حديث الأسبوع (10 أيلول)

موضوع للأرشمندريت يوحنا التلي

لرياضة روحية للعاملين من حلب

صيدنايا 1-9-2017

 هوية المسيحي

 أولاً: مقدمة

الهوية هي البصمة التي بها يتمّيز إنسانٌ عن آخر. وهنا نريد معرفة التميّز المسيحي عن كل ما عداه. فالمسيحيون الحقيقيون والقديسون أيضاً لا يختلفون عن باقي المسيحيين، بل، وأيضاً عن باقي الإنسانية بمظهرهم الخارجي، لكنهم يختلفون بتحوّلهم الداخلي. وفي هذا يقول القديس مكاريوس المصري: (إنهم «المسيحيون» مرّوا من الموت إلى الحياة، واكتسبوا خبرة مجدٍ آخر، لأنهم جُرحوا بجمال آخر، وحصلوا على ثروات أخرى، وشعروا أنهم يشاركون فكراً مختلفاً).

فالمسيحي تنمو استنارةَ قلبه بنعمة الروح القدس، كلّما ازداد تقدّماً في الحياة المسيحية والمحبة المتبادلة. هذا ما أراده بولس الرسول من أبنائه الروحيين في أن "تتعزّى قلوبهم مقترنة في المحبة لبلوغ الإدراك التام بكل غناه، لمعرفة سر الله، أي المسيح، المخزونة فيه كنوز الحكمة والمعرفة كلها" (كو2:2-3).

إذا اختصرنا البحث عن الهوية المسيحية للكشف عنها كما جرى لدى آباء الكنيسة الذي أكثر ما اهتموا به في هذا المجال كان سر المسيح.

هذا النهج في مسيرة الهوية دخل علينا بعد عملية السقوط لأنه في البدء لم يكن هكذا. في البدء خلق الله الإنسان على صورته، هذه هي هويته ولكنه خالف الوصية، وصار عائشاً في ظلمة الوجود بدلاً من الضياء الإلهي ونور الثالوث. وبدأت ولادة جديدة لاحقة بصليب المسيح لإعادة الهوية الضائعة، فأُعطي الإنسان من جديد أن يتذوّق حلاوة الرب في ملء شعوره وطاقة الروح. فسطع نور المسيح وحقَّق للإنسان فعلاً فيه فرح لا يوصف.

كل هذا تمَّ بفعل ظهور ثمار بذرة زُرعت في الإنسان بفضل الأسرار وأهمها المعمودية والافخارستيا حيث بزغت الوردة أو النور من البذرة وصار عندنا جنين بالغ هو موضوع الهوية لحديثنا. فوصلنا إلى (الولادة من فوق) بفضل التبني الإلهي والنتيجة أن الإنسان يصير مسيحياً. هذه هي هويته بالحقيقة.

 ثانياً: صفة الهوية بمعزل عن الكنيسة

          في العصور الغابرة كان الناس يُعرفون من خلال علاقتهم مع العائلة أو القبيلة أو المدينة. ففي العهد القديم مثلاً الملك شاول عُرف أنه "ابن قيس" (1صم11:10). وفي العهد الجديد عُرف يعقوب ويوحنا بأنهما "ابنا زبدى" (متى21:4) في حين بولس عرّف نفسه كعضو في "سبط بنيامين" (في5:3) وبالتالي عُرف من خلال مدينته كقولنا هو رجل "من طرسوس" (أع29:21).بالنسبة للقدماء ارتبطت هوية المرء الأساسية بشبكة علاقات عائلية أو طائفية.

          في العالم الحديث لم تعد العلاقات الأسرية علاقة هوية عامة. ربما يُعرف المرء اليوم بشكل متزايد من مهنته. وصارت المهنة لا تقرر فقط هوية المرء إنما أيضاً قيمته الذاتية.

          هذا التحوّل من فهم فردي للهوية يقدّم تحدياً جدياً للكنيسة الساعية إلى تنشئة هوية مسيحية.

 ثالثاً: الهوية المسيحية

          مع التأثير العقلاني بدءاً من القرن السابع عشر وخاصة مع ديكارت (1650) المعروف بمقولته الشهيرة: (أنا أُفكِّر إذاً أنا موجود) بدأ الفهم الفردي يسيطر على تفكير الإنسان. فالإنسان هو فرد يشير إلى ذاته، فصارت تعرف الشخصانية بخصائص بشرية فريدة معينة مثل: حرية الاختيار والضمير والعقلانية.

