حديث الأسبوع (28 كانون الثاني)

أرشيف

وعظة الأحد

موضوع للأرشمندريت يوحنا التلي

ضمن أعمال المؤتمر للأخوية الرهبانية

في دير الشيروبيم (27-28 تشرين الثاني 2012)

 الأبعاد الأساسيّة للتّواضع الرّهبانيّ

 

أولاً: مقدّمة: حالات التّواضع في حياة الرّاهب

          الرّاهبُ الحقُّ عندَ الآباء هو الّذي يحيا بإخلاصٍ للإنجيل صادقٍ، لكنَّ الآباءَ يُضيفونَ أمراً هامّاً يتطلَّبَهُ الوضعُ الرّهبانيُّ، وهو أنّ هذا الرّاهبُ عليهِ أن يعترفَ بحدودهِ وضعفهِ وخطيئته. وعندما يتمُّ ذلكَ نراهُ يحيا حياةَ البساطةِ والتّواضعِ. صحيحٌ أنّهُ بهذهِ الصِّفاتِ يقتربُ منَ المسيحِ أكثر، ولكنّهُ صارَ أكثرَ درايةٍ بوضعِ نفسهِ وكيفيّةِ السّيرِ بها. فيكتشفُ هذا الرّاهبُ حينها - مع فرحِهِ وعَيشِهِ السَّلام الدّاخليّ - مجموعةَ فضائل والّتي أهمُّها التّواضعُ، الّذي يدفعه لأن يعيشُ رهبنتهُ في شرِكتِهِ الرّهبانيّةِ ليفسحَ المجالَ في التّقدُّمِ لأخيهِ الآخرَ أكثرَ من نفسهِ، وذلكَ بحسبِ مقولةِ يوحنّا المعمدانِ: "ينبغي أن ذاكَ يزيد وأنّي أنا أنقصُ" (يو30:3). وهذا يسـاعدنا لننتقـل إلى الفكر الآبائيّ للتّواضعِ باتجاهاتِهِ الثَّلاث، التي ستكون موضوع لقاؤنا القادم.

  ثانياً: تواضعٌ أمامَ مَن سبقنا منَ الآباء

          قبلَ كلِّ شيءٍ، علينا أن نُدركَ بأنَّ الرّاهبَ - وهو موضوعُ بحثنا - ليسَ مُحافِظاً ولا تقدُّميّاً، بل هوَ (تطوُّريّ) حيث يمكنه أن يسبِرَ غورَ مسيرةِ الأحداثِ ليُدرِكَ أهميَّةَ إرادةِ اللّهِ، ويُنكرَ نفسهُ على الدّوامِ، ليتجدَّدَ باستمرارٍ. وهذا نكتشفَهُ من بولس الرّسول الّذي يقولُ: "لا تتشبّهوا بهذهِ الدُّنيا" ليُتبِعها بتوصيةٍ: "بل تحوَّلوا بتجدُّدِ عقولِكم، لتتبيّنوا ما هي مشيئةُ اللّهِ، أي ما هو صالحٌ وما هو مَرْضِيٌّ وما هو كاملٌ" (رو2:12).

          إذن، نحنُ اليومَ علينا أن نبحثَ في تقليدنا عن أمثالِ هؤلاء الّذينَ "تحوَّلوا بتجدُّدِ عقولهم" فعاشوا مشيئةَ اللّهِ، لنقتدي بهم بتواضعٍ يحفظُ فيها لهم شعاعَ استنارتِهم. وتكمُنُ عظمتهم، أنَّهم كانوا متواضِعينَ لدرجةِ أنّ العديد منهم، كان حين يكتشف في شخصِ تلميذهِ فضيلةً، نجدهم أحياناً يركعونَ أمامَ تلاميذهم منَ الشُّبَّانِ الصّغارِ قائلينَ: "أنتَ منذُ الآنَ المعلِّمُ وأنا التِّلميذ"، وهو ما فعله القدّيسِ أنطونيوس الّذي وجدَ في شخصِ عمّونَ راهباً متفوِّقاً. وكذلكَ القدّيسُ أرسانيوس الّذي وجد في شخصِ دانيال راهباً متفوِّقاً، وغيرهما الكثيرُ من آباءِ الصَّحراءِ ومنهم آباءَ مسنِّين. .

          نحنُ اليومَ نقتدي بتواضُعنا بهؤلاءِ المتواضِعين، الّذينَ تقدَّموا علينا بكونِهم حكماءَ يميِّزونَ القدوةَ الّتي علينا اتِّباعها مِثلهم. ولكن ندركُ بذاتِ الوقتِ قولَ القدّيسِ باخوميوس الّذي كَتبَهُ لأحدِ أصدقائهِ الرُّهبان (وهو ديونيسيوس) يشيرُ فيهِ بهدوءٍ لواقِعٍ أليمٍ: "كثيراً ما لاحظْتُ أنَّ الدّيرَ المشتركَ يضُمُّ الكثيرَ منَ المبتدئين الّذينَ لا يعرفونَ بَعدُ ما هو الرّاهب، وغيرَ قادرينَ على تمييزِ يمينِهم من يسارهم".      

