس ويستنير ويصل إلى الكمال). ولتوضيح هذا القول، الذي هو اختصار لكل مضمون الفيلوكاليا، فإن معناها يشمل وبشكل واضح هذان الوجهان للطريق الروحي، وهما (العمل والثيوريا)، فالعمل يتّجه نحو (ممارسة الفضائل)، والثيوريا تتجه نحو (معاينة الله). وهذا ما قصده نيقوديموس في مقدمته التي قال فيها: (هذا الكتاب هو صورة وصفيّة ممتازة للحياة العاملة، ومرشد لا ينضب إلى الثيوريا).

2- الهدف الرئيسي للفيلوكاليا هو التألّه

ننتقل من الهدف العام إلى الهدف الخاص للفيلوكاليا، لنجد توضيحاً معيارياً له نجده في مقدمة البحث، يقول لنا فيه القديس نيقوديموس: «الله، والطبيعة المغبوطة، والكمال اللامتناهي، والمبدأ الأول لكل الصالحات ولكل الجمالات، الذي هو فوق الخير وفوق كل جمال، قد حدّد منذ الأزل حسب فكره الإلهي أن يجعل من الإنسان إلهاً... إنّه (التألّه)».

إذاً هذا هو الهدف الذي من أجله خُلق الإنسان، وهذه هي الغاية المرجوّة للحياة الروحية: التألّه. إن فكرة التألّه هذه، هذا الاتحاد المباشر والتحولي مع الإله الحي، يشكّل المحور الرئيس الذي تدور حوله كامل الفيلوكاليا، والذي سنفرد له عنواناً خاصاً نتحدث  فيه عنه.

3- الوسائل التي نقيم بها علاقة مع الله

هو الدعاء الدائم للاسم الإلهي. خلق الله البشر بغاية التألّه، السقوط حَرَمَنا الوصول، ولكن التجسد الإلهي المكتمل بعطية الروح القدس المنتقل إلينا بواسطة المعمودية، ننال النعمة به من جديد. ولكننا نجعلها تُظلم فينا بسبب الاهتمامات الدنيوية والأهواء. وبإمكاننا استعادة تفعيلها بواسطة الصلاة، خاصةً الصلاة الدائمة غير المنقطعة نحو ربنا يسوع المسيح ابن الله. ولا تكون هذه الصلاة بالذهن والشفتين فقط، بل بتحويل كامل النوس إلى الإنسان الداخلي. إنّه أمر عجيب حقاً لأنه يتم في أعماق القلب استدعاء اسم الرب القدوس والابتهال إليه، ويتم الطلب بثقة وثبات برحمته. وعندما تُتلى الصلوات تكون فقط بكلمات الصلوات، دون الاستعانة بأي شيء آخر لا من الداخل ولا من الخارج، بل بحفظ الذهن نقياً وطاهراً بدون أية صورة أو خيال.

نشاطنا هذا هو روحي وعملي، بشرط أن يترافق مع تطبيق الوصايا وعيشها واكتساب الفضائل. لأن الأهواء ستُقطع، وسيمكننا (أن نستعيد نعمة الروح الكاملة التي نلناها في البدء بالمعمودية). وفي العمل على هذا الأمر، لا مانع من أن يستفيد أحدنا من نصائح الآباء التي توصي بالاستعانة بطريقة عملية في استخدام تقنيات جسدية محددة، فاستخدام اسم الرب يسوع هو أحد المواضيع الأساسية للفيلوكاليا، بالرغم من وجود أجزاء كاملة لا تتطرق إلى هذا الموضوع البتة، أما الطريقة العمليّة التي تصوّرها نيقوديموس ومكاريوس فتتلخص بالنقاط الخمس التالية:

1.              الصلاة الصافية (الهدوئية).

2.              الصلاة من أعماق القلب.

3.              رفض كل الصور والأفكار خلال فترة الصلاة.

4.              استدعاء اسم يسوع المقدس.

5.              عند الحاجة، استخدام التقنية الطبيعية: (الرأس منخفض فوق الصدر، التحكم بالتنفس، الولوج إلى الإنسان الداخلي).

