حديث الأسبوع (9 أيلول)

أرشيف

وعظة الأحد

                              

                                                                                                                                                             محاضرة لقدس الأرشمندريت يوحنا التلي

                                                                                                                                في دير الشيروبيم ضمن دورة إعداد القادة 2-9-2011

                                                                                                                                                                                                                                      مدارس الأحد الأرثوذكسية فرع معرة صيدنايا – مركز دمشق

 

أسس القيادة في الكتاب المقدس

 

أولاً: مقدمة

لسان حال أصحاب الاختصاص من رجال الفكر يقول: (قل لي مَن هو القدوة لك، أقول لك مَن أنت). نشعر بوجود القادة بدءاً من عائلتنا ومدرستنا وكنيستنا ومجتمعنا ووطننا. كما ونشعر بأننا مدعوون لنمثِّل دور القيادة في كافة تلك الأمكنة التي ذكرناها. ولكننا نعلم أيضاً أنه لا يشترط أن يتحلّى جميع القادة بروح الحكمة المنشودة. نقرأ في صفحات التاريخ أن الناس يشتهون السلطة، وهؤلاء عددهم أكثر مِن الذين يستطيعون استعمال السلطة بحكمة، لأن مثل هؤلاء لا يريدون استعمال السلطة من أجل خدمة الآخرين. وفي مثل هذه الحالة يتحول هؤلاء ليصيروا أسرى لشهوتهم هذه، وعبيداً لها. ولقد مرّ في التاريخ كثير من أسماء هؤلاء، الذين كانوا سبباً في سقوط حضارات، وانتشار الجهل والتخلف والانحطاط، بما في ذلك الانحطاط الروحي. والعهد القديم ممتلئ بأسماء ملوك كانت بيدهم سلطات روحية أيضاً، كمثل الملكة إيزابيل وزوجها الملك أخاب أيام النبي إيليا، ومع ذلك كانوا غرباء عنها. ومثل (يربعام وابنه ناداب من بعده) وغيرهم كثر ممن أعاقوا التقدم الروحي بسبب القيادة السيئة. وبالمقابل كان هناك قادة من الحكام المتفانين من أجل بناء الشعب روحياً، وقد حكموا بمبادئ العدالة والحق والسلام، وكانوا مجاهدين ومكافحين في سبيل ارتقاء شعوبهم وأهدافها الإنسانية والروحية مثل (سليمان) و(حزقيا).

وُلدت الكنيسة من الشخص الرئيس في الكتاب المقدس الذي هو يسوع المسيح، وكان هو قائدها لأنه هو الرأس وهو مؤسّسها. واختار تلاميذه وأنشأهم تنشئةً روحيةً حملوا من خلالها مسؤولية القيادة ليسوسوا الكنيسة، التي هي شعب الله بحسب تعاليم يسوع. واستمر هؤلاء في تنشئة تلاميذ لهم، وهكذا دواليك إلى يومنا هذا، والذي سيستمر إلى المنتهى. إلا أن يسوع امتلك تدبيراً قيادياً يشترك التلاميذ فيه، مع شخصه الغائب بالجسد والمستمر بالروح، وذلك لأنه عندما ارتفع إلى السماء أرسل روحه القدوس إلى التلاميذ، وعلى كلِّ جسد الكنيسة المؤلف من جميع المؤمنين، ليكون للجميع قائداً روحياً غير منظور إلا بالإيمان، يهتدون به ويعملون بمشاركته ليكونوا واحداً به، أي لتتوحد القيادة المجمعية وكافة قضايا الإيمان. وأبرز مثل على ذلك كان مجمع أورشليم عام 49م، الذي انتهى بالإعلان التالي للكنيسة المسيحية الأولى بلسان قائدها يعقوب أخو الرب آنذاك بقوله: "لقد رأى الروح القدس ونحن وأنا" (أع28:15) معلناً بذلك القرارات المجمعية الأولى.

من خلال الروح القدس تجلّى له (أي يعقوب) اعتماد آخر، زائد على التنشئة التي قادها المسيح بنفسه، ثم سلّمها لتلاميذه وقادة الكنيسة بالتتابع تأكد فيه قول يسوع: "ما تحلّونه على الأرض محلولاً به في السماء، وما تربطونه على الأرض يكون مربوطاً في السماء" (متى18:18). أما اعتماد الروح القدس فكان بحسب مواهب خاصة يضعها في تكوين الأشخاص، الذين أُعدوا من الله لهذا العمل حسب هذا الاختيار. فوجدت تنشئة وموهبة خاصة من أجل القيادة في الكنيسة.

وبهذا التسلسل تصير القيادة موجودة في كل شعب الله المؤمن. ليكون الحد الأدنى لها أن يكون كل إنسان قائداً لنفسه بحسب تنشئته وبحسب موهبته. وهكذا يتبارى الجميع في صمت الروح وبدون ضوضاء العمل السلطوي، مغلفين عملهم بالتواضع الذي لا انتفاخ فيه، ليكون الجميع متحملين مسؤولية السباق لقيادة أنفسهم، بحسب أسس القيادة السليمة للوصول في مسكونة الإنسان والروح التي هي حلبة السباق. وذلك ليُعانق كل واحد - حسب حُسن قيادته - شخص الرئيس المبارك، الذي هو المسيح غير المنظور، والروح القدس غير المرئي. والرئيس الروحي الذي يمثل رأس الحلبة، سواء كان أباً روحياً، أو كاهناً رعوياً، أو أسقفاً. هذه هي بركة القيادة.

