حديث الأسبوع (22 تموز)

                                                                                       موضوع للأرشمندريت يوحنا التلي

                                                                                      لرعية كنيسة مار الياس في الدويلعة

                                                                                    17-7-2015

 الحياة الرهبانية

(في الدير كل شيء مقدّس الجميع يصلّون ويتنسّكون ويعيشون حياة إلهية)

أولاً: مقدمة

          الحياة الرهبانية دعوة إلهية تَنْشُدُ الكمال، وتتشكّل من أشخاص تلتهب قلوبهم بالشوق للعشرة مع الله ضمن إطار جماعة تحيا حياة إلهية في كل شيء بانقياد إنجيلي في السلوك، مغتذية بالسيد المسيح عن طريق اتّباع وصاياه وتناول جسده ودمه باستمرار.

          هذه الشركة الرهبانية تتألّف من مجموعة أشخاص يهدفون إلى هدف واحد تحت سلطة واحدة. هي أيضاً عائلة جمعها الروح القدس ليقودها إلى الاتحاد بالله عن طريق المسيح.

          يكون رئيس هذه الأخوية أب وراع لأخويته، ويتّجه بأبوّته إلى حياة الرهبان الشخصية بمحبته لهم. فهو يربّيهم ويعطيهم من نفسه وروحه؛ ويسعى للتعرّف إلى شخصيتهم وميولهم ومشاعرهم وضعفهم ومؤهّلاتهم، ويحبهم كما هُم، لأنه أب لهم في المسيح. فيستعمل سلطته لإدارة وتعليم وإصلاح أبنائه موحِّداً بين الرحمة والعدل في تعامله معهم. وهذا مكمن قوّته.

          في هذا الجو العابق بالقداسة تتكوّن شخصية الراهب، ليوحِّد الرب يسوع فيها جميع تطلّعات الإنسان ومواهبه، حتى تلك التي تبدو متناقضة، كأن يجمع الراهب في ذاته بين الحرية الحقّة والطاعة الكاملة، وبين التواضع وقوّة الشخصية، وبين العفة الكاملة والإحساس المرهف لكل ما هو جذّاب وجميل. فمثلاً يسبّح الله ويمجِّده لجمال وردة أو ضياء نجمة، أو صوت عصفور مغرد، وصوت خرير مياه تنساب بين ألوان الطبيعة وأشكالها. فما بالك بما أسبغه الله على الإنسان من جمال أو بروز موهبة عند شخص آخر.

          والراهب إجمالاً يجمع بين القول والفكر والعقل، ويتعامل الجميع من خلال محبته بشكل واضح وصادق وصريح. لذا تكون حياة الراهب إلهية وشاعرية وهو يعيش في خياله مع الله في السماء فيتّصف فكره ببساطة السماء. ويتحقّق كل هذا له بقدر ما يمتلك من ضميرٍ رهبانيٍّ، فيتحوّل بكلّيته نحو الله، ونحو الهدف الذي وضعه لذاته.

          يعيش أيضاً في صمت، في صلاة ذهنية، وفي نسك، وفي طاعة. وينبغي أن يموت عن كل شيء كي يحيا في المسيح. يستيقظ بشوق، يتمّم قانونه، يسرع إلى الصلوات والأعمال. همّه واحد وهو كيف يرضي الله ويخدمه. يتذكّر في ذهنه دائماً الوعود التي قدّمها لله عندما أصبح راهباً. لا يسيء إلى نظام الدير وترتيبه، وينفّذ جميع الأوامر.

 ثانياً: العهد القديم والرهبنة

          هناك بعض الأحداث في العهد القديم تشير إلى بدايات رهبانية غير ناضجة تدلُّ على وجود بذورٍ رهبانيّةٍ كمثل:

أ. إيليا النبي: هذا الإنسان الذي أخلص في تسليم نفسه لله كمثل الراهب الذي ينذر الرهبنة عن طريق إخلاص نفسه لله بحياة (الفقر والطاعة والعفة). إلا أن إيليا اختبر حياة العزلة بصبر وصلاة وصوم وبقي كالراهب بتولاً بفقره وعفّته وطاعته لله.