          ومع حداثة لاحقة تبيّن أن الصفات الفردية مثل العقلانية لا تصنع بشكل أساسي إنساناً بمثابة (شخص)، إنما الشخصانية الحقيقية تحدث في لقاء (أنا مع أنت) فيصير لدينا شخصية متبادلة. هناك فرق جوهري بين تعريف الإنسان بعبارات عقلانيته الخاصة وتعريفه بعبارات شخصية متبادلة.

هذا يعني أن هناك علاقة للهوية الشخصية بقصة كل شخص في فرادته، من هذه الناحية تتعلّق الهوية المسيحية بكيفية كون قصص حياتنا الخاصة تقاطعت وأُعيد تشكيلها بالقصة المسيحية المرتبطة بـ:

+ خطة الله الأبدية.

+ الخلق.

+ السقوط

+ مجيء يسوع المسيح (يشكّل قلب القضية).

+ الخليقة الجديدة.

على هذه الصورة تتكون العلاقة الشخصية التي تعتمد عليها الهوية الشخصية بحيث يكون الله فيها هو المبادر دوماً وليس نحن. الله يأخذ المبادرة ليكتمل خلقنا منه على صورته. هذه هي محبة الله لنا. ولنتذكر الذي حدث يوم ابتعدت البشرية عنه كيف أنه هو الذي أخذ المبادرة بإرسال ابنه يسوع المسيح إلى العالم وروحه القدوس إلى الجماعة التي كوَّنها الابن.

كانت هذه المبادرة بمثابة عهد مع البشرية حسب قوله: "سأكون إلههم وسيكونون شعبي" (        ) أي حاملين هويتهم الممهورة باسم الله.

 رابعاً: ارتباط قصة حياتنا الخاصة بالقصة المسيحية

          من المهم أن نلاحظ بأن علاقة الفرد بالمسيح رغم أهميتها، ليست هي الموضوع الأساسي الذي يشكّل هويتنا المسيحية. فإذا عُدنا بإمعان النظر حول هذه القضية متبعين العهد الجديد وخاصة الرسالة إلى أفسس نلاحظ أن دعوة الله في المسيح هي لكل شخص من أجل أن يصبح عضواً في جماعة الكنيسة.

          الصورة المتينة في العهد الجديد هي ليست بالقدر الكبير أن يرتبط كل شخص بالمسيح فردياً، إنما يُنظر إلى المؤمنين كجسد واحد متحد مع المسيح ليتشكّل جسد واحد من أعضاء كثيرة متحدة مع المسيح "فإن الجسد أيضاً ليس عضواً واحداً بل أعضاء كثيرة.... وأما أنتم فجسد المسيح، وأعضاؤه أفراداً" (1كو14:12+27). هذه الوحدة بالمسيح لا تجعلنا نفقد شخصياتنا المتميزة، فعندما يرتبط الشخص بالمسيح يسكن فيه الروح القدس، فيصبح ابناً أو ابنة في عائلة الله، وكأعضاء في عائلة الله. إن بولس الرسول يشبّه جسد المسيح بجسد الإنسان، فكل جزء له وظيفة معينة لازمة للجسد ككل. والأجزاء تختلف عن قصد، ومع اختلافها يجب أن تعمل معاً.

          هذا هو حال الكنيسة، أن نكون (في المسيح) يعني أن نكون في جماعة. وإذا تابعنا في أفسس: "فلستم إذاً بعد غرباء ونزلاً، بل رعية مع القديسين وأهل بيت الله، مبنيين على أساس الرسل والأنبياء، ويسوع المسيح نفسه حجر الزاوية، الذي فيه كل البناء مركّباً معاً، ينمو هيكلاً مقدّساً في الرب" (أف19:2-22) نلاحظ أن هويتنا مرتبطة مع باقي القديسين لتشكّل معاً عضوية كل منا في عائلة الله الواحدة التي هي الكنيسة، والتي صُوِّرت كهيكل يضم الجميع في توافق وانسجام.

          يسوع المسيح هو حجر الزاوية الرئيس ممسكاً بكل البناء، والبناء هو نحن البشر وليس الحجر، لجعله مكان مناسب لسكنى روح الله. ويوضح بولس الرسول بقوله: "ألا تعرفون أنكم هيكل الله، وأن روح الله ساكن فيكم؟... لأن هيكل الله مقدس وهو أنتم" (1كو16:3-17). لم يقل بولس الرسول بأن كل شخص هو هيكل إنما كل جماعة المؤمنين تصنع هيكل الله الواحد.

