حديث الأسبوع (20 آب 2017)

أرشيف

وعظة الأحد

محاضرة للأرشمندريت يوحنا التلي

                                                                                   في المستشارية الثقافية الإيرانية

                                                                                  دمشق 18 آب 2011

 تزكية النفس في الأديان

 

أولاً: مقدمة: قصّة فقدان التزكية في النفس

"خلق الله الإنسان على صورته ومثاله" (راجع تك26:1-27) فصار للإنسان صلةٌ وجوديةٌ مع الله، من عمق قلبه وصميم كيانه. غير أن الصورة الإلهية هذه ترتبط بصفاتٍ إنسانية محددة، مثل العقل والتفكير والحرية، والقدرة على إدراك الحقائق الروحية، والتمسّك بالفضائل؛ مثل الصلاح، والحكمة، والعدل، والرأفة، والمحبة. فساعد الله الإنسان بسبب وجود هذه الفضائل أن يكون متسلطاً على شهواته في حياته، تلك الغرائز الداخلية، التي إن لم يكن متيقظاً لها، تتسلط عليه وتقوده إلى طريقٍ آخر. من هنا أعان الله الإنسان ليكون مبدعاً في نشاطات حياته، لأن الإبداع الكامل هو لله وحده بعزته وجلاله. وبمنةٍ منه جعل خلقنا إبداعاً فريداً منه أوصلنا إلى خُلُقٍ نتميز به، ونتابع طريق حياتنا متجهين نحوه بتواصلٍ لا يتوقف، بواسطة مسؤولية نرضى بها أن تجعلنا نقف بين يديه يوم الدين.

لهذا كله صار الإنسان يدرك أنه ينمو بالروح ويتطور روحياً، ويتحقق له ذلك بقدر ما يبقى ناظراً إلى الله بكلِّ جوارحه، ليستمد منه النعمة التي تُعينه لينمو نحو هدف الإنسان في وجوده ككائن مخلوق.

بهذا الخلق الفريد يزكّي الله الحب في قلب الإنسان، لأن محبة الله الفائقة تفيض نِعَماً، تتولّد منها الطهارة والتنقية والصلاح. ومع هذه التزكية تتشكل سعادة الإنسان، التي ترافقها بركة وقداسة، تقود الإنسان في ذات الوقت ليعرف الله أكثر. تلك المعرفة تنمّي في الإنسان عملاً مطلوب منه أن يقوم به، ألا وهو تزكية النفس بحسب الدين الإسلامي، التي يوازيها تنقية النفس وتطهيرها بحسب المسيحية. وعلى الإنسان الذي يبحث عن سعادته بالمعنى الديني أن يتقدم في نموه نحو الالتزام بتلك التزكية، أي أن يبقى قلبه وعقله وفكره وكيانه وجسده طاهراً نقياً نظيفاً، عن طريق محاسبة نفسه وتهذيبها.

فالتزكية والنقاوة والطهارة كل هذا عملٌ إنساني آتٍ من الإله الواحد الأحد، الذي خلق السماوات والأرض، وخلق عليها الإنسان خلقه الأبرز والأهم. هذا الإنسان، باتفاق كلِّ الأديان، ينتمي لإلهٍ واحدٍ خلقه على صورته، وسهل له أن يتحلّى بالفضائل كلها من خلال توجيه الله له. يقول الكتاب المقدس فيه: "إن الله الذي صنع العالم وما فيه، والذي هو رب السماء والأرض... هو الذي يهب لجميع الخلق الحياة والنّفَس وكل شيء. فقد صنع جميع الأمم البشرية من أصل واحد، ليسكنوا على وجه الأرض كلها..." (أع24:17-26). لذلك نرى بأن تزكية النفس ترتبط بإرادة الله الخالق وبث فضائله الحميدة في النفس البشرية المؤهلة للنمو والازدياد لما يريده خالقها لها.