          حياة الراهب بمثابة معجزة، وقد أجرى الله من خلال إيليا معجزات رائعة لدرجة أن الكتاب المقدس يبيّن لنا أن كل ما حدث في حياة إيليا بدأ مثل الراهب بمواصلة علاقته الحميمة بالله بذات الطاعة التي هي أداة النصر. وكما أن الراهب يختبر وجود الله وكلماته بالقرب منه في ديره وفي قلايته. هكذا إيليا في ساعات محنته الشديدة عندما هرب من عدوته الملكة إيزابيل وأتباعها؛ هكذا الراهب عندما يهرب من الشيطان يحمي نفسه بحضور الله في حياته فلا يخاف أي شيء لأن الله معه. هكذا إيليا الذي ظن خطأ أن الله سيأتيه عبر العاصفة والزلزلة والنار، ولكن لا، فلّله طريق آخر كان في همس خافت. وهكذا تعلّمنا من إيليا أنه بخدمته عبر وحدته وعبر صلاته وعبر صومه، قد تكلّم الله فيه من خلال هذه الأمور الواضحة أكثر مما تكلّم خلال الأمور المألوفة لدى الناس.

          كانت حياة الشركة للنبي إيليا مع الله هي سر نجاحه. وهذه هي معجزة الراهب الحقيقية في أن يعرف بأن يقيم مع الله حياة شركة تجمعه أيضاً بعلاقة صحيحة مع باقي الرهبان فيصل بالله إلى سر النجاح. فوجود الله معنا هو الذي يحقّق لنا كل نصر.

ب. يوحنا المعمدان: هنالك إجماع على أن يوحنا كان متميزاً وفريداً. عاش كالرهبان في برية كانت تمثّل قلايته التي يلبس فيها ملابس غريبة وطعامه طعام فقر وبساطة يحصل عليه من أرض غربته، مما جعل اليهود يذهبون إلى تلك البريّة لرؤيته ويسمعوا منه كلماته الغريبة أيضاً.

          معزوفة الرهبان كانت لسان حاله وأخص بها: (الاعتراف بتوبة) التي هي نهج رهباني بامتياز أيضاً. والتميّز الذي تحلّى به خاصة هو المناداة بمجيء المخلِّص وكان مبنيّاً على الميزة الرهبانية الأساسية التي هي الطاعة لله الذي هو أوكله بالمناداة بمجيء المخلص. ويتجلّى أيضاً من جهة طعامه البسيط بالفقر وعدم زواجه بالبتولية المبنية على العفة.

          فالكتاب المقدس وصفه بأنه "يهيئ للرب شعباً مستعداً" (لو17:1) ولكن أهمية هذا القول أن الملاك في بشارته هذه قال عن يوحنا المعمدان: (ويتقدّم بروح إيليا وقوته) إنه حقاً "منذور للرب" ليتكرّس له كمثل الراهب المكرّس بديره.

          يوحنا هذا الذي يقول عنه الإنجيل: "كان في البراري إلى يوم ظهوره لإسرائيل" (متى1:3) تؤيدها مظاهر طعامه ولباسه لأنه عاش سنين طويلة في البرية، ولم تكن له علاقة بالعالم. وحتى بعد ما بدأ يُعمّد لم يسكن في بيت ولم يأكل من موائد الناس بحسب قول الإنجيل الذي يصف يسوع به نفسيات البشر بقوله: "أتاكم يوحنا لا يأكل ولا يشرب فرفضتموه وأنا كنت آكل وأشرب فقلتم أني أكول وشروب" (متى18:11)

          ولنعلم أن يوحنا عندما كان يعمّد كان في البرية والناس تأتيه إلى هناك. إنها إشراقة واضحة لحياته الرهبانية مع فجر المسيحية. والكنيسة بكتاباتها وترانيمها تصفه أنه كان يحيا (كملاك أرضي وإنسان سماوي). وقد أصبح بذلك نموذجاً للحياة الرهبانية. وهذا ما دعا القديس صفرونيوس الأورشليمي بأن يمدحه بقوله: (لقد افتتح يوحنا المعمدان للبشر إمكانية العيش كالملائكة في الجسد وفي البتولية وفي النسك والتأمّل) أما ناظم الموسيقى البيزنطية فقد مدح أنطونيوس الكبير أبو الرهبان بقوله: (أنه مثل إيليا الغيور في أحواله وتبع المعمدان في مناهجه القويمة).

