حديث الأسبوع (17 أيلول)

أرشيف

وعظة الأحد

                                                                                                                                                                                   موضوع للأرشمندريت يوحنا التلي

                                                                                                                                                                                      لفرقة عائلات مدارس الأحد الأرثوذكسية في دمشق

                                                                                                                                                                                     في قاعة كنيسة الصليب 29-11-2013

الموتُ بحسبِ رؤيةِ الأطفال

 أولاً: مقدمة

الموت هو أحد أصعب المواضيع التي يمكنك الخوض فيها مع الأطفال، وخاصة عندما تكون في ‏حالة صراع لتتعامل مع حزنك. لكن الموت أيضاً هو جانب من الحياة لا مفر منه، وعلى الأطفال أن يفهموه ويجدوا طرقاً للحزن ‏بحيث يبدو طبيعياً.

نادراً ما يسألُ الطفلُ أسئلةً تتعلَّقُ بالموت. وإذا حدثَ وسألَ فلا يكونُ سؤالُهُ جزءاً من عمليةِ نموِّهِ الفكري والعقلي بقدرِ ما يكونُ محضَ تساؤلٍ عفوي لا يتكررُ لأنَّهُ ليسَ جزءاً من طبيعةِ العمر. والسؤالُ الهامُّ الَّذي يرافقُ السؤالَ عن الموتِ مرتبطٌ بالشعورِ الديني عندَ الطفلِ الَّذي لهُ الأهمّيَةُ الأكبرُ داخلَ بيوتِ الأُسرِ المؤمنةِ والمرتبطةِ بالكنيسة. وبالرغمِ من أنَّ طبيعةَ اللهِ هيَ الأبديةُ والخلودُ إلا أنَّ علاقتَهُ بالموتِ أساسية. هذا يعني أنَّ الأمرَ الطبيعي عندَ الطفلِ هوَ (عدمُ الموت). فالموتُ بكونهِ دخيلاً على الحياةِ يكونُ عندَ أطفالِ السادسة هوَ السؤالُ المهم، لأنَّهُ مرفوضٌ بحسبِ منطقِ عقولهِم. وغالباً تأتي أسئلتهم من ملاحظتِهم للحيواناتِ كمثلِ قولِهم: (لماذا لم يعد الطيرُ يستطيعُ الطيرانَ؟) أو (لماذا نامَ الكلبُ ولم يعد قادراً على الاستيقاظ؟). هناكَ صعوبةٌ للإجابةِ على مثلِ تلكَ الأسئلةِ وخاصةً إذا انتقلنا إلى ما هوَ الأهم (موتُ الإنسان). وأكثرُ الأسئلةِ المطروحةِ تتعلَّقُ بالولادةِ والموت، كأن يسألُ الطفلُ أينَ تذهبُ روحُ (فلانٍ) بعدَ موتِها؟ وهل سيعودُ الميتُ في وقتٍ لاحق؟

فلا نستغربنَّ كثرةِ أسئلةِ الأطفالِ الَّتي في حقيقتِها متشابهةٌ بالرغمِ منَ الخلفياتِ المختلفةِ من ثقافاتٍ ومجتمعاتٍ وبيئاتٍ متنوعة.

 ثانياً: معاني الموتِ عندَ الطفل

معَ بداياتِ مراحلِ التفكيرِ للطفلِ وقبلَ بلوغِ السابعةِ بصورةٍ عامة، فإنَّ تصوّرَ الموتِ عندَهُ لا ينطوي على أي معنى من معاني الفناءِ أو الرحيلِ الأبدي، بل يكونُ على العكسِ من ذلكَ تصوّراً يتألّفُ من عناصرَ لا تخرجُ عن مظاهرِ الحياة. هذا يعني أنَّ استجابةَ الرعبِ الَّتي قد تلاقيها عندَ الأطفالِ لا تعني أنَّهم يدركونَ حقيقةَ الموتِ، كما يدركُها الكبارُ لكونِها:

-       نهايةٌ طبيعيةٌ لهذهِ الحياة.

-       مصيرٌ محتومٌ للكائناتِ الحية كلّها.

-       مصيرٌ للذاتِ أيضاً وليسَ فقط للغير.

مثلُ هذهِ العناصرِ أو أحدُها لا نجدُها في مرحلةِ الطفولةِ الأولى الَّتي نتحدّثُ عنها. إنَّما - كما وجدَ الباحثونَ أن عندَ الطفلِ عناصرَ للموتِ مختلفةٌ وهيَ:

+ الموتُ عقوبةٌ: يستعملُ الكبارُ كلمةَ الموتِ بصورةٍ تهديديةٍ موجّهةٍ للصغارِ، أو يتبادلُها الكبارُ فيما بينَهم فتأتي على مسمعِ الصغارِ أيضاً. فيقترن الموتُ في ذهنِ الطفلِ بمعنى العقوبةِ ويفهمُها أنَّها مجردُ آلامٍ وأوجاعٍ جسيمةٍ يحسُّها الميت. أي أنَّ الطفلَ يستنتجُ بمنطقهِ اللاشعوري أنَّ الميتَ لا بدَّ أن يكونَ قد اقترفَ ذنوباً استحقَ عليها هذهِ الآلامُ الَّتي يسمّونَها الموت.

ومعَ تقدّمِ الطفلِ في السنِّ وهوَ لا يزالُ بمرحلةِ الطفولةِ المبكّرةِ، قد تزدادُ معلوماتُه فيعلمَ أنَّ الميتَ يُدفنُ في حفرةٍ ترابيةٍ، فتأتي الديدانُ والحشراتُ لتنهشَه. ولكنَّ الطفلَ يبقى دائماً متوهّماً أنَّ الميتَ يحسُّ كلَّ هذهِ الأمورِ ويعانيها بآلامٍ حياتيةٍ شديدة.

الموتُ عندَهُ فقط عقوبةٌ لذا ليسَ الموتُ مصيراً عاماً، إنَّما هوَ نصيبُ المذنبينَ لأنَّ الطفلَ يظنُّ أنَّهم بعدَ عقوباتِهم يعودونَ للحياةِ كحالةٍ طبيعية.

+ الموتُ مرضٌ:كما يقترنُ الموتُ في ذهنِ أكثرِ الأطفالِ بفكرةِ المرض. لذا يقترنُ الموتُ في ذهنِهم بصورِ الأطباءِ والمستشفياتِ والأدوية. ولأنه مرضٌ فالشفاءٌ منهُ ليسَ مستحيلاً، والإصابةُ بهِ ليست أمراً محتوماً على الجميع. حتَّى أنَّ المرضَ قد يكونُ عقاباً. وبذلكَ تتداخلُ معاني الموتِ بأحوالِ الشفاءِ وتمتزجُ في ذهنِ الطفل.

+ الموتُ حادثٌ طارئ: كأن يحصلَ الموتُ نتيجةَ حادثٍ غيرِ طبيعيٍّ (كحادثِ اصطدامٍ أو غرقٍ أو حريق) أو نتيجةَ عدوانٍ بالضرب. فلا يخرجُ الموتُ عن معنى القتلِ، فيقترنُ في تخيلاتِ الطفلِ (بالإسعاف). فيكونُ الموتُ ليسَ مصيراً عاماً، كما أنَّهُ ليسَ نهايةٌ ضرورية.

+ الموتُ نومٌ: هنا يفهمهُ الصغارُ أنَّهُ نومٌ لسببٍ في وظيفةِ عملِ الجسم. فلا يعود الميتُ قادراً على الأكلِ والشربِ والتنفسِ وأيضاً الرؤيةِ والسمع. فيعجزُ الميتُ عن اللعبِ والجري. وبما أنَّ النومَ أمرٌ مؤقتٌ فالموتُ أيضاً لا يكونُ مطابقاً لمعناه عندَ الكبار.

ثالثاً: مفهومُ مشاعرِ الموت عندَ الأطفال

          يستقي الطفلُ مفهومَ الموتِ في مفهومهِ للحياة بقدرِ ما للحياةِ من أهميةٍ، وهيَ كذلك عندَ الأطفالِ. هكذا أيضاً يصيرُ الموتُ الَّذي يسلبُ وجودَ الحياةِ، فينالَ ذاتَ الأهميةِ بمشاعرَ عكسية، ويشكلُ لدى الطفلِ مشكلاتٍ وأموراً غامضةً تنشأُ عنها أسئلةٌ تأتي في إطارِ نموِّهِم وبحسبِ مدركاتِ عقولِهم ومشاعرِ نفوسِهم.