          وجود مثلِ هذهِ الأحداثِ، هو أمرٌ قريبٌ مِنَ القانونِ الّذي يحدثُ فيهِ مُتغيِّراتٍ، بحيثُ يكونُ هنالكَ زمانٌ منَ التَّقوى والورعِ والرّوحانيّةِ في أحدِ الأديارِ، يعقبُهُ زمانٌ منَ الانحطاطِ. ولمّّا كانَ آباءُ البرّيّةِ ينبِّهوننا لمثلِ تلكَ التَّغييراتِ، فنحنُ نحافِظُ على تواضُعنا دونَ أن نفقدَ قدرةَ التَّمييزِ لتلكَ الأمورِ، الّتي تستدعي معرفةَ اقتدائنا بالّذينَ تقدَّموا علينا، في أن نبقى مُحافِظينَ على تواضُعنا دونَ الشَّماتةِ بضعفاتٍ كتلكَ الّتي ذكرناها.

وهذا يعني أنّ تواضعنا أمامَ مَن سبقونا، لا يعني أنّ الحاضرَ يمكنُ أن يكونَ تكراراً حرفيّاً لجلالِ الماضي وقداسةِ من كانوا قدّيسينَ فيهِ. فالتَّكيُّفُ مع عالمٍ مُتطوِّرٍ - كما سبقَ وذكرنا آيةً لبولسَ الرّسولِ، التي يجب أن تكون مُرشِدةً لنا في هذا المجالِ - يوجب أن نبقى مُتأهِّبينَ للعملِ بحسبِ إرادةِ اللّهِ، وبتجدُّدٍ مِنْ قِبلِنا لا يتوقّفُ، على ألاَّ نكونَ مُهملينَ لتعاليمِ آبائنا الأوَّلينَ. فخبرتهم تُبقينا مُنحَنينَ بتواضعٍ لهم، ومثلُ هذا التّواضعِ يستدعي مِنّا تجدُّداً يحوِّلنا لكي (لا نتشبّهَ بالعالمِ) - أي ألا نتحلّى بروحِ الأثرةِ والاستقرارِ والجمودِ - فَكسبُنا لتواضعٍ صحيحٍ، يتحقق بصحّةِ بحثنا في السّعي للوصولِ إلى (مشيئةِ اللّهِ) عن طريقِ الجهادِ لنبقي أنفسنا جاهزينَ  "إنساننا الدّاخليّ الّذي يتجدَّدُ يوماً بعدَ يومٍ" (2كو16:4)،  أي نكونَ أيضاً بحسبِ بولسَ مُبتعِدينَ عنِ الإنسانِ الظَّاهرِ فينا، الّذي يفنى في حين أنَّ ذاكَ - الإنسانُ الدَّاخليّ - يتجدَّد.

ولمّا كانَ التّجدُّدُ ينطوي في بعضِ الحالاتِ على خطرٍ، فإنَّ تمسُّكنا المتواضع بآبائنا الّذينَ عاشوا هذا التَّجدُّد بقداسةٍ، يجعلنا نكتسبُ منهم الامتلاءَ بالرّوحِ الذي هو مُحرِّكهم، فنبقى نأخذَهُ بورعٍ مِنْ مثلِ أولئكَ الّذينَ تقدَّمونا، دونَ أن ننسى أنَّ رهبَتَنا ليستْ منْ صُنعِنا، بل هي منْ صُنعِ الرّوحِ الّذي نرى فِعلَهُ بأولئكَ الّذينَ سبَقونا، فنحيا رهبنتَنا الحقيقيّةَ على غِرارِهم.

          بهذهِ الصّورةِ نكتشِفُ ونعيشُ كأبناءِ اللّهِ في رهبنةٍ حقيقيّةٍ، فنتكوَّنُ بهذهِ النِّعمةِ الّتي هي الرّوحُ الواحدةُ الّتي كوَّنتْ أولئكَ السَّابقينَ، وهي بذاتِها التي تُكوِّنُنا اليومَ بارتباطنا المتواضعِ بهذهِ الجذورِ، الّتي هي بحقٍّ تشكِّلُ في شخصيّةِ الرّاهبِ المتواضعِ نعمةَ العيشِ بكمالٍ إنجيليٍّ، حتى يتمكن الرّاهبُ منا أن يتابع بخُطى مُتقدِّميهِ، ساعياً - على مِثالهم - ألاَّ يكونَ أدنى منهم، مُتيقِّظاً ألاّ يكونَ مزهوَّاً بنفسهِ ومُتعالياً، لكنّهُ في يقظتِهِ هذه يبقى بوقارٍ ومحبّةٍ كمثلِ سابقيهِ. أي أنَّ يبقى الرّاهبُ أميناً للرّوحِ الّتي كانت تقودُ أولئكَ الآباء. ويوحنّا الخصيّ يقولُ: "لنقتدِ بآبائنا مُتذكِّرينَ المعاركَ الشَّديدةَ الّتي كانوا يشنُّونها على الدّوامِ بواسطةِ حياتِهم المُتوحِّدةِ، ولا نُدنِّسنَّ المكانَ الّذي طهَّروهُ منَ الشَّياطينِ بالمتقشفات والعرقِ. فذلكَ المكانُ، مكانُ الأبطالِ والقدّيسينَ اللاّماديِّينَ منذُ الآنَ".

          في التّقليدِ الرُّهبانيِّ نجدُ أهميَّةً بالغةً للرؤيا الّتي حدثَتْ لأبينا يعقوب، والّتي يقولُ فيها اللّهُ: "أنا إلهُ إبراهيمَ أبيكَ، وإلهُ اسحق، إنَّ الأرضَ الّتي أنتَ قائمٌ عليها لكَ أعطيها ولنسلِكَ، ويكونُ نسلُكَ كترابِ الأرضِ فتنتشرَ غرباً وشرقاً شمالاً وجنوباً، ويتباركُ بكَ وبنسلِكَ جميعُ عشائرِ الأرضِ" (تك10:28-13-14).