أربع ميزات روحانية للفيلوكاليا:

1.              بالرغم من أن الأعمال التي تشتمل عليها الفيلوكاليا تنبع من وجهات نظر روحية متعددة، إلا أن التأثير السائد فيها هو لإفاغريوس ومكسيموس، وبالتالي لا يوجد شيء البتة من أقوال الآباء الشيوخ، أو من كتابات القديسين أمثال أفرام السرياني، وغريغوريوس النيصصي، وذيونيسيوس الأريوباغي ودوروثيوس. ومع ذلك يوجد قسم كبير مخصص لنصوص مكاريوس وسمعان المترجم، إلا أنّ مصطلحات وتصنيفات إفاغريوس هي السائدة، ونجدها بشكل واضح في نصوص مكسيموس المعترف، لدرجة أنها تحتل مكانة مركزية في الفيلوكاليا.

2.              البالاماسيّة: الفيلوكاليا أيضاً تعزز وبشكل خاص لاهوت القديس غريغوريوس بالاماس. الآباء الكوليفاذس كانوا مؤيدين للبالاماسيّة. والنصوص الهدوئية في الفيلوكاليا هي رعائية بشكل رئيس وليست دفاعية. فلا يرد فيها شيئاً عن النور الإلهي والتمييز بين الجوهر والقوى غير المخلوقة لله.

3.              غياب التأثير الغربي: كل الأعمال التي تشتمل عليها الفيلوكاليا تتعلق بتقليد روحانية الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية. بينما يجد القارئ في بعض إصدارات القديس نيقوديموس الأخرى، غير الفيلوكاليا، اقتباسات كاثوليكية خاصةً تلك ذات الرؤية السيكولوجية، بالإضافة إلى الحس المرهف والنبرة العاطفية أو الوجدانية التي تمتعت بها هذه الأعمال. كما أن القديس نيقوديموس أدرك أن نمط المناقشة الاستقرائية أو المنطقية التي تتمركز حول الشوق أو الهوى خاصةً التي يقدّمها هؤلاء الكتّاب، سيكون بمقدورها أن تساعد القرّاء الأرثوذكسيين الذين اختبروا صعوبات الصلاة من دون تصورات أو تخيلات حسب تقليد إفاغريوس.

إن عدم وجود فكر أو روحانية غربية للفيلوكاليا لا يعني وجود شيء مضاد للفكر الغربي أو اللاتيني فيها. فلقد صادق النقّاد في جامعة باذوفاس، والذين أوكلت إليهم السلطات الرسمية في البندقية دراستها لإقرار المصادقة على الفيلوكاليا بكونها لا تتضمن (أي شيء يعارض أو يتعارض مع إيمان الكنيسة الكاثوليكية، أو المبادئ الأخلاقية السليمة). وهذه الميزة الرئيسة للفيلوكاليا، باعتبار أن القديس نيقوديموس قدّم في أعمال أخرى كثيرة له أفكاراً دفاعية مضادة للفكر الكاثوليكي، والتي خلت منها الفيلوكاليا تماماً.

4.              الفيلوكاليا عمل موجّه لكـل المسيحيين: إن الفيلوكاليا ليست موجّهة للرهبان فقط، بل للعلمانيين أيضاً. وبحسب صفحة الغلاف: (لفائدة الأرثوذكسيين العامة). ولكن قارئها سيجد أنّها تبدو متناقضة مع روح العصر الحاضر؛ من خلال رفضٍ صارم للشر، ومن ذكرٍ مستمر لحيل الشيطان وتجاربه، ومن إصرار متكرر على الصيامات والسهر والإمساك الجسدي. ولكن من المهم لقارئ الفيلوكاليا أن يعرف أن رفض المشيئة الذاتية ليس هو إلا طريق تقود إلى تحقيق الذات. فالقول مثلاً: (اقتل الجسد حتى تربح جسماً)، ليس المراد بها إهلاك الجسد، ولكن إعادة روحنته. ولدى الحديث عن الجهاد ضد الخطيئة فإنّه جهاد ضد الدخيل على طبيعة الإنسان، وليس ضد المشاعر والأحاسيس الطبيعية التي غرسها الخالق في داخلنا. من جهة ثانية فإن القارئ مدعو لمعرفة أنه رغم التشديد على الصرامة النسكية، إلا أن ثمّة صورة إيجابية عميقة للمحبة الإلهية، والشخصانية الإنسانية. بقي أن يكون القارئ مهتماً في الغوص على مثل هذه المعاني. وبحسب تعبير الأسقف كاليستوس وير: (ينبغي أن نتعلق أولاً في قمة الجبل، حتى يصبح بمقدورنا مشاهدة المنظر بالكامل).

