حديث الأسبوع (12 آب)

أرشيف

وعظة الأحد

القداسة وكيفية تطويب القديسين

 موضوع للأرشمندريت يوحنا التلي

لفرقة القديسين يواكيم وحنة (العائلات) في صيدنايا

3-8-2016

 

أولاً: مقدمة

          يصعب علينا الحديث عن القداسة بكوننا ذُريّة آدم الساقطة. ولكن بمجيء الله إلينا بالجسد عندما افتدانا وخلّصنا، صار الأمر من جديد بمتناولنا كمثل يوم "خُلِقنا على صورة الله" (تك1) وخاصة بعدما أرسل الرب يسوع إلينا الروح القدس عند العنصرة وصار الإنسان من جديد مولوداً إلهياً بمعطيات هذه النعمة المنسكبة علينا. هذا ما دعا آباءنا الإلهيين أن يربطوا أحد العنصرة مع حلول الروح القدس بالأحد الذي يليه وهو أحد جميع القديسين، لأن ثمار الروح القدس هي القداسة التي ننالها هدية إلهية في حال قبولنا لها والعمل بموجبها مكتسبين بهذا نيل القداسة.

          يقوم الروح القدس بدور عظيم عند أولئك الذين نالوا القداسة، فهو يقودهم إلى الله حيث نبع المحبة موجود هناك، ويحصل الاتحاد مع الله بنعمة خاصة هي نعمة القداسة، ولا شك أن هؤلاء القديسين أثناء حياتهم على الأرض وهم مهتمون بعيشهم على الفضيلة والتقوى يبتدئون في التدرّج بنعمة التألّه التي توصلهم إلى ذروة هذا الاتحاد.

          يطيب لي أن أذكر أصناف القديسين الذين تؤمن الكنيسة بمراتبهم كما هو مذكور في أحد السنكسارات بالآتي: العقول المقدسة الفائق سموّها والتي قدّسها الروح القدس بعطيّة صالحة هم: 1- أجداد المسيح. 2- رؤساء الآباء. 3- الأنبياء. 4- الرسل الأطهار والإنجيليون. 5- الشهداء والمعترفون. 6- رؤساء الكهنة. 7- الشهداء الكهنة الأبرار. 8- الأبرار (نساك ورهبان). 9- الصدّيقون وجميع مصاف النساء القدّيسات وجميع القدّيسين الآخرين الذين لا أسماء لهم، وهم المتقدّسون في المسالك الأخرى من الحياة. ويُضاف عليهم أخيراً، قديسة القديسين الفائقة القداسة مولاتنا وسيدتنا والدة الإله الدائمة البتولية مريم.

          لم تطوِّر الكنيسة أي إجراء قضائي لإعلان القداسة. فهي تؤمن بأن الله هو المقدّس، وأن الشعب المؤمن هو الشاهد على القداسة وهي الشاهدة المعلِنة.

ثانياً: دور التوبة في الوصول إلى القداسة

          كثيرون يبحثون في إصلاح أنفسهم بسبلٍ نفسية صرفة. إنه طريق محدود في سعيه للصلاح غير قادر على إيصال الإنسان إلى القداسة. نحن بحاجة هنا لإصلاح عمق الإنسان، أي ضرورة الغوص إلى العمق، والأداة الفاعلة هي (التوبة).

          البحث في التوبة نجده في مكان آخر، إنما هنا نقدّم الدور الذي تقوم به هذه التوبة في مساعدتها لنا كمثل قولنا إنها هي باب التحرّر من العقد. تلك العقد التي هي آفة مرضية روحية ونفسية تُبعدنا عن أن نكون أصحاء، فسبيلنا هو المعالجة كما لو كنا في مصح أو مشفى نبتغي الشفاء من الأمراض التي تشوّهنا وتُغرقنا في ظلمة الحياة. فالتوبة توقف هذا التيار المرضي وتنقلنا إلى الشفاء حيث النور الذي ينير أنفسنا وأذهاننا وهذا دور الله الذي به نستنير. والعلاج الأكبر هنا هو الحب الذي نقتدي به من يسوع، من الله بكونه "هو أحبنا أولاً" (1يو19:4) بهذا الحب نحب نحن، وبمحبتنا إذا كانت صادقة ومستعدّة للتضحية يحقّق لنا الله النجاة الذي به نلتقي من الظلمة إلى النور.

          هنا يأتي دور (المثال) الذي خُلقنا عليه، فالمسيحية الحق بعامل التوبة فيها، ودور الحب المنسكب عليها، يستعيد الإنسان بواسطتها المثال الإلهي الذي فقده وإن بقي على صورة خالقه بالرغم من تشويهه لها. وهكذا نجد أننا نتحرك من القباحة إلى الجمال، وما هذا إلا انعكاس فعّال لجمال الله الذي يأتينا بواسطة النعمة المكتسبة. وهي مكتسبة بقدر امتثالنا للطاعة. فلا قداسة دون طاعة. وطاعة الله هي معيار قداستنا متشبّهين بيسوع الذي "أطاع حتى الموت موت الصليب" (في8:2).

ثالثاً: سبل داعمة للتوبة في الوصول إلى القداسة

          لما كانت التنقية هي شرط الصوم وليس الحرمان كما هو مألوف عند البعض، ولما كانت التوبة هي الباب إلى الملكوت السماوي بحسب دعوة المسيح: "توبوا فقد اقترب ملكوت السموات" (متى17:4) من خلالهما ندرك أن التنقية والتوبة يعطيان أهمية للصوم لأن الصوم هو وسيلة وليس هدفاً.

          هدفنا هو المسيح والعيش معه ومع الله، وعملنا في تنمية قامتنا الروحية هي معاينة الله أو الاتحاد به، بحيث نشعر بحضور الله في حياتنا. هي مسيرة القداسة للإنسان المسيحي، لا بل إنها الهدف في حياة المسيحي فالهدف تالياً هو القداسة. بهذا نرى أهمية التوبة والتطهّر، وبهما نبتعد عن كل هوى يشكّل فينا غشاوة تخفي رؤيتنا للحقيقة الإلهية أو تُعمينا بظلمتها فلا نعود نرى النور الإلهي، حينها نستعين بالصوم، ونتجنّب من خلاله الأهواء أو الشهوات الضارة، لأن هذه الأمور وما شابهها تعيق الطريق السائر بنا إلى القداسة.