اللّهُ ينظرُ هنا إلى يعقوب، من جهةٍ أنه خلفٌ لإسحق وإبراهيم، أي كما ينظرُ الرّاهبُ  المتواضعُ إلى آبائهِ الرّهبانِ الأوَّلينَ. ومِن جهةٍ أُخرى كأبٍ لذُريَّةٍ قادمةٍ كثيرةٍ. إذن، هو مرتبطٌ حيويّاً بقرابةٍ سلفيَّةٍ وخلفيَّةٍ معاً. الانشدادُ إلى شعبِ الماضي الذي لا يحقُّ لنا أن ننقطِعَ عنهُ، وإلى المستقبلِ الّذي علينا أن نُهيِّئهُ. وكمؤمنينَ علينا أن نحسَّ بدورنا التّاريخيِّ، وأن نعتبرَ أنفسنا أبناءَ آبائنا، وآباءً للأجيالِ الّتي تأتي بعدنا، وذلك بأن نتلقّى الوديعة ونورِّثها، ولا نُهملُ دورنا بتكييفِ هذهِ الوديعةِ بالتّطوّرِ المُتجدِّدِ الّذي يصبغنا. فشعبُ اللّهِ في سيرٍ نحوَ المستقبل، ويجبُ أن يظلَّ على اتّصالٍ بالماضي بالرّغمِ من أنَّـهُ ينظرُ إلى المستقبل. 

ثالثاً: اتِّضاعُ الرّاهبِ أمامَ الآخرينَ وخاصَّةً العلمانيينَ

          يطلبُ اللّهُ من الرّاهب أن يسعى وراءَ الحقيقة، ولكنَّ الرّاهب لا يتطلّع إلى الآخرين ليطالبهم بذاتِ المتطلّباتِ الّتي لا يحقُّ له هو التّقصيرُ فيها. فهو لا يقارن نفسه بالآخرينَ، إلاَّ ليوجِّهَ إلى ذاتِهِ لوماً لا يوجِّهَهُ إلى الآخرين. هذا ما دعا القدّيس سلوان إلى القول: "الويلُ للإنسانِ الّذي يحملُ اسماً أعظمَ من أعمالِهِ". أي ذاكَ الّذي يملكُ اسمَ راهبٍ، وليسَ لهُ أعمالُ الرَّاهبِ.

          مِنْ مِثلِ هذهِ المبادئ نفهمُ - في كتاباتِ الآباءِ - الاتِّهامات الّتي يُطلقها الرُّهبانُ ضدَّ أنفسهم لصالحِ الآخرينَ، وكثيراً ما تكونُ ليسَ لصالحِ رهبانٍ آخرينَ، إنَّما الأهمُّ أن تكون لصالحِ علمانيين.

          لقد أُوْحيَ مرّةً إلى القدّيس أنطونيوس أنَّ في المدينةِ طبيباً بمستوى قداستِهِ، وأنّهُ يوزِّعُ على الفقراءِ واليتامى كلَّ ما يستطيع الاستغناءَ عنهُ ... وقيلَ لأنطونيوس مرّةً ثانيةً، إنَّهُ لم يبلغ على الرُّغمِ من كُلِّ جهادِهِ، مستوى القداسةِ الّذي لإسكافيٍّ منَ الإسكندرية. فمضى أنطونيوس إليهِ وطرحَ عليهِ بعضَ الأسئلةِ، وتلقَّى منهُ هذا الجواب: "أنا متهاونٌ في عملِ الخيرِ، لكنّي اعتدْتُ كُلَّ يومٍ على القيامِ بمايلي: عندما أستيقظُ باكراً في الصَّباحِ أُبارِكُ اللّهَ وأمجِّدهُ. ثمَّ أتذكَّرُ خطايايَ وأخاطبُ نفسي: ويلٌ لكِ يا نفسي الكثيرةَ الخطايا، فإنَّ سكَّانَ الإسكندريّةِ سيدخلونَ جميعاً الملكوت برحمةِ اللّهِ، وأنتِ وحدَكِ سترثينَ جهنَّمَ". فقالَ لهُ أنطونيوس: "لم أُدركْ أفكارَكَ، لا في أعمالي ولا في أفكاري".

          ومِنَ المفيدِ ذكرُ حدثٍ آخرَ: تلقّى مكاريوس تنبيهاً بأنّهُ لم يبلغ درجة فضيلة امرأتين مُتزوِّجتين، ومُقيمَتينِ في مصر. وقد دلّهُ الملاكُ على اسمهما وبيتِهما. فمضى القدّيس إلى لقائهما، فوجدَ أنَّهما تزوَّجتا مِن أخوَين، وتُقيمانِ في البيتِ نفسهِ، وقدِ التمسَتا مِن رجُليهما أن يسمحا لهما ارتداءَ المسح، واللُّجوءِ إلى ديرٍ للرّاهباتِ، فلم يسمحا لهما بذلكَ، ولم تحصلا منهما أيضاً على التّعفُّفِ في الزَّواجِ، فقامتا بواجباتهما الزَّوجيّة، مع حفاظهما لوعد الرّبَّ بألاَّ تسمحا لأفكارهما بالشُّرورِ أبداً، وألاَّ تتذمَّرا، أو تكذبا، أو تسترسلا بالكلامِ الدُّنيويِّ، أو تقولا لبعضِهما كلاماً غيرَ مُستحبٍّ. وهما ما زالتا ملتزمتين تماماً بالنَّذرِ المقطوعِ منذُ خمسةَ عشرَ عاماً. وقدِ استنتجَ مكاريوس من ذلكَ: (أنَّهُ لا يَهمُّ كثيراً أن يكونَ الإنسانُ في حالِ البتوليّةِ أو الزَّواجِ، وأن يكونَ راهباً أو علمانيّاً. فما يطلبُهُ اللّهُ في كلِّ مكانٍ هو النُّفوسُ الطَّاهرةُ، وحيثما يجدُها يفيضُ عليها روحهُ بغزارةٍ).