وإذا ما عدنا إلى مقدمة النص للقديس نيقوديموس فإننا سنجد أنه يؤكد فيه ـــ وبشكل صريح ـــ على أن الكتاب يتوجّه (إلى الجميع... إلى كل مَن يشارك في الدعوة الأرثوذكسية، إلى العلمانيين والرهبان على حد سواء)، كما ويشدد الكتاب على دعوة بولس الرسول: "صلوا بلا انقطاع" (1تس17:5)، تلك الدعوة التي لا توجّه إلى الرهبان فقط، ولكن إلى العلمانيين أيضاً، الذين يعيشون في العالم. لذا فإن إحدى الأفكار المهمة في مقدمة الكتاب تقول: (لا يفتكرنّ أحد يا إخوتي المسيحيين على أن الإكليروس والرهبان فقط يحتاجون إلى الصلاة باستمرار وبلا انقطاع، من دون العلمانيين، كلا كلا!! نحن كمسيحيين جميعنا وبدون استثناء ملزمون بالصلاة باستمرار وبلا انقطاع).

         من جهة ثانية فإنّه يتّضح لنا أنّه كان لدى نيقوديموس قناعة راسخة، على أن الكمال هو في متناول الجميع بدون استثناء: (الصلاح يخص الجميع). وهو ما برز قديماً في نص غربي من القرن الرابع عشر في كتاب (الفقراء بالروح) حيث يقول: (الله سوف يمنحك الصلاح من كلّ بُدٍّ مهما كانت حالتك وإمكاناتك بشرط أن تكون لديك الرغبة بقبوله). وحول هذا الأمر كان كل من نيقوديموس ومكاريوس متفقين تماماً، وهذه القناعة بالضبط هي التي أوحت لهما بنشر الكتاب.

التألّه: الموضوع الأساس للفيلوكاليا

1- مقدمة: ينكشف لنا هدف الحياة بدءاً من سفر التكوين الإصحاح الأول في الكتاب المقدس، وذلك عندما يقول الكاتب الملهم بأن الله "خلق الإنسان على صورته ومثاله" (تك1). من هذا ندرك عظمة المحبة التي يكنّها الله (المثلث الأقانيم) للإنسان. ببساطة لا يريد الله الإنسان مخلوقاً مزوّداً ببعض المواهب والصّفات، فضلاً عن تفوّقه على سائر الخلائق الأخرى وحسب، إنّما يريد له بالحري فوق هذه المواهب كلها أن يكون إلهاً بالنعمة. وهذا يؤكّده القديس غريغوريوس اللاهوتي بقوله: (الإنسان هو المخلوق الوحيد الذي ليس مخلوق على الأرض مثله، فهو دون سواه من الخلائق يستطيع أن يكون إلهاً).

         والله قد حباه بمواهب هامة، مثل العقل والضمير، والإرادة الحرة والإبداع، والعشق والتوق إلى المطلق الذي هو الله، فضلاً عن الوعي الذاتي الشخصي ليصير الإنسان شخصاً بإمكانه أن يبلغ مثال الصورة الإلهية: التألّه. وهنا نؤكد على حرصنا على القول أن الخالق هو الله بالطبيعة، أما الإنسان فيصير إلهاً بالنعمة. وهذا ردٌّ على القائلين بأن هدف حياتنا هو مجرد تحسين أخلاقي وصيرورة للأفضل. في حين أن التألّه يحقق الإنسان فيه هذا التحسين وتلك الصيرورة، ولكن يتجاوزهما عن طريق الاتحاد بالله فعلياً وليس ظاهرياً أو خارجياً أو عاطفياً.