من جهة أخرى نحن كلنا نؤلّف جسد المسيح الواحد، ولهذا فعملنا ليس فردياً، وإن كانت تنشئتنا وموهبتنا فردية. فكل واحد منا يحتاج للآخر ليتعاون الجميع بعضهم مع بعض في عملية البنيان المتكامل، ضمن إطار شمولية العالم في بنيان كنيسة الله وتصميمها، بطريقة نعلن فيها كلنا تمجيد الله الخالد سيد الكون والخليقة، الذي هو سنام ورأس كل القيادات الأخرى. من هنا ينال كل منا دافعه ليعيد النظر في هوية القائد، وما يفترض أن يكون عليه كل واحد منها، وحين نكون كلنا معاً، وذلك في حياتنا اليومية والكنسية. فكل إنسان من موقع قيادته يسعى - حسب مهاراته ومعرفته ومميزاته وخصائص من حوله - ليكتشف المناسب لمن هو مسؤول عنهم. فمن مميزات القائد حسب الكتاب المقدس أن يتحلّى بالقدرة على جذب الناس إليه. وهذا هو التحدي الأكبر لحياة القيادي. كم من المرات أطلعنا الإنجيل على الجموع المحتشدة حول يسوع وخاصةً أثناء العظة على الجبل (متى5-7). غايات القيادة كثيرة، ولكن من أهمها إمكانية جذب الآخر وإيصاله إلى يسوع المسيح. لذا على مثل هذا القائد أن ينقّي نفسه ومهاراته، ويُحسن التواصل مع الروح القدس.

ثانياً: من أين تتكون القيادة في الإنسان المسيحي؟

التكوين الروحي الذي يصبغ المسيحي بصبغته هو"الروح القدس والنار" (متى 3:11)، فيعتمد الإنسان بهذا الروح ويصير مسيحيا فيتنقى من كل ما هو ليس من الله، إنه فيض عظيم لهذه القدرة الإلهية التي تقود هذا الإنسان وتعيد بناءه بفيض الروح القدس هذا، ويكون ليسوع مكانة عظيمة عن طريق هذا الارتباط

المهم أن الروح القدس هنا هو هذا القائد صاحب هذه القوة التي بها يحول يسوع المؤمنين، ويجعلهم مشاركين في حياته، والمسيحي هو الذي يمتلك روح المسيح (رو8: 9) أي الروح القدس (رو:5:5)وهو الذي يكون في الروح (رو8 :9) ويحركه روح الله (رو 8: 14) ويقيم في الروح (8 : 11) والروح القدس يكفل للمؤمن التبني الإلهي  ،فالإنسان الذي هو لحم ودم عليه أن يولد من فوق من الروح القدس (يو3 :3-6+6 :63 ).

وهكذا ينشأ لدينا إنسان جديد تدب فيه حياة الألوهة التي هي القائد الأول للكون وللإنسان .فان جاهد إنسان ما في التنمية الروحية يتأصل الروح القدس فيه ويشكل منه شخصا قياديا بقدر ما يتعايش مع الختم الذي ختم به ، مستعينا بأهم النقاط المكونة لشخصه والتي هي ميزات الروح القدس  فيتحقق له أن يكون بحق إنسان الروح أو الإنسان القيادي وهذه هي المميزات:

1- الإرشاد والقيادة: "وأما متى جاء ذاك روح الحق فهو يرشدكم الى جميع الحق" (يو16: 13).

2- التعليم والتذكير: "وأما المعزي الروح القدس.......فهو يعلمكم كل شيء ويذكركم بكل ما قلته لكم" (يو14: 16).

3- الشهادة: "روح الحق الذي من عند الآب ينبثق فهو يشهد لي" (يو15: 26).

4- المعونة والمؤازرة: "وكذلك الروح أيضا يعين ضعفاتنا" (رو8: 26).

5- التعزية: "وأنا أطلب من الآب فيعطيكم معزيا آخر - أي كما أن المسيح معزي - روح الحق" (يو14: 16-17).

6- المعرفة: "الروح يفحص كل شيء حتى أعماق الله.......هكذا أيضا أمور الله لا يعرفها أحد إلا روح الله" (1كو2: 10-11).

7- الإرادة: "هذه كلها يعملها الروح الواحد بعينه قاسما لكل واحد بمفرده ما يشاء" (1كو 12:11).

8- إقامة الرعاة: "احترزوا إذن لأنفسكم ولجميع الرعايا التي أقامكم الروح القدس فيها أساقفة لترعوا – لتقودوا - كنيسة الله" (أع2: 28).

هذه الصفات وغيرها الكثير تدل على ميزة الروح القدس في كونه القائد، والذي بتمتعنا منه صفاته يوصلنا الى الشخص القائد مثله، انما بمساعدته الدائمة.

ثالثاً: مفهوم القيادة في الكتاب المقدس

لا نجد في الكتاب المقدس استعمالاً لكلمة قائد أو قيادة، وبأقل تعديلٍ يتضح المفهوم الذي نتحدث فيه اليوم عن القائد أو القيادة. فنحن نجد أن وظيفة القائد تتمثل بكلماتٍ أخرى مثل: (رأس وسلطة وقدوة وخدمة وراعي ومعلم). لذلك سنقدّم بحثنا عن مفاهيم القيادة، وسألخصها بتقديم ثلاث نقاط آخذها من بين الأنماط الستة التي ذكرناها، ثم نقدّم شخصيات قيادية ناجحة، استمدت قوتها من الإيمان بالله، وتحلَّت بنعمته الإلهية، وذلك من أجل خدمة الله والبشر. لذا سنبدأ بتوضيح ثلاث من الكلمات التي لها مدلول القيادة:

1- الرأس: نجد أن العهد الجديد، وعلى الأخص رسائل بولس الرسول توضح هذا التعبير كمفهوم خاص بيسوع المسيح. فهو الرأس لكونه يحمل السيادة المطلقة على الكون من خلال التطبيقات التالية:

أ. المسيح رأس الزاوية: يستمد هذا التعبير مرجعيته من سفر المزامير القائل: "الحجر الذي رفضه البنّاؤون قد صار رأس الزاوية" (مز22:118) ثم يتكرر هذا التعبير في العهد الجديد مراراً، ويكمل يسوع القول بأنه "حجر الزاوية الأساسي" (متى42:21) ويضيف: "فمَن يقع على هذا الحجر يتكسّر، ومَن يقع الحجر عليه يسحقه سحقاً" (متى44:21) فيسوع الرأس هو بذاته القائد الجديد، بعد أن كان مرفوضاً من الشعب القديم. سيصير رأس الزاوية، أي القائد في البنيان الجديد، الذي هو الكنيسة. فبدون يسوع لا تقوم الكنيسة، وهو ما نعبِّر عنه بقولنا اليوم: إن الكنيسة بحاجةٍ إلى قائد، وقائدها واحد هو يسوع المسيح. إلا أن يسوع قد كلّف الرسل والتلاميذ بقيادة الكنيسة: "ما تحلونه على الأرض يكون محلولاً به في السماء، وما تربطونه على الأرض يكون مربوطاً في السماء" (متى18:18) لهذا نجد أن بولس الرسول يتجرأ ويخاطب المؤمنين بالقول: "وقد بنيتم على أساس الرسل والأنبياء، والمسيح يسوع نفسه هو حجر الزاوية الأساس" (أف20:2) ولنعلم أن كل حديث عن المسيح يقودنا إلى الكنيسة، التي قائدها الذي هو يسوع. وهو مَن يقودنا إلى هذا الهيكل الجديد، الذي أسبغت عليه قيادته قوة تماسكه وتحديد هدفه. وهذه كلها من صفات القائد.

ب. المسيح رأس الكون: يقول بولس الرسول: "فمثلما قبلتم المسيح يسوع الرب، ففيه اسلكوا... وأنتم مكمَّلون فيه. فهو رأس كل رئاسة وسلطة" (كولو1:2+10). هذا يعني أن قبول المسيح رباً وقائداً لحياتنا، هو بداية الحياة مع المسيح. لذلك فهو يقودنا ويساعدنا في كل شيء، وخاصةً بتسليمه حياتنا وإخضاع إرادتنا له (رو1:2-2)، مع السعي لنتعلم منه ومن حياته وتعاليمه (رو16:3). فيصير هذا القائد الذي هو المسيح الرأس، حاملاً الإجابات للمعنى الحقيقي للحياة، لأن المسيح هو (الحياة). وهو المصدر الوحيد الفريد للحياة المسيحية، وهو مصدر كلِّ الصفات التي يتحلّى بها أي قائد مسيحي ناجح.

ج. المسيح رأس الكنيسة: يطلق بولس الرسول على المسيح صفة قيادية مطلقة، "هو صورة الله الذي لا يُرى... هو رأس الجسد، أي الكنيسة..." (كولو15:1+18) فالرأس الذي هو المسيح يصير هنا مبدأ حياةٍ وتماسكٍ ونمو. لذلك يضيف القول في أفسس: "فننمو في كل شيء نحو من هو الرأس، أي المسيح، فمنه يستمد الجسد كله تماسكه وترابطه بمساندة كل مفصل وفقاً لمقدار العمل المخصص لكل جزء، لينشئ نمواً يؤول إلى بنيان الجسد بنياناً ذاتياً في المحبة" (أف15:4-16). إذا كانت القيادة كعِلْم، تقام فيها العلاقة مع القائد بصفات خارجية موضوعية، فإن القيادة هنا لشخص الرأس الذي يتمتع بكل هذه الصفات الخارجية، إلا أنه يربطنا به في العمق بتلاحم أقوى بكثير من تلك الصفات. وبذلك يتم خلالها تلاحم قويّ بين الرأس الذي هو المسيح، والجسد الذين هم الأعضاء. أي بين القائد وشعبه. وذلك عن طريق الاتحاد الذي يتحقق بالعماد والأفخارستيا. فيصير المؤمن مسيحاً بواسطتهما، وهذا ما دعا أن يقال عن أشخاص الجسد مسيحيين، أي أنهم أتباعٌ لقائد واحد هو يسوع، يسعون للتشبه به وأن يصيروا مثله. لهذا يخاطبنا بولس الرسول بالقول:"فأنتم جسد المسيح وكل واحدٍ منكم عضوٌ منه" (1كو27:12).

2- الخدمة: أتى يسوع مرسلاً من الله لأجل خلاص البشرية، وهو من جهة ثانية أقام تلاميذ مطيعين له كما هو مطيعٌ للآب، ودربهم كي يكونوا خداماً في بعدين اثنين؛ الأول يتم فيه خضوع الخادم لله، والثاني أن يكون الإنسان خادماً لأخيه الإنسان. أراد يسوع لتابعيه ما التزم هو به لإلهه، فمن جهة الطاعة التي هي قاعدة الخدمة، فإنه "أطاع أباه حتى الموت، موت الصليب" (في8:2) بهذه الروح المطيعة أسس قيادته باسم الخدمة، فجاء ليخدم الناس تحت شعاره التالي:"وما ذلك إلاّ ليعرف العالم أنيّ أحب الآب وأني أعمل بما أوصاني الآب" (يو31:14). وعندما يخدم يسوع الله، فهو إنما يخلِّص البشر، إذ يكفّر عن رفضهم للخدمة، ويكشف لهم عن طبيعة الخدمة التي يريدها الآب. فهو يريد أن يبذلوا ذواتهم في سبيل خدمة إخوتهم، كما صنع يسوع نفسه وهو ربهم  ومعلمهم، أي قائدهم. فهو يقول: "إن ابن البشر لم يأتِ ليُخدم، بل ليخدِم وليفدي بنفسه" (مر45:10) ومن أروع ما قاله يسوع في مجال موضوعنا هذا: "فقد جعلت لكم من نفسي قدوة... ما كان عبد أعظم من سيده" (يو15:13-6). فيسوع إذن هو الخادم النموذجي، وهذا يعني أنه القائد النموذجي حتى إنه "غسل أرجل تلاميذه" (يو4:13-17). فيسوع مستعد للخدمة إلى أدنى مرتباتها، فصار عن هذا الطريق قائداً بالمرتبة العليا. لذا نجده يقول: "فإن كنت أنا السيد والمعلم قد غسلت أقدامكم، فعليكم أنتم أيضاً أن يغسل بعضكم أقدام بعض. فقد قدمت لكم مثالاً لكي تعملوا مثل ما أنا عملت لكم" (يو14:13-15). نعم نحن أتباعه، وعلينا أن نكون خداماً لنصير قياديين أيضاً، وأن نكون مستعدين للخدمة بأي طريقة من أجل تمجيد الله. كل مسيحي عامةً، أو إذا كان كاهناً أو مرشداً أو مسؤولاً يجب عليه أن يناشد الآخرين بحبه وعمله، فيوصل لهم همساً بصوت لا يسمعه إلا الله آية يسوع العظيمة التالية: "فأنا بينكم في وضع الذي يخدم" (لو27:22) حينئذٍ لا أقول بأنه يصير مثل هذا الإنسان قائداً، بل الآخرون يصيّرونه قائداً عليهم.