 

ثانياً: تعريفات: أ. تزكية. ب. النفس. ج. الربط بينهما

آ. المرجع المعتمد لمعنى (التزكية) اُستخلص من مصدرين؛ الأول هو قاموس الرائد لجبران مسعود، والثاني من بحثٍ عن تزكية النفس للباحث سيد محمد بن جدو. التزكية في اللغة مصدر زكّى الشيء يزكيه، ولها معنيان: المعنى الأول: التطهير، يُقال زكيت هذا الثوب أي طهّرته، ومنه الزكاء أي الطهارة. المعنى الثاني: هو الزيادة، يقال زكى المال يزكو إذا نمى، ومنه الزكاة لأنها تزكية للمال.

ومن الزكاة تأتي البركة والزيادة والطهارة والصلاح وطاعة الله. فالزكي هو الطاهر من الذنوب والأخطاء. زكّاه تعني طهّره.

وعلى أساس المعنى اللغوي جاء المعنى الاصطلاحي لتزكية النفوس، من حيث هو مصطلح شامل للأمرين:

1- تطهيرها من الأدران والأوساخ.

2- تنميتها بزيادة تحلِّيها بالأوصاف الحميدة.

ب. أما النفس في الدين الإسلامي فقد ورد في القرآن الكريم وصفها بثلاث صفات: 1- نفس مطمئنة. 2- نفس لوّامة. 3- نفس أمّارة بالسوء. فالنفس المطمئنة هي التي سكنت إلى ربها وطاعته، واطمأنت لكل ما هو آت من عنده. أما اللوامة: (فهي النفس اللؤوم التي لعلها تندم على ما فات وتلوم عليه). وأما الأمّارة: فهي التي تأمر صاحبها بما تهواه من شهوات رديئة.

وأما في المسيحية فإننا نجد أن الكتاب المقدس ينظر إلى الإنسان في وحدته الوجودية؛ مع التمييز فيه لأوجه ثلاثة هي: 1- الجسد مبدأ الحياة الطبيعية. 2- النفس مركز الحياة النفسية. 3- الروح مبدأ حياتي ومركز المشاعر والنشاط العقلي.

فالإنسان يتألف من مادة وروح، ومن نفس وجسد. أما ارتقاؤه من النطاق المادي إلى اللامادي أي من العالم المحسوس إلى اللامحسوس فيتحقق بفعل قوّة النفس التي يصفها الاصطلاح المعمول به على أنها أسمى ملكات الشخصية الإنسانية. وبقوة النفس هذه، التي هي الذهن في أوسع معانيه، يصل الإنسان خلالها بوحدته الوجودية إلى التنقية والتطهّر. فالإنسان بقوة النفس هذه يعرف الله، وما يريده الله. ويتمكن من ذلك بإدراكٍ روحيٍ مباشر. فالذهن عند الإنسان (أيّ قوّة النفس لديه) يعمل على إدراك الحقيقة الإلهية بالخبرة المباشرة، أو المعرفة البسيطة، وليس بفعل العقل الاستقرائي والتحليلي.

وهذه النفس الطامحة بقوتها إلى إدراك الحقيقة الإلهية هي واحدة، إلا أنها ساحةٌ لعمل ثلاث قوى: (العاقلة والشهوانية والغضبية). ومن تفاعل هذه القوى الثلاث على النحو الخير يكون الذهن هو الأداة التي بها تعمل القوة العاقلة في الإنسان. ولتوضيح معنى الذهن نورد المثال التالي: سأل أحدهم رجل دين قائلاً: يا أبتِ ما هو الذهن؟ فأجابه رجل الدين ببساطة مميزة قائلاً: حسناً يا بني، ماذا يحصل لو غاب ربّان السفينة؟ هل تقوى السفينة على الوصول إلى شاطئ الأمان؟ ألا تغرقها الأمواج وتحطمها؟ الأمر نفسه يقال عن الذهن. إنه ربّان سفينة الإنسان.