2- دور التجسد في تألّه الإنسان

         يقول آباء الكنيسة القديسون بأن الله صار إنساناً ليصير الإنسان إلهاً. وعليه ما كان بمقدور الإنسان أن يبلغ إلى التألّه لولا تجسُّد الله. والبرهان على ذلك نراه في كلٍّ من آدم وحواء اللذين انقادا إلى الشر ورغبا في أن يكونا إلهين، ليس بالتعاضد مع الله، وليس بتواضع وطاعة ومحبة، بل بالاتكال على قواهما الذاتية ومشيئتهما الخاصة، أي على نحو أناني ومن تلقاء نفسيهما. فجوهر السقوط هو الأنانية، تلك التي فيها عشق للذات وانفصال عن الله. فبدلاً من أن يصلا إلى التألّه، حظيا بنقيضه الذي هو الموت الروحي. فآباء الكنيسة يقولون إن الله حياة، فمَن يبتعد عن الله يبتعد عن الحياة. فينشأ الموت الروحي ليتبعه الموت الجسدي الذي يمثّل ثمرة عصيان آدم وحواء.

         بعد السقوط لم يعد الإنسان قادراً على الارتقاء نحو الله لانفصاله عنه، وهذا ما جعله يحمل أموراً دخيلةً؛ أهمها السيرة الشهوانية والحيوانية والشيطانية، مما أدى لتشويه صورة الله بالإنسان.

وهكذا صارت الإنسانية بحاجة إلى إنسان جديد بمثابة جذر جديد، بمقدوره أن يوجّه حرية الإنسان نحو الله، وما هذا الجذر الجديد إلا الله ذاته إنّه (الإله ــــــ الإنسان) يسوع المسيح الذي تجسّد لبداية جديدة تكون بمثابة خميرة الإنسانية الجديدة.

إن طبيعَتَي المسيح (الإلهية والإنسانية) متحدتان بدون تغيير أو امتزاج أو انقسام أو انفصال في أقنوم الله الابن. فالمسيح هو الله ـــــــ الإنسان على نحو أبدي، وهو نفسه صعد إلى السماء، وجلس عن يمين الآب، وسوف يأتي ليدين العالم في مجيئه الثاني. والذي حدث بعد التجسّد أنه صار بإمكاننا إذا خطئنا أن نعود إلى القداسة إذا أردنا، وذلك عن طريق التوبة لنتحد بالله من جديد.

3- مساهمة والدة الإله في تألّه الإنسان:

         إذا كان آدم الثاني يسوع المسيح أَصْلَحَ ما أفسده آدم الأول، فاستردّنا لله بمحبته وطاعته للآب عن طريق طاعة حتى الموت موت الصليب، فجعلنا نتّجه بإرادتنا الحرة نحو الله لنتّحد به عبر تقديم حريتنا له. إذا كان هذا كله تحقق بآدم الجديد، فإن العمل تطلّب أولاً عمل حواء الجديدة، أمّنا الكلية القداسة التي أصلحت ما أفسدته حواء الأولى. فاستطاعت بطاعتها لله أن تسهم في تجسّد آدم الجديد، الذي سيقود النسل البشري إلى طاعة الله. لهذا السبب فإن سيدتنا والدة الإله لكونها المخلوق الأول الذي حقق التألّه على نحو استثنائي وفريد لعبت دوراً أساسياً في خلاصنا.

         ويرى القديس نيقولا كاباسيلاس في القرن الرابع عشر، أنه في حال لم تُجب الكلية القداسة بـ (نعم) لله، لما كان بالإمكان أن يتحقق التجسد. إذن كان هناك دوراً لأمنا بسبب نفسها النقية، حيث قدّمت حريتها لله بكامل إرادتها، وذلك كي تحضر الله إلى نفسها وإلينا بآن واحـد.