          فالكنيسة إذن هي عنصر جوهري لتشكيل الهوية المسيحية. وهناك تعبير آبائي قديم يقول: (مسيحي واحد ليس بمسيحي). كل شخص هو مسيحي بسبب كونه عضو في الكنيسة. معاً يشكّلون شعب الله: جسد المسيح وهيكل الروح القدس.

 خامساً: تشكيل الهوية المسيحية من خلال المعمودية

          بحسب معطيات الكتاب المقدس، يصبح الأفراد أعضاء في جسد المسيح الواحد عبر الإيمان بالمسيح وبواسطة المعمودية. فالإيمان اتجاه داخلي في حين أن المعمودية عمل خارجي. وهما غير منفصلين بل يشكّلان رابطة واحدة من الأحداث التي بها يدخل المرء في جسد المسيح بكونه أعاد هذا الإنسان توجيهاً جديداً لحياته لأنه ارتبط رباطاً بعد أن أنجز موت الذات ودفنها. فأنجز من ثم هوية جديدة لحياته في المسيح. ولقد أوضح بولس الرسول ذلك بقوله: "لا يخفى عليكم أننا جميعاً – نحن الذين تعمّدنا اتحاداً بالمسيح يسوع – قد تعمّدنا اتحاداً بموته، وبسبب ذلك دُفنا معه بالمعمودية للموت، حتى كما أُقيم المسيح من الأموات بمجد الآب، كذلك نسلك نحن أيضاً في حياة جديدة" (رو3:6-4).

وللتوضيح نقول بأن السؤال الأكثر أهمية عن الهوية هو ليس القول: (من أكون أنا؟) إنما (إلى من أنتمي؟). الرد الكتابي هو: (أنا مواطن في مدينة الله، وعضو في جسد المسيح، وحجرٌ حيٌّ في هيكل الروح القدس). وهذا واضح أن هويتي المسيحية تأتي من الجماعة التي أنتمي إليها بالمعمودية. تُعرف هذه الجماعة بشكل أساسي بعبادتها لله (الثالوث القدوس) الذي قاعدته مرتكزة بوضوح في الإنجيل. 

          واضح أننا في المسيح لا نرى بعد الآن أنفسنا كأفراد، بل عندما نقرّر يتم ذلك كأعضاء جسده، أي أعضاء كنيسته. في المسيح نملك روابط جديدة تفوق حتى الروابط العائلية. بهذه الصورة تكتسب الهوية المسيحية، هوية جديدة بالرغم من بقاء القيود والروابط الأخرى كالعائلية وغيرها بكوننا بشر.

بالمعمودية تفوق الهوية المسيحية تفوق كل الروابط الطبيعية "حيث ليس يهودي ولا يوناني. ليس عبدٌ ولا حر. ليس ذكر ولا أنثى"(غلا 3: 28). من هنا تفوق الهوية المسيحية الحقيقية حتى أقرب الروابط الطبيعية "من أحب أباه أو أمه أكثر مني فلا يستحقني، ومن أحب ابنه أو ابنته أكثر مني فلا يستحقني"(مت10: 37).

          كتاب سفر الرؤيا يقدّم لنا صورة عن الكنيسة مكونة من "حشد عظيم.... من كل أمة وقبيلة وشعب ولسان" (رؤ9:7) وأيضاً يقول: "...إنك يا يسوع ذُبحت، وبدمك اشتريت لله أناساً من كل قبيلة ولغة وشعب وأمة" (رؤ9:5). يضيف هذا التنوّع الثقافي غنى الكنيسة بالرغم من أنه ليس هو الأكثر التصاقاً بالهوية. أما على صعيد أسرة الإيمان فنحن "من خلال المعمودية نقدر بالروح القدس مخاطبة الله كأب لنا" (رو16:8، غلا6:4) ونقدر أن "نخاطب المسيح أيضاً كأخ لنا" (قارن عب11:2-12).

سادساً: دور الافخارستيا في الهوية المسيحية

          تؤكّد الكنيسة المكوّنة من ثقافات متعددة على وحدتها عندما تجتمع معاً للاحتفال بالافخارستيا، فتعلن حينها عن هويتها الحقيقية. في جسد المسيح ارتبطت مع الآخرين في سلام المسيح، هذا السلام نردّده قبل المناولة تأكيد على وحدة أفراد الرعية. لأن الجميع يتناول من كأس واحدة جسد ودم يسوع المسيح الذي يوازي قوله لنا: "سلام لكم، سلامي أُعطيكم" (يو27:14). ومع تقدمة القرابين في خدمة القداس الإلهي وبعد قولنا (... لنقدِّم بسلامٍ القربان المقدس) يرتّل الشعب بصوت واحد: (رحمة سلام، ذبيحة تسبيح). وكلمة سلام الهامة جداً في توحيد الهوية المسيحية تتكرّر في قداس يوحنا الذهبي الفم ستة وعشرون مرة.