وبحسب تعليم القديس غريغوريوس بالاماس تتألف القوة العاقلة في الإنسان من (فكر وحدْس). وهذه القوة هي الذهن. فالذهن هو القوة التي تفعِّل الفكر والحدس. والكتاب المقدس يطلق عليها اسم (القلب). فالقلب في المسيحية هو في موقع الصدارة بين مكونات وجود الإنسان. فالذهن بواسطة القلب الروحي يعمل لينهل من عالم الله، ويزكي قوى النفس لديه، حيث تبلغ بواسطة المشاركة في عطاءات الله، ليصل الإنسان إلى الذروة التي هي حالة الاتحاد في الحياة الإلهية. وفي المسيحية يطلق على حالة الاتحاد هذه كلمة (الثيوريا) التي تعني معاينة الله. تلك الحالة التي وصل إليها كثير من متصوفي الإسلام.

ج. وفي الأدب المسيحي يُطلق على الذهن أسماء مثل (عين النفس) أو (العين الساهرة) أو (العين ذات الثيوريا) أو (القسم العاقل من النفس). وإذا تساءلنا عن العنصر الخلاّق في كل وجوه الحضارة الإنسانية، نجد أنه الذهن، على شرط ألا يكون (ذهناً أعمى)، كما هو عند مَن ضعفوا عن تزكية أنفسهم. فمثل هؤلاء الكسالى في الجهاد الروحي هم أناسٌ ضعافٌ في الحس العاقل والتمييز، وهو ما يمنع أن يتوفر لهم الذهن المتيقظ. ومن أهم أسباب هذا الضعف هو ذلك الخيال الواهي والشارد بزهوٍ في المجد الباطل. فمثل هذا الذهن، بحسب أحد رجال الدين، يكون عاملاً بصورة لا علاقة للدين فيها، وهي حالة عيشٍ للذهن بواسطة التأمل أو تركيز الذهن في أمور الجسد وأهدافه، كمثل هؤلاء الذين ينشغلون باليوغا وسواها. فالمرفوض مسيحياً من نشاطات أصحاب الديانات الشرقية هذه، هو أن هذا التأمل عديم الثمر ولا منفعة منه. فينطبق عليه قول السيد المسيح عن مثل هذه الحالات: "من ثمارهم تعرفونهم" (مت16:7). فالجهد البشري لوحده الساعي للأمور المادية فقط غير مقبول مسيحياً، وبالتالي هو غير مقبول إسلامياً أيضاً. لأن الجهد والسعي والتأمل وإعمال الذهن، بل وكل أعمال النفس يجب أن تحث الإنسان على تزكية ذاته، للوصول إلى غايات يطلبها الله ويرضى عنها.

 

ثالثاً: تزكية النفس بحسب الخطاب المسيحي

سأقدّم نموذجاً لحديثي عن عملية التزكية أستقي معانيه العامة من كتابٍ مسيحي لكاتب في القرن السادس. وعنوان الكتاب (سلّم الفضائل) واسم كاتبه يوحنا السلّمي تيمّناً باسم كتابه: رصد يوحنا السلّمي في كتابه ثلاثين درجة، يرتقي فيها المؤمن بسلّم الروح وهو في طريق صعوده إلى الله. هذا الصعود هو عمل تزكية النفس التي تستهدف صياغة وضبط علاقة الإنسان بالله، وبالخليقة، متضمنةً أيضاً - وبشكلٍ طبيعي - صياغة الإنسان لنفسه. وتحث هذه التعاليم الإنسان خلال صعوده لتلك الدرجات ليصل بها إلى الكمال والقداسة، تماشياً مع دعوة الكتاب المقدس الذي يناشدنا لنرتقي عبر هذين الاتجاهين بقوله: "كونوا كاملين كما أن أباكم السماوي كامل" (متى48:5) وأيضاً "كونوا قديسين كما أنا - أي الله - قدوس" (1بط16:1).

