حديث الأسبوع (23 تموز)

أرشيف

وعظة الأحد

موضوع للأرشمندريت يوحنا التلي

                                                                                                                               أُعد لسيدات قطنا في دير الشيروبيم

 أولادكم ليسوا لكم، إنهم أبناء الله في مسيرة الحياة

أولاً: مقدمة

أولادنا هم مثلنا, أي أنهم أولاد الله، لأن الله هو الخالق لنا جميعاً، ونحن مدعوون لنكون مثله. مرتبطين معه بالروح, وسالكين حسب تعاليمه بالجسد. لم يخلقنا الله لنأكل ونشرب ونتناسل فقط، بل لكي نسعى بملئ قامتنا لوصولنا إلى الكمال، الذي هو صفة من صفات الله. وهذا المسعى يحتاج إلى تربيةٍ ناضجة، تتنامى بتكامل أنواع تربيتنا على كافة الصُعد؛ البيتي والكنسي والكتاب المقدس، بالإضافة إلى بنوة كل شخص منا لأب روحي يضبط له نشاطه النفسي على الصعيدين الروحي والسلوكي.

وبذلك يتحدد المبدأ الأساسي لوجودنا ولتربيتنا. ومما لاشك فيه أن نقطة البداية تتحدد بالأبوين، اللذين لا يفرضان على ابنهما أن يكون ملكاً لهما، بل يتركا له أن يتحلى بحريةٍ سليمة، يتم فيها توجيهه وتربيته دون ضغوط, مقرونين بوعي سليم. إنه التدبير الذي يستعمله الله لتربية أبنائه بحسب ما نلمسه موجوداً في الكتاب المقدس.

أسس هذه التربية السليمة هي (المحبة) أولاً وقبل كلِّ شيء، ويمكن تحديدها بأنها حوارٌ بين شخصين هما الله والإنسان. ويندرج تحت هذه العلاقة الحوار بين, الأهل والأبناء، وما يتبعها من حوار الأبناء ورفاقهم وكل من يتعامل معهم. إلا أن الدور الأول في هذه الحوارات هو للأهل، الذين يعطون المثل الأعلى لعلاقة المحبة هذه. فالمربي، والحالة هكذا، عليه أن يكون أميناً وصبوراً ومحباً بدرجةٍ تتألق فيها التضحيات بصورةٍ مستمرة، وذلك ليصل من يربيهم إلى الهدف المنشود، والذي تتحدد ذروته عندما يكتشف المربي والابن الذي يقاد بالتربية، أن لله يداً في متابعة هذه التربية، كما يوضح ذلك قول الكتاب المقدس: "من السماء أسمعَكَ الرب صوته ليعلّمك" (تث36:4) وذلك "لأنه أحبك" (تث37:4) ويريد أن يمنحك "السعادة طول الأيام في الأرض" (تث40:4).

إلا أن اكتمال تربية الله لنا تتحدد ببحفظ الوصايا وتبنّي شريعته. وهذا ما يبرز لنا في اقتدائنا للمسيح أهمية دور الصليب، الذي أراد به يسوع أن يكشف سر محبته لنا. لذا على الأهل اليوم ألا يجعلوا احتفاءهم بالصليب هو أن يعلموا أولادهم لبس الصليب فقط، سواء كان ذهباً أم فضةً أو من أي معدنٍ آخر, بل الأهم هو أن نربيهم على معاني الصليب الذي به نالوا الخلاص فيلبسونه روحياً وسلوكياً، فيتعلموا من هذا الطريق الحب الحقيقي.

وعلى الأهل أن يبقوا متذكرين دوماً أن ابنهم الذي يساهمون في تربيته هو ابن الكنيسة، وقد نال فيها سر عماده المقدس، وصار للروح القدس دورٌ في حياته. من حيث هو الذي يقودنا بالروح إلى يسوع، الذي أحبنا وجعلنا أبناء لله, والذي نناديه مع كل صلاة (أبانا الذي في السموات...). فمسحة الروح القدس التي نالها المتربي مقيمةً في داخله، وعلينا بحسن التربية أن نجعل مفاعيلها باديةً عليه في سلوكه وأقواله.