          وهكذا نجد أن النصوص الليتورجية تُظهر لنا (السابق) كـ (إيليا الجديد) لتنطبق عليه نبوءة ملاخي النبي: "هاأنذا أرسل إليكم النبي إيليا قبل مجيء يوم الرب العظيم المخوف" (ملا23:3). وهناك قولان في الإنجيل يؤكدان نبوءة ملاخي: الأول: "سيتقدّم المعمدان المسيح بروح إيليا وقوته" (لو17:1) الثاني: "هوذا إيليا المزمع أن يأتي" (متى14:11) وأيضاً: "إن إيليا قد عاد" (متى10:17-12).

          إن صورة إيليا على غرار صورة الملاك التي أسهمت في جعل السابق نموذجاً للحياة الرهبانية بمظهره ونسكه وطعامه، ولكن الأهم بحياة التوبة التي كان ينادي بها.

ج. الأسينيون: في العام 150 ق.م قام بعض اليهود بحركة انشقاق عن باقي اليهود وعاشوا حياة رهبانية خاصة باتباعهم (طريق النعمة) بدلاً من (اتباع طريق الأرض). كما وانتقلوا من تسمية أنفسهم (الشعب المختار) إلى تسمية مرشدهم باسم (معلِّم البّر)، مواظبين على اعتكاف يسبق رهبنتهم مدته أربعين يوماً يعيشونها في البرية تيمّناً بإيليا في طريقه إلى حوريب. وطوال هذه الفترة يصلّي المعتكف ويصوم ويعيش تحت نظر الرب. وهذا يذكّرنا "باعتكاف يسوع في البرية ليجرّبه إبليس فصام أربعين يوماً وأربعين ليلة" (متى1:4) وحدث ذلك قبل بدء رسالته العلنية. وأيضاً بولس الرسول عاش بعد اهتدائه "في البرية" (غل17:1).

          فتكوّنت الجماعة الأسينية عام 150 ق.م وأقامت بالقرب من البحر الميت جماعات صلاة دون نساء ولا حب ولا مالٍ في مجتمع النخبة. وكانوا يخضعون لنظام صارم، وينتقون أتباعهم وفقاً لمقوّمات شديدة الحزم، ولا يهتمون إلا لشؤون الله.

          هكذا أسس الأسينيون جماعة رهبانية منقطعة عن العالم تماماً. ويدخل المرء فيها بعد اختبارين كل منهما مدته سنة واحدة. ويتخلّى العضو الجديد عن كل ماله للجماعة ويُقسم أن يظل مطيعاً للقوانين ولرؤسائه، ويعلن أنه سينفصل عن الظالمين، ويعيش في الحق والعدل والمحبة. وحين يُقبل في الجماعة يبدأ بممارسة طقوس الوضوء، ويلبس ثوباً أبيض من الصوف، ولا يأكل إلا الخضار، ويطبّق طقوس الطهارة الشرعية، ويشارك في الوليمة الجماعية مع إخوته، ويصلّي معهم بمواعيد منتظمة، وفي أيام الأعياد المقدسة.

          والكلمة التي تسمَّو بها: (أسينيون) الدالة على اسمهم تعني: الصامتون والأتقياء والشافون. وهم في نصوصهم يصفون أنفسهم بالورعين والقديسين وجماعة الكاملين وجماعة العهد.

 ثالثاً: المسيح وحياة البرية وبداية الرهبنة

          وُلد السيد المسيح دون زواج وعاش دون زواج. فنسله نسل روحي يتنبأ أشعياء النبي عن المسيح فيقول في هذا المجال: "فإنه يرى نسله وتطول أيامه" (أش10:53) وما هذا العدد الكبير بالروح إلا أولئك الذين سيصبحون لابسين بر المسيح. بولس الرسول يعبِّر عن هذا الوصف بقوله: "وتتجدّدوا في روح ذهنكم، وتلبسوا الإنسان الجديد المخلوق على مثال الله في البر والقداسة بالحق" (أف23:4-24). فهذا التعبير للأفضل له طرق عديدة أوّلها وأهمّها الرهبنة.