4- الكنيسة نطاق تألّه الإنسان

         نحن كمؤمنين أعضاء جسد المسيح الذي يعني أعضاء الكنيسة، لأن الكنيسة هي جسد المسيح الحقيقي: "نحن أعضاء جسده من لحمه ومن عظامه" (أف30:5)، هذا إذا كنا أعضاء حية. لهذا فإن حياة المسيح تُعطى لنا وتصير حياتنا، لأننا أعضاء جسده القدوس، ولهذا نتألّه. فالأسرار المقدسة توحّدنا بالمسيح، وتجعلنا جزءاً من جسده نفسه ودمه نفسه. ويلاحظ القديس يوحنا الذهبي الفم أن الله ليس عنده ما يعطي الإنسان أكثر مما يقدمه في المناولة المقدسة. كما ولا يستطيع الإنسان أن يطلب من الله أكثر مما يتلقاه من المسيح في المناولة المقدسة.

         في الكنيسة كل شيء يقود إلى التألّه، من الليتورجيا المقدسة إلى الأسرار، فالعبادة الإلهية، والكرازة بالإنجيل، والصوم، وكل شيء. الكنيسة هي المكان الوحيد للتألّه.

5- التألّه ممكن من خلال قوى الله غير المخلوقة

         الله ليس جوهراً وحسب، إنه قوى أيضاً. فلو كان الله جوهراً فقط، لما تحققت شركتنا معه واتحادنا به، ولا يمكن للإنسان أن يدنو منه: "أنت لا تستطيع أن ترى وجهي، لأنه لا أحد يراني ويحيا" (خر20:33). ويعطي أحدهم مثلاً من الخبرة الإنسانية فيقول: (إذا لمسنا سلكاً كهربائياً عارياً، فإننا نموت تواً. أما إذا ربطنا السلك بمصباح، فإننا نستضيء). نحن نرى ونستمتع ونستعين بالطاقة الكهربائية، ومع ذلك لا نستطيع أن نلمس جوهر الكهرباء. إنه أمر مماثل ينطبق على قوى الله غير المخلوقة. أما إذا كان الله جوهراً إلهياً وحسب، بدون قواه، فإنه سيبقى إلهاً مكتفياً بذاته أي منغلقاً على ذاته، ومنعزلاً عن خلائقه، وغير مدنوٍّ منه. أما الله كما يقول الآباء القديسون فهو (مغمور بالحب والعشق الإلهيين لكلّ خلائقه ومن خلال هذا الحب يخرج الله من ذاته طالباً على الدوام الاتحاد بخلائقه. وهذا يتحقق بواسطة القوى الإلهية التي هي قوى الله) .

الله أبدع العالم، وما يزال حتى الآن يخلقه بقواه غير المخلوقة. وهو يعطي عالمنا جوهراً وأقنوماً من خلال قواه غير المخلوقة. إنه حاضر في الطبيعة على الدوام، ويحمي الكون بفضل قواه الحافظة، وينير الإنسان بفضل قواه المنيرة، ويقدّسه بفضل قواه المقدّسة. وأخيراً فإنه يؤلّهه بقواه المؤلّهة. لهذا فإن الله القدوس يدخل الطبيعة والعالم والتاريخ وحياة البشر بفعل قواه غير المخلوقة. إذن قوى الله إلهية، وهي الله نفسه دون أن تكون جوهر الله. هذه القوى هي الله، لهذا فهي تؤلّه الإنسان.