الأطفال في مرحلة ما قبل المدرسة أي في المرحلةِ الواقعة بينَ 3ِ-6ِ سنوات من نموِّهِم وخاصةً النموِّينِ العقلي والنفسي فإنَّهم يميلونَ إلى رؤيةِ العالمِ في حدودٍ إنسانيةٍ بصورةٍ عامة، أي أنَّهم يعتقدونَ بأنَّ كثيراً من الأشياءِ حيةٌ ولها مشاعرٌ ونياتٌ ومقاصد. ويعتقدونَ أيضاً أنَّ النباتاتَ والحيواناتَ وكذلكَ البيوتَ والسياراتَ صُنعَت منَ قِبلِ الإنسانِ ومن أجله. ويدركونَ أحداثاً كثيرةً تحصلُ في الكون، كلَّها ذاتُ مقصدٍ كمثلِ وجودِ الغيومِ وتحرّكِها وهطولِ الأمطارِ وما شابه. فالأطفالُ يؤمنونَ في هذهِ المرحلةِ أنَّ لا شيءَ البتةَ هوَ صنيعُ الصدفةِ وله وجودَ عَرَضي.

كما أنهم مدركون للموت في مرحلة مبكرة. يسمعون عنه في حكايات الجن، و‏يشاهدونه على التلفاز، ويصادفون حشرات صغيرة ميتة، أو طيوراً، أو غيرها على رصيف ‏الشارع أو بجانب الطريق. وربما اختبر بعض الأطفال موت حيوان أليف أو فرداً من العائلة.

بالرغم من هذا توجد مفاهيم عن الموت لا يزال أطفال هذه المرحلة غير قادرين على ‏فهمها. مثال على ذلك: لا يمكنهم أن يستوعبوا أن الموت دائم، وحتمي، ويصيب الجميع، ولا يمكنهم أن يفهموا أيضاً بأن كونك ميتاً يعني أن الجسد لم يعد يقوم بوظائفه. فهم يظنون أنه ‏لا يزال بمقدور المتوفى أن يأكل، وينام، ويفعل الأشياء الاعتيادية - باستثناء أنهم يقومون ‏بتلك الأشياء في السماء أو تحت الأرض.

لا يهم كم مرَّة تفسر ذلك، فالأطفال في هذه المرحلة لا يستطيعون أن يفهموا حقاً ما الذي سبَّب ‏الموت، ويفكرون فيه كشيء مؤقت ومعكوس. حتى عندما يموت أحد الوالدين أو أحد الإخوة، ‏فإنَّ أطفال هذه المرحلة لا يفهمون الموت كشيء يمكن أن يحدث لهم.

          نادراً ما يفهمُ أطفالُ هذهِ المرحلةِ الماضي والمستقبل. إنَّما الحاضرُ هوَ المدركُ عندَهم لذا نجدهُ كبيراً جدّاً في تفكيرِهم. لهذا ليسَ منَ المدهشِ ألا يفهمَ الأطفالُ الصغارُ الموتَ على أنَّهُ انتهاءٌ للحياة. وأجوبةُ الأطفالِ الصغارِ عن أسئلةٍ حولَ معنى الموتِ تعكسُ تفكيرَهُم. ومنَ الأمثلةِ على ذلك: (أن يكونَ المرءُ ميتاً هوَ ألاّ يكونَ لكَ أيُّ عشاء) أو (أنَّكَ تنام). وفي أفضلِ الأحوالِ يفهمُ أطفالُ ما قبلَ المدرسةِ الموتَ على أنَّهُ نوعٌ منَ الحالِ المتغيّرةِ كأن يكونَ المرءُ جائعاً أو نائماً، ولكنَّهُ ما يزالُ مستمرّاً معَ الحياة.

في عمر الدراسة يبدأ الأولاد بفهم أن الموت دائم وحتمي. هم يعلمون - فكرياً إن لم يكن عاطفياً - أن هذا يمكن أن يصيب الناس اليانعين بالإضافة إلى ‏الكبار بالسن. ربما يخافون من أن الموت مُعْدٍ بطريقةٍ ما، ويمكنهم أن يشخصوه، مفكرين في ‏الموت من حيث أنه شبح أو حاصد مخيف مُقَلْنَس.

ما لم يكن لديهم أصدقاء صغار أو إخوة قد ماتوا، فإنَّ أطفال المرحلة الدراسية لا يزال في ‏اعتقادهم أن الموت لا يمكن أن يصيبهم. يشعرون أن بإمكانهم بطريقةٍ ما أن يتغلبوا عليه بالمكر ‏أو أن يهربوا منه. لكن إن مات أحد إخوتهم أو صديق لهم صغير بالسن، فسيصدمون بعمق و‏يفزعون.

رابعاً: دردشاتٌ مع أطفالٍ حولَ الموت

يتقبّلُ الأطفالُ الصغارُ حقيقةَ الموتِ أكثرَ من الكبارِ، أغلبُهم مستعدونَ ويرغبونَ الكلامَ عنهُ بعكسِ الكبار. فهؤلاءِ الكبارِ ينظرونَ إلى الموتِ على أنَّهُ منَ المحرّماتِ الَّتي لا يجبُ التحدّثُ فيها. أما الأطفالُ فيتساءلونَ عنهُ ويعبِّرونَ عن خوفِهم منهُ عندَما تحدثُ مناسبةٌ تثيرُ مخاوفَهم. أما بالنسبةِ للَّذينَ يخافونَ أن يسألوا، فإنَّهم بحاجةٍ لهذا الحديثِ فعلى الأهلِ والمرّبينَ تشجيعُهم للسؤالِ أو الحديثِ حتَّى لا تبقى مخاوفُهم مكبوتةٌ بداخلِهم. فليسَ من المفيدِ أن يحتفظوا بأسئلتِهم لأنفسِهم.

منَ المفيدِ جدّاً أن يكونَ الأهلُ والمربّونَ ذوي إصغاءٍ حسنٍ لتساؤلاتِ أولادهِم. وهذهِ أهمُّ النصائحِ المرافقةِ لهذا الاستماع:

- اكتشافُ ما الَّذي يسألَهُ الولدُ فعلاً. فقد يكونُ السؤالُ ليسَ تماماً كما نفكِّرُ بالنيابةِ عن أولادِنا. لذا يُستحسنُ أن ندعَهُم يشرحونَ صيغةَ السؤالِ بلغتِهم.

- اكتشافُ الأفكارِ والمعلوماتِ الَّتي يعرفُها حولَ موضوعِ الموت، خاصةً النقطةُ الَّتي بدأَ منها الطفلُ بسؤالِه، أي علينا معرفةُ النظريةِ الحاليةِ لموضوعِ سؤالهِ هذا.

- عندَ الإجابةِ عن أسئلةِ أطفالِنا علينا الإجابةُ ببساطةٍ ليستوعبوا الفكرةَ الَّتي يبحثونَ عنها.

- يهتمُّ الولدُ بالإحساسِ أنَّ أهلَهُ محبّونَ للمعرفةِ عن طريقِ إجابتِنا الَّتي يشعرُ منها مدى اهتمامِنا بأسئلتهِ هذهِ بعدَ سماعِها عن طريقِ التعجبِ لأهميةِ سؤالِهم.

- علينا معَ إجابتِنا لمثلِ تلكَ الأسئلةِ أن نمدَّهُم معَ الجوابِ بالإحساسِ بالراحةِ لنيلِهم أجوبتِهم. وربما يفتحُ هذا عندَ الأولادِ رغبةً بمزيدِ منَ الاستفسارِ فعلى الأهلِ ألا يتضايقوا منهم إنَّما بالعكسِ عليهم تعميقُ الاهتمامِ بهم وبأسئلتِهم.

- علينا أن نعرفَ أنَّ نموَّ الطفلِ بصورةٍ سليمةٍ يُبنى على مثلِ هذهِ المعرفةِ الَّتي تلبّي عندَ الولدِ الرغبةَ في حبِّ معرفةِ أسرارِ الحياةِ وغوامضِها. لذا عندَما يستعصي على ولدِنا فهمَ ما نقول، لا يجبُ أن ننهرَهُم قائلينَ: (بكرا بتكبر وبتعرف أفضل)! لا، إنَّ مثلَ هذا الجوابِ يُبعدُ الولدَ عن الثقةِ بأهله، وربما يتبالدُ التفكيرُ عندَه.

لذا يجب أن نتصرفَ بصورةٍ صحيحةٍ ومفيدةٍ كمثلِ قولِنا: (دعنا نُفكّرُ بالَّذي يحتاجُ إلى إيضاحٍ أكبر). فتمتدُّ الجلسةُ لبضعِ دقائقَ مفيدة. وهذا ينطبقُ ليسَ فقط على موضوعِنا، إنَّما أيضاً على كلِّ التساؤلاتِ الأخرى. وهكذا تنمو لديهِ الرغبةُ في المعرفةِ والتعلّمِ مدى حياتِه.

