حديث الأسبوع (5 آب)

أرشيف

وعظة الأحد

محاضرة للأرشمندريت يوحنا التلي

دير مار الياس معرة صيدنايا

الجمعة 21 تموز 2017

لماذا أنا موجود؟

 

أولاً: مقدمة

          سؤال يطرحه كل إنسان أصيل على نفسه. علينا أن نبحث عن الهدف من خلال بحثنا عن سبب وجودنا، لا بل علينا بصياغة أخرى أن نبحث عن القصد لحياتنا.

          لقد كتب (ريك وارين) كتاباً، يبحث فيه عن الحياة المنطلقة نحو الهدف، ليعي كل منا لماذا هو موجود. وفي حديثنا اليوم، سنتعرف على نقاط البحث، ونجول فيها معترفين بالفوائد الروحية التي يقدّمها لنا الكتاب المقدس، مدركين تماماً أننا من الله أتينا وله نعيش. وكأننا بهذا نقول إذاً لهذا نحن موجودين، للتفكير الدائم فيما تدعونا الحياة لنكونه.

          وفي هذا يقول بولس الرسول: "بل تغيّروا عن شكلكم، بتجديد أذهانكم لتختبروا ما هي إرادة الله الصالحة المرضيّة الكاملة" (رو2:12). بمعنى أننا لا نتغيّر حقيقة إلا عندما تتجدّد أذهاننا في الوضع الجديد الذي يمنحه المسيح لنا. فمتى أصبحت طبيعتنا مشابهة لطبيعة المسيح، فعندئذ نستطيع أن نتأكّد أن سلوكنا يمجِّد الله.

          إنَّ تفاعلنا مع المسيح هذا الذي يغيّر، وبواسطة هذا التغيير نصل إلى الهدف من معرفتنا لماذا موجودين.

          هدف حياتنا هو أن يصبح كلّ منا شخصاً جديداً. وبالتالي البحث عن الأهداف العملية المكمّلة للالتزام بها.

ثانياً: كل شيء يبدأ من الله

          يتساءل عالم الرياضيات والفيلسوف الكبير برنراندرسل، وهو بذات الوقت ملحد، قائلاً: (سوف يظلّ السؤال عن هدف الحياة بلا معنى ما لم تفترض وجود إله). وكأنه بهذا يقودنا للقول مع بولس الرسول عن الله: "فإنه فيه خُلق الكل: ما في السماوات وما على الأرض، ما يُرى وما لا يُرى، سواء كان عروشاً أم سيادات أم رئاسات أم سلاطين. الكل به وله قد خلق" (كولو16:1).

          الآن، إذا رغب الواحد منا أن يعرف لماذا وُضع على هذا الكوكب، ما عليه إلا أن يبدأ مع الله. وُلد كل منا بقصد إلهي، ومن أجل هدف قائم في ذهن الله.

          إنَّ البحث عن هدف للحياة قد حيّر الناس على مدى آلاف السنين، وذلك لأننا نبدأ عادة من نقطة البداية الخاطئة، وهي أنفسنا. إننا نطرح أسئلة متمركزة حول الذات مثل: ماذا أريد أن أكون؟ ماذا يجب عليّ أن أفعل بحياتي؟ ما هي أهدافي وطموحاتي وأحلامي للمستقبل؟ لكن التركيز على أنفسنا لن يكشف أبداً الهدف من حياتنا. في حين أن الكتاب المقدس يرشدنا عن الذي يكشف الأمر: "الذي بيده نفس كل حي، وروح كل البشر" (أيوب10:12).

          هذا يعني أن التركيز على أنفسنا لن يكشف أبداً الهدف من حياتنا. لذا لا يمكننا الوصول إلى هدف حياتنا عن طريق البدء بالتركيز على نفسنا، وإنما يجب أن نبدأ مع الله خالقنا.

          الإنسان منا موجود فقط لأن الله يرغب في وجوده. إننا نكتشف فقط من خلال الله أصلنا، وهويتنا، ومعنى حياتنا، وقصدها، ومغزاها، ومصيرها. أما سائر السبل الأخرى فإنها تؤدي إلى طريق مسدود.

          ثم إن الله ليس فقط نقطة البداية لحياتنا، إنما هو أصلها. لذا علينا أن نلتفت إلى كلمة الله، وليس إلى حكمة العالم حتى نكتشف القصد من حياتنا. بمعنى أن نبني حياتنا على الحقائق الأبدية وليس على العلوم الزمنية، وأخص بالذكر علم النفس، الذي لا شك أنه يفيدنا في تدابير حياتنا اليومية ولكن ليس المصيرية.