    ولنعلم بأن الخدمة الأساسية التي يقوم عليها هذا الخادم القائد، هو أن يكون خادماً للكلمة: "كما نقلها إلينا الذين كانوا منذ البدء شهود عيان للكلمة – أي ليسوع المسيح وتعليمه وأعماله -، ثم صاروا عاملين لها" (لو2:1). وبصورة إجمالية فغن كل وظيفة جماعية في الكنيسة هي خدمة، حتى في أقل أشكالها وهي "خدمة الموائد" (أع2:6)، وهناك عشرات التعابير في العهد الجديد تدل على ذلك. فبولس الرسول يقول مثلاً: "ولكني لا أبالي بحياتي ولا أرى لها قيمة عندي، فحسبي أن أُتِمَّ شوطي، وأُتمّ الخدمة التي تلقيتها من الرب يسوع، أي أن أشهد لبشارة نعمة الله" (أع24:20) لذلك نستطيع أن نعدد عدداً من الخدم المسيحية والتي من أهمها:

أ- أنبياء العهد القديم والذين يوجد مثلهم أنبياء في العهد الجديد مثل أغابس: "وفي تلك الأيام نزل بعض الأنبياء من أورشليم إلى أنطاكية. فقام أحدهم واسمه أغابس..." (أع9:21).

ب- شخص المعلم المسيحي.

ج- الشمامسة والكهنة والأساقفة. وهكذا فإن القادة في الكنيسة هم الأشخاص الملهمون ومرشدوا الروح والإكليروس.

3- راعي: ربما كانت هذه الكلمة هي الأكثر التصاقاً بكلمة قائد. فبالرغم من أن الله لا يحمل إلا نادراً لقب الراعي، كمثل "مباركة يعقوب لابني يوسف بقول: (إن الله الذي سلك أمامه أبواي إبراهيم واسحق، الله الذي رعاني منذ وجودي إلى هذا اليوم" (تك15:48) وكذلك قول داود النبي "الرب يرعاني فلا شيء يعوزني" (مز1:1). إلا أن هذا اللقب سيظل محفوظاً لذلك المزمع أن يأتي، والذي سيقول عن نفسه: "أنا هو الراعي الصالح" (يو11:10) ولكن علينا أن نشدد بأن هذا الدور الرعوي هو دور قيادي بامتياز، وبإمكاننا أن ننظر إلى تطبيقه القيادي بروح رعوية مبذولة لتقوية علاقة الله بشعبه. سواء كان يهوه في العهد القديم، أو المسيح في العهد الجديد.

    يبرز الله لنا أمراً مهماً نتعرف عليه في سفر الخروج يقول: "قاد الله شعبه وغنمه" (مز7:95) ويصف أشعيا هذه القيادة بكلام مهم: ".... ها إلهكم قادم... يرعى قطيعه كراعٍ، ويجمع الحملان بذراعه، وفي أحضانه يحملها ويقود المرضعات برفق" (أش9:40+11). فالله هنا هو قائد رفيق وحنون، وهي صورة مناسبة للراعي الصالح. إنه يهتم بأضعف عضو في مجتمعه مثل (الأبناء والحوامل والمرضعات). فليتعلم القادة هذه الصفات من الرعاة الإلهيين، وليتعلم الشعب من كِلا الصفتين. فالأمّة القوية حقيقة ليست هي الأمة التي يوجد فيها قادة عسكريون جبابرة وسلاح عسكري فتّاك، بل بالحري هي الأمة التي تقتدي بعمل الله، وتعتمد عليه وعلى قوته. فالقائد بحسب الكتاب المقدس هو الأستاذ النموذجي، والمثل الأعلى لكلِّ قائدٍ آخر. لأنه قبل أن يعتمد القائد على الإدارة، عليه أن يكون معتمداً على الله ومتمثلاً به. إن القائد إن كان راعياً على صورة الله أو ابنه يسوع، يمتلك قوةً لا يمكن أن تقارن بها قوة أيّ شخص قيادي آخر. والذروة في عمل الله القيادي هو ما يصفه أشعيا النبي بقوله: "وهذا ما يقوله السيد الرب الذي يلم شتات إسرائيل: سأجمع إليه آخرين بعد، فضلاً عن الذين جمعتهم" (أش8:56).

    وفي العهد الجديد يأتي القائد بصورة واضحة وجلية: فهو يسوع الراعي الذي "عندما رأى الجموع أخذته الشفقة عليهم إذ كانوا معذبين ومشردين كغنم لا راعي لها" (متى36:9). فبدأ يسوع يجمع حوله: "القطيع الصغير" (لو32:12) أي التلاميذ، باعتبارهم نواة جماعة الأزمنة الأخيرة التي وعدها الله بالملكوت. ولنتعرف على هذا القائد باسم الراعي من خلال حال القطيع. يعرفنا الإنجيل بأنه سوف يتلقى اضطهادات الذئاب، وخاصةً تلك الذئاب المقنَّعة في ثوب الحملان (راجع متى16:7 و 15) فنجد خطر تفرق هذا القطيعق. ولكن القائد الراعي سيقوم بدوره الصحيح، وسيجمع القطيع، ويفرق النعاج الأبرار عن الأشرار (متى 25: 31- 32). قيادة يسوع وهي رعايته بحسب الإيمان المسيحي ولغة العهد الجديد. على أن قيادة يسوع هذه تحمل مدلول القيامة والمجيء الثاني والدينونة. إنها أحداث متواصلة بالنسبة ليسوع، الذي لا نحكم على نتائج قيادته إلا بعد الوصول إلى النهاية. وهي نهاية مثلى في القيادة والرعاية، لأنه يعطي لكل ذي حق حقه. وهذا أمر طبيعي طالما أن الكتاب المقدس يقدم يسوع الراعي على أنه (راعي الخراف العظيم) عب20:13 أي قائد البشر العظيم. وهو: (أكبر من موسى) لا بل هو: (راعي الرعاة) 1بط4:5 وأيضاً: "راعي النفوس وحارسها، الذي أرجع النفوس وشفاها بجراحه" (1بط24:2-25). فهو أيضاً بحسب سفر الرؤيا: "الحمل الذي في وسط العرش يرعاهم - لجمع كثير - ويقودهم إلى ينابيع ماء الحياة، ويمسح الله كل دمعة من عيونهم" (رؤ 17:7).

