حديث الأسبوع (19 آب)

أرشيف

وعظة الأحد

                                                                                                                 محاضرة للأرشمندريت يوحنا التلي

                    في قطنا 18 آذار 2018

 

عيش القداس الإلهي 

أولاً: مدخل

موقعُنا من القداس الإلهي في حديثنا اليوم مرتبطٌ بتشديدٍ على إحدى مجالاتِه المتعددةِ ألا وهي البعدُ الروحيُّ المعاشُ الذي يُوصلُنا إلى البعد الكنسي من جهةِ غايتهِ الأساسية التي تقودُنا للوصول إلى حقيقةِ العيش مع الله كشركة، إنما الأساسُ في هذه الشركةِ هو الدورُ الشخصيُّ لكلٍّ منا لتحقيقِ اللقاءِ المشترك بالمسيح. إنه لقاءٌ لجماعة المؤمنين الذين يشكِّلون مع يسوع وحدانية الكنيسة.

القداس الإلهي هو قصة مسيرة المسيح بعد بشارته، لكن ذروتَها تكمنُ في الصليب الذي هو المذبح الذي قدَّمَ عليه السيد المسيح ذاتَه إلينا، لنقدمَ نحن أيضاً بدورِنا كلية ذاتِنا التي بها تسطعُ أنفسُنا من خلاله بنورٍ نكتشف فيه سرَّ الله وسرَّ القريب خلال مسيرتِنا في دربِ الخلاص.

القداس الإلهي هو مائدة غذائِنا ونمونا نلناه يومَ معموديتِنا وسيستمرُ بنا ليكون لنا كفناً إذا ادَّعينا بأن مأكَلَنا هذا هو (الخبز الحي النازل من السماء). ومعيار مصداقية صحة مناولتنا هو قدرتنا من خلال التعايش مع النعمة التي فينا لتحوله إلى (كلمةٍ) نقول بواسطتها، "ويلٌ لي إنْ لم أُبشِّرْ" (1كو16:9).

القداس الإلهي في بهائه وسريته يحمل صمتاً يقول عنه الأب الكسندر شميمن: (إن الله إنسانٌ أكثرَ مما نعتقد، وإن الإنسان إلهٌ أكثر مما نعتقد).

وعلينا أن ندرك بأن القداس الإلهي هو المسيح لأنه دعا نفسه خبز الحياة حسب قوله التالي: "أنا هو خبزُ الحياةِ... النازل من السماء ... إنْ أكلَ أحدٌ من هذا الخبز يحيا إلى الأبد، والخبز الذي أنا أعطي هو جسدي الذي أبذله من أجل حياة العالم" (يو41:6-51).

هذا النزولُ للمسيح يتم حضوره وسطَ الكنيسة، ونحن نحياه ونعيشه في القداس الإلهي، وذلك لأن القداس الإلهي هو المسيح في وسطنا: "ها أنا معكم كلَّ الأيام إلى انقضاء الدهر" (مت 28: 20).

فالقداس الإلهي بكونه (المسيح معنا)، فنحن علينا أن نحياه ونشعر بوجوده الحقيقي معنا بالصورة التي كان حاضراً فيها مع تلاميذه. وهذا أحدهم يعبر عن ذلك الحضور بقوله "الذي كان من البدء، الذي سمعناه، الذي رأيناه بأعيننا، الذي شاهدناه ولمسته أيدينا من جهة كلمة الحياة، فإن الحياة أُظهرت، وقد رأينا ونشهد ونخبركم بالحياة الأبدية التي كانت عند الآب وأُظهرت لنا" (يو1:1-2).

ونحن نأمل أن نحقق مع كل حضورٍ للقداس كلاً من المشاهدة والسماع واللمس لشخص المسيح بكونه هو القداس.

 

ثانياً: مقدمة

يحتوي القداس الإلهي على نوعين من مسيرة خدمته الليتورجية هما:

- خدمة الكلمة من طلباتٍ ورسالةٍ وإنجيلٍ.