          فقط في المسيح نكتشف مَن نحن، وما الهدف الذي نحيا لأجله. وإذ أننا قبل أن نسمع عن المسيح بوقت طويل، ويستيقظ رجاؤنا، كانت عينه علينا، وكانت لديه خطط معدّة لنا لحياة مجيدة.

          المسيح يداهمنا باستمرار، لذا علينا أن نبقى ناظرين نحوه، لنتلقّى منه ما يريد منا أو ما يريد أن يقول لنا أو يكلّفنا. ولنأخذ مثلاً من حياة الروائي الروسي (أندره بيتوف) الذي كان قد نشا في نظام شيوعي ملحد. ولكن الله استحوذ على انتباهه في أحد الأيام الكئيبة، فهو يتذكر حسب قوله: (عندما كنت في السابعة والعشرين، وأثناء ركوبي المترو في ليننغراد، تغلب عليَّ يأس عظيم لدرجة أن الحياة بَدت كما لو أنها توقّفت فجأة، وأخذ هذا الإحساس يستولي على المستقبل بالكامل حتى أصبحت الحياة بلا معنى على الإطلاق. وفجأة ظهرت عبارة من تلقاء نفسها: ليس للحياة معنى بدون الله. فأخذت أكرر العبارة في ذهول، حتى أشرقت في ذهني، وحملتني إلى آفاق بعيدة وخرجت من المترو ومشيت نحو نور الله).

          ونحن في كثير من الأحيان نسير في الظلام فيما يتعلق بالهدف من حياتنا. إنه بداية المنعطف نحو درب النور. بهذه الصورة تتلخّص الحياة حقاً في العيش لأجل الله وليس لأجل الذات.

ثالثاً: الإنسان ليس صدفة

          يقول الله في سفر أشعياء: "أنا خالقكم من الرحم ومعينكم" (أش2:44) وإنسان اليوم يتساءل أحياناً: مَن خلقني؟ على مَن اتّكِل؟ إلى مَن أتطّلع بحثاً عن وجودي الذي هو بحث عن الحق؟ إلى مَن ألجأ طلباً على الأمان والسعادة؟ مَن هو المسؤول عن مستقبلي؟

          ونتابع كلام الله من أشعياء نفسه حيث يقول: "اذكر هذه الأمور يا يعقوب،... فقد جبلتك فأنت عبدي، وأنا لا أنساك يا إسرائيل" (أش21:44). ثم يتابع الله فيقول: "هذا ما يقوله الرب فاديك وجابلك من الرحم: أنا هو الرب صانع كل الأشياء، الذي نشر السماء وحده، وبسط الأرض بنفسه. مَن كان معي حينذاك؟" (أش24:44).

          ويُقدّم لنا العالِـم أنيشتاين بجملة صغيرة تأكيداً على دور الله في صنعنا فيقول: "إن الله لا يجازف". إذن الإنسان ليس صدفة.

          لم يكن ميلاد أي واحد منا خطأ أو حادثاً مؤسفاً، كما أن حياتنا ليست ضربة حظ من صنع الطبيعة. ربما لم يخطِّط الوالدين لإنجاب ابنهم، لكن الله فعل ذلك. علاوة على ذلك، لقد صُوَّر المولود في ذهن الله قبل أن يتصوّره والديه بوقت طويل، فهو أي الله أول مَن فكَّر فينا.

          لقد وصف الله كل جزء من تفاصيل جسمنا على حدة. واختار بشكل متعمّد الجنس الذي ينتمي إليه كل منا، ولون بشرتنا، وشعرنا، وكل المواصفات الأخرى. كما أنه حدّد المواهب الطبيعية التي سوف نمتلكها وكذلك فرادة شخصية كل منا. هذا يعني أنه لا يوجد في حياة أي إنسان شيء عشوائي، بل كل شيء فينا أوجده الله لأجل قصد معيّن.

          وبينما يوجد آباء غير شرعيين، إلا أنه لا يوجد أطفال غير شرعيين. فقد جاء كثير من الأطفال دون تخطيط من آبائهم، لكن ليس دون تخطيط من الله. لقد أخذ قصد الله في الاعتبار الخطأ البشري بل وحتى الخطية.

          إنَّ الله لا يفعل أبداً شيئاً مصادفة، وهو لا يخطئ، بل إنَّ لديه سبباً لكل شيء يخلقه. لقد خطّط الله لكل نبات وكل حيوان، كما أن كل شخص قد صُمّم بحسب قصد في ذهنه. إنَّ دافع الله لخلقنا هو محبته، إذ يقول الكتاب المقدس: "كما اختارنا فيه قبل تأسيس العالم لنكون قديسين وبلا لوم قدّامه في المحبة" (أف4:1).