ولا يقتصر عمل الأهل في أن يُعرّفوا أبناءهم على الكنيسة فقط، بل على كلِّ مؤمنٍ عاش حياة الإنجيل والكنيسة. وأقصد بذلك الآباء القديسين الذين يشكلون لنا قدوة افتداء توصلونا بالمسيح. فهذا أحدهم وهو بولس الرسول الذي يضع القاعدة لهذا كله مقرونةً بشخصه حسب قوله: "اقتدوا بي كما أنا بالرب".

وعلينا أن نتذكر أخيراً بأن الله في كتابه المقدس يوصي الوالدين بتربية أبنائهم, ويعتبرهم وكلاء عنه من حيث أن الله هو المربي الوحيد. وفي هذه العلاقة يوصي الله الأهل بأن لا يغيظوا أولادهم, بل يربوهم على طريقة الله نفسه. كما يكشف لنا ذلك بولس الرسول حين يقول: "وأنتم أيها الآباء, لا تثيروا غضب أولادكم. وإنما ربوهم بتأديب الرب وتحريضه" (أف4:6).

ثانياً: بدء العلاقة مع الأبناء

تبدأ نشأة الأطفال من لحظة الحمل بهم. لا هي في الواقع تبدأ قبل ذلك، فحياة الخطوبة، مع المرحلة الأولى من الزواج، هي مرحلة تأسيس البيت الزوجي، فالخطيبان ومن ثم العروسان يتبادلان الأحاديث، ويضعان المشاريع لكي تكون أسس أسرتهما متينة. والذي سيكون بيتهما المقبل مركزاً لها. فإذا كان المهندسون يضعون الأسس المادية للبيت، فإن الزوجين يهتمان بالأسس التكوينية لعلاقتهما الزوجية، وبطبيعة الحياة التي ستنتج عنها، ولخصائص التربية التي تلزم عنها.

فإذا كانت لحظة الحمل هي البشارة الأولى لاستقبال المولود، فإن المخطط التربوي الذي اتفق عليه العروسان يتفعل مع تلك البشارة. فالجنين يشعر ويتأثر بأحاسيس ومشاعر أمه، وهو لا زال بعد في الحشا. فالسعادة والمسرة ينتقلان إلى الجنين بذات الطريق الذي تنتقل فيه الكآبة والحزن. كل هذا ينطبع في شخصه كختمٍ يصعب امحاؤه مع مرور الزمان بعد الولادة. لذلك ننصح الأم والأب أن يتعاملا في فترة الحمل بمودة ومحبة ومشاعر نبيلة، وأن تكون حياتهما مغلفة بالسلام وعدم الضجيج. لأن كل توتر يحصل لهما ينتقل بواسطة الأم ليكون أساساً لتوتر يحمله المولود فيما بعد. فالجروحات النفسية التي تتأسس مع الجنين في هذه المرحلة، هي أشد وطأة من الجروحات الجسدية التي تصيب شخصاً ما، ثم ما يلبث أن يشفى منها بعد التئام جرحه. فالصدمات والصخب بين الوالدين في مرحلة الحمل يحملان تربيةً سيئةً يجب ألا تقع حتى تشوه الجنين.

أما عندما يعيش الزوجان حياة المحبة، فإن الأم تنقل ما تخزنه من هذا الجو من مشاعر مقدسة اتجاه ابنها، فيتأسس لديه السعادة والفرح اللذين لن يُنزعا منه لاحقاً. فالموسيقى التي يسمعها الوالدان مؤذية للجهاز العصبي إن كانت صاخبة, فالجنين يتأثر بتلك الأذية كثيراً، وهو ما ينعكس بالتالي على حياته بعد ولادته؛ وقس على هذا الأمر أموراً كثيرة أخرى تسببها أحداث يقوم بها الأهل، وهي ليست ضرورية لهم.