- خدمة الشكر التي تنتهي بالمناولة، التي وضعَها قديسون مثل يعقوب أخي الرب الذي اكتملت صياغتُه في القرن الرابع باستثناء بعض الإضافات اللاحقة. وبعده في مصر قداس القديس مرقص الذي لا نقوم بخدمته. يليه قداس القديس باسيليوس الكبير في القرن الرابع والذي تتمُّ خدمته عشر مرات في السنة خاصةً آحاد الصوم الكبير. ويبقى التذكير بقداس القديس يوحنا الذهبي الفم المقتبس من قداس باسيليوس والذي تقيمه الكنيسة على مدار السنة. في حين أن قداس البروجيزماني (السابق تقديسه) للبابا غريغوريوس الذيالوغوس في القرن السابع، فيقام في أيام الصوم ما عدا السبوت والآحاد والأعياد السيدية مثل عيد البشارة الذي يقع في أيام الصوم.

أما الأساس في القداس الإلهي الذي هو سر الشكر فهو مرتبطٌ بفصح اليهود عندما أعدَّ تلاميذه في آخر فصحٍ لحياة المسيح على الأرض، وحدث ذلك قبل آلامه الطاهرة في يوم الخميس العظيم أن يسوع بذاته، في تلك المناسبة وفي ذلك اليوم المقدس، أعدَّ لنا فصحاً جديداً بأن صار نفسه هو الفصح. فالتقى الفصح الرمزي مع الفصح الحقِّ لتستمر الكنيسة مع فصح المسيح الحقيقي الذي قدَّم لنا فيه ذاته على مائدة الطعام بدلاً من ذبيحة الفصح، وحوَّلها إلى خدمةٍ كهنوتيةٍ عندما: "أخذ يسوع الخبز وشكر وكسر وأعطى التلاميذ وقال: خذوا كلوا هذا هو جسدي الذي يُكسر من أجلكم، اصنعوا هذا لذكري. ثم أخذ الكأس وشكر وأعطاهم قائلاً: اشربوا منه كلكم، هذا هو دمي الذي للعهد الجديد الذي يُهراق من أجل كثيرين لمغفرة الخطايا. اصنعوا هذا كلما أكلتم وشربتم لذكري" (مت 26: 26-29).

وبعد صعود يسوع المسيح إلى السماء، بدأ الرسل بإقامة الاجتماع الشكري الذي كان، كما نجد وصفاً له في أعمال الرسل، "وإنه كان يُقام كسر الخبز في علّيةِ أحد البيوت" (راجع أع 20: 7-8) وغيره. وكيف أنه "كان يضفي على هؤلاء المسيحيين مسحة فرحٍ وابتهاج روحي" (راجع أع 2: 46-47).

إن تحقيق الفعل في كلمات الرب كان يتم باستدعاء الروح القدس ليقومَ بفعل التحويل من الخبز والخمر إلى ما أراده المسيح ليصيرا الجسد والدم الإلهيين بعد تأسيسه لهذا السرِّ لأن يسوع سبق وقال: "عندما يأتي المعزي ... فهو يشهدُ لي ... ويذكِّركم بما قلته لكم ... ذاك يمجّدني" (يو15: 26؛ 14: 26؛ 16: 14) وبعدها يتم كسر الخبز والتناول من الجسد والدم الإلهيين.

 

ثالثاً: الدخول في القداس مع الطلبات

يبدأ القداس الإلهي عند إعلان الكاهن بأننا سندخل عالم الملكوت بقوله: مباركةٌ هي مملكة الآب والابن والروح القدس، الآن وكل أوان وإلى دهر الداهرين. ولما كان القداس الإلهي هو سرُّ حضور المسيح، فهو كشفٌ للمملكة المباركة، لأن حضور المسيح هو نفسه ملكوت الله. ونحن كمؤمنين مشتركين مع هذا الحضور للمسيح نصير بدورنا داخل الملكوت. لذا علينا أن نستحضر أنفسَنا ومشاعرنا ونفتح قلوبَنا عسى أننا بدورِنا ننقلُ مكانَ القداس إلى داخل قلوبنا. فالقداسُ الذي مكانه السماء حيث سكنى الله والكنيسة مع حضور المؤمنين وأفئدة المشتركين بهذا القداس، هو القداس الحقيقيُّ والفاعل والذي بدوره يحوِّلنا إلى فعلة.