          فالرهبنة تقوم على هذه الولادة الروحية التي يصفها يوحنا الإنجيلي كامتداد لنبوءة أشعيا ومتضمنة كلام بولس الرسول ويضيف عليها: "وأما كل الذين قبلوه فأعطاهم سلطاناً أن يصيروا أولاد الله أي المؤمنون باسمه. الذين وُلدوا ليس من دم ولا من مشيئة جسد ولا من مشيئة رجل، بل من الله" (يو12:1-13).

          نعود إلى المسيح الذي بدأ بشارته بانعزال رهباني في البرية وسمح للشيطان بأن يجرّبه. وهكذا الرهبان هم عرضة لتجارب الشياطين بشكل دائم. ولنقرأ في متى قوله: "أُصعد يسوع إلى البرية من الروح ليُجرّب من إبليس فبعدما صام أربعين نهاراً وأربعين ليلة جاع أخيراً... في ذلك الزمان ابتدأ يسوع يكرز" (متى1:4و17).

          هذه الحياة في البرية، وهذا العراك فيها، إضافة إلى أنه كان في أوقات كثيرة يخرج إلى الجبل ليصلي.كل هذا يجعلنا ننظر إلى الجبل والبرية والصحراء على أنها أماكن دشّنها يسوع للرهبان لتكون مباركة به قبل ما أن تتبارك بقديسيها من الرهبان الذين عاشوا فيها.

          لهذا تقول الكنيسة بأن الرهبنة لم تبدأ في القرن الرابع مع القديس أنطونيوس، إنما بدأت مع بداية الكنيسة في العهد الجديد، ولها جذور في العهد القديم، ورجاء الكنيسة ومؤمنوها أنها ستستمر فاعلة في العالم ومؤثّرة في حياة العالم إلى يوم مجيء الرب.

 رابعاً: من النسك إلى الرهبنة

          لما كان القديس أنطونيوس هو أب الرهبان والمؤسِّس الأول لها. فإننا سنسير معه ولكن بِعدّ عكسي من خلال أنه استمد من الإنجيل حياة نسكية أودت به إلى البراري. وكان ذلك بعد أن سمع آية الإنجيل التي عمل بها والقائلة: "مَن أراد أن يتبعني فلينكر نفسه ويحمل صليبه ويوزّع ماله على الفقراء ويتبعني" (مر34:8).

          هكذا بدأ نسكه بعد أن باع ممتلكاته ووزّع ثمنها على الفقراء نحو عام 269 وله من العمر ثمانية عشر عاماً. وتنيّح عام 356 بعد أن ساس في حياته نحو مئة ألف راهب بحسب المؤرّخ (سيزار كنتي).

          أرخ لنا كاتب سيرته القديس أثناسيوس الكبير ما يلي: (كان في القرية المجاورة للقديس أنطونيوس، شيخ يمارس النسك منذ شبابه، فلمّا شاهده أنطونيوس اشتعل في قلبه حماس مقدس... وكلما سمع بوجود ناسك عظيم انطلق من هناك مفتّشاً عنه كالنحلة الحكيمة، فكان لا يرجع إلى مكانه إلا بعد أن يراه ويتزوّد بالأمور النافعة روحياً في طريق الفضيلة، ثم يرجع إلى مكانه).

          وبالعودة إلى الوراء ناسك خلف ناسك نصل كما وصل أنطونيوس لدى سماعه النص الإنجيلي الداعي إلى اتّباع المسيح ليتبيّن أن الحياة النسكية المسيحية ما هي إلا ممارسة عمليّة لما عاشه المسيح وعلّمه وكذلك السيدة العذراء والآباء الرسل من بعد.

          فالنسك الذي بدأ بشخص المسيح قد استلمه فئة منه وسلّموه لآخرين حتى وصل إلى القديس أنطونيوس الذي طوّره في شكل رهبنة وصار هو أباها بحق.