          يقول الكتاب المقدس: "كونوا قديسين لأني أنا قدوس" (لا45:11) فالله وحده هو القدوس المتميّز عن البشر بكماله. وهو يدعونا أن نصير مثله، وهو يعلم أن هناك عوائق تحجبنا عن التمثّل بقداسته، فإذا كنا قد ذكرنا أهمية التوبة والتنقية والصوم فإننا نضيف الآن أهمية الصلاة والرحمة. والله الذي يريد لنا القداسة هو معيننا في جهادنا بوجه العوائق، كما وأنه يقوّينا بواسطة إنجاح السبل المساعدة لنصل إلى الغاية المنشودة.

          ولنعلم أننا كلما تقدّمنا في جهاد التوبة فإن نعمة الله تزداد فينا وخاصة أنها مقيمة في أعماق القلب. ومع نجاح اتحادنا بالله نكتسب منه نوره غير المخلوق فينسكب علينا فنحصل على درجة ثانية بعد التطهير، أطلق عليها الآباء القديسون اسم (الاستنارة الإلهية). وللتذكير أؤكد بأن التعليم الآبائي يشدّد على أنه لا وجود للاستنارة إلا بعد تطهير القلب. نعم هنالك قلب يتطهّر وكيان مستنير. ويبقى الاتحاد بالله يفعل فعله للوصول إلى حالة التألّه التي تكمل مرحلة القداسة بعد التطهّر والاستنارة.

رابعاً: الآثار الظاهرة على السائر في طريق القداسة

          بالتطهّر يصبح الإنسان نظيفاً، فتخترقه الأنوار الإلهية بفضل استنارته، فتتحرك النعمة الإلهية، وتملؤه من الداخل والخارج، وتقوم الحواس بدورها، لتصبح – بفضل النعمة الإلهية – حواس هذا الإنسان هي حواس المسيح. يقول القديس يوستينيوس الشهيد في القرن الثاني للميلاد: (المسيحي ليس تابعاً للمسيح، وليس من حزب المسيح، إنما من نفس مادة المسيح، ونفس جوهر المسيح). وفي هذا يقول القديس سمعان اللاهوتي الجديد: (هذا الإنسان يصبح كلامه كلام المسيح، وفكره فكر المسيح، حتى يداه يدا المسيح). وهذا الكلام يتناسب مع دعوة بولس الرسول القائل: "ليكن لنا فكر المسيح" (1كو16:2) ويضيف الأب بورفيريوس قوله: (يصبح الإنسان شفافاً فيرى حتى نفوس الآخرين، ويصبح رائياً فيرى حتى الله بنعمة الروح القدس). ويقول الكتاب: "الروح القدس يفحص كل شيء حتى أعماق الله" (1كو10:2). وإذا ابتدأت النعمة الإلهية تفعل في الإنسان التائب، يتوق هذا الأخير نحو إنكار الذات، فلا قداسة دون هذا الإنكار. ألم يقل المسيح: "مَن أراد أن يتبعني فليُنكر ذاته ويتبعني" (مت24:16). بعدها يدخل هذا الإنسان في أرحب وجود أو نطاق قائم في مدى هذا الكون، إنه نطاق المحبة الإلهية، تلك المحبة التي بحسب قول بولس الرسول: "المحبة لا تطلب ما لنفسها" (1كو5:13).

          القداسة مرتبطة بالملكوت، والملكوت غير مرتبط بالماديات، من هنا أتى قول بولس الرسول لأهل رومية: "ليس ملكوت الله أكلاً وشراباً، بل هو بر وسلام وفرح في الروح القدس" (رو17:14) والذي يكرّره بمطوّل أكثر في رسالته لأهل غلاطية: "وأما ثمر الروح فهو محبة وفرح وسلام وطول أناة ولطف وصلاح وإيمان ووداعة وتعفف" (غلا22:5). فلا قداسة دون آثار ظاهرة على الإنسان كمثل هذه التي ذكرها بولس الرسول وغيرها كما أتى بلغة الإنجيل. هي فضائل إنجيلية تبدأ بالظهور عند الإنسان لتعلن أن مسيرة القداسة لديه بدأت تتشكّل ليكتمل بعدها اتحاد نفس هذا الإنسان الفاضل بالله. فالنسك أساسي لإيصال التائب إلى الفضائل الإنجيلية وإلى القداسة فتتحقق لدى هذا السائر بطريق التوبة الوصول إلى الاستنارة التي بها تظهر قداسته.

خامساً: الكنيسة أو وقفة مع القداسة

          القديسون هم أولئك المسيحيون الذين "جاهدوا الجهاد الحسن وحفظوا الإيمان" (2تي7:4) هذا الجهاد يبتدئ فيه الإنسان بتعرية ذاته من حب الأنا، وتفعل نعمة الروح القدس وتثمر الفضائل. وكلما اقتربنا من حياة الكنيسة أكثر كلما زادت الفضائل فينا أكثر، لأن غاية الكنيسة هي تقديس الناس، فهي تهدف عبر أسرارها وحياتها النسكية إلى تخليص البشر من الأهواء، وإلى منحهم الصحة الروحية التي هي القداسة.

          كلمات الكتاب المقدس تُفهم من الكنيسة ببعدها العملي المتحقق، فعندما نقرأ في سفر الرؤيا: "من هو مقدّس فليتقدس بعد" (رؤ11:22) نفهم أن هنالك في الكنيسة بعداً روحياً تعمل الكنيسة من خلاله لتوصل الإنسان ليتّحد برأس الكنيسة الذي هو المسيح. فسر الشكر الإلهي هو (شركة قديسين) نلتقي فيه مع المسيح جسدياً وروحياً، أي أننا نلتقي مع القدّوس الواحد الوحيد.