بعد أن ينهي الكاهن إعلانه يكون أيضاً قد أنهى رسم الصليب بالإنجيل المقدس فوق المائدة المقدسة وهذا دلالةٌ على أننا بالصليب ندخل الملكوت الإلهيَّ متذكرين أيضاً أن الفردوس بقي مغلقاً لحين افتتاحه يوم الانتصار بالصليب (للدخول من جديد إلى مدينة أجدادنا)، حسب قول الذهبي الفم.

في نهاية الإعلان الافتتاحي للقداس الإلهي، يجيب الشعب المؤمن بكلمة "آمين" التي تعني أن موضوع كلامنا يقيني وثابت، أو بتعبير آخر "نعم، بكل رضى، فليكن هكذا". لذا علينا كمشتركين في القداس أن يكون موقفنا مع كل ترداد لكلمة "آمين" نوعاً من الاندفاع الحي نحو الله، وصرخةً توحدنا بكلمته ومشيئته.

يأتي بعدها الطلبة السلامية الكبرى، كما ويتردد أيضاً طلباتٌ صغيرةٌ أو طويلةٌ نتعلم من خلالِها كيف نطلب من الله، وماذا نطلب. فالشرط الأساسي لنجاح طلباتنا وتحقيقها هو أولاً وقبل كلِّ شيء أن نطرد من فكرنا كلَّ تشويشٍ، خاصةً الأفكار المرتبطة بالأمور الجسدية والدنيوية، وأن نتحرّر من كلِّ ما يتسلط علينا بقضايا ليس لله دورٌ فيها، خاصةً التحرر من المشاعر العدائية تجاه أي إنسان، وأيضاً التحرر من كلِّ قلق شخصي. حينها يستطيع أن يستمر في صلاته ويسير متجهاً نحو الله في حالة هدوء وانتباه بثقةٍ وتركيزٍ على التوجه إلى "الحاجة الوحيدة".

فإذاً افتتحنا طلباتنا باستدعاء السلام، هذه الكلمة التي تتكرر في القداس الإلهي مرات ومرات، تارة بشكل طلب، وأحياناً بيد المسيح الممدودة إلينا عن طريق الكاهن، فهذا لأن يسوع سبق واستودع فينا سلامه أثناء بشارته بقوله: "سلامي لكم... سلامي أعطيكم... بسلامي أستودعكم" (يو27:14). وهكذا يتكرر طلب السلام بتنوعٍ في ثلاث طلباتٍ من أجل تحقيق سلام الله في كلِّ شؤون حياتِنا ويصلُ إلى التطبيق العملي. بحيث نشعر أننا ندخل مع الله في تقوى كونيةٍ، ونتعاطف مع كل ما خلقه الله. وهنا أقول: كم هي كثيرةٌ العداءات التي لا سلام فيها بين الأخوة والأقارب والأصدقاء والبلدان والشعوب، وأحياناً مع الإنسان ونفسه، كلُّها تؤكد على الفراغ الروحي بداخلنا بالرغم من أننا نصلي ونحضر قداديس. العيب فينا هو أننا لا نشترك حقيقةً مع الله بالمسيح ليكون هو ملء أنفسنا، ومعطي لنا ذاته لتهدئة اضطراباتِنا وآلامِنا، وبالتالي لترميم أنفسنا وشفائها من أمراضها.

 