          بقي علينا أن نعرف معنى كلمة (النُّسك) التي بحسب العلاّمة بطرس البستاني تعني: تزهّد، تعبّد، تقشّف. فالناسك هو العابد المتزهد، والراهب المتوحّد، المنفرد عن الناس والذي يصرف وقته في الطاعة والعبادة. والمنسك هو المكان الذي يقيم فيه الناسك. ويقابل كلمة الناسك، كلمة المتصوّف. فهي آتية بنظر البعض من الصوف، لأن الزهّاد والعبّاد كانوا يرتدون الملابس الصوفية، أو من الصفاء الذي يحيا فيها الناسك، أو من الصف، بمعنى أن الصوفي في الصف الأول من الواصلين إلى الله.

          ولما كان معظم مؤرّخي القرون الثلاثة الأولى يسمّون هذه الحياة بالفلسفة الحقيقية، ويلقّبون النساك بالفلاسفة، بناءً عليه تكون التسمية مأخوذة من الكلمة اليونانية (صوفيا) التي تعني (محبة الحكمة).

 خامساً: الانطلاقة الروحية للحياة الرهبانية

          يصعب تحديد نقطة محددة لتكون هي المنطلق. ولكن سأنتقي بعضاً ممّا رآه بعض معلّمي الرهبنة على أنه هو المهم وأكتفي به.

          لنأخذ وصية المسيح المزدوجة حول محبة الله والقريب التي بها لخّص يسوع كل تعليمه عندما قال: "أحبب الرب إلهك من كل قلبك، ومن كل نفسك، ومن كل ذهنك. هذه هي الوصية الأولى والعظمى. والثانية مثلها: أحبب قريبك كنفسك. كل الناموس والأنبياء يرتكز على هاتين الوصيتين" (متى37:22-40).

          ويوضح لنا الإنجيلي يوحنا في رسالته الثانية "أنه يستحيل أن تحب الله، إلا إذا سبق أن أحببت أخاك أولاً، ومحبة الأخ تتجلّى في حفظ وصايا الرب التي من هذا القبيل" (2يو6:1)

          وفي التعليم الرهباني خاصة لدى القديس أنطونيوس فقد قال: الموت والحياة يعتمدان على القريب (أي موت النفس أو حياتها). فنحن نربح الله عندما نربح أخانا. وعندما نهين أخانا نسيء إلى المسيح.

          وهنالك قول مهم للقديس يوحنا كولوفوس في هذا المعنى: (يستحيل أن تبدأ بناء البيت من فوق، فهيئة البيت تبدأ من الأساسات، لتنتهي عند السطح. وعندما سُئل عن معنى السقف في كلامه أجاب قائلاً: قريبنا هو الأساس، لذا ينبغي أن نفوز به، ونبدأ به. فيه وعليه تقوم كل وصايا المسيح).

          وقول آخر للقديس مرقص الناسك: (يستحيل أن تخلص بغير القريب). وهذا ما يأخذ به ويعلّمه سائر الآباء القديسين أيضاً. هذا هو التعليم المسيحي العام، تعليم الكنيسة، الذي هو تعليم المسيح. وهو الذي تتبناه الأديرة الرهبانية، ومن دونه تفقد الرهبانية هويتها.

          لقد انبثق من ذلك تعليم رهباني يقول: (وجّه كل انتباهك نحو اقتناء محبة القريب جاعلاً إياها الأساس لحياتك الرهبانية وجهادك. أحبب قريبك بحسب ما تمليه عليك وصايا الإنجيل، لا بحسب ما تمليه عليك نزوات قلبك... أحبب قريبك ولا تغضب منه، ولا تحقد عليه أو تمقته. لا تسمح لنفسك أن تقول له كلاماً نابياً، مخلّاً، ساخراً أو مؤذياً. حافظ على السلام معه قدر المستطاع. بادر إلى الاتضاع في حضرته. تخلّص من المشاحنات والخصومات وانبذها على أنها علامة كبرياء وحب للّذات. قابل الشر بالخير، وصلّ من أجل الذين يسيئون إليك ويسبّبون لك الخطايا والتجارب والاضطهاد (راجع متى21:5-48) "ومهما فعلت فلا تلعن أحداً، ولا تبادر إلى دينونة أحد سواء أكان صالحاً أم شريراً، إنما سمّر عينيك على هذا الشرير الذي ستعطي بسببه حساباً أمام الله" (متى11:7).

