حديث الأسبوع (21 كانون الثاني)

أرشيف

وعظة الأحد

عيد الغطاس أو الظهور الإلهي

أولاً: مقدمة

          نحن اليوم في السادس من كانون الثاني نُحيي ذكرى معمودية السيد المسيح في نهر الأردن على يد النبي الكريم يوحنا المعمدان عندما كان المسيح في الثلاثين من عمره.

          والكتاب المقدس يشير إلى أحداث قليلة بين زمن ولادته وزمن معموديته، منها:

- دخوله إلى الهيكل لما كان في الأربعين يوماً من عمره على يد سمعان الشيخ بحضور حنة النبية.

- هروبه إلى مصر والعودة منها ليقيم في الناصرة مع (أبويه).

- حضوره إلى الهيكل لما كان في الثانية عشرة من عمره. ويقول الإنجيل عنه: "فكان يتقدم في الحكمة والقامة، وفي النعمة عند الله والناس" (لو52:2).

- طفولة يسوع يصفها لوقا الإنجيلي بقوله: "وكان الطفل ينمو ويتقوّى ممتلئاً حكمةً، وكانت نعمة الله عليه" (لو40:2).

- أمه العذراء مريم يقول عنها الإنجيل في ما يخص ابنها يسوع: "وكانت أمه تحفظ هذه الأمور كلَّها في قلبها" (لو51:2).

          ثم بعد هذا نقفز من عمر الثانية عشر إلى الثلاثين تاركين تنمية الطفل ونموه وعمل حكمته في أحاديثه مع رؤساء الدين اليهودي مستمرةً على طول هذا الزمن. والأم بصمتها وهدوئها البالغين تتأمل في طفلها الذي بغنى حياته يمدها بإملاء قلبها بأحداثٍ تجعلها أكثر عمقاً وأكثر قداسةً، إلى أن تم اللقاء بين يوحنا ويسوع على نهر الأردنّ.

ثانياً: تاريخ عيد الغطاس

          في القرون الأولى بعد الميلاد وحتى القرن الرابع كان عيد الظهور الإلهي الاسم الأكثر لاهوتياَ لعيد الغطاس، وكان يقع مع عيد الميلاد أي في السادس من كانون الثاني لأن كليهما فيهما ظهورٌ إلهي، فالميلاد ظهر فيه (الله بالجسد) والغطاس ظهر فيه (الله بالإعلان السماوي) بصوت الله الأب القائل: "هذا هو ابني الحبيب".

          بدءاً من القرن الرابع صار عيد الميلاد في الخامس والعشرين من كانون الأول، وهو اليوم الذي كان يعيد فيه الوثنيون لإله الشمس، صار التعييد لـ (شمس البر). أما عيد الغطاس الذي فيه المعمودية، يصفه القديس غريغوريوس اللاهوتي في القرن الرابع بأنه عيد الأنوار، ويتم فيه إشعال النار.

          ومرجع كلمة (ظهور) مأخوذة من العهد الجديد بوجهيها الميلادي والعمادي، فمن جهة الميلاد يقول بولس الرسول: "الله ظهر بالجسد تبرر في الروح، وشاهدته الملائكة، وبُشر به بين الأمم، أُومن به في العالم، ثم رُفع في المجد". (1تمو16:3). أما المقطع المتعلق في المعمودية فيقول: "لأنه قد ظهرت نعمة الله المُخلِّصة، لجميع الناس" (تي11:2). إذ عند المعمودية أدرك البشر النعمة.

 ثالثاً: أهمية شخص يوحنا المعمدان

          هو آخر أنبياء العهد القديم وأول أنبياء العهد الجديد. وبالرغم من أنه قد حُبِلَ به عجائبياً، لكنه ليس من الروح القدس. عاش في الصحراء بسيرةٍ ملائكية، أما تعليمه الأساسي فكان عن التوبة لتهيئة البشر لاستقبال يسوع المسيح المخلِّص. لأنه كان يرى أنه يتعذّر معرفة المسيح، وينحجب ظهوره عن النفس، بدون حياة توبةٍ عن الخطيئة، وندم عن حياة الاستهتار لذا يجب عودة القلب إلى النقاوة التي بها يتعرف على الله.

          لقد حمل يوحنا المعمدان رسالته بروح التواضع الذي أوصله إلى درجةٍ من الكمال مع اقتناء النعمة مما جعله يتقبل رسالته كسابقٍ للمسيح، ومُعدٍّ لطريقٍ أمامه. وكان يعمد الناس بالماء كتهيئة لمعمودية المسيح بالروح القدس وقد أعلن ذلك على الملأ لجمهور الناس الملتفين حوله بقوله: "أنا أعمدكم بالماء، ولكن سيأتي من هو أقدر مني، من لا أستحق أن أحُلَّ رباط حذائه، هو سيعمدكم بالروح القدس وبالنار" (لو16:3).

          وليس بمستعجبٍ أن يقول يوحنا هذا فهو المكلف من الله بالإعلان عن قدوم ابنه. لذا حظي يوحنا بصفاتٍ عديدةٍ نذكر منها:

- هو سابقٌ للمسيح بحسب نبوءات من الله وردت على لسان أشعياء النبي (أش3:40) وملاخي النبي (ملا5:4-6) وذلك من أجل الإعلان بمجيء المسيح، والمناداة به.  