رابعاً: الدورة الصغرى والإنجيل والدورة الكبرى

في الدورة الصغيرة، ولدى الوصول إلى الباب الملوكي يقول الكاهن "حكمةٌ، فلنستقم" رافعاً مع قوله الإنجيل بيده ليرسم به إشارة صليبٍ. الصليب يرافق كافة تحركاتِنا، والملائكة الذين في السماء يحضرون ويشاركوننا الآن في هذا الدخول. فنحن محاطون بجميع الملائكة. إنهم يحرسوننا ويساعدوننا ويحبوننا. بل ويساعدوننا أيضاً على فتح قلوبِنا ليدخل الإنجيلُ - مع دخوله إلى الهيكل - إلى قلوبِنا أيضاً. ولما كان الإنجيل هو الحكمة الإلهية لأنه هو بذات الوقت المسيح نفسه فيصحبُها إجلالاً عظيماً من قبلنا لتهيئة أنفسنا لسماع كلمة يسوع واتِّباعِها. ولنعلمْ أنَّ مكان وضع الإنجيل على المائدة سيتبعه عند الدورة الكبيرة وضعٌ جديدٌ للقرابين مكان موضع الإنجيل، ولكنه يبقى على المائدة بالرغم من أن مكانه الجديد صار على مذبح قلوبنا. هذا يعني أن هناك تلازماً بين الطعام السماوي غير المنظور وهو كلمة الله، والمشاركة في جسد ودم مخلصنا. ويبقى علينا أن نكون مستعدين للتقدم كمعترفين بتوبةٍ للمناولة الإلهية التي بالرغم من كونها نارٌ محرقةٌ لغير المستحقين، إلا أنها نارٌ مؤلهةٌ للمستحقين.

بعد قراءة الرسالة، يتم قراءة الإنجيل بعد أن يكون الكاهن قد مهَّد له بقراءته قطعة (إفشين) صلاةٍ مطلعُه: (أيها السيد المحب البشر، اطلعْ من قلوبنا نور معرفتك الإلهية ...). ولهذا الاستعداد للإنجيل صدىً لكل استعدادٍ للإنجيل بكونه هو النور الذي يضيء ظلمات حياتنا ومسيرة خطانا التي تساعدنا (لكي ندوس كلَّ الشهوات الجسدية) لنسلك بصحةٍ روحية وجسدية في درب الخلاص. وهذا الخلاص يتعرقل بسب الانحرافات الجسدية. لذا نصلي راغبين أن تصير كلمة الإنجيل جسداً فينا، وعندما (تسكن فينا) يصبح جسدنا شفافاً بها.

في الدورة الكبرى، يتم نقل الخبز والخمر من المذبح إلى المائدة المقدسة دوراً بصحن الكنيسة، مع ترتيل (أيها الممثلون الشاروبيم تمثيلاً سرياً، والمرنمون التسبيح المثلث تقديسه للثالوث الـمُحيي، لنطرح عنا كل اهتمام دنيوي).  فالمؤمنون – بنعمة الله – صاروا ممثلين للملائكة. فليس بكثير إذاً أن نسعى لطرح الاهتمامات الدنيوية، بمعنى أن ننسلخ عن كلِّ ما لا يتجه نحو الله. والجدير بالذكر أننا هنا لا ننسى ولا نهمل حاجات الآخرين. لذا نسمع الكاهن في هذا الدخول يذكر الكنيسة والبلدة والمدينة، وأيضاً كل من أُقيمت الذبيحة على نيتهم.

ومع وضع الخبز والخمر على المائدة وخلال تبخيرهم تتابع الجوقة ترتيلةً (لكوننا مزمعين أن نستقبل ملك الكل مزفوفاً من المراتب الملائكية بحال غير منظورة).

يلي ذلك طلباتٍ كتكملةٍ للاعتراف بالتنقية الداخلية التي أجمل ما نقول فيها (لنحبَّ بعضنا بعضاً، لكي بعزم واحد نعترف مُقرين). إنه تذكيرٌ لنا بقبولٍ ضمنيٍّ بأن الذين لا يريدون أن يتحابوا لا يستطيعون أن يعترفوا عن استحقاقٍ (بإله المحبة) الذي هو الثالوث الذي نسمع من الجوقة تتمة الترتيل (بآب وابن وروح قدس، ثالوثٍ متساويٍ في الجوهر وغير منفصل).

ثم يأتي دستور الإيمان مع قول الكاهن: (الأبواب، الأبواب بحكمة لنصغ). كانت أبواب الكنيسة في القديم تُغلق بعد خروج الموعوظين منها ليبقى فقط المؤمنون الـمُعمَّدون. وبالرغم من أنه اليوم لا يخرج أحداً. إلا أن هذه العادة بقيت وأخذَت معنىً روحياً جديداً وهو أنه في قلب كلٍّ منا بابٌ غير منظورٍ يجب إغلاقه عند إقامة الأسرار المقدسة، للتأكيد بأنه تمَّ طرح كلَّ شرود في الذهن، وكلِّ الاهتمامات والأفكار، وكلِّ الرغبات المضادة لله.