لذلك يجب على الأم أن تُصلي كثيراً أثناء حملها, والأفضل أن يشترك زوجها معها في صلاتها هذه. كما ويستحسن أيضاً أن تداعب بطنها، وتُحدِّث جنينها بعذوبة وهدوء, وأن يشترك زوجها في هذا العمل أيضاً. وإن أمكن أن ترتل بعض الصلوات أو تضع التسجيل ليسمع معها جنينها أيضاً. فالحياة المغمورة بالقداسة التي تعيشها تعود بالمنفعة على المولود القادم. فكل أعمال الأم يشترك فيها الجنين وينال قسطه من التأثيرات التي تحدث نتيجة ذلك. وأهم سلوك للأبناء يأتي من انعكاس سلوك الأهل خاصة الوالدين, وهو ما يجعلهم صالحين أو طالحين. فلسلوك الأولاد علاقة مباشرة بسلوك الأهل.

ثالثاً: التربية في مرحلتها التالية للولادة

تقول النبوءة في إنجيل لوقا، بأنه كان ليوحنا المعمدان منذ مولده مهمة يجب عليه أن يحققها في كبره: "وأنت أيها الطفل سوف تدعى نبيّ العليّ لأنك ستتقدم أمام الرب لتُعدّ طرقه" (لو76:1). لقد كانت مشيئة الله بأن يتقدم يوحنا يسوع المسيح ليكون له بمثابة عرّاب. والعراب هو المربي, ووظيفته أن يفتح طريق العبور أمام من يتبعه. وكلنا يعلم مقدار قدرة المسيح واستغنائه عن الحاجة لأحد, ومع ذلك تجلّى تواضعه هنا أيضاً، ليكون هذا الاختيار الذي أسبغه الله على يوحنا، بتحميله دوراً عظيماً في خطة الله الكبيرة، وهي أن يسوع سيكون كطفل يسير في الطريق المعد بواسطة يوحنا.

وهكذا هي مهمة الأهل بالنسبة لأولادهم، فمهما كان هدفهم المستقبلي الذي سيؤدونه، فهم بحاجةٍ لمن (يعد لهم الطريق). والإعداد يشمل قدرة المربي على فهم القوى النفسية لمن يربيه. فالأهل بعد استقبالهم مولودهم، صاروا مكلفين أن يوقظوا عنده أفضل البنى النفسية، التي تساعده على فهم الحياة من جهة، وعلى اقتبال إعلان يسوع المسيح بحسب انجيله دون زيف أو تشويه. فالتربية بهذا المعنى تشمل الأهل قبل الأولاد، وذلك لحاجتهم إلى معرفة مخصوصة  ليتمكنوا من تسليم أولادهم الرسالة التي تنفعهم. وبعدها يمتلك أولادهم مع تطاول سنوات نموهم التفاعل المطلوب من الإنسان الحي.

والذي تتفاوت قابليته لإعلانات الله بحسب طبيعة شخصيته الذي رُبي عليها. إن هذا مرتبطٌ بتكوينه  الذي خلقه الله عليه من ناحية، ولكنه مرتبط بنضج تربيته أيضاً، والتي هي ثمرة اهتمام الأهل به حسب الأسس التربوية السليمة، التي يجعلون فيها حيزاً للحوار والحرية، اللتين بهما يتعاملوا مع الابناء بعيداً عن التسلط والسيطرة، وفي أجواءٍ ممتلئة بالحب الواعي، الذي تتشكل من خلاله روح المسؤولية بصورتها الصحيحة.

فإذا تحقق للأهل بأن هذه الأهداف التربوية بوجهيها الإيماني والسلوكي تنساب في نفسية ابنهما متجهةً نحو أعماق النفس, وتنطبع قيمتها في أعماق كيانه الإنساني، فتجعل من صاحبها إنساناً واعياً لنفسه ولمسيرة حياته، وتعطيه قدرة على التعرف على رغباته المرتجاة، حينها تكون ثمرة هذه التربية الصحيحة قد نضجت. وإلا فإن تربيتهم تكون قد شكلت عوائق نفسية تبعدهم عن الخط التربوي السليم. فتحول صاحبها إلى إنسانٍ عنيدٍ لا مبال, بل وتظهر أنانيته أيضاً، ويصبح لا يهتم إلا بذاته. فحينها يدرك الأهل فشلهم في تربيتهم لأبنائهم. وهذا الناتج يحتاج إلى معالجةٍ تربويةٍ ونفسية. والمعالجة أفضل من الإهمال.