          هذا الحديث مغاير لما يفهم العديد من البشر اليوم والمسيحيون أيضاً أن الكنيسة مؤسسة دينية أخلاقية اجتماعية ذات أهداف علمانية ودهرية، فيجتهدون سوية في الكنيسة لإنتاج مشاريع اجتماعية وأخلاقية. وللتوضيح لا مانع البتة من أن تنجز الكنيسة هكذا مشاريع، لا بل يجب أن يتم هذا الأمر، ولكن يبقى للوجود الكنسي أهداف تربط الأبدية بالزمان وتحقّق الوحدة بين الله والإنسان وترتكز على القول الآبائي: (صار الله إنساناً لكي يصير الإنسان إلهاً). فالقداسة هي السعي والوصول لاتحاد الشخص بالمسيح، أما العمل المؤسساتي للكنيسة في إنجاز وتحقيق مثل هذه المشاريع، فهو ثمرة يتجدد عطاؤها بفضل عيش الأهداف الكنسية بصورة روحية صحيحة.

سادساً: مَن هو القديس؟

          قبل تحقيق القداسة لشخص ما، هنالك دعوة إن استجاب إليها الشخص فتحصل له هذه القداسة. المهم أن كل إنسان مدعو إلى القداسة، فالدعوة بحسب لغة الكتاب المقدس كما نجد في رسالة بطرس، أجاب القديس بطرس بقوله: "لأنه مكتوب كونوا قديسين كما أن أباكم السماوي قدوس" (1بط6:1) وهذا قاد بولس الرسول إلى القول: "إن الذين سبقونا لا يكملوا بدوننا" (عب40:11) فنحن مدعوّون للكمال الروحي بالسعي الجدي.

          أول مَن دعانا هو الله يوم خلق الإنسان بقوله: "لنصنع الإنسان على صورتنا كشبهنا" (تكوين26:1) وهذا الشبه هو القداسة. وبقي الله يكرّر هذه الدعوة مراراً في العهد القديم: "كونوا قديسين لأني أنا قدوس" (لا45:11)  وكان يذكِّر شعبه دائماً بقوله له: "إن إرادة الله هي قداستكم" (1تس3:4).

          فصحيح إذن أن الدعوة تشملنا جميعاً، ولقد عبّر عنها بولس الرسول بقوله: "نحن مدعوون لنكون قديسين رجالاً ونساءً" (1تس7:4) ولكن هنالك عملين يوصلاننا إلى القداسة، الأول هو العمل الخلاصي الذي أتّمه يسوع على الصليب بغفران خطايانا، وتطهيرنا، وهو العمل الأساس الذي يجعلنا قديسين، ومقبولين أمام الله. هذه القداسة لا تأتي من أي أعمال نعملها أو لا نعملها. نحن قُدِّسنا ونتقدّس لأن يسوع المسيح بنعمته أخذ كل عيوبنا وحملها عنا، ومنحنا قداسته، وكما يقول الكتاب: "فإن نعمة الله ينبوع الخلاص لجميع الناس" (عب11:2).

          أما العمل الثاني فيقوم على دورنا في استمرار حياتنا المتقدسة من الله بالمسيح، فعملية التقديس لا تتوقّف مع كل يوم نحياه، وخاصة أثناء صراعنا مع أنفسنا ومع الخطايا التي تواجهنا، ومع هجمات الشيطان في إغوائه لنا. بناءً عليه يبقى السير نحو القداسة مستمراً في الحياة طالما نحن على قيد الحياة. لذا علينا أن نسخِّر إرادتنا وقراراتنا في طريقنا نحو القداسة.

          بناءً على كل ما ذكرناه في هذه الفقرة نؤكّد أن كل الناس مدعوون إلى أن يكونوا قديسين، والقداسة هي للجميع. ونقطة البداية تبدأ من جرن المعمودية حيث تلتقي بالله عبر الأسرار الإلهية التي علينا المحافظة عليها، وفيها يقول القديس نيقولاكاباسيلاس: (الأسرار المقدسة قنوات تنقل إلينا النعمة الإلهية). كان بولس الرسول يدعو المؤمنين (قديسين) في بعض رسائله، لأنه يعرف أنهم ملتزمون في حياة الكنيسة، وممارسون وأعضاء أحياء لا مجرد مسيحيين بالاسم. فالشرط الأول في طريق القداسة: الالتزام بالكنيسة والمواظبة على الأسرار الكنسية وخاصة المناولة في القداس الإلهي. حينها تفعل نعمة الله فينا ونتقدّس ونقدِّس الآخرين.

          نعم، على هذه الصورة يتكوّن القديس. فلا يكفي إذن، كما هو مألوف بذهن كثير من الناس، الاكتفاء بالقول إن القديس هو شخص لم يخطئ، حفظ الوصايا وعامل الناس بالحسنى، وما شابه ذلك من الصفات المرتبطة بالمفاهيم الأخلاقية والنفسية، والتي تجعل منه إنساناً فاضلاً.

          قداسة القديس تأتي من تشبّهه بالله القائمة على طهارة قلبه واستنارة عقله وتألّه كيانه. والباقي هو من البديهيات الضرورية التي تحصل له كثمار تتكوّن من بداهة قداسته.

          وقد يتساءل سائل وهل للجسد من نصيب في القداسة؟ الجسد هو تراب بين يدي الخالق "ينفخ فيه فيصير آدم نفساً حية" (تك2:7). إذن الإنسان بالجسد هو قوة الرب الحامل في داخل العناصر الأساسية ليصير عالماً صغيراً بكونه الكائن الأمثل، الكائن ذو التأثير على العالم الخارجي بواسطة هذا الجسد. وأيضاً لا غنى للنفس عن الجسد لأداء مهامها وإبراز قدراتها على الأرض. فكل النشاطات يتم التعبير عنها بواسطة الجسد.

          والروح أيضاً متغلغلة في الجسد، ومَن يسلك روحياً تفيض من جوفه أنهار ماء حي بها يطفئ نار الشهوات ويسمو بالروح وتنزل عليه ألسنة نار روحية تحرق هفواته وتطهّره بالنار المحيية فيصبح نظيفاً كما هو بداخله نقي. وهذا المفهوم للجسد يُسهِّل علينا بموضوع القداسة أن نفهم كيف تم اتحادنا بالمسيح عن طريق المعمودية حين نلبس المسيح بحسب قول بولس الرسول: "أنتم الذين بالمسيح اعتمدتم، المسيح قد لبستم" (غلا27:3) إنها دعوة ليصير جسدنا مقروناً بالمسيح في وحدة الطبيعة بين البشر والله. بالرغم من أن الإنسان يبقى بشراً، والله إلهاً. خاصة عند مناولتنا المقدسة للجسد والدم الإلهيين اللذين يصفان الجسد البشري بهذه المناولة. والقديس هو الذي يحافظ على نقاوة النفس والجسد ويستعين بالجسد الإلهي ليبقى متمثلاً به قدر استطاعة الطاقة البشرية.