          فإذا كانت المحبة هي المنطلق الأساس للراهب، فيتبعها الصلاة التي بها ننال نعمة الله لتصبح الصلاة هي العمل الأول عند الراهب.

          الصلاة هي مركز وجوهر نشاطات الراهب كلها. وهي التعبير العملي عن محبة الراهب لله. خاصة وأنها أم جميع الفضائل بحسب تعليم الآباء القديسين، لأنها تولّد الفضائل بفعل اتحاد النفس البشرية بروح الرب لأنه من المستحيل على الإنسان أن يلتفت بكل فكره، وبكل قوّته، وبكل كيانه نحو الله، إلا بفعل الصلاة، وبفضل قوّة النعمة. ويوحنا السلّمي يؤكّد أن (الصلاة تحيا كما لو أن لها نفساً).

          الصلاة هي مرآة تقدّم الراهب، والراهب بفحصه صلاته على الدوام، يستطيع أن يميّز إذا كان قد بلغ الخلاص، أو أنه ما يزال في كآبة بحر الأهواء المضطرب، ودليله إلى مثل هذا التمييز الـمُلهم والذي به خاطب الله في صلاته قائلاً: "ارتض يا رب أن تنجيني، يا رب أسرع إلى إغاثتي" (13:40) كل هذا يعني أنه ينبغي أن تكون الصلاة العمل الأول والشأن الأهم في حياة الراهب. بالصلاة يلتصق الراهب بالرب ويتّحد في روح واحد معه (1كو17:6).

          ومنذ دخول الراهب إلى الدير، من الضروري أن يتعلّم الصلاة كما يجب. خاصة وأن الملائكة الساقطة أي الشياطين تبذل قصارى جهدها كي تعيق الرهبان وتبقيهم في عبوديتها. فتتحقّق أمور مشتركة بين الرهبان والشياطين، وهي ابتعاد كليهما عن الله.

          وتكتمل الروحانية الأرثوذكسية من جهة الصلاة بالمداومة على صلاة يسوع: (أيها الرب يسوع المسيح، ارحمني أنا الخاطئ). ومن خلال ممارسة هذه الصلاة يمكن للمرء أن يلج إلى أعمق أسرار التأمل الإلهي. وتحيا هذه الصلاة في قلب مَن يمارسها. الذي ينام بذكرها ويستيقظ على مواظبة صلاتها. فتشكّل عند الراهب تفكيره الأول وكلمته الأولى ونشاطه الأول. وتستمر فيه حتى عندما يكون منشغلاً بنشاطات أخرى.  

سادساً: الراهب هو مَن يسعى ليموت عن دنياه ليحيا مع إلهه

          أفضل جهاد يقوم به الراهب في ديره هو التحرّر من كل ما هو ليس لله لأجل الارتباط بالله وحده في شخص المسيح. فيسلك هذا الراهب ليتقدّم في طريق انقطاعه عن العالم والأقرباء والأهل والأخوة، متذكّراً قول السيد المسيح: "مَن أحبَّ أباً أو أماً أكثر مني فلا يستحقني" (متى37:10) ومن بين أقوال الرسامة الرهبانية يتذكّر الراهب القول التالي: (إذا أردتم هلمّوا ورائي برغبة، وأنكروا الظروف العالمية والأهل الذين ولدوكم، الأولاد والنساء والإخوة والأصدقاء، الأموال والبيوت، الأقرباء والعبيد...).

          ويؤرِّخ لنا كتاب الآباء الشيوخ القصة التالية التي تشهد على التزام أحد الرهبان بما ذكرنا: (ذهب شاب وحيد لأهله غني جداً ليصير راهباً في برية نتريا، هناك تقدّم كثيراً، وبعد سنوات توفّي والداه. وبما أنه الوارث الوحيد، والثروة كانت كبيرة جداً، جاء إليه عدد من أبناء بلده وقالوا له: (جئنا نطلب إليك الذهاب معنا إنْ أردت، كي تحصل على ثروة أهلك بعد موتهم. عندئذٍ حنى الراهب رأسه إلى أسفل، وقال بعد قليل: (أنا متّ منذ سنوات عن العالم، فكيف يمكن لمائت أن يرث مائتاً). إذا لم يمت الراهب لا يتم شيء. فلنحبنّ المسيح وهو سوف يحبّنا. ستزول كل الآلام وتتغيّر.