رابعاً: مقومات التربية المسيحية

علينا كمربين - أهلاً وأمهات - أن نسعى لنغرس في أولادنا الفضائل بعيداً عن الأهواء والرذائل. ولنأخذ لنا مثلاً هذه القصة الرهبانية كإضاء لنوع التربية التي نحن بصدد الحديث عنها: (طلب ناسك متميز بقداسته وسيرته وإنسانيته من أحد تلامذته أمراً ليختبر طاعته أولاً وثانياً ليقدم له أمثولة من خلاله فقال له: "اقتلع هذه الشجرة التي تراها أمامك من الأرض المغروسة فيها" وكانت الشجرة شجرة نخيل ضربت جذورها عميقاً بالأرض. فعمل التلميذ بطاعةٍ محاولاً بكل قوته تحريك الشجرة, لكنه لم يستطع البتة. فنادى شيخه قائلاً: "إن ما أعطيتني إياه لأعمله مستحيل للغاية" عندئذٍ أشار عليه الشيخ بشجرة أخرى غضة, فاقتلعها التلميذ بسهولة). لقد استطاع التلميذ أن ينتزع الشجرة الغضة من الأرض دون جهدٍ أو عناء يذكر, على عكس ما حصل معه مع الشجرة التي ضربت جذورها في الأرض لكبر عمرها، حتى أنه لم يستطع تحريكها قيد أنملة. ترتبط هذه القصة الرائعة بمفهوم التربية الذي نتحدث عنه. فالشجرة التي استمرت تضرب جذورها سنيناً في الأرض. هي أشبه بالطفل الذي كبر وتنامى، وتتأصل عاداته وأسلوب حياته في نفسه وشبكة علاقاته, وصار يصعب تغييرها. ولهذا فإذا غرسنا في هذه النفس قيم التربية الصالحة، ونمينا فيها عادات وتقاليد يرضى الله عنها، وتدخل الرضى والسرور علينا، كأهل تأكدنا من أن أحداً لن يستطيع أن ينزع منه ما وصل إليه من تربيته الصالحة، وسيبقى إنساناً يحمل المثل الأعلى دائماً. وعلى العكس من ذلك فإن الإنسان الذي قامت حياته على العادات السيئة والأهواء، فإنه يصعب تغييرها أيضاً، لأنها تأصلت في نفسه، فشكلت شخصه على مثال لاسوء، فصار من الصعب تغييرها. لذا علينا الاهتمام بغرس الفضائل حتى تبقى دائماً، أما الشجرة الغضة في القصة السالفة فهي رمزت إلى نفسٍ لازالت قابلة بأن نغرس فيها الفضائل، ومازال هناك إمكان قلعها, أي أن نقلع منها الرذائل. فما علينا إلا الانتباه واليقظة الدائمين لكي لا يتلقى الابن من خلال إهمال تربيته ما ليس مفيداً له. مستبدلين إياه بمعطياتٍ مفيدة, ويجب ان يبقى هذا مقروناً بالقاعدة المثلى، أنه حين يقوم بمساعدته يجب ان نلتزم بطريق الحوار والحرية. وعن طريقهما نعمق طريق حياته بكل ما هو صالح ومرضٍ للرب.

خامساً: أهمية ضبط النفس في التربية

على الأهل والمربين أن يتحلوا بالقدرة على ضبط النفس، ليستطيعوا مساعدة أولادهم للوصول إلى الغايات المرجوة. ومن بينها مساعدتهم على أن يقتدوا بهم في ضبط أنفسهم أيضاً. وكما أنه لا تتشكل حياةً روحيةً للصغار ولا للكبار بدون حالة ضبط النفس.