لقد حقق السلمي بكتابة هذا الكتاب رسم معالم نهجٍ مسيحيٍ. فقد استقاه من كلمات الكتاب المقدس ومعانيه، وكان تطبيقه على نفسه، وعيشه لكل أبعاده وتفاصيله هو التجريب على صحته ودقته. وبذلك كان كتاب (سلّم الفضائل) هو الأوضح في هذا المجال لنا، فقد امتلك أن يعرض بكلماتٍ روحيةٍ واضحةٍ وعميقةٍ الكشف عن الطريق لتزكية النفس في كافة نشاطاتها، فعندما تحدّث عن الصوم مثلاً، أبرز وجه الذي يؤدي إلى النصر فيما يدعو الصوم إلى تحقيقه. لذا ظهر الصائم خلال صعوده على درجات السلم أنه (بصومه سحق قرون التكبّر والمجد الباطل، أي هذه الأهواء التي يصعب تمييزها على المرء المقيّد بالانشغالات العالمية. وببلوغه سكون الفكر والجد، - أي توقيف حركتي الفكر والجسد الشهوانيتين - فإنه بهذا استطاع أن يطفئ لهيب أتون الشهوة الجسدية. وبإماتته لكل تعلّق ليس لله علاقة فيه يكون قد قوّى تثبيت كافة مدركاته على الحقائق السماوية غير المادية. وبهذا وغيره تمكّن من قطع رباطات الحزن فوصل إلى الشفاء الكلي من العُجب - الإعجاب بنفسه - والغرور).

هكذا تبدو تزكية النفس بصورتها الصحيحة أنها نهجٌ يحقق فيه الإنسان صلته بالله بجهدٍ شخصيٍ يستقيه من إيمانه بالله، الذي يغذيه بمعرفته بكلام الله، بفضل انكبابه الدائم على قراءة الكتاب المقدس، وداعماً ذلك بصلواته الجماعية والفردية. فالإنسان مدعوٌ من الله ليكون رجل صلاة، والكتاب المقدس يناشدنا بمثل هذا الأمر كمثل قوله: "صلّوا ولا تملوا"  "صلّوا بلا انقطاع"(1تس17:5) فالصلاة هي حديثٌ مع الله، وهل هنالك أجمل خلال تزكية النفس من حديثٍ دائمٍ تتوجه فيه النفس نحو خالقها. ونحن نؤمن بأن لله حضوراً مع الإنسان المصلّي أو الجماعة المصلية. ومع هذا التأكيد على هذه الصلة بالله، يؤكد الجهاد الروحي على ساحة علاقة الإنسان بأخيه الإنسان. فالإسلام يشدّد على أن الدين معاملة. وتؤكد المسيحية عليها خارجة بها من حدود العلاقة بالإنسان الآخر المسيحي، بل تخرج بها أيضاً من حدود الإنسان المؤمن لتجعلها علاقة بالإنسان كإنسان. فكلنا عيال الله، كلنا خليقة الله، كلنا أخوة متماسكون نشدّ على أيدي بعضنا لفعل الصالحات. وتؤكد المسيحية في دعوتها هذه وجوب إقامة علاقةٍ حسنةٍ مع الذين يبغضوننا أيضاً، وبتعبيرٍ أدق مع أعدائنا. فالسيد المسيح يقول لنا في هذا: "أحبوا أعداءكم، أحسنوا للمبغضين إليكم" (متى44:5) إنها تزكيةٌ للنفس في عدم رفضها التعامل بالحب مع كلِّ خليقة لله حتى الذي يكرهني.