- هم بحاجةٍ لحديثٍ واضحٍ يتناسبُ وأعمارَهم ووعيَهم. فلا يفيدُهم القوُل: (اللهُ أخذَ جدّكَ)، لأنَّهم سيظنونَ أنَّ اللهَ يخطفُ الناس. ولنستمع إلى حوارٍ أظنُّ أنَّهُ سيضحكُنا. أمٌّ لثلاثةِ أولادٍ أعمارُهم: ثمان وسبع وخمس سنواتٍ. توفيَت صديقةُ الأمِّ الَّتي كانوا يحبّونَها كثيراً فأخبرَتهم بالنبأِ فسكتَ الطفلانِ الكبيرانِ وشعرَا بالضيق. ولكن الأختُ الصغرى انفجرَت بالضحكِ إلى أن قالَ أخوها الكبير: ماما قولي لها إنَّ ما تفعلُه شيءٌ لا يدلُّ على الأدب. انتظرَت الأمُّ حتَّى استطاعَت أن تنفردَ بالطفلةِ الصغيرةِ لتسألَها لماذا كانت تضحكُ هكذا؟ قالت الطفلةُ: (لأنَّ معلّمةَ مدارسِ الأحدِ قالت: (إنَّنا عندَما نموتُ فإنَّ جسدَنا يبقى هنا ونحنُ نذهبُ إلى السماء). قالت الأمُّ: (نعم هذا صحيح). قالت الطفلةُ: (لا بدَّ أنَّ مظهرَنا سيكونُ مضحكاً ونحنُ بلا جسدٍ، فإنَّ أذرعَنا وأرجلَنا ستلتصقُ برؤوسِنا، وكنتُ أفكِّرُ بمنظرِ (تانت روز) المضحك). تصوّرَت الطفلةُ بخيالهِا الخصبِ أنَّ الجسدَ هوَ فقط الجذعُ دونَ أن يشملَ اليدينِ والرجلينِ والرأس!!

+ لنستمع إلى هذا الحوار: سألَ طفلٌ بعدَ أن رأى كلبَ جدّهِ بلا حِراكٍ: (ما الَّذي حدثَ لكلبِ جدّي؟) فكانَ جوابُ ذويهِ: (ماتَ، لقد كبرَ في السنِّ ولم يعد قادراً على الجري، وأثناءَ موتهِ كانت جدتُكَ قريبةٌ منهُ وهوَ يشعرُ بمدى محبتِها لهُ). فأبدى تساؤلاً: (وجدّي أيضاً لم يعد قادراً على الجري، هل سيموتُ أيضاً؟ لماذا يموتُ الناس؟) فكانَ جوابُ ذويهِ: (عادةً يموتُ الناسُ عندَما يكبرونَ فيمرضونَ وأجسادُهم تتعب، لذا فإنَّ جدُّكَ سيموتُ في يومٍ من الأيام، وعندَما يموتُ فإنَّ الوقتَ يكونُ قد حانَ ليتركَ جسدَهُ الَّذي تعب، ويذهبُ لكي يعيشَ معَ يسوعَ في السماء).

          تبعَ الطفلُ كلامَهُ بالسؤالِ التالي: (هل كلُّ مَن يموتُ يذهبُ إلى السماء؟) فكانَ الجوابُ: (كلُّ مَن يحبُ يسوعَ ويتبعهُ يمكنُ أن يتأكّدَ أنَّهُ ذاهبٌ إلى السماء، عندَما يأتي وقتُ موتِه، لكنَّ اللهَ لا يجبرُ الناسَ لكي يعيشوا معهُ إذا لم يرغبوا هم في ذلك، فنحنُ نستطيعُ أن نختار).

- لنسمع لهذا الحديثِ الثنائي بينَ طفلٍ وراشدٍ حكيم: قالَ الطفُل: (ما الَّذي يحدثُ لكَ عندَما تموت؟) فأجابَه: (فكِّر فيما يحدثُ عندَما تنتقلُ من بيتٍ لآخر، إنَّكَ تتركُ المبنى وتأخذُ كلَّ أشياءِكَ منهُ، وجسمُكَ مثلُ البيتِ يحتوي على كلِّ الأشياءِ المهمةِ بداخلِه، فعندَما نموتُ نتركُ أجسادَنا القديمةَ لأنَّها لم تعد لها فائدةٌ بالنسبةِ لنا، ونأخذُ الأشياءَ المهمةَ، والأشياءَ الحقيقيةَ الَّتي هيَ أشخاصُنا أي أنتَ وأنا. ولنا من أمثلةٍ بعضُ الحيواناتِ مثلٌ على ذلك: فالثعابينُ تنسلخُ من جلدِها القديم، ونحنُ ننسلخُ من أجسادِنا عندَما نموت. أما أنفسُنا الحقيقيةُ فهيَ تذهبُ إلى السماء. ولنا مثلٌ آخرٌ هوَ اليرقةُ فإنَّها تتحولُ إلى فراشةٍ جميلة. هذا أيضاً يشبهُ كثيراً ما يحدثُ لحياتِنا، فإنَّنا نشبهُ اليرقةَ أثناءَ حياتِنا على الأرض، نهتمُّ بالأكلِ والنومِ وحفظِ أجسادنِا حية، لكن أفضلُ شيءٍ لم يأتِ بعد، عندَما نموتُ نتركُ أجسادَنا القديمةَ كمثلِ اليرقةِ عندَما تصيرُشرنقةً، ثمَّ يلبسُ الجزءُ الحقيقيُّ الَّذي يعيشُ بداخلِ أجسادِنا، جسماً جديداً جميلاً لكي يحيا معَ اللهِ مثلَ اليرقةِ الَّتي تصيرُ فراشة).

+ عندَنا طفلٌ يخاطبُ اللهَ كمثلِ صلاةٍ فيسألَهُ: (لماذا ماتَ ببغائي؟ لا بدَّ أنَّكَ تعرف، حَّتى إذا كنتُ أنا لا أعرف. لقد كنتُ أنا كلَّ شيءٍ بالنسبةِ له، لذلكَ أرجوك أن تعتني به، وكذلك بقطَّتي وكلبي، ومن فضلكَ يا رب... أرجوك أن تعتني بجدي الَّذي ماتَ أيضاً).

نحنُ الآنَ معَ طفلٍ في نهايةِ مرحلةِ طفولتهِ أي أنَّهُ يبلغُ العشرَ سنواتٍ فنسمعهُ يسألُ: (إذا كانَ اللهُ قد أعطانا الحياة، فلماذا يموتُ الناس؟) فكانَ الجوابُ: (لم تكن خطةُ اللهِ يومَ خلقَ العالمَ بأن يموتَ الناس. فالموتُ شيءٌ غيرُ طبيعيٍّ وسيء. لقد قالَ اللهُ للإنسانِ الأول أنَّهُ سيموتُ إذا لم يطع الوصية، لكنَّ آدمَ وحواءَ اختارَا أن يخالفا وصيتَهُ وهكذا دخلَ الموتُ إلى العالم. ولمّا كانَ اللهُ قد خطّطَ من البدايةِ أن يعيشَ البشرُ، لذلك أرسلَ يسوعَ لكي يمنحَ الناسَ الحياةَ الأبديةَ كعطيّةٍ منهُ، وكلُّ مَن يقبلُ تلكَ العطيةَ فإنَّ الموتَ لا يكونُ النهاية. إنَّهُ فقط البوابةُ الَّتي يعبرُ بها للحياةِ الجديدةِ معه.

خامساً: ما هو الموت عند الطفل؟

ماذا تتوقع في هذا العمر؟ يتصرف أطفال هذا العمر مع الموت بطرق متنوعة. لا تتفاجأ إذا أصبح طفلك متعلقاً عاطفياً أو هادئاً كثيراً‏‏، أو ‏يتراجع عن تعوده استعمال المرحاض، أو يعود لمناغاة الأطفال، أو يتهرب فجأة من الذهاب إلى ‏روضته المعتادة، أو من الذهاب إلى المدرسة. لا تنس أن روتينه اليومي يمكن أن يُعطَّل، فهو يصارع ليفهم لماذا الأشخاص ‏البالغون حوله حزينون جداً، و يمكن للعالم فجأة أن يبدو نذير شؤم بالنسبة له بطريقة لم تحدث ‏من قبل.

من ناحيةٍ أخرى يمكن ألاَّ يُظهر أي ردة فعل فيما يتعلق بالموت على الإطلاق، أو يمكن أن تكون ‏أجوبته متقطعة، أو ممزوجة مع ابتهاجه المعتاد و لعبه.