غالبية المشاكل بين أفراد الأسرة الواحدة وبين الأصدقاء، ترتبط بمظاهر غضب البعض بعيداً عن قدرتهم على ضبط أنفسهم. إن ضبط النفس تحقيق لفضيلة الصبر التي قال عنها المسيح: "بالصبر تقتنون أنفسكم". هكذا فإن من يضبط نفسه يتغلب على أهوائه أيضاً. وغالباً ما نحتاج إلى هذا الأمر خلال الضيقات التي تشكل محفزاً لننتصر على ضعفاتنا بقوة ضبط أنفسنا, كما وتساعدنا على صعيد الإيمان لإتمام عمل الله فينا. فما هي الوسيلة المساعدة لنا في هذا المقام؟ الفكر هو قبل كل شيء، ولهذا قال بولس الرسول: "إن لي فكر المسيح" (1كو 16:2) فبالفكر الذي نربط به ذاتنا بالمسيح، نتحرر من معيقات النفس المنضبطة. وهنا أعود وأتساءل ما هي هذه المعيقات؟ إنها الأهواء التي تبعد فكرنا وأنفسنا عن الانضباط. ومن أكثر الأهواء إثارة لعدم ضبط النفس هو الضجر. فمن ينفذ منه صبره، يشعر بأن نفسه تثور عليه، فيفقد قدرته على ضبط نفسه. ولهذا لا بد من تكرار بذل الجهد من أجل أن يستعيد ذاته بهدوء مستعيناً بالصبر. فمهما كانت شدته فإنه مع الصبر قادر على تحمل الضيق، وهو محقق الانتصار على كل هذا، وقادر على استعادة هدوئه وراحته. نعم إن أهم مشاكلنا التربوية تأتينا من نفاذ صبرنا، لهذا فلنعشه صبراً جميلاً وضبطاً للنفس كبيراً، بعيداً عن الافتخار بالذات، لنصل إلى مرمانا المهم. وسبب أهميته أننا نرى الأجيال بهذه السيطرة على الذات، فتكون تقليداً وقدوة لأولادنا.

سادساً: القدوة

غالباً ما نتهيأ تربوياً من خلال السعي لمعرفة النظريات والأساليب المقنعة والمفيدة التي علينا اتباعها. فتغتني النفس من العلوم النظرية, ولكنها تبقى فقيرة من الناحية التطبيقية. فالممارسات الناجمة غالباً هي محصلة قدوات صالحة نقلدها بذهنية واعية. ونحن بغياب هذه القدوات ترانا نلح في الطلب على الآخرين ليعملوا بما نفرضه عليهم، بالرغم من أنه ينقصنا أن نكون قد حصلنا الخبرة، من خلال القيام بهذا العمل قبلهم. وبهذا المعنى نبقى قاصرين، لكوننا منظِّرين فقط. بينما نحن على الصعيد العملي لسنا مستعدين لأن نكلف أنفسنا مشاق السلوك في الفضيلة التي نوجه منها. فيغيب عن بالنا قول الرسول بولس القائل: "لكي نعطيكم أنفسنا قدوة" (2تس 19:3). وكذلك نصيحته لتلميذه تيموثاوس: "كن قدوة للمؤمنين" (1تيمو 2:4). وتبقى القاعدة المثلى: "اقتدوا بي كما أنا بالرب". وعن الكتاب المقدس أخذ التقليد الرهباني طرقه التربوية, فهذا شيخ يقول لتلميذه: (كل ما تراني أفعله, افعله أنت أيضاً). فإذا كان ضبط النفس وتعب الطريق هما عصب التربية المسيحية لكلِّ أبنائها, إلا أن مدرسة الحياة الجديدة التي قدمها لنا المسيح هي القدوة.