وكما طبّق القديس يوحنا السلّمي دروسه التطهيرية هذه، فزكت بها نفسه واستولى عليه حبّه لله. الذي توجّه إليه بقلبه كلما ازداد صلاة. لقد اقتنى السلمي بهذا التعليم حباً جديداً ارتاحت إليه نفسه، وامتلك من خلاله عشقاً وميلاً للون صار له رفيقاً، ألا وهو السكينة والهدوء. فهو لم يعد يسمع نباح الأهواء بل فقط يشعر بأبدية الله. إنه الخاتمة الفضلى لكلِّ مَن تزكّت نفسه. لأن النفس النقية الطاهرة هي التي ينتهي الإنسان عندها بما انتهى عليه كتاب سلّم الفضائل، الذي مع انتهائه بفضيلة المحبة التي تضم تحت جناحيها كل الفضائل الأخرى حيث يصل الإنسان إلى التشبه بالله الذي يحتوي مجمل تعليم السلمي في رحلة العمر الروحية. ففي هذا التشبه نصل إلى تحقيق المثال الذي دعانا الله إليه لنكونه منذ بدء تكويننا. ولم يكن كتاب (سلّم الفضائل) للسلمي هو عرضٌ نظري لأفكارٍ متعلقة بالمعرفة البشرية، وليس أفكاراً تخص عقول حكماء هذا العالم وتستهوي أبناء هذه الدنيا. لا، لم يقدم لنا شيئاً من هذا، إنما قدّم لنا السلمي كيانه الحقيقي، مذكّراً لنا في عمله هذا بما يقدّمه متصوفوا الإسلام، من فكر لهجت به نفوسهم الطيبة لكثرة ما اقتنوا من ينابيع ذاك المقيم في السماء، وفي قلوبهم النقية بذات الوقت. لأنه عندما تتزكى النفس عند المتدينين يستنيرون بنور الله، الذي يقول في الكتاب المقدس "أنا هو نور العالم" (يو12:8) ويطلب من المؤمنين أن يقتدوا به فيقول لهم: "أنتم نور العالم" (متى14:5) والقرآن يقول: (الله نور السماوات والأرض) كما ويقول أيضاً: (نورٌ على نور يهدي الله لنوره من يشاء) (سورة النور 24 -40).

تزكية النفس تشكل بين طياتها صورة واضحة لكيان هذا الإنسان، الذي تزكّى من الروح القدس بحسب المسيحية، وبحسب الإسلام أيضاً. وابن عربي لم يتحدث عن هذا الروح فقط، بل ترك لنا كتاباً ممهوراً بعنوان (الروح القدس).

تزكية النفس أيضاً تقود الإنسان لتحليل شامل لشخصه، يكتشف فيه كثرة الأمراض النفسية التي تحاول أن تعيقه ليبقى في ظلام الدنيا بعيداً عن النور. فتأتي التزكية لتكون الدواء الشافي، ليستعيد هذا الإنسان صحته الروحية. كثيرة هي تلك الكتب التي كان فيها دور لتوحيد النفس البشرية المجزأة والمقسّمة والمظلمة. وبحسب اللغة المعاصرة (المكبوتة) أيضاً. فكُتَّاب الروح في المسيحية والإسلام وخاصة أصحاب التيارين النسكي والصوفي قد عرضوا سابقين بقرونٍ طويلة، الأسس التي قامت عليها النظريات المختلفة لأطباء النفس ومحلليها وعلمائها. وعلة هذا السبق راجع إلى اهتمامهم الذي كان محصوراً بالبحث في عمق النفس البشرية لتزكيتها وتطهيرها، وإعادة وحدتها الممزقة أشلاءً بسبب اتكالها، ويا للأسف، على خليقة الله، بدلاً من أن يكون اتكالها على الخالق جلّ جلاله. ففي النفس الممزقة هناك الشر والطمع والغرور، وانتهاك الإنسان لأخيه الإنسان، والبحث عن المصالح التي لا تراعي حياة الآخر وحاجاته... أما في النفس المزكاّة المتّكلة على الله، فالعمل الدؤوب فيها يصنع إنسان الإيمان الذي يرتكز على أن الله هو ألف وياء الوجود، وأن الإنسان الآخر هو المهم. بل هو أهم منّي لكوني أتعامل معه. لقد أرست المسيحية مرساتها على المحبة، التي يقول السيد المسيح فيها أن هناك وصية عظمى علينا اتّباعها وهي: "أحبب الله من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل ذهنك، والثانية مثلها أحبب قريبك كنفسك. بهاتين الوصيتين يتعلق الناموس كله والأنبياء" (متى37:22-40).