وبالمقابل هناك أبوابٌ أيضاً غير منظورةٍ يجب أن نفتحَها في قلبنا. ولنصير منفتحين على الكلمات والإلهامات التي تأتي من الله لنكون مصغيين إليها.

 

خامساً: الدخول إلى قلب القداس مع صلاة الشكر

وصلنا إلى ذروة القداس في عمل الشكر، الذي يشكّل تقديس الخبز والخمر جزءاً منه. وبحسب التعبير الكنسي بلفظة يونانية نقول: هنا الأفخارستيا بحد ذاتها، لأنها تعني صلاة الشكر. فنرتل من أعماق كياننا: (إنه لواجبٌ وحقٌ أن نسبحَك ونباركَك ونحمدَك...)، نقولها بقلبٍ صادق، وفي حالةٍ نفسيةٍ تعرف كيف تشكر، نقولها ونشكر من خلالها بفرح وثقة. نعم، إننا نشكر على كلِّ شيء. فنتذكر صنيعة الله لنا فنقول: (أنت أخرجتنا من العدم إلى الوجود) أقامَنا الله من السقطة ولا يزال يعمل من أجل أن يحملَنا إلى الملكوت الآتي.

والأهم قولُنا في القداس: (نشكرك من أجل هذه الخدمة التي ارتضيت أن تقبلَها من أيدينا، مع أنه قد وقف لديك ألوفٌ من رؤساء الملائكة...). الله هنا ارتضى ما قدمَته أيدينا نحن، فأعطيتنا ما أراد الله الآب أن يقدم للبشر: (أنت الذي أحببتَ العالم بهذا المقدار، حتى أنك أعطيت ابنك الوحيد لكي لا يهلك أيٌّ من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية...). إذاً نحن في القداس أمام الحبِّ المبذول.

بعدها نتلمس عطيةَ الحبِّ في تلاوة الكلمات التي نذكر قوله لها: (في الليلة التي فيها أُسلم، والأولى أنه أسلم نفسه من أجل حياة العالم) ثم القول الأساس:

+ خذوا كلوا هذا هو جسدي الذي يكسر من أجلكم لمغفرة الخطايا.

+ اشربوا منه كلكم، هذا هو دمي الذي للعهد الجديد، الذي يهراق عنكم وعن كثيرين لمغفرة الخطايا.

إذاً يدعونا يسوع الذي هو القداس أن نأخذ الجسد والدم الإلهيين اللذين هما: روحٌ وحياةٌ، هما – أي الجسد والدم – يشكلان حضوراً غيرَ منظورٍ لجسد المخلص ولدمه. لكنه حضورٌ حقيقيٌ وفاعلٌ. هما أيضاً دعوةٌ لنا من خلال قداسِنا لنشاركَ في العشاء السري الأول.

القداس الإلهي بدعوته هذه لنا لأن نبذلَ أنفسَنا، ولأن نكسر ونهرقَ دمَنا في حالة الشكر هذه متذكرين بفضل تمثلنا بسرِّ المحبة هذه، قول الإنجيل: "أن ليس هناك حبٌ أعظم من هذا، أن يبذلَ الإنسانُ نفسَه عن أحبائه" (يو13:15).

نعم إن يسوع أراد أن يُكسَر جسدُه لأجلنا، وأن يُهرقَ دمه عنا!! وبالتأملِ بالكلمات الباعثة على سرِّ الشكر في القداس الإلهي تجعلُنا، بل تجعلُ كلَّ واحدٍ منا، بقدرِ التزامه الشخصي في علاقته بيسوع، مدعواً أن يضعَ هو أيضاً خطةَ عملٍ جديدٍ من وحي القداس الإلهي تقودُه إلى الهدف المنشود، ولكن كلٌّ حسب قدرتِه وحبِّه.