- اسم يوحنا يعني (حنان الله).

- ملبسه كان غريباً من (وبر الجمال) ويشد وسطه بحزامٍ من الجلد، ويقتات الجراد والعسل البري (مت4:3).

- يصفه التقليد المسيحي بأنه: (صوت الكلمة، وشمعة النور، وسابق الشمس).

- يسمى بـ (المعمدان) لأنه عمّد يسوع المسيح.

- كان شجاعاً، ولا يخاف من مواجهة أحد حتى الملك نفسه.

رابعاً: المعمودية عامة

          كلمة عمّد بالماء تعني (غطّس أو غمر) بالماء. والتقليد المسيحي يعدد لنا أنواع المعمودية التي يحددها القديس غريغوريوس اللاهوتي بخمس أنواع:

1- معمودية موسى في عبوره البحر الأحمر وهي دليلٌ على تطهيرٍ مؤقت.

2- معمودية يوحنا المعمدان الذي عمّد الناس بمعمودية التوبة.  

3- معمودية المسيح، التي بها يصير البشر مسيحيين وهي تتم بقوة الروح القدس.

4- كل من يستشهد بسبب إيمانه بالمسيح، ولم يكن معتمد بعد تُحسب له هذه الشهادة معمودية بالدم.

5- الإنسان في حالة عيش ندمه على خطاياه عن طريق (التوبة والدموع).

خامساً: معمودية المسيح على يد يوحنا المعمدان

          كان يوحنا المعمدان يعمد الناس في (بيت عبره) على نهر الأردن عندما أتاه يسوع المسيح طالباً الاعتماد منه. يوحنا لم يكن يعرفه، ولكن الروح القدس أناره لمعرفته حين قال: "وأنا لم أكن أعرفه ....." (يو31:1).

          والمهم في موضوع العماد أن الناس التمسوا من يوحنا أن يغفر لهم خطاياهم بهذه المعمودية الخارجية عن طريق تغيير حياتهم إلى الأفضل.   

          إذاً ليس الماء هو الذي غير حياتهم بل موقف قلوبهم التي قبلت بهذا التغير الذي هو التوبة، معلناً أن التغيير الجذري سيتم بعماد الروح القدس ونار. وهو المنطلق الفعلي للمعمودية التي بدأت يوم الخمسين أي يوم العنصرة عندما أرسل يسوع الروح القدس على شكل ألسنةٍ من نار.

          فهذا يوحنا الذي فهم الموضوع بصورته الإلهية رفض أن يُعمِّد المسيح البريء من كل الخطايا لدرجةٍ أنه قال له: "أنا المحتاج أن أتعمّد على يديك، وأنت تأتي إليّ!" (مت14:3).

          إلا أن يسوع الذي كان ممثلاً للجنس البشري الخاطئ والآتي من أجل خلاصه جعله يحمل خطايا الآخرين ليشارك شعبه متضامناً معه، لذلك أصرّ على يوحنا لينال منه المعمودية وليعطيه تزكيةً بمصداقية عمله فقال له: "اسمح لي الآن - أن أعتمد منك - لأنه هكذا يليق بنا أن نكمل كل برٍّ" (مت15:3). وعليه نجد أن يسوع المسيح قد تعمّد، ووصف لوقا الإنجيلي الحدث بقوله: "ولم تعمد الشعب جميعاً، تعمد يسوع، وإذ كان يصلي، انفتحت السماء وهبطت عليه الروح القدس متخذاً هيئةً جسميةً مثل حمامة، وانطلق صوتٌ من السماء يقول: أنت ابني الحبيب بك سررت كل السرور" (لو21:3-22).

          هكذا نكتشف أنه خلال اعتماد المسيح ظهر الثالوث القدوس الآب والابن والروح القدس. فالآب حضر بصوته معلناً عن مسرته والابن بحضوره في الماء، والروح القدس على شكل حمامة.

سادساً: الخاتمة

          تقدست المياه كلها من مجرى نهر الأردن يوم عماد يسوع المسيح، فصار الاهتمام بهذا الحدث بركةً بها نصلّي على الماء علامةً على نزول المسيح إليه لنقدس به أنفسنا ونتناول منه ونستعمله لرش بيوتنا وكل ما لنا علاقة به. لأن الخليقة كلها تتقدس بقداسة هذا اليوم المبارك.

          ولازال بعض الناس يهتمون لأن يكون يوم عماد أولادهم يقع في هذا النهار الذي صارت فيه المسكونة بمياهها مقدسة، يحمل فيها الإنسان تنبيهاً روحياً لإيقاظ وعيه مدركاً أهمية التوبة في حياته، فالاغتسال بالماء المُصلّى عليه اليوم يكون لقبول تطهير الجسد والضمير من دنس الخطيئة. فهناك أهمية في حياتنا لنصون حواسنا وقلبنا بطهارة هذه المياه التي تجدد فينا إنسان الروح العامل بمشيئة الرب.