بهذا الحب المعاش نقضي على كافة أهوائنا البشرية، فنشفي أنفسنا وأفكارنا وعقولنا وكل ما يتعلق بنا. وأفضل طرق الأشفية في الأسلوب الروحي لا يكون بوضع وصفات تتشكل فيها مواجهةً لنا مع أنواع أمراضنا وتعددياتها؛ من فتورٍ روحي، وكسل، وحقد، ونميمة، وكبرياء، وإدانة الأنفس، وظلم الأرواح، وبغضاء الآخرين، وتفضيل ذاتنا على حساب الآخر... بل تدلنا هذه الوصفات على أن نضع الله وحده عزّ وجل أمامنا، ليكون هو محط أنظار قلوبنا العطشى لينابيع مياهه البلسمية، في كل ما أعلنه لنا في (كتبه). الله هو مثالنا لنتشبه بإعلاناته الإلهية التي تفيض حباً ومسامحة وكرماً وخُلُقاً... لنعيشها في خدمة البشرية، وخدمة الآخر القريب والبعيد، وخدمةً لأنفسنا. الله هو شريعتنا، وكلمته الطيبة هي معزوفة حياتنا، ودربه ومسلكه هو طريق توجهنا.

إذن نحن نتزكّى بالله ودروبه، ونتعالى ونبتعد متجاهلين شؤون العالم التي لا تستنير بنور الله. لأن كل ما هو ليس من الله يكون من الشيطان، من إبليس وجماعته. وتتحقق تزكية النفس فقط عندما نفرح بنور الله ونعمل أعماله، وننقي أنفسنا ونطهرها من أدرانٍ لا يريدها الله. وما الخطيئة إلا كل ما لا يريده الله.

 

رابعاً: الطريق المساعدة لتزكية النفس

الإنسان المتدين هو مَن ينظر بعينه الداخلية إلى الله باستمرار، ومنه يستقي كل ما يروي ظمأه من أجل تزكية نفسه. فلا يهمل صوت الله القائل: "إني أنا الرب إلهكم فكرسوا أنفسكم وتقدسوا لأني أنا قدوس" (لا44:11) ولهذا فإن بولس الرسول يذكِّرنا أن الله يدعو إلى قداستنا نحن أيضاً بقوله: "هذه هي إرادة الله قداستكم... لأن الله لم يدْعنا للنجاسة بل (إلى العيش) في القداسة" (1تس3:4و7). ويتناول مفهوم القداسة طهارة القلب، وطهارة الفكر، وطهارة الحواس. ففي رسالته إلى تيطس نقرأ: "عند الطاهرين كل شيء طاهر، أما عند النجسين وغير المؤمنين، فما من شيء طاهر، بل إن عقولهم وضمائرهم قد صارت نجسة" (تي15:1) هذا يعني أن أنفسنا هي التي تعطي الجواب لإنسان حالنا فيما إذا كنا من تعداد الطاهرين أم الأنجاس. فأنقياء القلب يغبِّطهم المسيح بقوله: "طوبى لأنقياء القلوب فإنهم يعاينون الله" (متى8:5) هؤلاء يتعلمون أن يروا الخير حتى في وسط الشر. أما الأشرار فيتعلمون أن يروا الشر حتى في وسط الخير. لذلك يدعونا الكتاب المقدس أن نحوّل أفكارنا إلى الله وتعاليمه، لنكتشف الخير أكثر، حتى في وسط العالم الشرير. فلنسع أن نجعل ذهننا يختار ما يملأه من مشيئة الله دون سواها. لنزكو نفسنا بها، عسى أننا نستطيع بعد هذا أن نوجّه طرق تفكيرنا وتصرفاتنا وأقوالنا لتعمل في الدرب الإلهي الذي يقود إلى الحياة الروحية السليمة. وهكذا لا يبقى مكان للشر في ذهننا، بل يكون دعاء لكلِّ ما هو صالح. فالإنسان الروحي هو الذي يتزكى بالروح، وتكون له بذلك ثمار روحية. ويعددها العهد الجديد بالآتي: "وأما ثمر الروح فهو: المحبة والفرح والسلام، وطول البال واللطف والصلاح، والأمانة والوداعة وضبط النفس" (غلا22:5-23).