ومع متابعة كلمات القداس نستعيد بذاكرتِنا: الصليبَ والقبر والقيامة والصعود والمجيء الثاني. حينها نعلنُ عن فقرِنا تجاه يسوع ولا نجدُ أنفسَنا قادرين على تقديم شيءٍ له، لأننا نتساءل: أنقدم كلَّ ما نملك وكلَّ ما في طاقتِنا مع كلِّ شيءٍ آخر بإمكانِنا تقديمه؟ لا شيءَ عندنا يوازي صلاحَه أمام كلِّ هذه الإحسانات. إذاً لنقرْ ونعترفْ أنه ليس عندنا شيءٌ يوازي عطاءه لنا، فينقذُنا القداس الإلهي بقوله مع رفع الخبز والخمر إلى الله ونقول بلسان الكاهن: (التي لك مما لك نقدمها لك على كل شيء ومن جهة كل شيء). وكأن لسان حالِنا يقول: لذا لا نستطيع أن نقدمَ لله إلا ما أعطانا إياه هو.

حينها ننجذبُ لنصلي بعمقٍ وحرارةٍ ليس لنا وحدَنا، بل من أجل كلِّ الخليقة، ليكونَ العالم بأكمله حاملاً بالمعنى  الكياني هذا الدورُ الكهنوتيُّ الذي ينسبه الكتاب المقدس إلى كل المؤمنين.

وجديرٌ بكل واحدٍ منا أن يرفع إلى الله في تضرعِه وقائلاً مع أحد الكهنة المستنيرين بفضل المشاركة في القداس الإلهي قوله: (وأقدم لك سيدي نفسي وجسدي اللذين هما منك ولك - أعيدُهما إليك وقد أصبحا لك أكثرَ من ذي قبل وذلك بالنعمة والصلاة: (التي لك مما لك ...). 

 

سادساً: دور الروح القدس في استدعائه على القرابين

ننتقل بعد ذكر كلمات المسيح التي هي الكلام الجوهري لاستدعاء الروح القدس، كما فعل الرسل القديسون، لأن المسيح الذي هو الـمُقدِّس والمقدَّس قد صعدَ إلى السماء. فيقول الكاهن: (... ونطلب ونتضرع ونسأل، فأرسل روحك القدوس علينا وعلى هذه القرابين الموضوعة، واصنع أما هذا الخبز فجسد مسيحك الـمُكرم، وأما ما في هذه الكأس فدم مسيحك المكرم، محوّلاً إياهما بروحك القدوس حتى يكونا للمتناولين لانتباه النفس ومغفرة الخطايا وشركة روحك القدوس، وملء ملكوت السماوات).

مررنا في القسم الأول من القداس باجتماعٍ من خلاله كنا فيه مجتمعين حول كلمة الله. ثم لمسناه بكونه العشاء السري. أما الآن فنجد أنفسنا فيه أنه عنصرةٌ، لقد أتى الروحُ القدس إلينا. لقد سبق وطلبناه مع بداية القداس إلى الآن أكثر من مرةٍ، كمثل قولنا له بعد الدخول: (... ليحلَّ روح نعمتِك الصالح علينا وعلى هذه القرابين الموضوعة وعلى كل شعبك ...). هذا يدل على أن تحويل الخبز والخمر إلى جسد المسيح ودمه ليس عمليةً سحريةً يتممُها الكاهن، بل هي مشاركةٌ إلهيةٌ يحققها الله بثالوثه القدوس.

لذا علينا أن نشعر عند نزول الروح هذا بحضور الروح القدس وقوته. إحساسُنا بهذا الروح يتمُّ إذا كنا مشاركين في القداس حقاً، ونلمسُه كعنصرةٍ داخليةٍ غير مادية.

 

سابعاً: مداخلة تذكارية لكثيرين وخاصة للعذراء مريم

بعد حلول الروح القدس، يتسامى الإنسان فينا، فنتذكر ونذكر الذين تجلت فيهم العنصرة، أي القديسين الذين يؤلفون الكنيسة الممجدة، أي الكنيسة السماوية، وهم "كلُّ روح صدِّيق توفي بإيمان – ونضيف – وخاصة من أجل الكلية القداسة ... مريم". وكلنا يدرك كيف أن مريم تُحيطنا بحنانٍ صامتٍ ومتيقظٍ ورحومٍ ومتشفعٍ. لذا فإلفتُنا الواثقةُ والودودة معها تُدخل إلى حياتِنا الانتعاشَ والهدوء والرجاء.