سنضيفُ للمَثَلينِ السَّابقينِ مثلاً مهمّاً أيضاً: أُوحيَ إلى راهبينِ أنَّهما لم يتوصَّلا إلى حدِّ قداسةِ زوجَين اسمهما خريستوساتور ومريم، فذهبا في طَلَبهما. لم يشأ الزَّوجانِ بادِئ الأمرِ أن يُجيبا على أسئلةِ الرَّاهبَين، ثمَّ لمّا أَخبرا الزَّوجينِ أنّهما مُرسَلانِ منَ اللّهِ رَضيا بالتّكلُّمِ. لقد كانَ الزّوجُ راعياً بسيطاً، يوزِّعُ القليلَ الّذي يكسبهُ، فيجعل منه قِسماً في الإحسانِ إلى الفقراءِ، وقِسماً في القِيامِ بالضِّيافةِ، وقِسماً ثالثاً في تأمينِ حاجاتِهِ الخاصَّةِ. وكانَ الزّوجانِ كلاهما يرتديانِ في النّهارِ ملابسَ ككلِّ النّاسِ، إلاّ أنّهما يلبسانِ المسحَ في اللّيلِ، وينامانِ في سريرينِ مُنفرِدَينِ، عائشَين في البتوليّةِ من وقتِ زواجِهما وحتّى الآن، ولم يُطلِعا أحداً على شيءٍ من نمطِ حياتِهما.

          هكذا نجدُ أنَّ هنالكَ طُرقاً عديدةً ليكونَ الإنسانُ قدّيساً في الحياةِ الزّوجيّةِ، لا استخفافاً بالاتِّصالاتِ الزّوجيّةِ بل اهتماماً بتكريسِ الشَّعائرِ الدّينيّةِ، وللانصرافِ مُؤقَّتاً عن دائرةِ ما هو دنيويٌّ إلى الصّلاةِ بحسبِ القدّيسِ بولسَ: "لا يمنع أحدكما الآخرَ عن نفسهِ إلاّ حينَ تتّفقانِ معاً على ذلكَ، ولفترةٍ مُعيّنةٍ، بقصدِ التّفرُّغِ للصّلاةِ" (1كو5:7).

وهذا الكلامُ يتضمّنُ إمكانيّة الامتناعِ المتواصلِ عنِ المعاشرةِ الزّوجيّةِ باتِّفاقٍ مُشتركٍ وللغايةِ ذاتِها. بالطّبعِ هذا انجازٌ غيرُ عاديٍّ ونادرٌ ولكنّهُ موجودٌ، وإنْ كان الامتناعُ المتقطِّعُ أكثرَ انتشاراً. 

وهذا ما دعا القدّيس أفرام السّريانيّ أن يُعطيَ بهذا الخصوصِ القاعدةَ التّاليةَ لكلّ زوجَين: (اعتمادُ العفّةِ الّتي تُناسبهما).

          وجُلَّ ما نختمُ بهِ هذهِ الفقرةَ، المقطع التّالي والرّائع لأفسابيوس القيصريّ الّذي أرّخَ لنا فيهِ عن تواضعِ شهداءِ الكنيسةِ في قرونها الأولى: ]كانَ شهداءُ المسيحِ يجهدونَ في الاقتداءِ بمَثَلِهِ، وتكرارَ تقليدِ المسيحِ: "الّذي مع أنّه من أصلٍ إلهيٍّ لم يعدّ مساواتهِ للّهِ غنيمةً" (في6:2). فبالرّغمِ من أنّهم غُمروا بالمجدِ، وشهدوا للمسيحِ... وأعيدوا إلى قُربِ الحيواناتِ المفترسةِ، وقد أُحرقوا وعُذِّبوا وغطَّتهم الجروحُ، كانوا يرفضونَ أن يُصدّقوا أنّهم شهداء حقيقيّونَ، ولا يسمحونَ بأن تُطلق عليهم هذهِ التّسميةَ، بل ينتهرونَ بعنفٍ الّذينَ يسمّونهم بها بالكتابةِ أم باللِّسانِ. وكانوا يحبّونَ الاحتفاظَ بلقبِ (شهيد) للمسيحِ، "الشّاهدُ الأمينُ والصّادقُ" (رؤ14:3)، و"البِكرُ بينَ الأمواتِ" (أع18( + (رؤ5:1)، و"سيِّدُ الحياةِ الإلهيّةِ فينا" (أع15:3). وكانوا يستعيدونَ أيضاً ذكرى الشّهداءِ الّذينَ سبقَ أن تركوا هذا العالم، ثمَّ يُضيفونَ: "أولئكَ هم حقّاً شهداء، وقد تنازلَ المسيحُ وقَبلَهم في الاعترافِ بعدَ أن نقشَ فيهم بالموتِ ختمَ الشّهادةِ. أمّا نحن فلسنا سوى معترفينَ، ضعفاءَ، مساكين". وكانوا يتوسّلونَ بالدّموعِ إلى الإخوة، ويسألونهم الصّلاةَ باستمرارٍ من أجلِ ثباتِهم النِّهائيّ، فيُظهِرونَ بذلكَ قوّةَ الشَّهادةِ الفعّالةِ تُجاهَ الوثنيينَ. فكانوا ممتلئينَ ثقةً، وينمُّ صبرهم وهدوؤهم وبسالتَهم عن نُبلِ النّفسِ. غيرَ أنّهم كانوا يرفضونَ من جهةِ إخوتِهم لقبَ (شهداءَ) لفرطِ ما ملأهم خوفُ اللّهِ. لقد "تواضعوا تحتَ اليدِ القاهرةِ الّتي رُفِعوا بها الآنَ عالياً جدّاً" (1بط6:5)