وفي إنجيل يوحنا وفي الإصحاح العاشر خاصةً تظهر صورة الراعي الصالح بشخص يسوع، الذي هو سيد القطيع، أي القائد الأول للبشر، لتتشكل الكنيسة بقيادته، لا بل بعصا قيادته.

رابعاً : شخصيات قيادية من الكتاب المقدس

أ- من العهد القديم:

1-  موسى: موسى الذي قاد في الصحراء بنجاح، عدداً كبيراً يربو على المليون مدة أربعين عاماً، بل ربما وصل عددهم إلى نحو المليونين. فما هي مؤهلاته القيادية يا ترى؟ لقد اعتمد مرّة في بداية حياته على قوة ذراعه فصار قاتلاً مجرماً. وعندما خرج من بيت فرعون فشل بالحكمة التي حملها معه من هناك. لقد كان قريباً من حياة مليئة بالمتاعب. وهو كقائد يحتاج إلى نزعة المواجهة، وهذه كانت متأصلة فيه، ولكنه لم يعرف كيف يستعملها. فهل هذه الصفات تجعل من صاحبها قائد؟

إلا أن موسى هذا استطاع في لحظة استنارة أن يلتفت إلى الله، فتعلم أن يكون مطيعاً بصورةٍ مستمرةٍ له، وخاصةً في أوقات الضغوط والمواقف الصعبة. حينها بدأ الله في استخدامه. و أهم ما في الأمر أن الله قبل شخص موسى وطبيعته فاستخدمه كما هو. وما حدث حين استخدم الله موسى كما هو، أن بقيت قدراته كما هي وكذلك طاقاته، ولكن الذي تغير هو أسلوب موسى في استخدامها. فانتصر على فرعون بقوة الله، لأنه لم يستخدم في معركته أي سلاح مادي.

القيادة تطلبت من موسى أن يضع بين يدي الله شخصه الذي خلقه الله عليه، لكي يستثمره الله بالكيفية التي يريدها من أجله. وتعلم من الله أسس القيادة، لا ليقود فقط، بل ليخلق قادة أيضاً. فهو كان بالنسبة ليشوع كما كان الله بالنسبة إليه. لقد استطاع أن يوصله إلى القيادة باعتماده على الله.

2-  يشوع: من أعظم التحديات للقادة، تدريب الآخرين ليكونوا قادة. لقد اتخذ موسى قراراً رائعاً عندما اختار يشوع مساعداً له. ونال تأييد الله على حُسن هذا الاختيار (عد15:27-21).

وقد قام يشوع بدورٍ رئيسٍ في قصة الخروج. ورافق موسى إلى الجبل عند تسلمه لوحي الشريعة بصفته قائداً للجيش. ولكن كان يتدرب أيضاً من أجل أن يتأهل لقيادة شعب الله. والسؤال كيف تمّ ذلك؟ إنه قد تمّ عن طريق ملازمته لموسى، واختباره المباشر لكيفية القيادة.

ترافق يشوع وكالب كجاسوسين لاستطلاع أرض الموعد. ولكن لم يكن له تأثير فلم يتبعه أحد. ولكن فيما بعد عندما أصبح القائد، تبعه الجميع إلى أرض الموعد. لماذا؟ كان يشوع في المرة الأولى بحاجة إلى وقت أطول ليعمّق قدرته على التأثير. وبذات الوقت كان يتأصل بصورة أمينة في طلب إرشادات الله. فنال مفاعيل المرحلتين، مما جعله يتأهل وينال الاستحسان من موسى بعد تلمذته على يده ليعطيه السلطة، وبعدها نال استحسان الشعب فتبعوه. وكان ذلك بعد أن "أخذ موسى يشوع وأوقفه أمام ألعازر الكاهن وسائر الجماعة، ووضع يديه عليه، وأوصاه كما أمره الرب" (عد22:27-23).

وموضوع القيادة يملي علينا أن نقول هنا بأن يشوع هو الذي دخل أرض الميعاد وليس موسى. بالرغم من أن كثيراً من الإنجازات المتميزة بدأت مع موسى ذي القدرات الفذة، ومع ذلك نرى بأن حياته - وكذلك خدمته - انتهت قبل أن تتحقق الرؤية، فأصبح تحقيق ذلك الحلم مسؤولية خليفته الذي هو يشوع. فالموت هو خط النهاية للقيادة.

3-  عزرا: ما الذي يميز عزرا بصفته قائداً ناجحاً، وخاصة في عمله مع نحميا؟ كانت قيادته تنبع ليس من انجازاته الشخصية رغم أهميتها، إنما من التزامه الشخصي لأن يحيا لله. أما الإنجازات فلم تكن سوى أمثلة يستطيع أن يفعلها الله من خلال حياة الإنسان. من هنا نفهم أن نجاحه في القيادة كان يتناسب طرداً مع طاعته.

كان نجاح عزرا بعد رجوعه من السبي بثمانين عاماً، فبعد إعادة عمران الهيكل التزم ببرنامج التعليم الديني في أورشليم، لأن الله كان قد أهداه ثلاث قدرات هامة لاستخدام سلطة القيادة المزمع أن يعمل بموجبها وهي:

أولاً: باعتباره كاتباً كرَّس نفسه للدراسة الدقيقة لكلمة الله.