6- مستلزمات التألّه

         التألّه هو عطية من الله وليس أمراً يمكننا بلوغه بقوتنا. ومع ذلك ينبغي أن نتوق ونريد ونجاهد ونستعد، كي نستأهل أن نستقبل ونصون هذه العطية الإلهية، فالله لا يريد أن يعمل شيئاً بدون إرادتنا. وهذه أهم الشروط الضرورية في مسيرة الإنسان إلى التألّه:

أ. التواضع:

بحسب تعاليم الآباء القديسين الشرط الأول للتألّه هو التواضع. فالإنسان يحتاج إلى تواضع كي يدرك أن هدف حياته هو التألّه. بالتواضع يقرّ الإنسان أن هدف حياته ليس فيه إنّما بالله. أما إذا كان الإنسان أنانياً ومتمحوراً حول ذاته ومعزولاً، فإنه يجعل نفسه محور حياته وهدفها، ويظن حينها أنه يستطيع أن يكمل نفسه بنفسه فيحدد هويتها ويؤلّه ذاته.

         الإنسان الكنسي هو مَن يتمحور حول الله الذي يكون المسيح فيه مَرْكَزاً، ليس لي فقط، بل هو مركز العالم. ومن جهة ثانية علينا أن نتضع إذا أدركنا حقيقة أنفسنا أننا مرضى وأن فينا ضعفات وأهواء. وأخطر مرض يداهمنا هو عندما يشعر أحدنا أنه يعمل حسناً، وأنه يتقدم بجهده الخاص عندها يغلبه الكبرياء. وعندها يعوزه البدء من جديد كي يكون متواضعاً، فلا يعود يعتمد على نفسه بل على نعمة الله، كي يبقى باستمرار في المسيرة نحو التألّه.

ب. التروّض على النسك

         بعد اقتناء التواضع نبدأ بالتوبة مع الكثير من الصبر في جهادنا اليومي في المسيح، مع ممارسة وتطبيق وصايا المسيح المقدسة، من أجل التطهّر من الأهواء. فالله بحسب أقوال الآباء محتجب في وصاياه، والمؤمن بحفظه الوصايا يكون في أُلفة مع الله.

         هذه هي المرحلة الأولى للتألّه وتسمى praxis عملاً. إنها الإرشاد العملي وبداية المسيرة نحو التألّه. وهذا الأمر يستدعي جهاداً كبيراً، لهذا قال يسوع: "لأن ملكوت الله يغتصب اغتصاباً، والغاصبون يجدونه" (متى12:11)، فترجمها القديسون بقولهم: (اعطِ دماً وخذ روحاً). فالروح القدس نأخذه عندما نبذل دم قلبنا في الجهاد من أجل التطهر من الأهواء، ومن أجل التوبة الحقيقية بعمق، ومن أجل اقتناء الفضائل. وجميع الفضائل هي وجوه لفضيلة واحدة هي (المحبة). المحبة تطرد من الإنسان الشرور والأهواء، فلا يبقى مكان للأنانية في حياة الإنسان. فالشرور تنبع من الغرور ومن الاعتداد بالنفس، إنه حب مريض يبديه الإنسان نحو نفسه.

ج. الأسرار المقدسة والصلاة:

         المسيح ومن خلال الأسرار المقدسة (المعمودية والميرون والاعتراف والمناولة) يجعل نفسه في قلب الإنسان. وأيضاً فإن كل صلاة في الكنيسة تساعد على تنقية القلب، وخاصةً صلاة القلب: (أيها الرب يسوع المسيح ارحمني أنا الخاطئ)، فهي تساعد مصلّيها على تركيز انتباهه في الذهن بسهولة. وبالانتباه يدخل الذهن في القلب، فنصحو ونتيقظ كي لا يكون يتشتت الذهن بأنوار أخرى حتى الصالحة منها. على هذا النحو يكون انشغال الإنسان بالله، فترتاح نفسه، ويعيش بسلام مقرون بهدوء مقدس يتاح له من خلاله إنزال ذهنه إلى قلبه مع ترديد صلاة يسوع هذه. فينتفي وجود الاضطرابات بنفس هذا المصلّي، ولا يبقى للقلق وجود.