لذا تَغاضَوا بطيبةِ خاطرٍ عنِ الجميعِ ولم يتَّهموا أحداً، وغفروا للجميعِ ولم يدينوا أحداً، وصلّوا من أجلِ الّذينَ عاملوهم معاملةً وحشيّةً، اقتداءً باستفانوس الشّهيدُ الكاملُ: "ياربُّ لا تحسب عليهم هذهِ الخطيئةَ" (أع6:7)، ولم يُبدوا أيَّ تعالٍ نحو الّذينَ تخاذلوا، بل بالعكسِ فقد ذرفوا من أجلِهم دموعاً غزيرةً أمامَ اللّهِ. لقد سألوا اللّهَ الحياةِ، فوهبهم إيّاها، وبثُّوها هم بدورهم في مُحيطِهم، وإذ انتصروا في كلِّ معارِكهم، مضوا إلى اللّهِ بسلامٍ، ولم يدَعوا لإخوتِهم أيَّةَ بلبلةٍ أو سببٍ للخصامِ، بل تركوا لهمُ الفرحَ والسّلامَ والوئامَ والمحبّةَ. فباركَ اللّهُ بتواضعهم أمامَ إخوتِهم كافّةً[.

رابعاً: اتِّضاعُ الرّاهبِ الخاطئ   

          يدّعي غالبيّةُ الرّهبانِ أنّهم دونَ العلمانيينَ قداسةً، وقد يكونوا كذلكَ بالفعلِ، أمّا قولهم بأنّهم دونَ الخاطئينَ في القداسةِ فهذا أمرٌ يحتاجُ إلى رويّة.

لقد كانتِ الأمُّ الرّوحيّةُ سارة تقولُ لراهباتِها: "ليست صلاتي اليوميّة أن يكونَ كلُّ المؤمنينَ مثلي، بل أن أكونَ أنا مِثلهم جميعاً" فسألتها إحدى الرّاهبات - وربّما أنّها في قرارةِ نفسها ظنّتْ أنّها ستنتصرُ عليها بسؤالها التّالي: "أترغبينَ أيضاً أن تكوني شبيهةً بالخطأة؟" فأجابتِ الأمُّ المباركة: "بكلِّ تأكيدٍ، وأتمنّى أن تكونَ ليَ حماسةُ الّذينَ من بينهم يردِّدونَ باستمرارٍ وفي رجاءٍ عظيمٍ: لنَتُبْ في أقربِ وقتٍ".

          الرّاهبُ بحسبِ آباءِ البرّيّةِ، هو الّذي يرى الخطأةَ قبساتِ نورٍ ينقادونَ بها إلى التّوبة. خبرتهم في هذا المجال تؤكِّدُ لهم السّعيَ الّذي يحياهُ الخاطئ لكي يقتربَ نحو المسيحِ. ومن جهةٍ ثانية الرّاهبُ، الرّاهبُ هو الّذي يبحث في خفايا نفسِهِ عن خطاياهُ، فيجدَ فيها الكثيرَ الّذي يجعلهُ مُبتعِداً عن المسيحِ بهوّةٍ بالغةٍ تُناديهِ لكي يستغيثَ بصوتِهِ الدّاخليِّ، وأحياناً يُناديهِ جَهاراً طالباً منه الغفرانَ بصِفتِهِ أكثرَ البشرِ خطأً.