ثانياً: عزم أن يطبِّق شخصياً، وأن يطيع الأوامر التي اكتشفها في كلمة الله.

ثالثاً: كرَّس نفسه لتعليم الآخرين كلمة الله، وتطبيقها على الحياة.

تلك كانت أولويات القائد عزرا، التي قامت عليها أعماله لدى وصوله أورشليم من السبي في بابل. فاستطاع أن يحدِّث الشعب هناك. ويوصلهم إلى معرفة أنهم خطاة، وأن يدفع بهم إلى الاعتراف بخطاياهم. والأهم هو وضع خطوات لمعالجة مشكلتهم.

كان عمل عزرا هو المسرح الذي وجده نحميا وأنجز أعماله عليه، ليواصلا معاً (أي عزرا ونحميا) رسالتهما، بل قيادتهما. فنجد أن الله استخدم الاثنين لبدء حركة روحية عمَّت الشعب بعد إعادة بناء هيكل أورشليم.

قيادة عزرا في مهامه كانت مبنية على أساس كلمة الله. لأنه درسها بجدية، وطبَّقها بأمانة، وعلَّم الآخرين ما تعلمه. فهو مثال عظيم لأي إنسان يريد أن يحيا الله، وبهذه الآية نوجز وصفه: "لأن عزرا أخلص نيته لطلب شريعة الرب وممارستها، وتعليم الشعب فرائضها وأحكامها" (عز10:7).

4-  نحميا: كان ساقياً لأرتحششتا ملك فارس. سلطته ضئيلة ولكن نفوذه قوي. ولدى الحديث عن قيادة نحميا نلاحظ أن الله يعمل من خلال شعبه لإنجاز مهام تبدو مستحيلة. لقد أعد الله نحميا ليستخدمه في إنجاز إحدى المهام المستحيلة، وهذا يعني أن القائد الحقيقي هو الله وليس نحميا. وهذا ينطبق على كل القادة رجال الله.

سبق زربابل وصول نحميا إلى أورشليم بنحو تسعين عاماً، وهو الذي قام بإعادة بناء الهيكل. وقد مضى عشر سنوات كذلك على وصول عزرا إلى أورشليم، الذي ساعد الشعب في حاجاتهم الروحية. أما دور نحميا فقد دار حول السور الذي بقي مهدماً. فتحدث نحميا إلى الله طالباً منه التدخل. وبدأ بتشكيل خطة في فكره عن دوره في إعادة بناء أسوار المدينة، فترك مختاراً ما كان يتمتع به من أمن في بيته وفي عمله في فارس، ليسير وراء الله في مهمة مستحيلة. لقد صلَّى نحميا إلى الله، قبل بدء العمل ملتمساً معونته بهذه الكلمات: "فاذكرني يا الله بالخبر" (نح31:13). وطوال عمله أبدى نحميا قدرة فذّة على القيادة. فقد تم إعادة بناء السور في مدة قياسية، رغم وجود مقاومات عديدة، اعترف بها أعداؤه في غيظٍ وخوفٍ قائلين: بأن الله كان مع أولئك البنائين.

والأهم، أن الله عمل من خلال نحميا لإحداث نهضة روحية بين شعب يهوذا. فإذا أردنا معرفة موهبتنا وقدراتنا، فعلى كلِّ واحدٍ منا أولاً: أن يتشبّه بنحميا في تحدّثه الدائم مع الله، مرحِّباً بحضوره معه في أفكاره، ومفسحاً له الطريق ليشارك معه في ذاته واهتماماته ومشاعره وأحلامه. وثانياً: أن يسير الشخص منّا مع الله، وأن يكون نشاطه هو تحويل كلام الله إلى عمل. فلكل منا عملٌ مستحيل، يكلِّفه الله به ويتحرك بقربه. فينجز من خلاله. فكانت البداية قوله للحاكم والقوم: "وأطلعتهم عما رعاني به إلهي من عناية صالحة..." (نح18:2).

ولا يسعنا أن نزيد الشواهد بقادةٍ أفذاذ من مثل نوح وإبراهيم ويوسف الصديق وغيرهم. لذا سنترك العهد القديم منتقلين إلى العهد الجديد.

5- شاول: لا فائدة من اختيار الله لنا لنكون قادة، إذا لم نضع إرادتنا تحت تصرف الله، ونعمل حسب مشيئته. هذا ينطبق على شاول الملك، لقد تم اختياره ليكون ملكاً وقائداً، وصار يتصرف من حيث المظهر كملك مثالي، إلا أن سماته الشخصية لم تكن قادرة على الاستمرار في طاعة الله، والعمل حسب مشيئته. لقد كان قائداً مختاراً من الله، إلا أن اختيار الله هذا لم يساعده ليكون قائداً كفؤاً في ذاته.

في المرحلة الأولى لملكه كان يطيع الله فحقق أعظم نجاح له. ولكنه انقلب ليعمل بحسب مشيئته الذاتية، مغتراً بما كان متحلياً به من إمكانيات جيدة، مثل المظهر والشجاعة والإقدام، فانقلب الأمر عليه لأنه لم يضع إمكانياته بين يدي الله. فكانت النتيجة أن اختياراته الذاتية فصلته عن الله، وأبعدته عن شعبه.

فلنعلم من دراستنا هذه الشخصية، أن مواهبنا تتحول إلى آلات تجعل هذه المواهب بذاتها غير صالحة ونافعة لأننا لم نجعلها مباركة من الله. فالطاعة من القلب هي التي تخلق من القائد إنساناً منتفعاً من قدراته. ولنا من توجيه النبي صموئيل اللوم إليه أن ندرك أهمية نجاح القيادة بالاعتماد على الرب: "فقال صموئيل: هل يسر الرب بالذبائح والمحرقات كسروره بالاستماع إلى صوته؟ إن الاستماع أفضل من الذبيحة، والإصغاء أفضل من شحم الكباش... ولأنك رفضت كلام الرب، فقد رفضك الرب من الملك" (1صم22:25-23).