هذا طبيعي أيضاً. يعالج الأطفال الحزن في قضم قطع ذات حجم وليس كلها مرة واحدة. والعديد ‏يؤخِّر الحزن حتى يشعر بأمان ويفرِّغ تلك المشاعر - وهي عملية يمكن أن تستغرق أشهراً أو ‏حتى سنوات، وبالتحديد إذا فقدوا أحد الوالدين أو أحد الإخوة. ربما ينهمك طفلك في هذه المرحلة في تصرفات تبدو غريبة بالنسبة لك، مثل لعب دور الميت. ‏هذا طبيعي جداً، حتى لو صدمك الميل للأشياء الكئيبة مثل الموت والمرض، لذلك لا تثبِّط ‏طريقته الهامة هذه في العمل مع مشاعره حول الموت. من هنا عليك أن تفسرَ الموت لطفلك كما يلي:

‏أ- لا تتملَّص من أسئلته:

من الطبيعي بالنسبة لطفلك في هذه المرحلة أن يكون فضولياً فيما يخص الموت، حتى ولو لم ‏يفقد أحد أحبائه بعد. في الحقيقة إنَّ الأوقات الأقل امتلاء عاطفياً هي فرص جيدة لتأسيس عمل ‏مبدئي يساعد طفلك على تدبُّر الأمر عندما يفقد أحداً ما. أجب عن أسئلته حول الموت، ولا تخف من قراءة قصص عن الأطفال الذين مات لهم أحد الأجداد ‏أو الحيوانات الأليفة.

ب- أعطِ أجوبة بسيطة و مختصرة:

لا يمكن للأطفال الصغار أن يتعاملوا مع معلوماتٍ كثيرةٍ في الوقت نفسه. من المفيد في هذا ‏العمر أن تشرح الموت من ناحية الوظائف الجسدية التي توقفت عن عملها، بدلاً من الدخول في ‏نقاش معقَّد لمرض معين: "الآن بما أنَّ العم جون مات، فقد توقف جسمه عن العمل. لا ‏يستطيع المشي أو الركض، أو الأكل أو النوم أو الرؤية بعد الآن، ولا يمكنه أن يشعر بالألم". من المهم أيضاً أن تساعد الطفل في هذه المرحلة على فهم الأساسيات مثل: مَنْ الذي سيعتني به. (هو يظن) أنّه إذا ماتت أمه، مّنْ الذي سيغسِّلني؟

جـ- عبِّر عن أحاسيسك:

الحزن هو جزء هام من الشفاء لكلٍّ من الأطفال والراشدين: لا تُرعب طفلك بحزن زائد، ولكن ‏لا تجعل الموضوع أيضاً يتخطى الحدود. اشرح بأن الراشدين أيضاً بحاجة للبكاء أحياناً، وأنك تشعر بالحزن لأنك تفتقد جدتك. طفلك في ‏هذه المدرسة مدرك بشدة للتغييرات في مزاجك وسيكون أكثر قلقاً إذا أحسَّ بأنَّ هناك خطْبٌ ما و‏أنك تحاول أن تخفيه. وأن الحزن هو ‏موضوع محرَّم أو غامض.

د- تجنَّب العبارات الملطَّفة:

عبارات الراشدين الشائعة عن الموت - "يرقد بسلام" ، "في نوم أبدي" - يمكن أن تكون ‏مربكة بالنسبة للأطفال الصغار، إذاً لا تقل بأن جدَّك "نائم" أو "سافر". إنَّ الطفل في هذه ‏المرحلة يمكن أن يقلق من أنَّ الذهاب إلى السرير في الليل يعني بالنسبة له أنه سيموت أيضاً، أو ‏أنك إذا غادرت المكتب أو المتجر، أنك لن تعود، أو إذا سافرْت في رحلة أنك لن ترجع. اذكر الأسباب الحقيقية للموت ببساطة قدر الإمكان: "جدُّك كان كبيراً جداً جداً في السن بحيث أن ‏جسمه لم يعد يعمل بعد الآن". إذا كان جدُّه مريضاً قبل أن يموت قل:" كان لدى جدي نوع خطير من مرض ‏السرطان وجسمه لم يستطع التعافي منه". لا تنس بأن تؤكد لطفلك بأن ‏مرضه بالرشح أو الأنفلونزا لا يعني بأنه سيموت. اشرح بأن هناك طرقاً مختلفة يمرض بها ‏الناس، وأننا نتعافى من الأمراض الخفيفة مثل التي تصيب طفلك عادةً.‏

هـ- تصرّف بحذر عندما تناقش أموراً عن الله والسماء:

ستعتمد تفسيراتك عن الموت والحياة بعد الموت على إيمانك. إذا كانت مفاهيم الله والسماء ‏ستدخل في حديثك، فكِّر بحذر فيما ستقول، لأن الكلمات التي هدفت لتريح طفل، من الممكن ‏أيضاً أن تزعجه فعلاً.

إذا أخبرت طفلك في هذه المرحلة: "جميلة سعيدة الآن، لأنها في السماء" ، على سبيل المثال، ‏فمن الممكن أن يقلق: كيف يمكن أن تكون جيني سعيدة حقاً إذا كان الجميع حولي حزينون جداً‏؟ إذا قلت:"جميلة كانت جيدة جداً ولذلك أرادها الله أن تكون معه"، فمن المحتمل أن يظن أنه: ‏إذا كان الله قد أراد أن يأخذ جميلة، فهل سيأخذني أنا أيضاً؟ هل عليَّ أن أكون جيداً لكي يمكنني ‏أن أكون معها في السماء، أو سيئاً لكي يمكنني البقاء هنا مع أمي و أبي؟

وهكذا دواليك يمكن القول: "نحن حزينون جداً لأن جيني ليست معنا هنا وسنفتقدها كثيراً، ‏لكن من المريح أن نعرف أنها مع الله الآن"، فهذه ستطمئن طفلك دون أن تزيد القلق لديه.

وأخيراً، توقَّع من طفلك أن يشعر ببعض الغضب من الله لأنه سيدع شخصاً محبوباً يموت.

و- كن مستعداً لمجموعة متنوعة من ردات الفعل:

لا يشعر الأطفال بالحزن فقط إثر موت شخص عزيز، فربما يشعرون أيضاً بالذنب أو الغضب. و‏خاصةً إذا كان المتوفى فرداً عزيزاً من العائلة. حتى ولو لم تتكلَّم بصوت عالٍ، فربما ستظن ‏الطفلة بأن أخاها الصغير مات لأنها كانت تغار منه على سبيل المثال. أو أنها غاضبة لأنها - أو ‏أنت - لم تستطع منعه من الموت.  أكِّد ‏لطفلتك بأن لا شيء مما قالته أو فعلته قد سبّب الموت، ولا تتفاجأ إذا عبَّرت عن الغضب تجاهك‏‏، أو تجاه الأطباء والممرضات، أو حتى المتوفى. توقع أيضاً بأن تصيبها نوبات غضب في أغلب الأحيان، إمَّا كطريقة لتفرِّغ عن حزنها (بالرغم ‏من أن نوبة الغضب يمكن أن تظهر بسبب شيء آخر) أو كردة فعل على التوتر والحزن في ‏منزلك. 

ز- توقَّع أن يُعرض الموضوع للمناقشة بشكلٍ متكرر:

كن مستعداً للإجابة عن الأسئلة نفسها من طفلتك مراراً وتكراراً، لإظهار مؤشرات ‏على الأسى أو الحزن على مرور فترةٍ طويلةٍ من الزمن - وحتى لسنوات. بما أنَّ فهم ديمومة الموت يشكل ‏صراعاً بالنسبة لها. ومن المحتمل أن تأتي بأسئلة جديدة كلَّما نما إدراكها للموت ومهاراتها المعرفية، حسبما يقول ‏مستشارو الحزن / الكآبة. لا تقلق إن لم تفسِّر الموت بشكل مناسب للمرة الأولى - فأسئلة طفلك ‏المستمرة طبيعية. فقط استمر في الإجابة عنها بصبر قدر الإمكان.

حـ- أحيي ذكرى المتوفى:

أطفال هذه المرحلة بحاجة لطرق ملموسة / محسوسة ليعبروا عن حزنهم لموت الشخص العزيز. لذا يمكن للطفل أن يشترك في خدم تذكارية بأي طرق يمكن أن تشعره بالراحة. ويمكن للطفلة أن ‏تضيء شمعة في البيت، أو تغني أغنية، أو ترسم لوحة، أو تشترك في بعض الاحتفالات الدينية ‏الأخرى.

من المفيد أيضاً أن تتكلم حول العلاقات الجيدة التي امتلكَتْها مع الشخص الذي مات: "أتذكرين ‏عندما ذهبت أنت وجدَّتك لقطف التفاح؟ لقد استَمْتَعَتْ كثيراً معك".