          لقد كان الله يفكّر بكل واحد منا قبل أن يخلق العالم. وصمّم الله بيئة هذا الكوكب حتى نتمكّن من العيش فيه. إننا مركز محبته والأكثر قيمة في كل خليقته.

          إنَّ الله لا يفعل شيئاً عشوائياً، لكنه خطّط كل شيء بدقة كبيرة. فكلّما تعلّم الفيزيائيون، وعلماء الأحياء، والعلماء الآخرون عن الكون، كلّما فهمنا أفضل كيف أنه يلائم وجودنا بطريقة متفردة، كما أنه مفصّل بحسب المواصفات المضبوطة التي تجعل الحياة البشرية ممكنة. ولنا شهادة من الدكتور مايكل دانتون، المتخصّص بأبحاث الهندسة الوراثية، التأكيد على عدم الصدفة قوله: (إنَّ كل الدلائل المتاحة في العلوم البيولوجية تساند فرضية الجوهر... أي أن الكون ككل مصمم خصيصاً بحيث تكون الحياة البشرية هدفه وقصده الأساسي، وهو كلٌ يحمل فيه وجوه الحقيقة معنى وشرحاً للحقيقة المركزية). وفي هذا سبق وذكر الكتاب المقدس: "مصوّر الأرض وصانعها.. لم يخلقها باطلاً. للسكن صورها" (أش18:45). لقد خلقنا الله لكي يغمرنا بمحبته، تلك هي الحقيقة التي يجب أن نبني حياتنا عليها.

          يا لفرحنا لأن الله موجود وبوجوده خلقنا. لأنه إنْ لم يكن الله موجوداً لكُنّا جميعاً (صُدَفاً)، أو نتيجة لحادثة فلكية اعتباطية في الكون. لكن يوجد هناك إله قد صنعنا لهدف. كما أن حياتنا لها معنى عميق!! لن نكتشف هذا المعنى والقصد إلا إذا جعلنا الله نقطة المرجعية في حياتنا.

رابعاً: ما الذي يوجِّه حياتنا؟

          يقول الأديب توماس كاولاي: (إنَّ إنساناً بدون هدف، يشبه سفينة بدون دفة، إنه شارد، لا شيء، لا إنسان).

          هناك شيء ما يوجِّه حياة كل واحد منا. وعندما نقول يوجِّه، فهذا يعني: يرشد أو يسطِّر أو يدبِّر. ولكل إنسان قوة دافعة قد تدمِّر حياته. وها هي الخمسة الأكثر شهرة التي تنقاد لها حياتنا بدون هدف.

1- ينقاد كثير من الناس بالشعور بالذنب. فهم يقضون حياتهم بأكملها يهربون من أخطاء يندمون عليها ويخفون عارهم، تتلاعب بهم الذكريات، فهم يسمحون لماضيهم أن يسيطر على مستقبلهم. كما أنهم يعاقبون أنفسهم دون وعي عن طريق تدمير نجاحهم الخاص. هذا يعود لتجاهلهم لدور التوبة المنقذة لحياتهم.

          عندما أخطأ قايين تسبب ذنبه في انفصاله عن حضور الله، فقال له الله: "تائهاً وهارباً تكون في الأرض" (تك12:4). ذلك يصف حال معظم الناس في يومنا، فهم تائهون في الحياة دون أي هدف. لا شك أن الاعتراف والتوبة تنقذهم.

          إننا نتاج ماضينا، لكن ليس علينا أن نكون سجناء فيه. إنَّ قصد الله لا ينحصر في ماضينا، فقد حوِّل قاتلاً يُدعى موسى إلى قائد، وشخصاً يدعى جدعون إلى بطل شجاع، وهو يستطيع أن يفعل أشياء مدهشة فيما تبقى من حياتنا. الله يعطي كل شخص فرصة لكي يبدأ من جديد. يقول الكتاب المقدس: "طوبى للذي غُفر إثمه وسُترت خطيئته. طوبى لرجل لا يحسب له الرب خطية ولا في روحه غش" (مز1:32).

2- ينقاد كثير من الناس بالحنق والغضب. فهم يتمسكون بالجراح ولا يتغلبون عليها. وبدلاً من التخلّص من ألمهم من خلال الغفران فهم يجترونه في أذهانهم. وغيرهم (يتقوقعون) وغيرهم (ينفجرون). وكل رد فعل هو غير صحيح وغير مفيد.