سابعاً: المربي من وجهة نظر الكنيسة

يستمد الوالدان طريقة تربيتهما من كونهما إنسانين مؤمنين من الكنيسة، التي تجعل المربي إنساناً ساهراً وفاحصاً ومدققاً. فالمربي يحتاج إلى العناصر التي تساعد على أن تكون تربيته متصفة بصفة (تعلُّمِ الحقيقة وعيشِها). وحينئذٍ يصبح بإمكان المربي أن يضع رجاءه على الله. لأن الله هو المربي الأول، وعلى الوالدين في الأسرة أن يستوعبا بهذا الأمر, وأن ينهلا منه, وأن يعملا في حقله دون ملل أو كلل. فالبيت هنا هو الحقل الذي تتم بداخله الأسس الأولى لهذه التربية. والقديس يوحنا الذهبي الفم يؤكد في أحاديثه على أهمية البيت وتأثيره, ويرى أن هذا التأثير هو الأشد ثباتاً والأكثر ديمومة، والأعمق من أي تأثيرٍ آخر. ويقدم لنا مثالاً من الكتاب المقدس فيدعونا إلى التشبه بشخص داود النبي، الذي دعا ابنه سليمان عند موته، وأعطاه النصيحة التالية: "أن ماضٍ إلى مصير كل أهل الأرض, فتشجع وكن رجلاً. أحفظ شرائع إلهك, سر في سبله, وأطع فرائضه وأحكامه وشهاداته" (1مل2:2-3). وهذا مثال يقودنا لنهتم بأولادنا، ليكونوا أبناء الله وأبناء الحياة، وذلك لأنهم يترعرعون في بيتنا التربوي. فالتقوى تكسبهم غنى النفس والروح، وتجعلهم يضعونها فوق كل اعتبارٍ آخر. هذه التقوى مصدرها الله، الذي أوصل البشرية إلى كنيسة أقامها المسيح من أجلنا، وجعل لنا فيها سبيلاً للتعرف عليه بواسطة تعليم الأنبياء والرسل. والميزة الفضلى تبقى لأمنا العذراء مريم، كنموذجٍ لهذه التربية التي ظهرت الطاعة عندها في الذروة. فطاعة الأهل للكنيسة تقودهم إلى نجاحٍ تربوي، يعدّوا به أبناءهم للحياة المثلى، كما تعد الكنيسة مؤمنيها ليصبحوا مريميين، أي طائعين للرب.

ثامناً: التأثيران الكبيران للتربية الكنسية

ترتكز التربية الكنسية في بعدها الروحي الداخلي على مجالين اثنين، علينا الاهتمام بهما لنتمكن من إقامة علاقة صحيحة مع الله، ومع الآخرين في حياتنا عامة:

1- التربية المسيحية والليتورجيا:

على المربين تأمينها لأولادهم، متجنبين أن يكون تعليماً يلقن فقط, أو أفكاراً تفسر. بل أن تكون حياةً معاشة من قبل الوالدين, مع وجوب توفير حياة الشركة ضمن إطار حياة الجماعة. هذا يعني أن حياة الليتورجيا تبدأ في البيت في حضن الأسرة، فالوالدان اللذان يتناولان الجسد والدم الإلهيين يساهمان في صوغ هذه التربية وزرعها عند أولادهما. فنحن البالغون علينا عيش الصلاة، التي ذروتها القداس والمناولة، فنؤكد لأولادنا قناعتنا بما نقدم عليه، جاعلين منهم أبناء يقتدون بنا في هذا المجال. إن علينا أن نربط الولد بالليتورجيا, ونكفل له تنشئة مسيحية مرتبطة بجرن العماد، الذي صاروا أعضاء فيها عندما تناولوا يومها، وصاروا مشاركين في أسرار الكنيسة. ودورنا في استمرارية هذا الأمر يرتكز إلى توضيح مفاعيل الأسرار في حياتهم. فحياة النعمة ونيل المواهب وكل ما له علاقة بحياتهم الداخلية صار مقروناً بالحياة في المسيح، الذي منه ننال هدايا الله المرسلة إلينا. هذا الكلام يذكرنا بمدى اهتمام يسوع بالأطفال وحبه لهم. لقد جعلهم قريبين منه متذكرين قوله: "دعوا الأولاد ياتون إليّ ولا تمنعوهم...". فلنحافظ على جعل الأطفال قريبين من يسوع، بعدم قصر تغذيتهم على غذائهم المادي بل جعل اهتمامنا ينصب كذلك على غذاء الليتورجيا والأسرار وحياة القديسين، وتمتين العلاقة مع الأيقونات وكل ما ينمي فيهم انتماءهم الكنسي، الذي يوصلهم إلى الحياة الشاهدة للمسيح، تلك الحياة التي تشكل الليتورجيا ذروة العمق فيها.