ط- ناقش الإجهاض:

إذا حصل لكِ ولشريكك إجهاض، فستحزنون بلا شك. ويمكن أن تتفاجؤا في اكتشاف أن ‏طفلتكم في هذه المرحلة حزينة أيضاً، حتى ولو أنَّ فهمها عن الحمل كان لا يزال ناقصاً نوعاً ما. وحتى ولو لم تتصرف ‏بابتهاج فيما يتعلق في الحمل في البداية. من الممكن أن تشعر بالذنب حول الموت، وخاصة إذا ‏كانت تشعر بالغيرة من الطفل الذي يحصل على انتباه الجميع. أو الحزن على خسارة دور "الأخت الكبرى" الذي ‏كنت تحضرينها من أجله. وستحتاج إلى الكثير من الشجاعة لتؤمن بأن هذا النوع من الموت هو ‏غير مألوف / نادر، وخاصة إذا حاولت إنجاب طفل آخر.

اشرحي بأن الأطفال الذين يجهضون هم عادةً غير سليمين كفاية ليعيشوا خارج الرحم. دعي ‏طفلتك تقول وداعاً عن طريق رسم لوحة أو صنع هدية خاصة للطفل الراحل.

ي- لا تقلِّل من شأن موت حيوان أليف:

هذه هي المواجهة الأولى للعديد من الأطفال مع الموت، حتى وإن لم تكن هذه المواجهة الأولى لطفلتك مع الموت، يمكنها أن تكون حدثاً مأساويّاً بشكلٍ ‏عميقٍ بالنسبة لهم. إنَّ كلب أو قطة العائلة هو غالباً زميل الطفل الأول والأفضل في اللعب، ‏مانحاً حباً وصحبة غير مشروطين. إطعام الدُرَّة (نوع من الببغاء الصغير) أو السمكة الذهبية بشكل ‏منتظم يمكن أن يجعلها تشعر بالفخر وبأنها بالغة.

حاول ألا تقول: "لا تشعري بالحزن ،فإن روفر في السماء الآن" ،- هذا يعلِّمها أن حزنها ‏الحقيقي لا داعٍ له. بدلاً من ذلك قدِّم لها الكثير من المواساة / التعاطف من أجل خسارتها، و‏توقع نفس أنواع الحزن المستمرة والأسئلة المكررة التي ستحصل عليها إذا مات الشخص الذي ‏كانت تهتم لأجله.

ك- ساعدها في الاستجابة لتغطية وسائل الإعلام للموت:

ربما لا تزال طفلتك غافلة نوعاً ما عن أعداد الوفيات المُعْلَن عنه بشكل واسع في وسائل الإعلام ‏أو أنه ربما لايرى تغطية الأخبار للكوارث المحلية أو الحروب. لكنها ستتحسس حقيقة أنك حزين أو قلق‏‏، ومن المحتمل أيضاً أن تسمع أطفالاً أكبر منها يناقشون هذه الأحداث.

أكِّد لها بأن: "الناس غاضبون ويتقاتلون بعيداً"، وهذا ما يجعلك حزيناً، ولكنك موجود ‏لتعتني بها وستفعل ما باستطاعتك لتبقيها آمنة.

ل- افعل ما بوسعك لتعيد حياة طفلتك في هذه المرحلة "إلى حياتها الطبيعية":

لا تزد خسارة طفلتك سوءاً من خلال ترك البرنامج والنشاطات التي تُرسي حياتها وتمنحها ‏إحساساً بالأمان. يجب توقع بعض الانزعاج بالطبع، لكن كلَّما عاد روتين الطفل في هذه المرحلة بشكل أسرع نحو ‏الطبيعي، كان أسهل بالنسبة لها. فهي بحاجة للذهاب إلى السرير في الوقت المحدد، وتناول وجباتها في الوقت المحدد، وإذا كانت في روضة أطفال، أن ترجع إلى الأصدقاء والمرح ‏الذي كان لديها في المدرسة أو الروضة. 

م- لا تحاول أن تكون كاملاً:

إذا كنت مفجوعاً بشكل عميق بموت حديث، افعل ما بوسعك لترشد طفلك عبر الأوقات الصعبة، ‏لكن لا تحسب نفسك كاملاً. فلا بأس في البكاء أمام طفلك ولا تحسب نفسك قادراً على الإجابة عن كل سؤال بشكل متقن في ‏المرة الأولى. اطلب المساعدة من الأصدقاء والأقارب، وتذكَّر أنه كلَّما ساعدت نفسك في تدبُّر الأمر، كنت ‏قادراً بشكل أفضل على مساعدة طفلك في تدبُّر الأمر الآن ولاحقاً. 

ن- احصل على المساعدة:

 إذا بدا أنَّ طفلك يمرّ بوقت عصيب بشكل خاص في تدبُّر الأمر - إذا كان خائفاً من الذهاب للنوم ‏على سبيل المثال، أو يبدو مكتئباً - تكلَّم مع طبيب الأسرة حول النصيحة الاحترافية.

سادساً: الخاتمة

في الحديثِ عن الموتِ تكونُ خاتمةُ حديثِنا أنَّنا نذهبُ لإيداعِ مَن رحلَ في المقبرةِ المُعَدّةِ للدفن. ثمَّ نتابعُ في العزاءِ الَّذي يشاركُنا بهِ الأقاربُ والأصدقاء. فالسؤالُ هنا: هل يشاركُ الأولادُ في مظاهرِ العزاء؟

ربما يرغب طفلك أو لا يرغب في حضور الجنازة (وتحديداً إذا كان البقاء قرب جثة الميت قبل الدفن‏‏)‏.

يُستحسنُ أن يشاركَ الطفلُ في وداعِ الميت، ومراسمِ الجنازة، وتَقبّلِ التعازي، ورؤيةِ الحزنِ الَّذي يسودُ جوَ البيت. كلُّ هذا يساعدُ الطفلَ على التكيّفِ معَ فكرةِ فقدانِ شخصٍ ما، فهيَ مؤلمةٌ، لكنَّها تساعدهُ في فهمِ حقيقةِ الموتِ وتجاوزِ الأزمةِ بوجهٍ عام، والتأقّلمِ معَها. كما يمكن للجنازات أن تساعد بعض الأطفال بأن ‏يتقبَّلوا الموت بشكلٍ أفضل ، وخاصة إذا قمت بعمل حذر قبلاً في تفسير ما سيبدو ‏عليه الجسد، وما هو الكفن، وكيف سيتصرف الناس الآخرون، والعديد من التفاصيل الأخرى ‏حول الحدث قدر الإمكان. فالدفنُ يحققُ أهدافاً نفسيةً وإيمانيةً وكنسيةً مختلفةً للكبارِ وللصغار، والدفنُ يساعدُ في التغلّبِ على الحزنِ بسببِ مشاركةِ المعارفِ والأصدقاءِ الَّذين يجتمعونَ لإظهارِ عواطفِهم وتعزيتِهم. لذا فإنَّ مشاركةَ الطفلِ مظاهرَ العزاءِ أمرٌ ضروريٌّ إلا في الحالاتِ الَّتي هوَ يرفضُ فيها ذلكَ بنفسه. أو أن يكونَ أصغرَ من أربع سنوات.

وهوَ أمرٌ مقبولٌ أيضاً أن يعبّرَ الأهلُ بالبكاءِ أمامَ طفلِهم، حتَّى بكاءُ الطفلِ في هذهِ الحالةِ أمرٌ مُستحسن. فللولدِ الحقُ في التعبيرِ عن حزنه. ومن المُستحسنِ أن يُفسَّرَ لهُ أنَّ الحسرةَ والحزنَ أمرانِ طبيعيانِ وهما من دلائلِ المحبة. ونذكّرهُ بيسوعَ الَّذي بكى على صديقهِ لعازر حيثُ يقولُ الإنجيلُ "وبكى يسوعُ" (يو35:11).

كما أنّ إظهارُ الانفتاحِ العاطفي بطريقِ المصارحةِ يساعدُ الطفلَ على مشاركتهِ الحزنَ بصورةٍ صحيحة، كما يساعدُ على التكيّفِ معَ عمليةِ الفقدانِ والحزن. ولا مانعٌ البتةَ أن يسألَ الطفلُ دائماً عن الميت، أو يذكِّرُنا بالحديثِ عنهُ بأمورٍ بدأنا في نسيانِها. لذا على الأهلِ والمربينَ أن يكونوا صبورينَ على أولادِهم بدلاً من نهرِهم وتأنيبهم.