          تعلّم من الألم ثم دعه يمضي. يقول الكتاب المقدس: "لأن الغيظ يقتل الغبي، والغيرة تميت الأحمق" (أي2:5). ونضيف: أما التوبة والاعتراف فتُنقذ المؤمن.

3- ينقاد كثير من الناس بالخوف.

يفقد الأشخاص المنقادون بالخوف فرصاً عظيمة بسبب خوفهم من المجازفة. الخوف هو سجن نفرضه على أنفسنا ذاتياً، فيمنعنا من أن نصبح ما قصدنا الله أن نكون. علينا أن نقاومه بأسلحة الإيمان والمحبة. يقول الكتاب: "لا خوف في المحبة، بل المحبة الكاملة تطرح الخوف إلى خارج لأن الخوف له عذاب. وأما مَن خاف فلم يتكمل في المحبة" (1يو18:4).

4- كثيرون من الناس ينقادون بالنزعة المادية. تصبح شهوة التملك لديهم هي هدف حياتهم بالكامل. وتطلب المزيد على الدوام، وتُبنى على تصورات خاطئة بأن الحصول على المزيد سوف يجعلهم أكثر سعادة، وأكثر أهمية، وأكثر أمناً، إنها أفكار خاطئة، لأن الممتلكات لا تمنح سوى سعادة وقتية، فالإنسان بها يُصاب بالملل الداعي إلى البحث عما هو أجود وأكبر وأحدث.

          حتى فكرة ازدياد الأهمية فهي خاطئة، لأن القيمة الذاتية والثروة المالية ليسا نفس الأمر. ولنعلم أن الأمر الحقيقي يأتينا فقط فيما لا يمكن أن يؤخذ منا أبداً، وهو علاقتنا بالله.

5- ينقاد كثير من الناس بالاحتياج إلى استرضاء الآخرين. نحن لا نعرف كل المفاتيح للنجاح، لكن أحد المفاتيح للفشل هو محاولة إرضاء الجميع. إذ إن الوقوع تحت سيطرة آراء الآخرين هو طريق يؤدي حتماً إلى فقدان مقاصد الله لحياتنا. فقد قال يسوع: "لا يقدر أحد أن يخدم سيدين" (متى24:6).

          إذن علينا أن نستبدل هذه الضعفات التي استعرضناها بالنظر إلى الحياة من خلال هدف، لأن الحياة بلا هدف تنفي معرفة قيمة وجودنا.

خامساً: فوائد الحياة المنطلقة نحو الهدف

          هنالك خمس فوائد تقودنا لأن نعيش حياة منطلقة نحو الهدف. 

          إذا كانت النقاط الخمس السابقة قد قادتنا نحو الفشل فهذه الخمس الآن تقودنا للنجاح.

1- إنَّ معرفة الهدف تعطي معنى لحياتنا، بها يكتشف الواحد منا لماذا هو موجود. لقد خُلقنا ليكون لنا معنى. ولكن عندما نرضى بأن نتتبع أساليب كمثل التنجيم وغيره فهذا يعني أن حياتنا تافهة ونحن نترقبها من خلال طرق مريبة لاكتشافها. بوجود الهدف يصير لحمايتنا معنى. حينها يمكننا أن نحتمل أي شيء.

          الحياة ليس لها هدف بدون الله، وبدون هدف لن يكون للحياة معنى. إنَّ أعظم مأساة ليست هي الموت وإنما الحياة بدون هدف.

2- إنَّ معرفة الهدف تبسّط حياتنا. يقوم الهدف بتعريف ما نقوم به، وما لا نقوم به، إذ يصبح الهدف هو المقياس الذي نستخدمه لتقييم ما هي الأنشطة الضرورية وما هي غير الضرورية كأجوبة لأسئلة مثل: (هل يساعدنا هذا النشاط على تحقيق أحد مقاصد الله لحياتنا؟)

          بدون هدف واضح لن يكون لدينا أساس نبني عليه قراراتنا أو تنظيم وقتنا، أو استخدام مواردنا، سوف نميل إلى أن نقوم باختيارات تستند على الظروف والضغوط، ومزاجنا في ذلك الوقت، مما يسبب بأن نقوم بأعمال كثيرة غير ضرورية تسبب الضغط والإرهاق والصراع.

          إن الحياة المنطلقة نحو الهدف تقود إلى أسلوب حياة أكثر بساطة وجدول مواعيد أكثر تعقلاً. يقول الكتاب: "يوجد مَن يتغانى ولا شيء عنده ومَن يتفاقر وعنده غنى جزيل" (أم7:13)

3- إنَّ معرفة الهدف تجعل حياتك أكثر تركيزاً. يُركّز الهدف جهدك وطاقتك على ما هو مهم، فتصبح أكثر فاعلية عن طريق انتقاء ما تقوم به.