          ويؤكد الكتاب المقدس أن طريق تزكية النفس هذا من أجل حياة نقية طاهرة، يقوم على تبني الإنسان لنفس عفيفة تساعدها دعائم كثيرة أهمها: عفة الجسد - عفة الحواس - عفة اللسان - عفة القلب والفكر. وأخص بالذكر هذه العفة الأخيرة، فهي على الرغم من كونها صفة داخلية، إلا أنه ينبني عليها كل تعفف من الخارج. لأن عفة القلب هي عفة المشاعر والعواطف والأحاسيس، كما وأيضاً عفة المقاصد والنيّات والرغبات. وعن عفة القلب أيضاً تصدر بلا شك عفة الفكر. والسيد المسيح يقول: "الإنسان الصالح من كنز قلبه الصالح يخرج الصلاح، والإنسان الشرير من كنز قلبه الشرير يخرج الشرور لأنه من فضلة القلب يتكلم اللسان" (لو45:6). بمثل هذا اللون من الحياة نزكّي أنفسنا، ونصل إلى حياة الطهارة، التي يعتبرها بعض الناس - للأسف - أنها أنموذجٌ لحياة إنسان جاهل متخلّف. ربما هي حياة تخلف، لأنها تختلف عن حياة أهل الدنيا بكونها حياة الإيمان، بل وحياة المصير أيضاً. فلنبق محافظين على تزكية أنفسنا وطهارتها راضين بها على أنها هي مطلب روحي وإنساني واجتماعي. متذكرين ما تُناشِدنا به رسالة رومية بقولها: "لذلك أتوسّل إليكم أيها الإخوة، نظراً لمراحم الله، أن تقدّموا له أجسادكم ذبيحة مقدّسة مقبولة عنده وهي عبادتكم بعقلٍ. ولا تتكيّفوا مع هذا العالم، بل تغيروا بتجديد الذهن، لتميزوا ما هي إرادة الله الصالحة المقبولة الكاملة" (رو1:12-2). فالله يريدنا أن نقدّم ذواتنا ذبيحة، بمعنى أن نطرح كل شهواتنا لنتبعه بتزكية أنفسنا وتنقية دواخلنا إليه. وهكذا نتحول لنكون شعب الله. بل شعباً جديداً لله، ونحمل منه ولأجله أفكاراً جديدة. دأبها أن تعمل دائماً لتمجيد اسمه القدوس. والله لا يريد للإنسان المتنقي والطاهر والمزكىَّ بروحه القدوس إلا الحياة الفضلى. التي بها يكون قد منحنا حياة جديدة. لذا علينا أن نقدّم ذواتنا بسرور ذبائح روحية حية له.

          ولمزيد من الإيضاح أقول: بأن تزكية النفس هي موقف يأخذه الإنسان في حدّه الأقصى حين يتبنّى قضية الله بصورتها الكاملة. فلا يكون موقفاً وسطاً بين أمرين، بل هو حالة متطرفة نتجه فيها بكليتنا نحو الله. فنبتعد بذلك عن الترقيع والإصلاح الجزئي، حتى لا نضع "رقعة جديدة على ثوب جديد" (متى16:9). فهي (أي تزكية النفس) حالة لا يبقى فيها القلب منقسماً، والنفس ميّالة للشهوة، واتجاه الحياة الداخلية منجذباً نحو العالم والأشياء التي في العالم. في مجال تزكية النفس لا، لكل هذا، ونعم لتغيير جذري مستقيم تنطلق منه التوبة الصادقة. يقول الكتاب المقدس عن هذا: "هوذا الكل صار جديداً" (2كو17:5) فالمطالبة الإلهية مرتبطة برغبة الله في تقديم قلبنا كلّه إليه، وذلك حسب قوله لنا: "يا بني أعطني قلبك" (أمثال26:23). فبدون التوبة بمعناها العميق تظل الحياة في صراع، والقلب في انقسام، والسقوط والقيام متكرراً كل يوم، معطياً للعدو الشماتة وزرع روح اليأس والانهزام. فالتوبة هي حصن يصون النفس المزكَّاة لتبقى طاهرة نقية. خاصة وأنها (أيّ التوبة) تعني تغييراً جذرياً في الفكر، يصحبه تغيير شامل لكل أحوال الإنسان. والتزكية هنا تلتقي بها ليرتقي الإنسان فيها بالروح.