          ومنَ القصصِ الغريبةِ الّتي صارتْ مضرِبَ مثلٍ للرّهبانِ، تلكَ الّتي يحدِّثنا عنها الأسقفُ نونوس في أنطاكيّةَ. وهي أنَّ إحدى أشهرِ بغايا وراقصاتِ المدينةِ مرّتْ أمامَهُ يرافقها موكبٌ من المعجبينَ والمعجباتِ، يتأمّلونَ جمالها ورشاقتها والذّوقَ والغنى في ملابسها وحلاها. فأخذَ يتنهّد ويبكي قائلاً للأساقفةِ المحيطينَ بهِ: "انظروا يا إخوتي إلى اهتمامِ هذهِ المرأةَ كلّهُ بخيراتٍ أرضيّةٍ فقط، إنَّ اللّهَ سيدعوها إلى محكمتِه لتُدين - أنفسنا نحن وأسقفيّاتنا وحياتنا الخاصّةَ. فتأمّلوا أيّها الأعزّاءُ في الوقتِ الّذي كرَّستْهُ هذهِ المرأةُ للاغتسالِ والتّعطُّرِ والتّزيينِ والتّطلُّعِ في المرآةِ إلى نفسها في سبيلِ ألاّ تخيِّبَ آمالَ عُشَّاقِها، ولكي تبدو جميلةً بقدرِ ما يرغبونَ. وقد فعلتْ ذلكَ لرجالٍ يكونونَ اليومَ في الحياةِ، وغداً لا يكونونَ فيها ... أمّا أنا، الّذي يهبُ عريسهُ الخالدُ عدمَ الفسادِ لمن يراهم متّزيِّنينَ بتعاليمهِ، ومن أُعدَّتْ لهم الخيراتُ السّماويّةُ النّفيسةُ، الّتي "لم ترها عين، ولم تسمع بها أذن، ولم تخطر على قلبِ بشر" (1كو9:2) + (أش4:64). ويُضيفُ الأسقفُ كلامَهُ بلوعةٍ: "أنا الموعودُ برؤيةِ الجمالِ الدّائمِ المُتعذِّرِ بلوغَه... فإنّي لا أنشغلُ بغسلِ تعاساتِ نفسيَ بالغمِّ والنّدمِ، ولا أزيِّنها وأحضِّرها". حقّاً (إنَّ الرّاهبَ خاطئٌ أكثر من هذهِ البغيّةَ، لكسلهِ أمامَ اللّهِ من أجلِ خلاصِ نفسِهِ).  

ننقل الآن أبلغَ قصَّتين (من القرن الرّابع - الخامس) لخاطئ. لا يستطيعُ أيُّ راهبٍ أن يرى في نفسِهِ قداسةً أمامَ حقيقة شفافيّة حياتِهِ. وقد روى هذهِ القصّةَ الرّاهبُ بفريوس - بعدَ حياةٍ في البرّيّةِ مدّتها  سبعونَ عاماً - لراهبٍ في البرّيّةِ مثلهُ اسمهُ إيليجيوس: بعد أن أعراهُ شيطانُ الكبرياءِ فسألَ اللّهَ بإلحاحٍ أن يرشدهُ إلى نظيرٍ لهُ في الفضيلةِ على الأرضِ، وبعدَ سبعةِ أيّامٍ منَ الصّلاةِ جاءهُ الجوابُ الإلهيُّ مُقتضباً ومحيِّراً جدّاً: "هو سرجيوس الّذي يعيشًُ في الإسكندريّةِ، مُستسلماً للتَّهتُّكِ والقوّادِ". فظنَّ النّاسكُ في غرورهِ - إذ أحزنهُ هذا الجواب - أنّهُ ليسَ منَ اللّهِ، بل هو منَ الشّيطانِ، فصلّى سبعةَ أيّامٍ أخرى أيضاً، غيرَ أنّهُ تلقّى في نهايةِ الأسبوعِ الثّاني الرّسالةَ عينها. حينئذٍ قرّر الذّهابَ إلى الإسكندريّةِ، وأخذَ يبحثُ عن سرجيوس المشهور. فوجدهُ يشربُ بإفراطٍ وحبورٍ بين غانياتٍ جميلاتٍ في بيتٍ للدّعارةِ كانَ يُديرهُ. وبعدَ مشادةٍ كلاميّةٍ رضيَ سرجيوس الذّهابَ لبيتِهِ ليسمعَ ما يريدهُ هذا الرّاهبُ، وهناكَ صلّى النّاسكُ بعض الوقتِ ثمَّ سألَ سرجيوس عنِ الأعمالِ الّتي قامَ بها في حياتِهِ، فأجابَهُ سرجيوس أنّهُ لم يفعل شيئاً قطُّ، إلاَّ ما رآهُ النّاسكُ يفعلهُ. ولمّا أخبرهُ النّاسكُ بالكلامِ الّذي سمِعهُ من السّماء، تأثّرَ سرجيوس واندهشَ من حلم اللّهِ، فذكرَ له عملينِ صالحَينِ في حياتِهِ:

الأوّلُ: لقد رأى يوماً - وهو داخلًٌ إلى الفندقِ - امرأةً فيهِ كانت تغزلُ في سبيلِ الأجرةِ، فلفتهُ جمالها الباهرُ، وقالَ على الفورِ لمديرةِ الفندقِ: "امضي، واسأليها مِن قِبلي، إن كانت ترضى أن تهبَ نفسها لي". لكنَّ المديرةَ اعتذرتْ عن نقلِ مثلَ ذلكَ الطّلبِ، لأنّ المرأةَ فاضلةٌ ومتميِّزةٌ جدّاً، وكانت تعملُ ما بوسعِها لإيفاءِ دينٍِ من مئةِ درهمٍ سبقَ واقترضَهُ زوجها، ووُضِعَ بسببهِ في السّجنِ، واسُترِّقَ ولداهما بسببهِ أيضاً. لكنَّ سرجيوس ألحَّ قائلاً: امضي وقولي لها، أنّها إذا قبلتْ أن تستسلمَ إليَّ، أُعطيها الدّراهمَ المائةَ، فيُحتَملُ أن تقبلَ، وإلاَّ فأنتِ لا تخسرينَ شيئاً. فنقلتِ المديرةُ عرضَ سرجيوس، فبكتِ المرأةُ وتنهَّدتْ، لكنّها مع ذلكَ قبلتْ إذ لاحظَتْ أنَّ عملها وأتعابها في اللّيلِ والنّهارِ، - منذُ زمنٍ بعيدٍ - لم يُتحْ لها أن تجمعَ المالَ الضّروريَّ لتحرِّرَ زوجها وولديها، وهي لم تعرف قطُّ رجلاً غيرَ زوجها قبلَ الآنَ، وفكّرتْ أنَّ اللّهَ في رحمتِهِ يغفرُ لها هذهِ الخطيئة الوحيدةَ، إذ أنّها لا تقترفها إلاّ في سبيلِ إنقاذِ ثلاثةِ أشخاصٍ تعساءَ وأعزّاءَ عليها.