بدون هدف واضح سوف يستمر بعض الناس في تغيير الاتجاهات، والعلاقات، وأحياناً الطوائف، وكذلك الأمور الظاهرية الأخرى، لعلَّ كل تغيير يُهدئ الحيرة ويملأ الفراغ في قلبهم. لكن ذلك لا يحلّ مشكلتهم الحقيقية بل يعبّر فقط عن نقص في التركيز وانعدام في الهدف.

          فعالية التركيز أساسية في الوصول إلى الهدف. إن الرجال والنساء الذين غيروا التاريخ هم الأكثر تركيزاً. فقد نشر القديس بولس بمفرده تقريباً المسيحية في كل أنحاء الإمبراطورية الرومانية. كان سرّه يكمن في الحياة المركّزة، فقد قال: "ولكني أفعل شيئاً واحداً، إذ أنا أنسى ما هو وراء وامتد إلى ما هو أمام" (في13:3). إنْ أردت أن يكون لحياتك تأثير، قم بتركيزها. أي توقّف عن الأنشطة غير الهادفة. وتوقّف عن محاولة عمل كل شيء. اعمل أقل. قلِّل حتى الأنشطة الجيدة وافعل فقط ما هو أكثر أهمية. لا تخلط أبداً بين النشاط والإنتاج، إذ يمكن أن تكون منشغلاً بدون هدف. لكن ما الجدوى من ذلك؟ أما جواب بولس في هذا: "ليفتكر هذا جميع الكاملين منا" (في15:3).

4- إنَّ معرفة الهدف تحفّز حياتك. إذ إن الهدف ينتج دائماً شغفاً. ولنعلم يقيناً أن الشغف يتبدّد عندما يُفقَد الهدف.

          كتب جورج برناردشو: (تلك هي فرحة الحياة الحقيقية: الاستغراق في هدف، يُعرف لديك على أنه هائل. أن تكون قوّة للطبيعة بدلاً من أن تكون كتلة من العلل والشكاوي والأنانية والتذمّر المحموم على العالم الذي لم يكرّس ذاته ليجعلك سعيداً).

5- إنَّ معرفة الهدف تؤهّلك للأبدية. يقضي كثير من الأشخاص حياتهم في محاولة تحقيق صيت ذائع وذكرى خالدة. إنهم يريدون أن تظل ذكراهم باقية عندما يرحلون، مع أن أكثر ما يهم في النهاية ليس ما يقوله الآخرون عن حياتنا بل ما يقوله الله.

          سوف نقف يوماً أمام الله، وهو سوف يراجع حساب حياتنا، ذلك هو امتحاننا الأخير قبل أن ندخل الأبدية. يقول الكتاب: "لأننا جميعاً سوف نقف أمام كرسي المسيح. فإذاً كل واحد منا سيعطي عن نفسه حساباً لله" (رو10:14+12) وسيطرح الله علينا سؤالين في غاية الأهمية:

س1: هل قبلت ما فعله المسيح لأجلك، وهل تعلّمت أن تحبه وتثق فيه؟ ولنتذكر قول يسوع: "أنا هو الطريق والحق والحياة. ليس أحد يأتي إلى الآب إلا بي" (يو6:14).

س2: ماذا صنعت بما أعطيته له؟ من مواهب ووزنات وفرص، هل قمت بإنفاقها على نفسك، أم أنك استخدمتها من أجل المقاصد التي خلقك الله لأجلها؟

سادساً: لقد خُلقت لكي تحيا للأبد؟

          يقول ابراهام لنكولن: (إنَّ الله لم يخلق بالتأكيد مثل ذلك الكيان الإنساني ليوجد لمدة يوم واحد!! لا، لقد جعل الإنسان للخلود).

          ليست هذه الحياة هي كل ما في الأمر. إنَّ هذه الحياة هي تأهيل للأخرى. ولقد قال توماس براون: (إنَّ وقتك على الأرض ليس سوى جملة اعتراضية صغيرة في الأبدية) نعم لقد خلقنا لنحيا للأبد.

          يقول الكتاب المقدس: "جعل الأبدية في قلبهم" (جا11:3) هذا يعني أنه لدينا فطرة غريزية تشتاق إلى الخلود، لأن الله قد صمّم كل واحد منا على صورته، ليحيا إلى الأبد. وعلى الرغم من أننا نعلم أن الجميع في النهاية يموتون، إلا أن الموت يبدو دائماً غير طبيعي وغير عادل. الله هو الذي غرس هذه الرغبة بأذهاننا. إذ يذكر الكتاب المقدس: "لأننا نعلم أنه إن نُقض بيت خيمتنا الأرضي فلنا في السموات بناء من الله غير مصنوع بيدٍ، هو أبدي" (2كو1:5).