 

خامساً: خاتمة

          يتشابه الخطاب الديني عند الباحثين (مسلمين ومسيحيين) في موضوع تزكية النفس أو التنقية، حتى ليكاد أن يكون واحداً باستثناء بعض المفردات والاصطلاحات التي يصوغها كلّ دينٍ حسب سياقه الخاص. فكلا الخطابين المسيحي والمسلم يؤكّد أن النفس الصالحة هي القاعدة الراسخة التي يعتمد عليها بناء الفرد المتدين (ليصل إلى الجنة) بحسب التعبير الإسلامي، والذي هو تعبير مقبول مسيحياً، إلا أن الاصطلاح المسيحي يقول: (ليصل إلى الملكوت السماوي).

          ومن هنا فإن كلا الخطابين المسيحي والإسلامي يؤكدان على وجوب تطهير النفس وتنقيتها حسب المصطلح المسيحي، وعلى وجوب تزكيتها حسب المصطلح الإسلامي. إن هذا الاتفاق في الهدف الذي يذهب إليه البحث في الخطاب الديني، يطرح على هؤلاء الباحثين سؤالاً لا مفر منه وهو: لماذا تحتاج هذه النفس إلى التزكية والتطهير والتنقية ما دام هذا الإنسان هو مخلوق لله تعالى؟ خلقه على صورته ومثاله حسب نص الكتاب المقدس، وخلقه في أحسن تقويم حسب نص القرآن؟ الجواب يأتي: لأن عملية تطهير النفس وتنقيتها، وكذلك تزكيتها يقتضي ضرورة أن فساداً ما قد لحق هذه النفس، وأن من الواجب على المؤمن المسلم أن يعمل على تزكيتها، ويجب على المؤمن المسيحي أن يعمل على تطهيرها وتنقيتها.

          ومن جهة ثانية فإن للنفس أمراضاً وعيوباً، وكلاً من الدينين الإسلامي والمسيحي يسعى للمعالجة والأشفية، لتعود النفس إلى حالة يرضى الله عنها. فكلاهما يعتمد الصلاة والصوم والاعتدال في كل ما له علاقة بالناحية المادية، سواء كان للبدن أو لشؤون الحياة عامة. كما وأن فيهما تأكيد على ضرورة الرحمة في التعامل مع الإنسان الآخر. فقصة السامري الرحوم هي أمثولة للاقتداء به، ليعامل كل إنسان منا الآخر بمثل هذه الرحمة. والإسلام يُشدّد كثيراً على هذا الشأن. فالرحمة صفة إلهية. علينا أن نقلّد ربنا فيها. والمحبة هي الركيزة لكل تزكية للنفس، من أجل تحقيق غاية الوصول في السعي ليصير الإنسان كاملاً. فالله بحبه ورحمته الواسعة هو مَن يقود الإنسان إلى الأشفية والكمال ونيل الرحمة، بفضل احتضانه له بالحب الواسع الذي لديه. فرحمة الله بلا حدود وحب الله بلا حدود. أما أمراض الإنسان فمهما كثرت فهي محدودة. لذا فهو أمر سهل على الله أن يحقق مثل تلك الأشفية، ويكفي أن نقصد باب الله ليفتح خيراته زكاة إلينا.

          فكم هو جميل أن نشعر نحن أصحاب الأديان بأن هناك أموراً كثيرة تدعونا لنلتقي بعضنا مع بعض، ليكون الله شاهداً على حسن نوايانا، وصفاء السريرة في قلوبنا، ووحدة الله في إيماننا. لنكتشف حينها أننا كلنا أبناء الله حقاً، وأننا إخوة يجمعنا فيها عائلة الكون، يسود فيه الله فوق خيمتنا البشرية.