وعندما سمعَ سرجيوس قبولها ألقى في يديها مئةَ درهمٍ، ولمّا جمعتهما غرفةً واحدةً رفعتِ السّيِّدةُ عينيها إلى السّماءِ وتلفَّظتْ بهذهِ الصّلاةِ الوجيزةِ: "يا ربُّ أنتَ تعرفُ جزعي". ولدى سماعِ سرجيوس هذا الكلامَ أخذتْهُ الحيرةُ، فتركَ الدّراهمَ هناكَ ومضى دونَ أن يلمسَ المرأةَ، وبعدَ وقتٍ قليلٍ أُفرِجَ عن زوجها وولديها.

وتابعَ الرّاهبُ بفريوس كلامَهُ: هذا أوّلُ عملٍ صالحٍ لسرجيوس، إنّهُ صالحٌ في نهايتهِ لا في أصلهِ. وفي كلِّ حالٍ، لم يكنِ اللّهُ صعبَ الإرضاءِ، لا بل كانَ أقلَّ تشدُّداً من مُعلِّمي الأخلاقِ الّذينَ لقَّنوني اللاّهوتَ.

أمّا العملُ الصّالحُ الثّاني لسرجيوسَ فهو أكثرَ روعةً، وأكثرَ أهميّةً منَ العملِ الصّالحِ الأوّلِ. فقد حكمَ الإسكندريّةَ خلالَ مدّةٍ من الزّمنِ أميرٌ فاسدٌ جدّاً، وكانت مهمّةُ سرجيوسَ أن يُرسِلَ إليهِ كلَّ يومٍ مومسَيْنِ أو ثلاث مومساتٍ. وذاتَ يومٍ إذ مرَّ الأميرُ قربَ ديرٍ فيهِ سبعينَ عذراءَ، رأى منَ النّوافذِ بعضَ الرّاهباتِ الشّابّاتِ، فراقَ لهُ منظرهُنَّ، فطوّقَ جنودهُ الدّيرَ وأُخِذَتِ الرّاهباتُ، ثمّ عُهِدَ بهنَّ إلى سرجيوس ليرسلهنَّ الواحدةَ تلوَ الأخرى إلى الأميرِ. لكنَّ سرجيوس إذ كَرِهَ مهمّةً كهذهِ، ورغبَ في إنقاذِ بكارةَ الرّاهباتِ، فكّرَ مليّاً في العثورِ على وسيلةٍ يتهرَّبُ بها منْ هذا الأمير الشّائن. وتوسّلَ إلى اللّهِ أن يُلهمَهُ، فأعطاهُ فكرةً مُبتكرةً. فجمعَ سرجيوس ثروتهُ وذهبَ إلى المومسات اللّواتي كُنَّ تحتَ سلطتِهِ، فوزَّعَ عليهنَّ أموالهُ، بعدَ أن انتزعَ منهنَّ بصعوبةٍ، وعداً بالموافقةِ على قصِّ شعورهنَّ مثلَ الرّاهباتِ، ولبس الثّوبِ الرّهبانيِّ، والمُضيّ إلى الأميرِ في ذلكَ الزِّيِّ. ثمَّ خبّأ الرّاهباتِ وأسكنَ البغايا في الدّيرِ. وأخذَ بعدَ ذلكَ يرسلهنَّ إلى الأميرِ الواحدةَ تلوَ الأخرى. ولمّا انتقلنَ جميعهنَّ إلى الأميرِ أبدى رِضاهُ. فأرجعَ سرجيوس الرّاهباتِ إلى الدّيرِ، وأوعزَ إلى العاهراتِ أن يُرسلنَ شعورهنَّ ويستعِدنَ ثيابهنَّ الخلاعيّةَ. لكنَّهنَّ أجبْنَ بصوتٍ واحدٍ: "بما أنَّ اللّهَ تنازلَ وألبسَنا الثّوبَ الرّهبانيَّ فنحنُ نرغبُ في البقاءِ فيهِ، ونطلبُ أن نُصبحَ راهباتٍ". وما زالتْ أؤلئكَ النّسوةُ السّبعونَ (وقد أصبحنَ الآنَ راهباتٍ) تواصلْنَ العيشَ في حرارةِ التّوبةِ.

          ونتابعُ القولَ: بأنَّ النّاسكَ بفريوس قد أُعجبَ بفضيلةِ سرجيوس واعتبرهُ لا مساوياً لهُ فقط بل متفوِّقاً عليهِ. وسألهُ الصَّلاةَ من أجلِهِ. أمّا سرجيوس فطلبَ مُتأثِّراً اللّحاقَ بالرّاهبِ إلى البرّيّةِ حالما يوزِّعُ مُقتنياتِهِ على الفقراءِ خلالَ يومٍ أو اثنينِ.    

          وهناكَ في العُزلةِ ماتَ سرجيوس قبلَ أن تسنحَ الفرصةُ للرّاهبِ بفريوس أن يرويها لأحدٍ. وقد ماتَ الرّاهبُ نفسهُ بعدَ روايتِهِ القصّةَ بثلاثةِ أيّامٍ، وبعدَ أن طلبَ من الّذي استمعَ إليهِ، أن يدفِنهُ بالقربِ من سرجيوس. حقّـاً، إنَّ اللّهَ عجيبٌ في قدّيسيهِ.  