          ولكن ما هي الأبدية؟ يصعب علينا معرفتها، يكفينا ما عبّر عنها بولس الرسول بقوله: "ما لم ترَ عينٌ ولم تسمع أذن ولم يخطر على بال إنسان، ما أعدّه الله للذين يحبونه" (1كو9:2). وما بقي، علينا قبوله بالإيمان. وهو حسب قول يسوع: "تعالوا يا مباركي أبي، رِثوا الملكوت المُعد لكم منذ تأسيس العالم" (متى34:25).

          ولكن من المؤسف القول بأن الوقت الوحيد الذي يفكّر فيه أغلب الناس بخصوص الأبدية هو أثناء الجنازات، وعندئذ يكون التفكير ضحلاً وعاطفياً ومبنياً على الجهل. نعم حينها نتذكر قول الكتاب: "لأن ليس لنا هنا مدينة باقية لكننا نطلب العتيدة" (عب14:13).

          إنَّ وقتنا على الأرض بالمقارنة مع الأبدية ليس سوى طرفة عين، لكن عواقبه سوف تستمر إلى الأبد. لهذا علينا أن نعيش كل يوم كما لو كان آخر يوم في حياتنا. أي أن يكون كل يوم هو شغلنا الشاغل هو الاستعداد ليومنا الأخير. وفي هذا يقول يوحنا الحبيب في رسالته: "العالم يمضي وشهوته، وأما الذي يصنع مشيئة الله فيثبت إلى الأبد" (1يو17:2).

سابعاً: رؤية الحياة بعيني الله

          يقول يعقوب الرسول للذين يخطِّطون بمعزل عن الله "أنتم الذين لا تعرفون أمر الغد، لأنه ما هي حياتكم؟" (يع14:4).

          يقول الكاتب أنييس نين: (إننا لا نرى الأشياء كما هي، بل نراها بحسب مَن نكون).

          إنَّ الطريقة التي تَرى بها الحياة هي التي تُشكّل حياتك. إلا أن الحياة بحسب ما دعانا إليها بولس الرسول تستهدف تحقيق مقاصد الله، إذ يقول: "لا تشاكلوا هذا الدهر. بل تغيّروا عن شكلكم بتجديد أذهانكم لتختبروا ما هي إرادة الله" (رو2:12). لذا فإن الكتاب المقدس يعرض علينا ثلاث صور، تعلّمنا عن رؤية الله للحياة المنطلقة نحو الهدف:

1- الحياة على الأرض هي امتحان. مع مسيرة الكتاب المقدس يختبر الله باستمرار: صفات الناس وإيمانهم وطاعتهم ومحبتهم وأمانتهم ووفاءهم. تتكرر مثل هذه الكلمات أكثر من 200 مرة في الكتاب المقدس. فقد اختبر الله إبراهيم عندما طلب منه تقديم ابنه اسحق، كما امتحن الله يعقوب عندما كان عليه أن يعمل سنوات إضافية ليأخذ راحيل كزوجة.

          لقد فشل آدم وحواء في اختبارهما بجنة عدن، كما فشل داود في اختبارات الله في عدة مناسبات. وغيرهم كثيرون نجحوا.

          إنَّ الصفات الشخصية تتطوّر وتتكشّف من خلال الاختبارات، فكل ما في الحياة هو اختبار. إنك تختبر على الدوام. أهم الاختبارات التي علينا أن نعرف كيف نتقبّلها وهي الصلوات غير المستجابة. الله أحياناً ينسحب من حياتنا عن عمد فلا نشعر بقربه منا.

          ولنعلم أن الله يريدنا أن ننجح في اختبارات الحياة، لذلك فإن الاختبارات التي نواجهها هي دون النعمة التي يعطينا إياها الله. يقول الكتاب: "لكن الله أمين الذي لا يدعكم تُجربون فوق ما تستطيعون، بل سيجعل مع التجربة أيضاً المنقذ لتستطيعوا أن تحتملوا" (1كو13:10) لذلك يقول يعقوب: "طوبى للرجل الذي يحتمل التجربة، لأنه إذا تزكّى ينال إكليل الحياة الذي وعد به الرب للذين يحبونه" (يع12:1).