سابعاً: تحديد القداسة في الكنيسة الأولى

          الله وحده يُظهر قديسيه، وهذا يتم بواسطة الروح القدس، إذ يعلن بطرق متعددة (أن أحد أعضاء جسد المسيح في الكنيسة قد اتحد بالله الثالوث وصار إلهاً بالنعمة) بحسب تعبير القديس أثناسيوس الكبير. فالكتاب المقدس وتقليد الكنيسة يشهدان بذلك.

          في العهد القديم أعلن الله نفسه عن قداسة أيوب قائلاً: "إنه رجل كامل تقي ومستقيم. وأن لا أحد مثله في الأرض" (أي8:1). وفي العهد الجديد، يسوع المسيح نفسه قال للص: "اليوم تكون معي في الفردوس" (لو43:23). وعجائب القديسين كثيرة ولها دور مهم في الكشف عن قداستهم، إذ تصير بنعمة الروح القدس.

          وعليه فإنه في الكنيسة الأولى لم يكن هناك خطوات للاعتراف بالقديسين. والذي كان يعوَّل عليه هو الإيمان المستقيم للشهيد أو المعترف، لدرجة أن التاريخ لا يعلّمنا البتة بأية شهادة تم فيها الاعتراف بقديس من قبل السلطة الكنسية. وإذا عدنا إلى جلسات المجامع المسكونية نقرأ أن الكنيسة كانت تعترف بالتكريم الموجود والمقدّم من الشعب المؤمن لشخص ما. فالشعب المؤمن هو الكنيسة، وفعل تكريمه يقود بأمانة الأسقف ليبارك هذا التكريم.

          الأوائل الذين اعترفت الكنيسة بقداستهم كانوا الشهداء، ثم لاحقاً اعترفت بقداسة المعترفين. وهكذا تتابعت الأمور بالاعتراف وإعطاء الإكرام لكل أنواع القديسين. إذن الاعتراف بالقديسين كان يتم عفوياً من القلوب المؤمنة دون أن يكون هنالك شكل أو معيار أو إقرار من السلطات الكنسية. كان المؤمنون إكليروساً وشعباً يقدّمون التكريم لـمَن يعتبرونه في ضميرهم قديساً.

          ولمزيد من المعلومات فإن عهد ما قبل الاعتراف بالمسيحية بدءاً من عام 313م بواسطة الإمبراطور قسطنطين، كانت قبور الشهداء تُزار، ورُفاتهم تُكرّم. وكانت الذكرى السنوية لاستشهادهم محفوظة في روزنامة الكنيسة المحلية. وبعد الاعتراف بالمسيحية أصبح التعبير عن تكريم القديسين أوضح، وبُنيت الكنائس والمزارات فوق قبورهم، وكُتبت الصلوات المناسبة للتشديد على فضائلهم.

          هذا يعني أنه بداية كان الاعتراف بقديس ما شكلاً محلياً، وكان يتم إضافة الاسم إلى كتب سير القديسين، وإلى «الذبتيخا». وتبعاً لشهرة وأهمية القديس المكرّم توسّع تكريمه وأخذ طابعاً عاماً، إلى أن يصل التكريم إلى كل الكنيسة.

ثامناً: إعلان القداسة في الكنيسة الأولى حتى الألفية الأولى

          إن تقليد الكنيسة الأولى، الكنيسة الشاهدة التي (تزيّنت بدماء الشهداء كأنها ببرفيرة وأرجوان) كان كل شيء فيها يتم بعلم وموافقة الأسقف الذي كان يُدخل اسم القديس بلائحة أسماء القديسين المعيّد لهم. وقد يظن أحد أنه كان بالإمكان التلاعب أو تمرير اسم لأهداف سياسية أو شخصية، الجواب هو أن الكنيسة الأولى كانت متماسكة إيمانياً؛ سلطتها الأبوية وأبناؤها الشعب ومن غير الممكن تحقيق مثل هذا التلاعب. وقد حصل على مر التاريخ العديد من إعلانات القداسة من قبل الأباطرة والحكام، ولكن لم يتم الموافقة عليها من قبل الأسقف لأنها لم تكن قانونية.

          وكما نظّمت الكنيسة كل قضاياها الروحية والإدارية والقانونية، هكذا أيضاً فإن هذا التنظيم شمل موضوع القداسة وتطويب القديس، حيث وُضعت المعايير الرسمية للاعتراف بقداسة قديس والإعلان عنه. ولما صار حديث عن زمن ما بعد الانشقاق بين الشرق والغرب، فإن التنظيم الحاصل ليس واحداً في كل من الكنيستين الشرقية والغربية. وسنتحدّث عن كليهما بعد قليل.

          بناءً على ما ذكرناه يمكن القول أنه خلال الألفية المسيحية الأولى اعترفت الكنيسة بقديسين دون اللجوء إلى أي إجراء رسمي أو قانوني لإعلان القداسة. لمدة ألف سنة في أراضي المسيحية الشرقية كما الغربية، كانت جماعات المؤمنين المحلية تذكر الرسل والشهداء وغيرهم في اجتماعاتها الليتورجية، تستدعيهم في صلواتها، توقّر رفاتهم، وتؤمن بأنهم مركبات الروح القدس. ولم تطوّر أي إجراء قضائي لإعلان القداسة.