2- التربية المسيحية في الكتاب المقدس:

من القراءات الجميلة والمفيدة التي تخدم موضوعنا، مخاطبة بولس الرسول لتلميذه تيموثاوس بقوله: "إنك منذ الطفولة تعرف الكتب المقدسة القادرة أن تحكمك للخلاص بالإيمان الذي في المسيح يسوع" (2تيمو15:3). ولهذا فمن أين للطفل تيموثاوس هذه المعرفة لو لم يكن أهله عارفين بالكتاب، وهو ما مكنهم من تعليمه لابنهم. يتفق الباحثون في التربية المسيحية على ضرورة تعليم الإنجيل للأولاد، فهذه (آلين لوبينسكاوي) في كتابها (تربية الحس الديني) تؤكد على التركيز على تعليم المزامير للأولاد بين الثالثة والسادسة من عمرهم. وهذا أمرٌ مألوف في طريقة التعليم التقليدية المنصرمة، والتي كان الآباء فيها يعلمون الكتاب المقدس للأولاد، لكي لا يكونوا غرباء عنه، مما يساعدهم أن يرتشفوا كلماته المحيية، ويدركوا أنها حقاً كلمات مقدسة.كما أن الاستعانة بالأيقونة صلاتياً توصلنا إلى صاحبها، والذي هو يسوع المسيح. كذلك فإن الكتاب المقدس هو أيقونة السيد المسيح، فكلماته تقودنا إلى المسيح وتجعلنا عشراء له. يقول القديس بولس لتلميذه تيموثاوس: "علم وعظ به فإن كان أحدٌ يعلم تعليماً غير ذلك ولم يتمسك بالأقوال السليمة أقوال ربنا يسوع المسيح وبالتعليم الموافق للتقوى فهو رجل أعمته الكبرياء ولا يعرف شيئاً" (1تيمو3:6-4) لأن الأقوال السليمة هي حارقة لهشيم التعاليم المضرة. فما علينا إلا أن نتنشق نسيم الحياة الإلهية المدونة في الإنجيل.

ولنفهم هذا الأمر تماماً كما أوضحه باسيليوس الكبير بقوله: (اذهب إلى الجامعة لأتعلم العلوم على اختلافها, وأذهب إلى الكنيسة لأتعلم الإلهيات). فالتربية المسيحية السليمة تتم في الكنيسة في وسط الجماعة عبر حياة الصلاة، تلك الصلاة التي تتمحور كلماتها وموضوعاتها حول الكتاب المقدس.

تاسعاً: الخاتمة: جو العائلة الملائم

علينا أن نربي في أولادنا قلوباً (بالإيمان تحيا), لأن الإيمان لا يقذف إلا في القلب المستعد. فواجبنا خلق أجواء ملائمة لهؤلاء الأطفال، كي تصبح قلوبهم مستعدة لقبول الإعلانات الإلهية. فوظيفة العائلة من جهة الإيمان هو إيقاظ نفسية الطفل على أهمية شخص يسوع في حياته، لكي يتأسس وجود الجضور الإلهي في أعماقه، وهو ما يجعل عناصر هذه الحياة ألواناً في تشاركٍ مستمر مع حضور يسوع. لذا فمن الأمور المطلوبة تربوياً سلامة العلاقة بين الطفل وأفراد العائلة، لخلق جوٍ روحيٍ مناسب، يساهم في النمو الروحي، للمتربي بما صار يحوي في أعماقة من قواعد الأسس النفسية والروحية والتربوية، التي تساهم في إنشاء إنسانٍ ناجحٍ في مسيحيته، وفي عضويته الاجتماعية والوطنية والإنسانية، وتهيؤه لمستقبلٍ آتٍ حين يصبح شاباً فيتكل على نفسه بفضل بنيته الداخلية القوية.

فالعطف والأمان المتوفران في العائلة المبنية على أسس الإيمان والسلوك، يولّدان إحساساً نفسياً سليماً عند الطفل بعيشه في علاقة العائلة المتحابة والمتعاونة، التي هو عضوٌ فيها، ويكتسب منها، ويتفاعل معها. فتبنى شخصيته المدعوة للاستقلال بكل ما يعينها.