6- داوود: من هو داوود؟ إنه الراعي والشاعر وقاتل الجبابرة والملك... ألا يكفي هذا ليكون القائد المثالي؟ قبل أن نجيب، لا بد من ذكر أوصاف سيئة للغاية تحلت بها شخصيته مثل: الخائن والزاني والقاتل.

إن اسم داوود يذكر باحترامٍ وإجلال لأجل تقواه. واعتباره قائداً مهماً لأنه وضع نصب عينيه شخص الله محباً ومنقاداً إليه، تائبا وطالبا منه الرحمة والغفران مما جعل صموئيل يعلن له لماذا تحول الله من شاول الملك إليه. فيقول لشاول عن داوود "أما الآن فلأنك لم تطع ما أمرك الرب به فإن ملكك لن يدوم لأن الرب قد اختار لنفسه رجلاً حسب قلبه وأمره أن يصبح رئيساً على شعبه" (1صم14:13).

لقد تحلى داوود بإيمان راسخ في طبيعة الله الأمينة الغافرة. لدرجة أنه اختبر فرح الغفران حتى عندما كان عليه أن يعاني من عواقب خطاياه. هذا اسمه قمة المحبة تجاه الإنسان الآخر.

نحن بحاجة لقلب بين أضلعنا يحمل مثل هذا الغفران الذي به نصل إلى روح قيادية وإرشادية عالية. لا بل نصل إلى أنفس لا تعرف الخوف، وتبقى متنعمة بحياة السلام حتى في ذروة أيام الحرب والاضطهاد. ومن ثم علينا التعلم منه أن نخاطب الرب الإله قائلين: "والآن يا سيدي الرب أنت هو الإله وكلامك حق وقد وعدت عبدك بهذا الخير فتعطف وبارك....لأنك يا سيدي الرب قد وعدت" (2صم 28:7-29).

ب- من العهد الجديد:

1- بطرس: القائد الناجح في حياة الإيمان هو أن يكون للمسيح تابعاً، وهذا ما حظي به بطرس حين قال يسوع له: "هيّا اتبعني" (مر17:1) وكانت آخر كلمات يسوع له: "اتبعني أنت" يو22:21. وفي كل خطوة بين هاتين الدعوتين لم يكف بطرس عن اتباع الرب يسوع، ولو أنه تعثّر كثيراً.

القائد المؤمن يسعى لدخول الله إلى حياته، وعندما يتم ذلك يتحول الإنسان إلى شخص جديد. وهذا ما حدث لبطرس، فصار له أهداف جديدة وأولويات جديدة. فالمسيح القائد الأساس اختار من اختار، وباختياره لهم تغيروا، وكان بطرس واحداً منهم. بعد هذا تم لبطرس إرساليته القيادية بصفات الشخص الذي هو عليه، وبخاصةً غيرته واندفاعه. فالرب رأى في بطرس ما لا نعرفه، وهو مثالٌ كيف يرى الله في كلِّ إنسانٍ منا شخصاً مميزاً، فيفعِّل فيه هذه الميزة ويجعله ناجحاً، وإن بقي شيءٌ من ضعفاته. هذا ماحدث لبطرس الذي حقق أموراً كثيرة في خدمة الله. فصار بطرس بعد ذلك قائداً معترفاً به بين التلاميذ، وواحداً من الثلاثة المقربين من المسيح. ولا ننسى صوته القوي يوم الخمسين، الذي ساعد على انضمام ثلاثة آلاف نسمةٍ إلى حظيرة المسيح. فهل من الضروري تذكّر ضعفاته وأخطائه رغم نجاح قيادته؟ نعم لأن هذا التذكر مفيد، لأنه يساعدنا على تجاوزها. ولكن علينا ألا ننس أن يسوع سمّاه صخراً بقوله له: "أنت صخرة (بطرس) وعلى هذه الصخرة ابني كنيستي وقوات الجحيم لن تقوى عليها" (متى18:16).

2- بولس: تحلّى بولس الرسول بصفة القيادة قبل انتمائه إلى كنيسة المسيح. أعماله وأقواله واضطهاده للمسيحيين دلَّ على أنه يحمل صفات ومواهب قيادية. ولكن الأمر تغيّر كثيراً عندما أعلمه يسوع في لقائه معه على مشارف دمشق: "صعب عليك أن ترفس مناخز" وبعدها صار التالي بعد المسيح، وأصبح القائد الفذ الذي يشكّل تاريخ المسيحية، خاصة والتي تبدت في تلك القيادة الملهمة في رحلاته التبشيرية المنظّمة في سفراتها الثلاثة.

 بعد استشهاد استفانوس حمل لواء قيادة إيصال الإنجيل لكل العالم، وذلك بالاعتماد على طاعة وصية الرب الذي كلّفه بذلك واعتبره "الإناء المصطفى" للشهادة المسيحية.

 تغيّرت حياة بولس بسبب مقابلته الشخصية مع يسوع. وهذه أكبر نقطة قيادية يتوجّه بها إلينا، من أجل أن يكون لنا لقاء بالمسيح يغير خططنا وحياتنا، عن طريق تفعيل مواهبنا وأنماط شخصياتنا. فالشدة التي كانت عند بولس تحوّلت لتكون خدمة للإنجيل. صحيح أن البشارة لغير اليهود قد أحرزت إنجازاً قبله، ولكن عبر بشارته القيادية ارتفع الانجاز إلى مستوياتٍ أعلى.

ومن الإنجازات المهمة في تقوية الروح القيادية عند غيره، أنه تعرف على برنابا في طرسوس، وأخذه معه إلى أنطاكيا. حيث عملا معاً بين المؤمنين هناك. ثم نظّما الرحلة التبشيرية الأولى، وترافقا فيها معاً من أجل حمل الإنجيل عبر إمبراطورية روما.