تاسعاً: إعلان القداسة في الكنيسة الأرثوذكسية من الألفية الثانية حتى اليوم

          بدأ تحوّل تدريجي يجعل الكنيسة تعطي مزيداً من الاهتمام في القيام بدور أكبر من أجل الاعتراف بالقديسين، وكان بداية إدراج بعض الأسماء على جدول المجمع المقدس وإصدار قرار مجمعي رسمي، وخاصة عندما كان يراد تعميم تكريمهم على كل الكنيسة. وقد تم إدراج بعض الأسماء التي نالت إعلاناً بقداستها قبل الاعتراف بها رسمياً كمثل القديس غريغوريوس بالاماس 1359م الذي حظي بهذا التكريم في كل من تسالونيك والجبل المقدس ثم انتقل اسمه إلى المجمع وتم أيضاً الاعتراف به رسمياً.

          بدأت الأمور مع الوقت تنتظم، ووُضعت المعايير الرسمية لإعلان القداسة والاعتراف بالقديسين بصورة وصل قبول الاعتراف بها على أنها إلزامية بصورتها الجديدة إذ رأت الكنيسة ضرورة وضع قوانين ومعايير واضحة تضبط عملية التكريم والتقديس وقد بدأت مع بداية الألفية الثانية لكلا الكنيستين في الشرق والغرب. فصار أن اتبعت الكنيسة اللاتينية خطوات محددة لعملية التقديس من القرن الحادي عشر. أما الكنيسة الأرثوذكسية فقد بدأت من القرن السادس عشر ممثلة بمجامعها بإعلان القديسين. وأهم هذه المعايير أن يكون:

- عضواً في الكنيسة وفكره فكر أرثوذكسي مستقيم.

- مشهوداً له بالحياة الفاضلة والمثالية بمعنى أنه قديس على كل الصُعد وبار حتى نهاية حياته.

- أن يكون قد حفظ ودافع وشهد طيلة حياته بالقول وبالفعل عن الإيمان القويم وصحة العقيدة.

- موته شهادة أو حياة استشهاد في سبيل الإيمان بالمسيح.

- قد قدم تضحيات في سبيل كنيسة المسيح خلال عمله الكنسي.

+ وهنالك معايير أخرى لها أهميتها إنْ وُجدت ولكنها لا تنطبق على جميع القديسين، تلك التي تتعلق بالعجائب.

- صنع العجائب قبل الموت وبعده.

- إفاضة الطيب من ذخائرهم المقدسة، وهي موهبة يتم حصولها بأقل من صفات غيرها. ومن أهم قديسيها: القديس ديمتريوس والقديس سمعان مؤسس دير سيمنوبترا في جبل آثوس والقديسة ثيوذورة التسالونيكية.

- عدم انحلال الجسد وفساده.

- ويتلخّص هذا كله بمعيارين أساسيين هما استقامة الحياة واستقامة العقيدة.

          ولدى أي مشروع لإعلان قداسة قديس، يتم أولاً بتحرّك شعبي نحو مطران الأبرشية، فيتم تجهيز ملف يتعلّق بالشخص المرشّح. والمطران بدوره يرفعه إلى المجمع بعد دراسته كفاية في المطرانية. وفي المجمع يُدرس الملف بدقة، وعلى أساسه يُقرر المجمع ما هو مناسب للكنيسة بنعمة الروح القدس. وغالباً ما يتم هذا العمل بصلاة وهدوء ورويّة.

          إذن فقط يصبح من الممكن التعييد للقديسين وإكرامهم بعدما يتم إعلان قداستهم من قبل المجمع المقدس. وحينها نتطلّع إليهم بوقار وهيبة لأنهم أتموا السعي المبارك بنعمة الله وليس بقوّتهم البشرية. القديسون يستضيئون بنور المسيح، ويتقدّسون بنعمته وهم ممجّدون بمجده. أما بالنسبة للعجائب المجترحة منهم ومواهب الأشفية وتمييز الأرواح فهي ثمرة الصوم واليقظة والسهر والصلاة التي للقديسين أحباء الله. وبالتالي هم مثال المحبة العظمى والصبر والتواضع ونكران الذات.

          للقديسين حضور فعلي في حياتنا بعد مماتهم. فهم يروننا ويسمعون احتياجاتنا من خلال اتحاد أرواحهم بالله. وهم يروننا بنعمة الله لأنهم في الله والله فيهم "لأنهم روح واحد مع الله" (1كو17:6).

عاشراً: إعلان القداسة في الكنيسة الغربية من الألفية الثانية حتى اليوم

          الانشقاق الذي حصل بين الغرب والشرق يعود جزء منه إلى رغبة روما في التمسك بالسلطة إفرادياً، وموضوع إعلان القداسة هو أحد دعائم هذا التمسك. فالرغبة في إعلان القداسة تتطلع لتكون هي أيضاً منوطة بسلطة البابا كما سنرى، لأنه عندما بدأت البابوية بتأكيد طموحاتها إلى سلطة عليا على كل المسيحية، بدأت كنيسة الغرب بتحريك عملية متصلّبة قادت إلى تغرّب روما عن أرثوذكسيتها، لأن هذه الكلمة التي تعني استقامة الرأي كانت تصف كلاً من كنيستي الشرق والغرب.

          ما يختص بموضوعنا: مع اهتمام البابوية بالقوة والسلطة الكنسية العليا يُفهم سبب إصرار روما منذ نهاية القرن العاشر على أن يتم تسجيل القديسين بصورة منهجية رسمية ليصادق عليها البابا. بموجب هذه السلطة تم تحديد (القداسة) والسيطرة عليها، بفعل هذا الأمر طوّرت الكنيسة في الغرب طريقة قانونية للغاية ودقيقة بالظاهر لتحديد مَن هم القديسون، وما زالت هذه الطريقة قيد الاستعمال إلى اليوم في الفاتيكان. وهكذا احتفظ البابوات لأنفسهم بامتياز يتيح لهم التخلّي (أو تغيير) عن أي من المتطلبات أو الإجراءات بحسب إرادتهم.

          بموجب الذي ذكرناه ننتقل بتساؤلنا: كيف تُصيّر الكثلكة شخصاً ما قديساً؟ يصير الإنسان قديساً في الكنيسة الرومانية الكاثوليكية من خلال عملية رسمية للإعلان. لإتمام العملية ينبغي تحقيق خمسة أحكام مع ما يتعلّق بها من الخطوات. تشرف على كل خطوة في العملية دائرة محددة في الفاتيكان تتعامل مع نظام إسباغ القداسة.