2- الحياة على الأرض هي أمانة

          تلك هي الصورة الكتابية الثانية عن الحياة. أن نحافظ بأمانة على الهبات التي أعطيناها من عند الله. يقول الكتاب: "للرب الأرض وملؤها. المسكونة وجميع الساكنين فيها" (مز1:24).

          عندما خلق الله آدم وحواء ائتمنهما على العناية بخليقته، وعيّنهما وكلاء على ممتلكاته: "وباركهم الله، وقال لهم: اثمروا واكثروا واملأوا الأرض واخضعوها" (تك28:1).

          إنَّ العمل الأول الذي أعطاه الله للبشر هو إدارة ورعاية ممتلكات الله على الأرض. واليوم كل ما تتمتع به يجب أن يعامل أنه قد وضعها الله أمانة في أيدينا. ففي مَثَل الوزنات، بعد عودة المالك لبيته يقول للذي كان أميناً: "نعما أيها العبد الصالح والأمين. كنتَ أميناً في القليل فسأُقيمك على الكثير. ادخل إلى فرح سيدك" (متى21:25).

          يفشل كثير من الناس في فهم أن المال هو امتحان وأيضاً أمانة من الله. إنَّ الله يراقب كيف نستخدم المال ليختبر أمانتنا.

3- إن الحياة هي مهمة مؤقتة

          "عرِّفني يا رب نهايتي ومقدار أيامي كم هي، فأعلم كيف أنا زائل" (مز4:39). إنَّ هويتنا هي في الأبدية، ووطننا هو في السماء. فالواحد منا عندما يستجيب لملاطفات العالم إذ تستهوينا مباهجه وإغراءاته، فهذا هو الزنى الروحي بعينه من وجهة نظر الله. فالكتاب يقول: "أيها الزناة والزواني، أما تعلمون أن محبة العالم عداوة لله؟ فمَن أراد أن يكون محباً للعالم، فقد صار عدواً لله" (في19:3-20).

          إنَّ أعظم القديسين وبعض المؤمنين في عيني الله، ليسوا هم مَن يحققون الرخاء والنجاح والقوة في هذه الحياة، إنما هم أولئك الذين يتعاملون مع الحياة باعتبارها مهمة مؤقتة، ويخدمون بأمانة، وهم يتوقّعون مكافأتهم الموعودة في الأبدية. يقول الكتاب المقدس وكأنه يتحدث عن لائحة شرف إلهية: "في الإيمان مات هؤلاء أجمعون وهم لم ينالوا المواعيد بل من بعيد نظروها وصدّقوها وحيوها وأقروا بأنهم غرباء ونزلاء على الأرض. لكن الآن يبتغون وطناً أفضل أي سماوياً. لذلك لا يستحي بهم الله أن يدعى إلههم لأنه أعدّ لهم مدينة" (2كو18).

ثامناً: لكل شيء سبب

          "لأن منه وبه وله كل الأشياء المجد إلى الأبد" (رو36:11) "الرب صنع الكل لغرضه" (أم4:16).

          إنَّ كل الأشياء له. فالهدف المطلق للكون هو إظهار مجد الله. لقد صنع الله كل شيء لمجده. وبدون مجد الله لما كان هناك أي شيء.

          ما هو مجد الله؟ إنه ذات الله. إنه جوهر طبيعته، هو التعبير عن صلاحه وكل ضعفاته الأبدية الجوهرية الأخرى.

          أين هو مجد الله؟ لننظر حولنا، كل ما خلقه الله يعكس مجده، إننا نراه في كل مكان، من أصغر أشكال الحياة الحجرية إلى مجرّة درب التبانة الشاسعة، من غروب الشمس والنجوم إلى العواصف وفصول السنة. فالخليقة تعلن مجد خالقنا: "السموات تحدِّث بمجد الله" (مز1:19). كما ويقول الكتاب: "والمدينة لا تحتاج إلى الشمس ولا إلى القمر ليُضيئا فيها لأن مجد الله قد أنارها" (رؤ23:21).

          يُرى مجد الله على أفضل حال في يسوع المسيح، فهو نور العالم الذي ينير الطريق لمعرفة طبيعة الله: "إنه ضياء مجد الله وصورة جوهره" (عب3:1).

كيف يمكننا أن نقدّم المجد لله؟ نُقدِّم جوابنا ببنود خمسة:

1- إننا نقدّم المجد لله عن طريق عبادته. العبادة هي المسؤولية الأولى تجاه الله. قال أحدهم: (إنَّ الله إذْ يوصينا بتمجيده، يدعونا أن نتمتع به). يبتغي الله أن يكون الدافع لعبادتنا هو المحبة والشكر والسرور وليس الواجب. فالعبادة هي أكثر جداً من مجرد التسبيح، والترنيم، والصلاة إلى الله. العبادة أسلوب حياة للتمتع بالله، ومحبته وتقديم أنفسنا ليستخدمنا من أجل مقاصده.