 كان بولس مسلّماً أمره لله ومستسلماً للمسيح القائد الأعلى له. فلم يترك الله أي جزء من أجزاء حياته إلا وفعَّله ليكون له دورٌ في عمله، بدءاً من حياة بولس، إلى خلفيته وتعليمه ومواطنته وجنسيته وفكره، بل وصفاته أيضاً. وأيّ إنسان يسلِّم أمره لله بهذه الصورة يتحول إلى قائدٍ ناجح، لأن الله حينئذٍ هو الذي يعمل بالنفس وليس البشر. خاصةً إذا كان أحدنا مثل بولس حساساً لقيادة الله له، بالرغم من قوّة شخصيته، فهو لم يتنازل البتة عن العمل دائماً بحسب قيادة الله له. وهكذا صار بولس رسول الأمم. إن لم نقل أنه صار القائد الفذ للدخول إلى قلوب الأمم

ولقد علّم كثيرين أسس القيادة خاصة لتلميذيه تيماثوس وتيطس. فالقائد الكنسي بحسب بولس ينبّه القادة الجدد إلى الانتباه من التعليم الخاطئ للمعلمين الكذبة ومن الانحرافات الباطلة. مع التمسك بالإيمان بقلب طاهر وضمير صالح وصادق وعاملاً بالتقوى. مع الاهتمام بالصلاة لجميع الناس. وكان في ذلك كله صبوراً في تعليمه وديعاً في تعامله، دون ما أن يفقد ضرورة التشديد لأجل الاستقامة. وهمّه أن يكون القائد مثله رجلاً مقبولاً عند الله وعاملاً لا يخجل بعمله مبتعداً عن المماحكات الحمقاء. وأن يكون قدوة في الكلام والتصرف والمحبة ومواظباً على القراءة والوعظ. وأن يكرّس نفسه للخدمة ومعطياً إياها كل وقته بعد صلاته. ومن توصياته للقادة المقبلين:

1- أن يختلف أسلوب مخاطبتهم بين الأطفال والبالغين (1كو1:3-2).

2- أن يرتكز الدور القيادي كبنيان متين على شخص المسيح (1كو5:3).

3- حث القادة والشعب لاستخدام مواهبهم لبنيان جسد المسيح (1و12).

4- أن يتحلى القادة بالمحبة التي يصفها بقوله: (1كو1-13).

5- أن يعلموا آخرين لمواصلة الخدمة (2تيم2:2).

6- أن يذكروا الآخرين أن لا أحداً بدون موهبة أو وزنة (رو3:12).

7- الاعتراف بفضل الذين سبقونا وإكرامهم (عب7:12).

خامساً: خاتمة القائد يدعونا لنصير قادة

الله هو القائد الأسمى، وابنه يسوع المسيح هو القائد المرسل من الله. أسس كنيسته لتكون بيت القيادة ومركزها. ونحن أعضاء هذه الكنيسة بواسطتها وقدوتها وتعاليمها، مدعوون أن نلتقي مع الله فيها. ومن هناك تتشكل شخصية كل واحد ليكون قائداً. ويتأسس عمل القيادة كنسياً بصورة منظمة تتماشى مع روح العهد الجديد. ويتحول كل إنسان ليقوم بدورٍ من خلال عضويته الكنسية. ولهذا الدور صلة بروح القيادة. ولكن من جهة ثانية فعلى كل مؤمن أن يكون قائداً للآخرين من منطلق إيمانه. والمهمة الأولى للقيادة الروحية هي البشارة، وبولس الرسول يقول: "ويلٌ لي إن لم أبشِّر". من هنا تنبعث جرأة القيادة. للتحول بروح وصية يسوع لنا وليس بالاستبداد وفرض الذات. ولنقتدِ بإحدى هذه الوصايا ليسوع والتي يقول فيها: "تعلمون أن ..." (متى25:25-28). ولما كانت القيادة تتصف بالتأثير، فإن تأثير القائد على الناس هو يُشبَّه بالدور الذي كان عليه المسيح لذا يجب علينا قراءة الإنجيل كل يوم واستخلاص ما يناسب كل شخص منا وموهبته لكي يكون بفرادته هذه "ملحاً" (متى13:5) يملِّح المجتمع بقوة تعاليم يسوع و"نوراً" (متى14:5) يستنار البشر حسب حياة الكنيسة عن طريقه. ولكن عليه أن يكون هو هذا الملح والنور لتسطع قيادته بقدوة يقتدي بها به الآخرون. حينها يصير لسان حاله قول بولس الرسول: "اقتدوا بي كما أنا بالرب" عندئذٍ تكون القيادة قد بدأت عند مثل هذا الإنسان.

ولنعلم أيضاً أن القيادة للجميع، ذلك لأن كل من يقبل المسيح مخلِّصاً له ورباً، مدعوٌّ لأن يؤثر في الآخرين، لأن القيادة هي التأثير، ولكن بعد أن يشكل من يسعى ليكون قائداً رؤية خاصة به يستعين لوجودها بواسطة التأمل الصلاتي الذي ينير العقل ويدفع به الروح القدس ليتمثل بالمسيح ويتحول عن طريق الكتاب المقدس ليتمكن من تفعيل إمكانياته القيادية عن طريق القيادة التغييرية التي فيها على القائد أ يغير نفسه أولاً كما يقول بولس الرسول "تغيروا عن شاكلتكم" وبعدها يتحول عن طريق شخصه بخُلُقه الجديد القائم على تشبُّهه بالمسيح ليتبنى (القيادة التغييرية) تلك التي يتم فيها تغيير الناس داخلاً في الحياة الروحية وخارجاً في السلوك. وأهم مقوماتها هو الكلمة في الكتاب المقدس والأفخارستيا في الأسرار الإلهية.

وعلينا أن ننتبه بأن صفات الإنسان ومواهبه لا تتغير إنما فقط أن الله يتبناها كما هي. فالمباركة الإلهية والطاعة البشرية هما لحمة هذا التغير الذي يوصل الإنسان إلى القيادة الناجحة.  (تجدون المحاضرة على شكل بوربوينت في صفحة الملتيميديا)