ولنستعمل الصدقَ معَ الحكمةَ في إخبارِ الطفلِ عن موتِ أحدِ الوالدينِ أو أحدِ المقرّبينَ إليه. فالبعضُ يظنُّ أنَّ عدمَ الإخبارِ يُبعدُ الألمَ والحزنَ ويكونُ ذلكَ باستبدالِ الجوابِ الصادقِ بجملةِ (إنَّهُ مسافر) أو غيرها. هذا خطأٌ فادحٌ، فعدمُ الإخبارِ يجلبُ للطفلِ مزيداً من الألمِ والحزنِ فيحصلُ لأنفسِهم ألمٌ كبير، أكبرُ بكثيرٍ مما لو كشفنا لهُ حقيقةَ ما حدث.

مثلُ هذهِ الصراحةِ وهذا الانفتاحِ في التحدثِ عمَن فقدَهم يجعلُ الطفلَ مشاركاً في الحزنِ وهذا يساعدهُ في التكيّفِ لقبولِ الفقدانِ الحاصلِ وإن كانَ بحزنٍ غيرِ مؤذٍ.

المراجع

·         الطفل من 5-10 ج2 تأليف أرنولدجزل – ترجمة: أ. عبد العزيز جاويد – الهيئةُ المصريةُ العامةُ للكتاب 1995.

·         تطورُ الشعورِ الديني عندَ الطفلِ والمراهق – تأليف عبد المنعم المليجي – دارُ المعارفِ بمصر 1955

·         تنشئةُ أطفالٍ يحبّونَ التعلّم – تأليف كارين فايدن – ترجمةُ صفاء روماني - دارُ كلاس 1998

·         نموُّ الطفل ج1 – تأليف: ديفيد الكانيد – ترجمةُ: د. ناظم الطحان – منشوراتُ وزارةِ الثقافة – دمشق 1996.

·         دراسة للمتخصص في حياة الطفل، ميشيل طوني.

·         http://www.babycenter.com/0_how-to-talk-to-your-preschooler-about-death_65688.bc

·         مقالات متنوعة من الانترنيت.

الملحق الأول:

ملحق: تصوراتٌ للموتِ عندَ الأطفالِ

أ- من خلالِ أدمغتِهم

هنالكَ دراساتٌ وخاصةً عندَ (بياجيه) تدورُ حولَ ما سمّاهُ (العملياتِ المشخصة) أي مجموعةُ الأفعالِ الَّتي يدخلونَها بأدمغة الأطفال ليعملوا ما ينبغي أن يفعلوهُ بدلاً من أيديهم. فتُنمّي هذهِ العملياتُ إدراكَ الصّحِ منَ الخطأِ عبرَ تجاربَ معينة. وتُنمّي عندَ هؤلاءِ الأطفال اتجاهاً عملياً حولَ العالم. ولكن أيضاً تُنمّي تصوّراتٍ تتعلَّقُ بالحياةِ والموت.

 

فتأتي تصوّراتُ الأولادِ ذوي الأعمارِ (6-7) سنواتٍ فما فوق لتفهمَ أنَّ الموتَ الَّذي هوَ نهايةٌ لحياةٍ واحدةٍ يصيرُ بدايةً أيضاً لحياةٍ أخرى. بمعنى أنَّ المائتَ يبدأُ حياةً جديدة. فأحدُ الأطفالِ قالَ: (إنَّ فلاناً الَّذي ماتَ وهوَ في التابوتِ سيكونُ رضيعاً). وعندَما سُئلَ هذا الولدُ: (ما الَّذي يجعلُكَ تفكرُ هكذا؟) أجابَ: (طبعاً، أليسَ كذلك؟) وبنظرِ طفلٍ وُلدَ لهُ أخٌ رضيعٌ بعد. قالَ هذا الطفلُ: (إنَّ أخاهُ هوَ شخصٌ ما قد مات).

وأحياناً يفكرُ الأطفالُ بأنَّ هذا المائتَ قد يتحولُ لإنسانٍ آخر أو حيوان. ولنا هذا الحوارُ: س: (ماذا يحدثُ عندَما يموتُ أحدُهم؟) ج: (لا يشعرُ بأي شيءٍ آخر). س: (ماذا يحدثُ عندَما يذهبونَ إلى هناك (المقبرة)؟) ج: (أحياناً يصبحونَ حيوانات). س: كيف يحدثُ ذلك؟ ج: هناك قوّةٌ تحولُكَ إلى حيوانٍ بعدَ أن تكونَ في المقبرة).

الأهمُّ أنَّ الفكرَ في الدماغِ بفضلِ العملياتِ المشخصةِ هذهِ يُصوِّرُ لبعضِ الأطفالِ (أنَّ الموتَ لا يحدثُ لكلَّ واحد). ليسَ لدى الطفلِ فكرةٌ واضحةٌ عمّن منَ الناسِ يجبُ أن يموت، ومن يجبُ أن يحيا. فلدى سؤالِ أحدِهم: (هل هنالكَ أناسٌ لا يموتونَ قط؟). ج: (الآباءُ). س: (لماذا لا يموتون؟). ج: (لأنَّهم يرعونَ الأطفال). ثمَّ يضيفُ: (وكذلكَ البوليس). س: (ولماذا البوليس أيضاً؟) ج: (لأنَّهم يأخذونَنا إلى السجونِ ويضعونَ الأصفادَ، ولا يموتونَ قط، لا). س: (هل يودُّ بعضُ رفاقِكَ أن يكونَ شرطياً؟) ج: (لا. أودُّ أن أصبحَ معلماً) س: (إذا أصبحَ بعضَ رفاقِكَ (بوليس) فهل لا يموتون؟). ج: (لا أعرف، هناكَ بعضُ الناسِ يموتونَ وبعضُ الناسِ لا يموتون).

ولنعلم أنَّ العمليةَ العقليةَ الَّتي لا يتمرنُ الطفلُ فيها على الصحِ والخطأِ بواسطةِ الدماغِ بدلاً منَ الأيادي تقودُ الطفلَ من ناحيةِ فكرهِ حولَ الموتِ لاكتشافِ الموتَ بصورةٍ شخصية. وهذا مهمٌّ جدّاً، وأهميتهُ تكمنُ في أنَّهُ يكتشفُ بنهايةِ تلكَ التدريباتِ العقليةِ حقيقةً مفادُها أنَّهُ هوَ أيضاً سيموت. فيكتشفَ بعدَها وهوَ في ذروةِ هلعه بأنَّ أحدَ والديهِ سوفَ يموتُ فيزدادُ خوفه. وهذا الأمرُ يُعالجُ بالوعي والتربيةِ الصالحةِ حولَ الموتِ لدى الأهلِ والمربينَ الواعينَ والمدركينَ لهذهِ الضرورة.

ب- من خلالِ اكتسابِهم أفكاراً مجرّدة

تبدأُ في مرحلةِ الانتقالِ في الدراسةِ بطرائقَ جديدةٍ منَ التفكيرِ لاكتسابِ أفكارَ مجردةٍ أكثرَ عن الزمانِ والمكانِ والسببيةِ، عبرَ العمليةِ الصوريةِ لأنَّ الأطفالَ هنا صاروا شبيبةً بدءاً منَ الحاديةَ عشرَ أو الثانيةَ عشرَ منَ العمرِ، وصارَ بإمكانِهم أن يفهموا مفاهيمَ الزمنِ التاريخي، والفضاءِ الخارجي، والعليةِ الاحتمالية. ويستطيعونَ إدراكَ المجازاتِ، والاستعاراتِ ويشاركونَ في المناقشاتِ الفكريةِ حولَ المثلِ العلية، والقيمِ والمواقف. حيثُ تتمكنُ هذهِ الشبيبةُ منَ البدءِ بالتعاملِ فكرياً بنظرةٍ علميةٍ عن العالمِ تغايرُ نظراتِهم عن الحياةِ والموت.

إلا أنَّهم بدؤوا بفهمَ الحياةِ والموتِ بحسبِ المصطلحِ البيولوجي الطبّي كمثلِ قدرتِهم على تعاريفَ جديدةٍ فهذا أحدُهم يعرِّف الموتَ على أنَّهُ: (جسمٌ لا حياةَ فيه). وآخر: (عندَما لا يعودُ هناكَ نبضٌ أو حرارةٌ ولا يستطيعُ التنفس). إنَّهم بحسبِ سنِهم في مرحلةِ المراهقةِ الَّتي تجمعُ التخيّلَ بلغةٍ علميةٍ لذا صارَ بإمكانِهم التسليمُ بأنَّ (الموتَ) حدثٌ طبيعيٌّ دونَ أمرٍ انفعالي لا لزومَ له. وصارَ بإمكانِهم أن يُعرِّفوا أنَّهم أنفسَهم، ومَن يحبونَ سوفَ يُتوفّون. ولكن فهمَهم للزمنِ يجعلُهم يقرّونَ بأنَّ هذهِ الأحداثَ ستكونُ بعيدةً في المستقبلِ، ولا حاجةَ للقلقِ بشأنِها.