أولاً: ينبغي مرور خمس سنوات على موت المرشّح للقداسة قبل الابتداء بالعملية التي تؤدي إلى إعلان القداسة.

ثانياً: بالاتفاق مع مسؤولي الفاتيكان، يباشر أسقف الأبرشية، التي مات فيها المرشح تحقيقاً في حياة المرشح ليحدد ما إذا كان الميت خادماً لله، أي إذا ما كان قد سلك بقداسة حياة كافية لقبول ترشّحه للقداسة.

ثالثاً: تقوم لجنة بابوية (مجمع دعاوى القديسين) بتقييم الدلائل والتوصيات المقدّمة من أسقف الأبرشية، وتحديد إذا ما كان المرشح قد أثبت أنه عاش حياة من البر البطولي، وترفع استنتاجاتها للبابا.

رابعاً:  وهو مرحلة التطويب، يجب أن تتحقق لجنة من كبار مسؤولي الفاتيكان من أن معجزة واحدة على الأقل قد تمت بصلوات المرشح كاستجابة لطلب شفاعته.

خامساً: هي إعلان القداسة، بالرغم من أنه ليس مطلوباً من الشهداء سوى معجزة محققة واحدة، فإن معجزة ثانية مرتبطة بصلوات المرشح بعد تطويبه هي الشرط الرسمي الأخير لإعلان القداسة، أي لأن يعلن البابا هذا الشخص قديساً.

          هذه البنود الخمسة المتعلقة بتحديد القداسة لديها كل سمات العملية التشريعية أو القضائية الفعّالة والمنطقية، ولكن لا علاقة مباشرة بروح القداسة المسيحية وتقليدها. هذا يعني أن هناك تناقض صارخ بين نظام الكثلكة والطريقة الأرثوذكسية في تحديد القداسة. فمن جهة تتبنى الكثلكة الطريقة القانونية والتركيز على الخلاص بالمنطق والطاعة والإجراء، بينما الأرثوذكسية تؤمن بالفداء من خلال الحرية والنعمة وسر الله.

          من جهة ثانية فإن الكثير من القديسين مشتركون بين الأرثوذكس والكاثوليك، كما أنهم مشتركون في توقير القديسين في حياة المسيحيين. في الوقت عينه تتباعد كنائس الشرق والغرب حول مفهوم الطريق إلى القداسة.

          لذا نأمل أن تتفق الكنيستان الأرثوذكسية والكاثوليكية على تكريم القديسين ولو اختلفت بعض معايير التقديس فيهما كما ذكرنا سابقاً. راجين أن خبرة الألفية الأولى التي تحمل أسماء ذات القديسين لكلا الكنيستين والتي تحمل في طياتها الأمل الواحد، عسى أن من الممكن أن يتم مستقبلاً التكامل بين الطرق القانونية والإجراء، وبين الحرية والنعمة من أجل قداسة أنقى وأبهى.

          فبشفاعة القديسين أطلب من الله تحقيق هذا الأمل.

 

 

 

ملحق: لموضوع القداسة وكيفية تطويب القديسين

مقابلة مع كلود لوبيز-جينيستي

صاحب كتاب: القدّيسون في الكنيسة الأرثوذوكسية

(عون القديسين)

 

تكريم القدّيسين حيّ في العالم الأرثوذكسي، فمنذ القرون الأولى للمسيحية والمؤمنون يلتجئون لا إلى الرب يسوع فقط، بل إلى القدّيسين ليطلبوا العون الروحي والجسدي وحتى المادي. فمن يدخل إلى الكنيسة الأرثوذكسية يجد نفسه مُحاطاً بأيقوناتٍ للرب يسوع ولعدد من القدّيسين. فصداقة القدّيسين قوية ووفية ومعاشرتهم تعلّمنا أنه يمكننا أن نطلب شفاعتهم من أجل آلامنا كلها... عرف القدّيسون على الأرض أنّ المسيح حاضرٌ في كل واحد من إخوتهم. أحبوهم بالحب الذي أظهره لهم المسيح. وهم، قرب المسيح، يشهدون أيضاً لحبهم له ويكمّلون عملهم على الأرض. "كل الآباء الذين رقدوا قبلنا يسندوننا بصلاتهم. همّهم خلاص الإنسان ويساعدوننا بشفاعتهم لدى الله" (أوريجنس).

في كتاب "عون القدّيسين" لكلود لوبيز-جنيستي (Claude Lopez-Ginisty) وهو أرثوذكسي علماني يعيش في سويسرا. يذكر الكاتب في مقدّمته، كيف أُوحي إليه كتابة هذا المؤلَّف، فهو منذ سنين طويلة يجمع المعلومات التي عرضها في كتابه. يقول أيضاً إنه بحسب التقليد الأرثوذكسي لا تعارض ولا منافسة ولا تناقض بين شفاعة القدّيسين في الأمراض الجسدية والالتجاء إلى الطب. كما يوضح أن عدداً من القدّيسين لهم طريقتهم بالتعاون مع الأطباء خاصة في الحالات التي تبدو مستعصية.

ولقد أجرى بعضهم مقابلة مع المؤلّف بخصوص الكتاب وهذا ملخّص لها:

س1:كيف تُعلَن القدّاسة في الكنيسة الأرثوذكسية؟ هل هناك دعوى لإثبات القدّاسة؟ وما الشروط الموجبة؟

ج1: في الكنيسة الأرثوذكسية لا سعي لإثبات القدّاسة كما هو الحال في الغرب. التكريم يأتي أولاً من شعب الله، أي المؤمنين. وكل ما تفعله الكنيسة هو الاعتراف بالحاصل وإعطاء صفة رسمية لممارسة قائمة. والمستشهِدون في سبيل الإيمان، يأتي تكريمهم مباشرة بعد الشهادة.

أحياناً، يكون القدّيس معروفاً في حياته أنه صانع عجائب مثلاً فتستمرّ شفاعته بعد ولادته في السماء. مثال ذلك: قداسة القدّيس سيرافيم ساروفسكي ظاهرة في حياته بحيث أوصى راهباته بأن يخاطبنه على "أنه حي" عندما يغادر الحياة الأرضية.