2- إننا نعطي المجد لله عن طريق تقديم محبة للمؤمنين الآخرين. إنَّ اتّباع يسوع ليس فقط مسألة إيمان، لكنه يتضمن أيضاً الانتماء وكيفية تقديم المحبة لعائلة الله. فقد كتب يوحنا: "نحن نعلم أننا انتقلنا من الموت إلى الحياة لأننا نحب الأخوة" (1يو14:3). أما يسوع فقال: "كما أحببتكم أنا، تحبون أنتم أيضاً بعضكم بعضاً. بهذا يعرف الجميع أنكم تلاميذي، إنْ كان لكم حب بعضاً لبعض" (يو34:13-35).

3- إننا نعطي المجد لله بأن نصبح مثل المسيح.

          ما أن نولد في عائلة، حتى يريدنا الله أن ننمو إلى النضج الروحي. وهذا النضج يُصيّرنا مثل المسيح في طريقة التفكير والإحساس والفعل. وكلّما طورنا شخصيتنا لتكون شبيهة بالمسيح، كلما أتينا بمزيد من المجد إلى الله. وكما يقول بولس الرسول: "ونحن جميعاً ناظرين مجد الرب بوجه مكشوف، كما في مرآة، نتغيّر إلى تلك الصورة عينها، من مجد إلى مجد، كما من الرب الروح" (2كو18:3).

4- إننا نقدّم المجد عن طريق خدمة الآخرين بالمواهب المعطاة لنا.

          لقد صمّم الله كل منا بطريقة فريدة وأعطاه مواهب ووزنات ومهارات وقدرات. فالطريقة التي تكوّن بها كل منا ليست صدفة. إنَّ الله لم يعطنا قدراتنا من أجل أغراض أنانية، لكن من أجل إفادة الآخرين.

5- ما الذي سوف نحيا لأجله؟

          إنَّ تكريس باقي حياتنا لأجل مجد الله يتطلب تغييراً في أولوياتنا، وجدول أعمالنا، وعلاقاتنا، وكل الأشياء الأخرى.

          إنَّ الله يدعونا الآن لأن نحيا لأجل مجده، عن طريق إتمام مقاصده التي صنعها من أجلنا. فهو أي الله يدعونا:

1- لكي نؤمن أنه يحبنا وقد صنعنا لأجل مقاصده، وأن نؤمن أننا لسنا صدفة. وأنه خلقنا لكي نستمر إلى الأبد. وأنه اختارنا لتكون لنا علاقة مع يسوع الذي مات على الصليب لأجلنا. وعلينا أن نؤمن مضمون الحقيقة التالية: أن نؤمن بغض النظر عما كنا قد فعلناه، فإن الله يريد أن يغفر لنا.

2- علينا أن نقبل يسوع في حياتنا رباً ومخلِّصاً. وأن نقبل غفرانه لخطايانا. فالكتاب المقدس يقول: "الذي يَقبل بالابن له حياة أبدية" (يو36:3).

تاسعاً: الخاتمة

          إنَّ أهم ما ركّز عليه (ريك وارين) فيما قدّمناه:

+ نحن لن نوجد في دنيانا حسب قانون الصدفة. نعم نحن لسنا صدفة. كان كل منا في ذهن الله، حتى قبل تأسيس العالم، وقد قام الله بتصميمنا لأجل أهدافه. وسوف تمتد هذه الأهداف إلى ما بعد تلك السنوات القليلة التي سوف نقضيها على الأرض. لقد خُلقنا لكي نحيا إلى الأبد.

+ سوف تساعدنا الحياة المنطلقة نحو الهدف على فهم لماذا نحيا وما هي خطة الله المدهشة لأجلنا، هنا أو في الأبدية.

          خُلقنا من قبل الله ولأجل الله، ولن يكون للحياة معنى إطلاقاً ما لم نصل إلى فهم ذلك.

+ أما الجواب للسؤال: لماذا أنا موجود؟ فيحوي خمس أهداف هي:

1- الإنسان مصمم من أجل سرور الله.

2- الإنسان مكوّن من أجل أن ينضم إلى عائلة الله.

3- خلق الإنسان ليصبح على مثال المسيح.

4- تشكّل الإنسان ليخدم الله.

5- صُنع الإنسان من أجل أن يُنجز رسالة خلال حياته.