          من جهة ثانية نلاحظ أن كل قداس يتضمن ما يمكن تسميته بالأقوال الخطابية كمثل تلاوة دستور الإيمان والصلاة الربانية والصيغ الثالوثية المتنوعة كمثل (قدوس، قدوس، قدوس) هذه وغيرها تشكّل في العبادة بشكل أساسي الهوية المسيحية لأننا بعبادتنا للآب من خلال ابنه وبقوة الروح القدس نؤكد كمسيحيين مَن نحن حقاً.

          ينفرد المسيحيون كشعب يعبد الله المثلث التقديس الذي أظهر ذاته في العمل الفدائي للمسيح، خلال عمل الروح القدس. ونحن نستعيد العيش في العبادة عامة والليتورجية الإلهية خاصة فيُتاح لنا هكذا تشكيل هويتنا ككنيسة بيسوع المسيح. تلك الكنيسة التي تركّز الافخارستيا فيها الأحداث الأساسية للإنجيل مثل: حياة وموت وقيامة والمجيء الثاني ليسوع. وكل تلك الأمور والأحداث ترتبط بالكلمة الإلهية التي ترشد المصلّين دوماً إلى الأحداث الأساسية للإنجيل. نعم بهذا الترابط تتشكّل هوية الإنسان المسيحي. ولكن عندما يحدث خلل في هذا الترابط فلا تعود الأناجيل تشكّل هوية مسيحية حقيقية، إنما تخلق كارثة هوية عميقة حيث لا يكون المسيحيون بعدها متأكّدين مَن هم حقيقة، وينتهون بالتعريف عنهم بثقافة هذا العالم.

 سابعاً: خاتمة

          هويتنا مرتبطة بالنور الإلهي الذي يحصلون عليه بفعل تحوّلهم الداخلي القادم إلينا بالجهاد المتواصل من أجل التنقية، حسب قول السيد المسيح: "طوبى لأنقياء القلوب فإنهم يعاينون الله" (متى8:5) وأيضاً صلاة حارة لا تنقطع، فيستيقظ الحس الروحي فينا، هذا الحس يؤهِّل الإنسان على بعض الاختبارات للحقائق الإلهية. وفي هذا يقول القديس غريغوريوس بالاماس: (لا يمكن للبشر أن يتّحدوا بهذا النور الإلهي الذي لا يُدرَك، ويروه إنْ لم يتنقّوا بحفظ الوصايا ويكرّسوا ذهنهم للصلاة النقية غير المادية، ليحصلوا على قدرة المشاهدة التي تفوق الطبيعة. قدرة لا تأتي من عمل الحواس والعقل. وبحسب تعبير أوريجنس هي (تعبير عقلي إلهي). إنها حالة نورٍ يفوق كل نور. هي هبة من الله ذكرها القديس اسحق السرياني بقوله: (هذه الصلاة هي تنقية الذهن التي يحدثها وحده نور الثالوث المقدس).

          للهوية دور في علاقتها بالإيمان الذي هو حالة استمرارية في حياة المسيحي، وفي هذا الموضوع نعود إلى القديس غريغوريوس بالاماس الذي يقول: (إيماننا المقدس هو في جهة من الجهات رؤية قلبنا التي تفوق فيه تلك الرؤية كل إحساس وفكر.. إذاً يوجد رؤية في القلب، وفكر نابع منه يفوقان كل الأفعال العقلية.. فنجد أن الإيمان الحقيقي يخرجنا من الاستدلال والبرهان. ونحن لا نقتني الله إلا بالإيمان القلبي فنجد أن يسوع هو الرب الذي تسكنه في المؤمن بساطة الإيمان).

          إذا لم يحظَ مسيحيٌّ ما باكتساب هذا النور فهو لا يفقد هويته المسيحية في حال إيمانه بحقيقة وجودها انطلاقاً من تجلي يسوع المسيح على الجبل: "وتجلّى أمامهم، فشعّ وجهه كالشمس، وصارت ثيابه بيضاء كالنور" (مت2:17). ونحن بحسب كلام بولس الرسول: "أما نحن جميعنا...فنتجلى إلى تلك الصورة بعينها" (2كو18:3). وهذا ما حصل لكثيرين مثل بالاماس وسيرافيم ساروفسكي وغيرهما.

 

أرشيف

وعظة الأحد