بعدها نذكر رعاة النفوس وأسقف الكنيسة المحلية وأيضاً حكامَنا، ثم فاعلي الخير كالذين يقدمون الأثمار والذين يفتقدون المساكين، ومن ثم – فيا للروعة – يُدخلنا القداس مع شخص كلِّ مؤمنٍ يشارك فيه بهذه الطلبة. (واذكر يا رب الخاطرين في فكر كل واحد من الحاضرين جميعهم وجميعهن). كلُّ هذا يدلُ على كونيِّة صلاة الكنيسة وكونية صلاتِنا الشخصية. لأننا بموجب مسيرة القداس ومشاركتِنا فيه لا نستثني أحداً من صلاتنا. وكأننا بهذا نفتحُ أذرعَنا لتنقل أيدينا تضرعات أفئدتنا وقلوبنا إلى كلِّ إنسان. فنحن أسرة الله مع يسوع، محقِّق هذا القداس، ننتمي إلى بعضنا البعض ونحبُّ بعضنا البعض ونهتمُّ ببعضنا البعض.

يقظتُنا تقوّي مصداقيةَ مشاركتِنا في كلِّ قداسٍ. حينئذ نتأهلُ لتلاوة الصلاة التي علَّمنا إياها يسوع، فنتلوها مخاطبين بها الله الآبَ على أنه أبٌ لنا، لذا نتجرأُ ونتلو: أبانا الذين في السماوات ...

 

ثامناً: المناولة من عشاء الرب

تبتدىء هذه المرحلة بالصلاة التي يتلوها الكاهن قائلاً (هلمَّ لتقديسنا أيها الجالس في الأعالي مع الآب والحاضر ههنا معنا غير منظور، وارتضي أن تناولنا بيدك العزيزة جسدك الطاهر ودمك الكريم وبواسطتنا لكل شعبك). يعني أن الربَّ سيأتي إلى كلٍّ منا حتى كما يصنعُ، وكما صنع مع رسله، يُقدِّم لنا (القرابين المقدسة) التي من خلالها يبذل نفسه. ونحن بدورِنا نؤمن بأننا بالمناولة نأخذ المسيح فننظر إليه بعين الإيمان والمحبة. إذاً ليس الكاهن هو الذي يناولنا. إنه الربُّ هو الذي يدنو منا شخصياً، معطياً لنا شخصه، من هنا، وبواسطة الاتحاد بيسوع، ينفتح لنا باب الوصول إلى التألّه.

ونتابعُ صلاتَنا لكي نقدر أن نعطي الذين حولنا ما أخذناه نحن. لكن بطريقةٍ نقدر عليها فتتم بعملِنا وكلمتِنا الممتلئة محبةً مُعبِّرةً عما شاهدناه أثناء المناولة – وبالتالي خلال القداس – سرياً. فلنسعَ لنشعَّ كما شعَّ المسيحُ فينا.

وقبل تناول القرابين، يُفصِّلُ الكاهن الخبز قائلاً: (يُفصَّل ويُجزأ حمل الله الذي يفصل ولا ينقسم، الذي يُؤكل منه دائماً وهو لا يفرغ أبداً). ولنعلم أن ما سنتناوله هو جسد المخلص الذي كُسر على الصليب. وما سنشربه هو خمرٌ مسكوبٌ؛ إنه دمُ الربِّ الذي أُهرقَ على الصليب. هذا يؤكد أن من سيتناول سيصير إنساناً من أجل الآخرين.

وعند المناولة يقول الكاهن للمتناول: (يُناول عبدالله ... جسد ودم ربنا وإلهنا ومخلصنا يسوع المسيح الكريم لغفران خطاياه وللحياة الأبدية، آمين). فالمتناول يشارك في تقدمة الذبيحة على الجلجلة. ومن جهة ثانية، تجعله يقول في نفسه، تؤهلني المناولة للاشتراك بالقيامة من خلال أن المسيح بداخلي. فالفصح يشمل على قيامة المخلص بمقدار ما يشمل على صلبه. كل هذا صار فينا.