وأحياناً أخرى يكون القدّيس معروفاً فقط من الله فيُظهر نفسه للأحياء. وغالباً ما يُعرف القدّيسون محليّاً من خلال مساعدتهم الروحية وأحياناً المادية ومن حماسة الشعب الممتن لهم. ثم إن شهرتهم المتزايدة والتي تتجاوز مكان تكريمهم، تدفع الأسقف إلى إعطاء صفة رسمية لهذا التكريم. وينتقل هذا التكريم من الأبرشية إلى البلد الآخر ومنه إلى العالم أجمع. عندما تجعل الكنيسة هذا التكريم رسمياً، تُقام خدمة لتمجيد القدّيس. تُعدّ للقدّيس بسببها خدمة ليتورجية وتدخل هذه الخدمة في كتاب الميناون الذي هو الكتاب الرسمي للخدم الكنسية.

س2: هل يميّز الأرثوذكسيون بين "مطوّب" و"قدّيس"، وعليه هل هناك مراحل لإعلان القدّاسة؟

ج2: لا توجد مراحل للقدّاسة. هناك تكريم محلّي يتوسّع ويجعل القدّيس معروفاً ومكرَّماً في كل الكنائس الأرثوذكسية ولكن لا يوجد تدرّج. التسميات والكلمات المستعملة للقدّيسين في اللغة اليونانية والروسية مثلاً، تشير إلى نمط القدّاسة وليس إلى مرتبته في الكنيسة أو إلى مرحلة من المراحل نحو القدّاسة الكاملة. فكلمة "Aghios" في اللغة اليونانية تستعمل لكلّ القدّيسين، ولكن في بعض الأحيان تستعمل كلمة "Osios" للتشديد على أن القدّيس كان راهباً أو متوحِّداً.

س3: هل توجد أنماط قدّاسة خاصة بالروحانية الأرثوذكسية؟

ج3: يبدو أن "التباله من أجل المسيح" خاصية أرثوذكسية. تخلّىٍ هذا النوع من القدّيسين عن هذا العالم هو تخلٍ جذريٍ. المتبالهون من أجل المسيح يتخلّون عن كل شيء، وتخلّيهم كبير لدرجة أنهم يدّعون الجنون ويُبدون ازدراء بالمظاهر واللياقات، وهم لا يهتمون بشيء إلا بملكوت الله. هناك قول للقدّيس بولس يصف فيه هذا النوع من النسك:"لا يخدعنَّ أحد نفسه. إنْ كان أحد يظنُّ أنّه حكيم بينكم في هذا الدهر فليصر جاهلاً لكي يصير حكيماً" (1 كور 18:3). لكنَّ التباله من أجل المسيح صليب ثقيل لا يتّخذه إلا الأقوياء في الروح.

نوع ثان من القدّاسة خاص بالكنيسة الأرثوذكسية هو ما نسميه (مكابدة الآلام من دون مقاومة). مثال: القدّيسان الروسيان بوريس وغلب (يُعيّد لهما في 24 تموز) هما مثال لهؤلاء القدّيسين: فلقد تركا أخاهما سْفياتوبولك يقتلهما من دون أن يدافعا عن نفسيهما حقناً للدماء. وهما على غرار الخروف الذي سيق إلى الذبح، صورة مسيحانية.

س4: تكريم القدّيسين، أو الأشخاص الاستثنائيين، موجود في عدد من التقاليد، وليس فقط في المسيحية. غير أنّ البعض ينظرون إلى هذا التكريم بحذر ويشبّهونه بالتعاطي بالخرافات، كيف يفسّر التقليد الأرثوذكسي هذه الممارسة؟

ج4: في المسيحية نحن لا نتحدث عن الموت عندما يترك أحدهم الحياة الأرضية، بل عن الولادة، أي الولادة في السماء. الكثير من الناس فَقَد هذه النظرة في عصرنا عصر الـ"No God’s Land"، "الأرض التي من دون الله". الموت هو الباب إلى الحياة الأبدية، وليس هو النهاية، بل هو البداية. وبما أن الصلاة ليست في الزمن، بل هي في الأبدية. فعندما نصلي، لا نعود محدودين بالجسد والأمور المحسوسة في هذا العالم. الكنيسة لا تعرف حواجز الزمان ولا المكان لأنها تقطُن في الأزلية. نستطيع أن نطلب المساعدة الروحية من أشخاص يعيشون في أبدية هذه الكنيسة، مثلما نطلب، أحياناً، المساعدة المادية أو الروحية من المقرّبين منّا على هذه الأرض. القدّيسون هم مقرّبون من الله، هم أصفياء المسيح، وأصدقاؤنا، بصداقة مثمرة بما لا يقاس لأنها في الله.

مثال: لوحظت شفاعة القدّيسين منذ مطلع القرن الثاني. فبعد استشهاد القدّيس اغناطيوس المتوشح بالله، عاد الذين شهدوا استشهاده إلى بيوتهم. وقد رآه عدد منهم في نومه، فبارك عليهم وسمعوه يصلّي من أجلهم. شفاعة القدّيسين هي حقيقة. في التسعينات من القرن العشرين، في الولايات المتحدة الأميركية، كان هناك شاب يتعاطى المخدرات يحتضر بسبب جرعة مميتة تناولها. على طاولته بجانب السرير كان يوجد كتاب الإنجيل. تناول الشاب الكتاب وناجى ربّه بصرخة يأس كبيرة، فظهر له شخص بحلّة سوداء ولحية طويلة. تكلّم معه هذا الرجل مطوّلاً وطمأنه وهدّأه. لم يعرف الشاب سوى أن اسم هذا الشخص هو أفرام. وقد نجا الشاب من الموت وأخذ يبحث عن هذا الزائر السرّي الذي انتشله من الظلمات. فاستبان له أن القدّيس أفرام الظاهر حدّيثاً هو إياه الراهب الذي أتى لتعزيته. اهتدى الشاب وصار أرثوذكسياً. يُذكر أنّ القدّيس أفرام هو راهب شهيد من العام 1425 أظهر نفسه عام 1950 لراهبة وكشف لها مَن هو وأين استشهد. يستريح جسده في نيا ماكري في أتيكا .هناك أمثلة عديدة من هذا النوع تُظهر أنّ القدّيسين أحياء وهم يهتمّون بحياتنا، ويرأفون بنا.