يضافُ أنَّهُ بمنظورِهم المتباينَ من شخصٍ لآخر، قدرتهم في النظرِ إلى الموتِ من وجهاتِ نظرٍ مختلفةٍ وعلى رأسِها الدينيةِ والروائية.

جـ- دور التصوّراتِ لأثرِ العلمِ على فكرةِ الموت

من خلالِ العنوانينِ السابقينِ نكتشفُ وجودَ علاقةٍ وثيقةٍ بينَ نموِّ فكرةِ الموتِ، وبينَ النموِّ العقلي عامة. فاهتمامُ الطفلِ في سنٍ مبكِّرةٍ بفكرةِ الموتِ يقترنُ بالترقّي العقلي الَّذي يحظى بهِ الطفل.

بعضُ أحداثِ حياتِنا نعيدُها لقانونِ الصدفةِ على اعتبارِها أنَّها هيَ الَّتي كوَّنَت هذا الحدث. إلا أنَّ الطفلَ لا يجدُ للصدفةِ محلاً في سلسلةِ الأحداثِ المترابطة. فهوَ لا يستطيعُ أن يتصوّرَ شيئاً يحدثُ دونَ سببٍ كافٍ، لذا نجدهُ يحاولُ أن يجدَ لكلِّ شيءٍ سبباً، فالسببُ الإحصاءُ مثلهُ مثلُ الصدفةِ لا قبولَ لهُ لأنَّهُ لا يشكّلُ سبباً واضحاً.

الطفلُ في مبدأِ نموِّهِ العقلي ينسبُ الحوادثَ إلى رغباتهِ وأفكارهِ، ثمَّ إلى رغباتِ والدهِ بعدَ ذلك. هذهِ النظريةُ العلميةُ للأشياءِ ترتبطُ ارتباطاً وثيقاً باعتقادِ الطفلِ بالقدرةِ المطلقةِ للأفكارِ والرغباتِ، وهيَ ذاتُ طابعٍ سحريٍّ، وهوَ يشكّلُ اعتقاداً يُعتبرُ من أخصِ مميزاتِ التفكيرِ الطفلي. ويعودُ هذا الاكتشافُ للعالِمِ (بياجيه) وهوَ قد وصفهُ بالتفصيلِ تحتَ اسمِ (التركيزِ في الذاتِ ego- centricity) والمهمُّ في موضوعِنا هنا أنَّ الطفلَ في مرحلةِ التركيزِ في الذاتِ يخلو من فكرةِ الموت. وهذهِ المرحلةُ من العمرِ تحدثُ في السنةِ الرابعةِ وتدومُ بهدوءٍ تدريجي حتَّى ما قبلَ السابعة.

جهلُ الطفلِ في هذهِ المرحلةِ بفكرةِ الموتِ يقترنُ باتجاهٍ فكري طفلي، يصوَّرُ لهُ أنَّهُ أو آباه هو مركزُ ذلكَ العالم، وأنَّ الحوادثَ إنما تقعُ طبقاً لإرادتِه. ولنا مثلٌ على ذلكَ نستقيهِ من كتابةٍ قديمةٍ تعودُ للقرنِ السابعِ عشر يُعبَّرُ فيها الكاتبُ عن ذكرياتهِ لتلكَ المرحلةِ بقولهِ: (في البدءِ كانَ كلُّ شيءٍ يبدو جديداً غريباً... ما كنتُ أعلمُ أنَّ ثمَّةَ خطايا أو شكاوى أو قوانين. كلُّ شيءٍ كانَ مستريحاً حرّاً خالداً. ما كنتُ أدري شيئاً عن مرضٍ أو موت... الزمانُ كلُّهُ أبديةٌ وسبتٌ (راحةٌ) مقيم... لم أكن أعلمُ أنَّ الناسَ يولدونَ وحتماً هم يموتونَ، بل الأشياءُ تستقرُّ أبداً في أماكنِها. كانت الأبديةُ كوضّحِ النهارِ، ومن خلفِ الأشياءِ جميعاً يُطالعنا شيءٌ لا نهائيٌّ: يداعبُ الأملَ ويستثيرُ الرغبة. كانت المدينةُ كأنَّها عدنٌ أو في السماء.

الدروبُ دروبي، والمعبدُ معبدي، والقومُ قومي، ملابسُهم.. وذهبُهم.. ملكُ يميني، وكذلكَ عيونُهم المتألّقةُ وجلودُهم الرقيقةُ ووجوهُهم المشرقة. السماواتُ سماواتي... وكذلكَ الشمسُ والقمرُ والنجوم.. والعالمُ بأسرهِ ملكٌ لي، وليسَ من أحدٍ غيري يشاهدهُ وينعمُ به.. والضيّعُ وحدودِها وأقسامِها، هذهِ وتلكَ ملكٌ لي بكنوزِها وأصحابِها. ثمَّ أفسدتني الضجَّةُ الكبرى، وعلمتُ حقائقَ ذلكَ العالمِ المرّة).

هذا الاسترجاعُ في الذاكرةِ يشكِّلُ تأملاً لمشاعرِ الطفولةِ الأولى وتحليلٌ دقيقٌ لحالةِ التركيزِ الذاتي الَّذي هوَ هكذا بنظرِ (بياجيه) لكنَّهُ يشكِّلُ نرجسيةً بنظرِ (فرويد). ويتبيّنُ من ذلكَ التحليلِ أنَّ نزعةَ التركيزِ الذاتي تنطوي على جهلٍ بالواقع. ولكن ليسَ كما نفهمهُ نحنُ الكبارُ، بل هوَ مضمونٌ عقليٌّ موجبٌ يوجِّهُ تفكيرَ الطفلِ وجهةً معيّنة. وليسَ في ذلكَ المضمونِ وجودٌ لفكرةِ الموت. وحيثُ لا موتٌ فلا حدودٌ زمانيةٌ، لا معنى للبدايةِ أو النهاية. بل كما قالَ هذا الكاتبُ: (كانَ ثمةَ شيءٌ يُطالعُنا من خلفِ الأشياءِ جميعاً)، ويضيفُ: (يداعبُ الأملَ ويستثيرُ الرغبة).

وتأكيدٌ لهذا فإنَّ العجزَ عن إدراكِ فكرةِ الموتِ يكونُ هنالكَ خاصةٌ من خصائصِ تفكيرِ الطفلِ الفارقِ في اللانهائية، ولكن منَ الطبيعي عندَما تقتحمُ فكرةُ الموتِ ذهنَهُ، أن يتغيّرَ أسلوبَهُ السحري في التفكيرِ، وأن تُصاغَ حياتُهُ العقليةُ صياغةً جديدة. بمعنى أنَّهُ عندَما ينتفي التفكيرُ السحري، يصبحُ بمقدورِ الطفلِ أن يفكّرَ تفكيراً منطقياً، أي طبقاً للتفكيرِ العلمي.

فنصيرُ والحالةَ كما أوضحَها الباحثونَ أنَّ (إدراكَ الطفلِ السببَ العلمي رهنٌ بظهور فكرةِ الموت، وأن ذلكَ لا يحدثُ قبلَ سنِ السادسة أو السابعة).

الملحق الثاني: 

بعض الدراسات التي قام بها مجموعة من الباحثين عن مفهوم الموت عند الطفل حسب أعمارٍ مختلفة

المفهوم

طرق السؤال

الإدراك

العمر

نادراً ما يفهمُ أطفالُ في هذهِ المرحلةِ الماضي والمستقبل. إنَّما الحاضرُ هوَ المدركُ عندَهم لذا نجدهُ كبيراً جدّاً في تفكيرِهم. ويفهمون الموتَ على أنَّهُ نوعٌ منَ الحالِ المتغيّرةِ كأن يكونَ المرءُ جائعاً أو نائماً، ولكنَّهُ ما يزالُ مستمرّاً معَ الحياة.

هي المرحلةَ السابقةَ على مرحلةِ الأسئلةِ وقد يسألُ: (من أينَ يأتي الطفل؟) و(أينَ كانَ قبلَ ولادته؟) إنَّها أسئلةٌ لها علاقةٌ بأصلِ الخليقةِ وتكوينِها وليسَ بأبديتِها كما الحالُ بالموت.