خامساً: الخاتمة

          في مثلِ هذهِ القصّة وغيرِها، نرى منَ النّاحيةِ اللاّهوتيّةِ أنّ اللّهَ يلتمسُ باستمرارٍ من الخاطئِ توبةً، ويحرِّضهُ - عندَ الاقتضاءِ - على أعمالِِ محبّةٍ بطوليّة. فاللّهُ يقبلُ مثلَ تلكَ الأعمالِ بعكسِ البشرِ، الّذينَ يحكمونَ عليها بقسوةٍ. ومن ناحيةٍ ثانية يعرفُ الرّاهبُ أنَّ عليهِ أن يتعلّمَ منَ الجميعِ بمن فيهم الخطأةُ. خاصَّةً، وأنَّ الرّاهبَ الحقَّ كثيرُ التّشدُّدِ على ذاتِهِ، أمّا على الآخرينَ فإنّهُ ليسَ رحيماً فقط، بل معجباً بهم (حتّى الخطأةَ منهم). وقد قالَ أحدُ الآباءِ المعاصرينَ واسمهُ الأب يوسف: "ليكنْ لكَ تجاهَ نفسِكَ قلباً كقلبِ قاضٍ، وتجاهَ الآخرينَ قلباً كقلبِ أمٍّ، وتُجاهَ اللّهِ فلباً كقلبِ طفلٍ".  والأكثرُ أهميّة أنّهُ يعرفُ أنَّ هناكَ مناطقَ في كلِّ إنسانٍ تعملُ فيها النّعمةُ، فيحاولُ اكتشافها وبمعونةِ اللّهِ يتوصَّلُ إلى إدراكِها. إلاَّ أنّهُ يظلُّ بالنّسبةِ إلى نفسهِ قاسياً جدّاً، لأنّهُ مؤمنٌ بسموِّ دعوتِهِ، وهو يحبُّها، ولا شيءَ في العالمِ يُغريهِ بتركِها. وفي هذا قالَ أحدُ الآباءِ: "حتّى وإن لم تصلْ إلى أرضِ الميعادِ، فأفضلُ لنا أن تتلقّى أرضُ البرّيّةِ عظامَنا في الأمانةِ لسبلِ اللّهِ، منْ أن نرجِعَ إلى مصرَ حيثُ نخدمُ فرعونَ".

على مثلِ هذا التّواضع ترتكزُ دعوةُ الرّاهبِ ليصلَ، ليسَ بالكلامِ، إلى التّعبيرِ عن حقيقةِ تواضُعهِ، وإنّما على الاعتقادِ بذلكَ في عمقِ أعماقِ قلبِهِ. حينها بإمكانهِ - وهذا عادةً يتحقَّقُ بعدَ سنواتٍ طويلةٍ في الجهادِ النُّسكيِّ المبنيِّ على الحياةِ الوَرِعةِ - أن يعتبرَ نفسهُ ليسَ بأفضلِ من خاطئٍ، مهما بلغَ فسادُ هذا الأخيرُ.

          فالآباءُ مقتنعونَ بأنَّ لكلِّ إنسانٍ رسالةً في هذا العالم، إنّها دعوةٌ يقومُ بها بمفردِهِ أو مع آخرينَ حسبَ نمطِ الحياةِ الّتي يحياها. وفي هذا تكمنُ قداسة كل فرد، حتّى ولو كانَ أقلَّ ذكاءً وأكثرَ خطيئةً، وهذا لا يمسُّ رسالتَهُ بسوءٍ. فإنَّ كلَّ واحدٍ، وكذلك الجميعُ، كلٌّ على طريقتِهِ، يحدِّثوننا عنِ اللّهِ ويُعيدوننا إليهِ. يقولُ أبونا إميليانوس: "كلُّ شيءٍ موجودٌ في هذا العالم، مهما كانَ، هو أيقونة ترفعُ أفكارنا وعقولنا وقلوبنا إلى السّماءِ وتربِطُنا باللّهِ..."  فإنَّ لدى كلِّ إنسانٍ مهما كانَ خاطئاً بذارَ خيرٍ، صالحاً لأن يلتقطهُ النّاسُ الماهرونَ. فالتقِطْ إذن الفضائلَ ودعِ النّقائصَ، ولا تتعال على أحدٍ.

          حتّى تجنُّبُ الآخرينَ. فكم هو خطأ تجنُّبُ الرّهبانَ لإخوةٍ لهم، فإنّهُ ليسَ بصحيحٍ - لأنَّ الرّاهبَ الحقَّ - لا يَطلب أو يتصرَّف بهذا التّجنُّب - إلاّ بعدَ تحقيقِ الموافقةِ الآبائيّةِ في الرّهبنةِ، والّتي تُجيزُ لهُ ذلكَ، بعدَ أن يتثبَّتَ هذا الرّاهبُ ويكونُ قادراً على العيشِ معهم بمحبّةٍ أوَّلاً، ثم يعيش توحده بعد أنّ يكون قد تنقى من الأهواء حقاً. ولا يجوز البتة التهاون في راهبٍ مبتدئٍ ويعاني كثيراً من الضعفات، أن يُسمح له بالانعزال الذي يزيده ضعفاً وكبرياء وأنانية بمعنى أنّ هذه العزلة تبعده عن المسيح أكثر.