تاسعاً: قبل خاتمة القداس

ينتهي القداس في جوٍّ من الشكر والفرح؛ إنها نشوةٌ من الله. يتحقق لنا هذا الذي قلناه ليس لأننا نعبر مروراً مع سماعِنا لعباراتٍ طقسيةٍ مجردة، إنما إذا اشتركنا حقيقةً مع يسوع بكل الأحداث التي جرت ليسوع والتي ثمرتُها خلاصُنا، وبالتالي اكتسابُنا لخبرةٍ شخصيةٍ حية. هذا يساعدنا عندما نخرجُ من الكنيسة أن نقول القول الحقَّ: خرجنا منها على غير ما دخلنا إليها. حقاً نكونُ قد خرجنا أناساً جدداً.

فيتم التعبير عن هذا التجديد بصوتِ المرتلين: (لقد نظرنا النور الحقيقي وأخذنا الروح السماوي ووجدنا الإيمان الحق). كيف لا وقد حصلنا في القداس على رؤية الذي هو نور العالم. واكتشفنا بالواقع والحقيقة أن الإيمان بالحبِّ الإلهي هو بذلٌ للحياة، حياة المسيح، من أجل حياة العالم. أي من أجل كلِّ واحدٍ منا، نحن المشتركين مع الله في قصة حبِّه لنا بكون "الله محبة" (1يو8:4).

إذا لم يتحقق كلُّ هذا – يقول الأب ليف جيليه الذي اقتبسنا منه الكثير لموضوعنا - فالقداس الإلهي يكون قد تحول إلى تعبيرٍ وكلمةٍ فارغين عوضَ أن يكون حدثاً داخلياً حاسماً.

عاشراً: الخاتمة

انتهى القداس الإلهي ورتلَ المرتلون نيابةً عن الشعب، كما ذكرنا (لقد نظرنا النور وأخذنا الروح السماوي ...)، أي أننا وصلنا للهدف والنهاية وتمَّ اللقاء بالله والإتحاد به، لأننا تناولنا الجسد والدم الإلهيين. فصار أوان، بحسب الليتورجيا الكنسية، أن يكون لنا انطلاقةٌ لإعلان الشهادة. فيقول الكاهن (لنخرج بسلام)، ويقرأ من وراء المنبر الذي هو خارج الهيكل عند أيقونة السيد المسيح، (عسى أن نصير شهداء الحياة الجديدة في خروجنا إلى العالم كحاملين للمسيح والروح القدس)، ولكن بروحٍ متواضعةٍ كما يؤكد الكاهن في أفشين التلاوة (... ولا تهملْنا نحن المتكلين عليك ...) مع تعابير هامةٍ غيرها، من بينها (قَدِّس الذين يحبون جمال بيتك ... شرفهم عوضَ ذلك بقوتك الإلهية ...).

يقول الأب ليف جيليه، نقلاً عن معاني هامة للقديس يوحنا الذهبي الفم (هناك مَن يقدِّم تقدماتٍ ثمينةً للبناءِ الحجري، لكنهم يغلقون قلوبَهم دون المذبح الحيّ أي ‘الفقيرِ‘). ثم يضيف (كيف نستطيع أن نتكلّم على جمال بيت الله وبيننا من يشتركُ في سرِّ الشكر ويخرج من الكنيسة ليموتَ جوعاً؟ كيف نتجاسرُ على أن نتكلَّمَ على ملء الكنيسة وبيننا من يشاركُ جماعةَ المؤمنين صلاتِها من غير أن يلتفتَ إليه أحد، أو يسعى أحدٌ إلى الاحتكاك به؟ على أيّ جمالٍ وأي ملءٍ نتكلم؟).

في نهاية أفشين الخروج بسلام يرتل المرتلون (ليكن اسم الرب مباركاً..). والكاهنُ يعودُ إلى الهيكل، وعند القدساتِ يقول (أيها المسيحُ إلهنا... إملأْ قلوبنا فرحاً وسروراً...). إنه الفرح السماويُّ الذي يملأ القلب ويفرِّحُه.

بعد هذا يختم الكاهن بإشارة الصليب كمثل ما بدأ القداس برسم إشارة الصليب بالإنجيل فوق المائدة، حسب ما ذكرنا في مطلع الفقرة الثالثة.

.