فهمهُ لفكرةِ الموتِ معدومٌ أو ضئيلٌ جدّاً. بيدَ أنَّهُ في الثالثةِ يقتربُ من مشكلةِ أصلِ الحياةِ ومصادرِها

بينَ

3 - 1 سنوات

المفهوم

طرق السؤال

الإدراك

العمر

لا يفهمُ الأطفالُ معنى الموت. واستعمالُهم النادرُ لهذهِ الكلمةِ يكونُ ترديداً ببغائياً لسماعِهم لها من قِبلِ الكبار ولا يعتبرونَه منقطعاً عن الحياةِ أو مضادّاً لها

نادراً ما يسألُ عن الموتِ

وقد يتبادرُ لِذهنهِ أنَّ الطفلَ يولدُ منَ السرّة وقد يسأل: لماذا يموت الناس؟

إدراكٌ محدودٌ جدّاً للموت. واستعمالهُ لكلمةِ موت فيها غموض. تخرجُ عن انفعالٍ أو عاطفةٍ، كما أنّ لهُ فكرةٌ بدائيةٌ عنها وهي محمولةٌ بالحزنِ والأسى. كما يعتقدونَ بأنَّ الجماداتِ كائناتٌ حيةٌ تشعرُ مثلَنا.

أربع سنوات

لا يعتبرونَ الموت منقطعاً عن الحياةِ أو مضادّاً لها. وموقفهُ منهُ لم يعد انفعالياً وعاطفياً. وقد يتجنّبُ استعمالَ أو لمسَ أدواتِ الميت. ويربطُ الموتَ بالعمرِ كأن يقولَ بأنَّ الكبارَ يموتونَ أو لاً. ويبقى مقتنعاً بهذا الموتِ طالما للروحِ قوةٌ فيهِ لذلكَ لا يحزن.

نادراً ما يسألُ عن الموتِ

يزدادُ تصوّرهُ للموتِ ويأخذُ إدراكهُ لهُ دقةً وواقعية. فيعتبرُ بإدراكهِ أنَّ الموتَ خاتمةٌ وهوَ النهاية. ومعَ السنةِ الخامسةِ، يظنُّ أنَّهُ قابلٌ للانعكاسِ أي عودةُ الروح. كما ويدركُ عدمَ قابليةِ الميتِ للحركة.

خمس

سنوات

يعتبرونَ الموتَ منقطعاً عن الحياة، ولكنَّهُ قابلٌ للعكسِ أيضاً ينشغلُ تفكيرُ الطفلِ بالموتِ فيفكرُ في القبورِ والجنازاتِ والدفن. ينزعجُ الطفلُ في هذا العمرِ من صورِ الأطفالِ أو الحيواناتِ الميتةِ، أو الَّتي تموتُ، كما تزعجهُ قصصَها. لا يعتقدُ أنَّهُ هوَ سيموت. منَ المفيدِ القولُ لهذا العمرِ أنَّ الطفلَ يستعينُ بسببِ سلبيةِ الموتِ في شحذِ إدراكهِ لمظاهرِ الحياة

تبدأُ الأسئلةُ ذاتُ المغزى. لذا نجدهُ يسألُ أسئلةً كثيرةً حولَ الأطفال. أما أسئلتهُ عن (عمليةِ الحمل) فتتحوّلُ إلى تحريّاتٍ لكثرةِ اهتمامهِ بحياةِ المولود. حتَّى أنَّ اهتمامَهُ بالتوالدِ ينتقلُ للسعي في معرفةِ الحيواناتِ أيضاً.

يحصلُ للطفلِ تنبيهٌ جديدٌ للموتِ تكونُ بمثابةِ بدايةِ استجابةٍ انفعاليةٍ جديدةٍ لفكرةِ الموتِ مصحوبةً بإدراكٍ عقلي. يُحمَّلُ إليهِم لأنَّهُ بدأَ يفكّرُ أنَّ أمّهُ ستموتُ فهوَ لا يتحمّلُ الفراق. يربطُ بينَ القتلِ والموتِ كما ويربطُ بهِ المرضَ بدرجِ أدنى ويتبعُها المستشفياتِ وكبرِ السن.

ست

سنوات

المفهوم

طرق السؤال

الإدراك

العمر

يزدادُ حبّهُ في الاستطلاعِ الواقعي للأشياءِ المتعلقةِ بالموتِ: كالنعشِ والدفنِ والمقابر. كما يزدادُ اهتمامهُ بأسبابِ الموتِ ككبرِ السنِّ والعنفِ والمرضِ فيهتمُّ بزيارةِ القبور. أما الموتُ فصارَ يفكّرُ فيهِ على أنَّهُ خبرةٌ معينةٌ للبشر.

يحيا هذا التناقض. لذا نجدهُ يعبّرُ أحياناً عن رأيهِ بقضيةٍ غيرِ مستحبةٍ قائلاً: (ليتَني متُّ قبلَ هذا).

يقلُّ عنصرُ التعبيرِ في اهتمامهِ، ويكثرُ عنصرُ التأملِ والتفكير. وأيضاً تصيرُ فكرةُ الموتِ عندَهُ أقربُ إلى المساسِ بشخصهِ، فيرتابُ ويتوهّمُ أنَّهُ هوَ نفسهُ سيموت. وبذاتِ الوقتِ يعودُ فينكرُ أنَّهُ سيموت.

سبع سنوات

نجدُ هنا نقلةً نوعيةً في التفكير ِ إذ يخطو قُدماً منَ الاهتمامِ بالقبورِ والجنازاتِ إلى الاهتمامِ بما يحدثُ بعدَ الموت. كما أنَّهُ صارَ يعي نموَّ الطفلِ لفترةً طويلةً في الرحمِ، والأهمُّ أنَّهُ صارَ يدركُ أنَّ الأبَ يلعبُ دوراً.

لماذا يبكي الناس في الجنازات؟

لماذا يلبس الناس ملابس سوداء في الجنازات؟

بدأَ يدركُ أنَّ جميعَ الناسِ بما فيهم شخصهِ سيموتون.

ثمان سنواتٍ

معظمُ أطفالِ هذا السنِّ قائمٌ على عدمِ الاهتمامِ بالموتِ اهتماماً ملحوظاً.

وبالتالي بدأَ يواجهُ الموتَ مباشرةً فلا يعود يحومُ حولَ هوامشهِ بصورةٍ سطحيةٍ كالحديثِ فقط عن النعشِ والمقبرة. يتقبلُ بروحٍ واقعيةٍ تماماً حقيقةَ أنَّهُ عندَما يكبرُ سيموتُ يوماً ما.

 

 

ارتقى في هذا العمرِ للوصولِ إلى أساسياتٍ منَ المنطقِ أو علمِ الحياةِ كاستعمالهِ لأقوالٍ مرتبطةٍ بأحداثٍ محددةٍ مثلاً: «غيرِ حي» و«عندَما يقفُ نبضكَ، وتفقدُ حرارتكَ، وتعجزُ عن التنفس».

تسعُ سنواتٍ

المفهوم

طرق السؤال

الإدراك

المفهوم

معَ العاشرةِ يقتربُ الطفلُ من فكرِ الكبارِ حولَ الموت.

إذا كان الله أعطانا الحياة، فلماذا يموت الناس؟

صارَ يجابهُ حقيقةَ الموتِ كظاهرةٍ طبيعيةٍ أي أنَّهُ تجاوزَ الاهتمامَ بحواشيها ونتائجِها. فالحياةُ صارت بتصوّرهِ قائمةً على أساسٍ فيزيولوجي كمثلِ الدمِ والتغذيةِ والنموِّ والتنفسِ، ويحلُّ الموتُ للإنسانِ إذا تداعت مقوماتُها هذهِ فالموتُ عندَهُ انتفاءٌ للحياة.

عشرةُ سنواتٍ

لا يعودُ مفهومُ الموتِ قابلاً للعودةِ إلى الحياةِ. أي: مفهومُ نظريةِ العكسِ الَّتي يظنُّها الأولاد.

ما السماء؟ ما الجحيم؟

تباينِ درجاتِ الذكاءِ

يؤدي إلى تباينٍ في طرحِ الأسئلةِ والقدرةِ لدرجاتٍ أعلى في فهمِ الأجوبة. ولكن لا بدَّ منَ التنويهِ العابرِ إلى أهميةِ مفهومِ الزمانِ والمكانِ الَّذي نتحرّكُ بفلكِهما دونَ التعرّضِ للاهتماماتِ النادرةِ الَّتي قد نجدُها أكثرَ عمقاً وأهميةً للولدِ ما دونَ باقي أترابه. وبالتالي هناكَ أطفالٌ أكثرُ ندرةً في وجودِهم يعانونَ دونِ شعورٍ منهم أنَّهم غيرُ قلقينَ على مصيرِهم المستقبلي، فمثلُ هؤلاءِ أيضاً لا يعانونَ من خوفٍ البتةَ في مصيرِهم للموتِ أو في البحثِ حولَ موضوعِ الموت.

بدءاً منَ

11- 12