          يحسن القول هنا أننا لا نعبد القدّيسين ولا نصلي لهم، بل نطلب صلاتهم وشفاعتهم، وثمة فرق بين الأمرين. ونحن لا نجعل منهم آلهة: القدّيس سمعان اللاهوتي الحديث يقول إننا نضع مصابيح لإنارة إيقونات القدّيسين للإشارة أنه من دون النور الذي هو المسيح، ليس القدّيسون بشيء. فقط نور المسيح الذي يضيؤهم يجعلهم أحياء ونيِّرين! والقديس يوحنا كرونشتادت يقول: "نحن نعيش سوية معهم (أي القدّيسين) في بيت الله السماوي، ولكن في أماكن مختلفة. نعيش على الأرض، وهم في المكان السماوي، ولكننا نتحدث معهم وهم معنا".

س5: ما الأسباب التي تجعلنا نربط بين القدّيس وشفاعته بأمر محدّد أو عزاء في مشكلة معيّنة؟ هل نستطيع أن نفترض أن هذا بعامة مرتبط بظروف أو خبرات من حياة هذا القدّيس...؟

ج5: تصعب الإجابة بطريقة جازمة على هذا السؤال. في بعض الأحيان يكون شيء ما في حياة القدّيس أو طريقة استشهاده هو الذي يحدد شفاعته، ولكننا لا نستدعي في حالات آلام الرأس كلّ الذين قطعت رؤوسهم. أحياناً هناك صلة بين معنى اسم القدّيس والشفاعة المختصّة به. في معظم الشفاعات المرجّح أنّ أحدهم قام بطلب مساعدة قدّيس لمشكلة معيّنة، وعندما استجيبت طلبته، ذاع الخبر، وشيئاً فشيئاً، أصبح القدّيس "متخصصاً"!!! مثال: القدّيسة براسكيفي (يُعيّد لها في 26 تموز) وهي معروفة بشفاعتها لمرضى العيون.

المسيحيين الأرثوذكسيين يقيمون صداقات خاصة روحية خارج إطار المرض أو طلبات محدّدة. هناك قدّيسون نكرّمهم بكل بساطة لحضورهم الروحي وعونهم لنا بصلاة صغيرة، قدّيسون تكون شفاعتهم رقيقة وثمينة. فنحن نصلّي في بعض الأحيان لا لنطلب شيئاً ما، بل لنكون معهم في فسحة لحظة أبدية، لنذوق الاتحاد الروحي النقي.

س6: في الأبحاث التي أجريتها، هل أثار ارتباكك بعضُ الحالات التي صادفتها؟

ج6: لم أصادف أي أمر مستغرب. عندما اهتديت إلى الأرثوذكسية منذ حوالي 35 عاماً حين استقبلوني في الكنيسة، في دير القدّيس نيقولاوس الدلماري في جنوب فرنسا. لم أكن قد حصلت على أي ثقافة دينية من قبل، لهذا كانت نظرتي جديدة في شأن الإيمان والقدّيسين. تحمّست، بشكل من الأشكال، لمطالعة سير القدّيسين. لأصلَ إلى ما أثار حيرتي، وهو بالضبط أعجوبة شفاعة القدّيسين

مثال: هناك قدّيس شفاعته لي كانت ظاهرة بشكل خاص وهو القدّيس ميناس. كنت في دير القدّيس يوحنا المعمدان في ملدون في إنكلترا عندما سمعت عنه. كنت قد أضعت غرضاً ما وأفتّش عليه بجِدّ...راهب في الدير قال لي أن أطلب شفاعة القدّيس ميناس، ولقد وجدت في كل مرة أستنجد بهذا القدّيس أن طلبتي قد استجيبت بشكل عجيب ولا يفسّر.

س7: هل كل القدّيسين الشفعاء هم قدّيسون قدماء، أم توجد شفاعات جديدة لقدّيسين جدد؟

ج7: من الجليّ أنّ القدّيسين القدماء هم الأكثر عدداً ولكن يوجد قدّيسون جدد نطلب شفاعاتهم لأمراض جديدة. مثال: القدّيس نكتاريوس الذي من أيينا، هو قدّيس من القرن العشرين، يطلب الناس شفاعته لمرض السرطان، وهو مرض هذا العصر، في لائحة الشفاعات التي ذكرتها في كتابي، يوجد هذا القدّيس في لائحة الأمراض المستعصية.

وسيكون هناك شفاعات جديدة ستظهر لنا في المستقبل لقدّيسين وحده الله يعلم أمرهم الآن.

س8: في نظر الكنيسة الأرثوذكسية والقدّيسين، هل كل أنواع العلاج من الأمراض مشروعة، أم هل يوجد تعارض أو حدود في بعض الحالات؟

ج8: لقد أسّس القدّيسون المستشفيات كما ذكرت في مقدمة كتابي. القدّيس نكتاريوس الذي من أيينا، المذكور آنفاً، كان صانع معجزات قوي، رغم ذلك كان يرسل راهباته إلى الطبيب ولم يكن يستعمل علاجاته الروحية إلا عندما يكون الطب عاجزاً. ليس سخيفاً أن يعمل طب الله وطب الإنسان معاً. الإنسان المعاصر يبحث عن الخلود ولا يبحث عن الحياة الأبدية لأنه لا يؤمن بالقيامة. لذلك يلتجئ إلى العلم والطب منتظراً منهما الحل بأي ثمن للحصول على الخلود أو الموت السريع ومن دون ألم.

البحث الطبي ليس ممنوعاً، ولكن هل كل بحث مرغوب به؟ مثال:الأسقف لوقا كان جرّاحاً أعلنت قداسته البطريركية الروسية حديثاً وعاش في القرن الماضي، هو كان أول جرّاح في العالم يمارس عملية الزرع. ولكن يجب أن يكون هناك حدود للمسيحيين الذين يؤمنون أني "عليك استندت من الحشا، من بطن أمي أنت مجيري" كما يقول كتاب المزامير؛ والله هو الذي يقرّر رجوعنا إليه.