7- خبرات التألّه

         تتماشى خبرات التألّه عند الإنسان بقدر ازدياده في درجات التطهر، وحينها فإنّه كلّما سمتْ الخبرة التي يتلقاها من الله يقترب من معاينته: "طوبى لأنقياء القلوب فإنهم لله يعاينون" (متى8:5). بعدها يرتقي الإنسان إلى مرتبة الاستنارة الإلهية، التي بها يستنير العقل ويعاين الأشياء والعالم والناس من زاوية جديدة مختلفة. هنا نجد أن الحب لله يزداد، ويتبعه دموع تأتي بسبب العشق الإلهي، أي لا تعود دموع على الخطايا. فالإنسان هنا يقتنع أن الله غفر له خطاياه، فتجلب له الدموع فرحاً وسلاماً، وتكون بمثابة خبرة أسمى للتألّه.

         بعدها يصل الإنسان إلى اللاهوى، حيث تخلو الحياة من الأهواء، فيصبح الإنسان مسالماً وهادئاً ووديعاً، ومحمياً من الكبرياء والبغضاء والغضب وكل رغبات الجسد.

         ويتم الانتقال للمرحلة الثانية مرحلة الثيوريا، التي يستنير فيها بالروح القدس ويتألّه بعد تنقيته من الأهواء. فالثيوريا تعني الرؤيا. ثيوريا الله أي رؤية الله. والإنسان كي يرى الله يجب أن يكون متألهاً. أما الذين تقدّموا في الثيوريا على نحو عظيم في التألّه ـــــ وهم قلّة ـــــ فإنّهم يرون نور الله غير المخلوق، الذي هو نور النعمة الإلهية. أي نعمة التألّه التي تحفظ أجساد القديسين، فيعبق طيبها، وتُجترح بها العجائب. يقول القديس غريغوريوس بالاماس: (إن نعمة الله بعد اتحادها بنفوس القديسين تسكن في أجسادهم المقدسة وتهبهم نعمة أيضاً، وهذه النعمة ليست لأجسادهم فقط، بل لأضرحتهم وأيقوناتهم وكنائسهم. ففي هذا كله بعض من نعمة الله حازها القديس في نفسه بفضل اتحاده بالله وبداعي تألّهه).

         ولكن علينا الانتباه أنه ليس الكثيـر من الخبرات التي عند المسيحيين، هي خبرات يعول عليها في مسألة التألّه؛ فالكثير من المسيحيين خُدعوا من الشيطان، ومن الظواهر النفسية. ولكي نتجنّب مثل هذا الوهم علينا أن نكشف خبراتنا للأب: (وهي بتواضع، وهو يستطيع بنعمة الاستنارة الإلهية أن يدرك أصالتها أو زيفها، فيقود النفس المعترفة إلى ما هو موافق).

8- خاتمة

         إن الرب الإله كما برّر الآباء بحسب الجسد وقدّسهم، هكذا يبررنا إذا اتّبعنا وصايا المسيح مستعينين بدموع التوبة، فنستعيد الصورة الإلهية الكامنة في ذاتنا فنبرّر أنفسنا، ونساهم في تبرير الأجيال التي سبقتنا. نحن كلنا ـــــ كما قال الأب صفروني سخاروف ــــــ )نحمل في ذواتنا قَدَرَ البشريّة الذي يتخطّى الحدود الأرضية التاريخية، ويغيّر مسيرة الحياة الكونيّة، لأن العالم خُلق لأجل كيانات كهذه. فمثلاً من أجل "صحن من العدس" (تك33:25-34) تخلّى عيسو عن بكوريّته مستهيناً بالبركات الروحية، التي يمكنه أن يحصل عليها لو أنه احتفظ ببكوريّته. فلذة الطعام المقرونة بالجوع الذي كان عليه جعلته يندفع إلى إشباع رغبة وقتية، دون أن يفكر لحظة ليتأمّل العواقب البعيدة المدى التي أوعز إليه فيها الإله الرب).

هذه هي حالة الإنسان الخاطئ - على مثال عيسو - الذي يرفض قوة الروح القدس، التي تقود إلى التألّه فيُبطل عمل الروح في هذه الحياة؛ وينفي قيمة وجود الإنسان، على عكس السيد الذي يُعظِّم الإنسان المولود في هذه الحياة ويفرح به، راجع (يو21:16).