          وفي هذا يقول القديس سمعان اللاهوتي الجديد شيئاً جميلاً: (إن الذين أنكروا العالم الباطل والضال، وأبغضوا الأهل والأخوة بلا كره، هم أولاد الله، كما كُتب، وآلهة بحسب النعمة وأولاد النور). ولهذا قيل: إذا أحببت الله، فأنت تحب كل شيء، لأنه في الله يوجد كل شيء، والله هكذا يريدك أن تحبّه.

          ولنتذكّر القديس أنطونيوس الذي ترتبط به اسم الرهبنة رغم وجود سابقين عليه، ويبقى هو على الصعيد الرسمي حاملاً الاسم الأول. وقد أخضع كل نفسه لوصية الرب القائلة: "مَن أضاع حياته من أجلي يجدها" (متى39:10). فهو قد سلّم حياته كلّها لله. لذلك كان يقوم بأعماله النسكية لله وليس لأجل نفسه. لم يعد يطلب لنفسه شيئاً، فصارت نفسه حيّة لله وميتة لنفسه، وللعالم. هو أيضاً أخلى نفسه من كل شهوة، إذ قدّم حياته لله فلم تعد ملكاً له ليزيد عليها شيئاً. وإنما اكتفى بطاعة وصايا الرب التي ظل يستزيد في حبّها ويتقدّس بطاعتها حتى آخر نسمة وكان يرى بحسب قوله: (أن تقديم النفس يجعلها روحانية مثل حالتها الأولى التي خُلقت بها. وكما قبلنا النفس وديعة من الله فلنحفظها هكذا نقية من الأفكار الدنسة، لكي، إذـ، نقدّمها له بحالها كما خلقها يتعرّف عليها).

          ومن هذا نستطيع أن نرسي الحياة النسكية التي مارسها القديس أنطونيوس على أساسين:

1- الطاعة المطلقة لوصية الرب يسوع، دون أي هدف أو غاية أخرى.

2- تقديم الحياة كلها لله، وجعل كل الاجتهاد النسكي محصوراً في حفظ هذه الحياة طاهرة لله.

          هذا الكلام والموقف النسكي لمؤسس الرهبنة يدل على مدى خطورة أن نجعل الأعمال النسكية هدفاً في حد ذاتها. أو أن ننظر من الله مكافأة على جهادنا النسكي.

          لذا فإن الرهبنة الحق تتلخّص بتقديم الذات لله دون انتظار أي مقابل لذلك.

 سابعاً: الخاتمة

          (إنْ كنتَ تريد أن تخلِّص نفسك، فقمْ من سباتك وارسم ذاتك بعلامة الصليب قائلاً: باسم الآب والابن والروح القدس آمين).

          الإيمان لا يأتي بالتفكير والفحص بل بالعمل. وليست الكلمات والتأمل النظري هي التي تعلّمنا مَن هو الله، بل الاختبار.

          فلكي يدخل الهواء النقي يجب أن تفتح النافذة. ولكي يسمرّ لون بشرتنا ينبغي أن نخرج ونتعرّض لأشعة الشمس، ولكي نصل للإيمان فالأمر ليس مختلفاً، فلن نبلغ هذا الهدف بمجرد أن نظل جالسين في راحة وانتظار، هكذا يقول الآباء. فليَصِر الابن الـشاطر مثالاً لنا، "فقام وجاء" (لو20:15).

          ومهما كنتَ مُثقلاً ومشتبكاً في قيود أرضية فالوقت ليس متأخّراً تماماً. فلم يُكتب عبثاً عن إبراهيم أنه كان ابن خمسة وسبعين سنة حينما بدأ رحلته، والفاعل الذي جاء في الساعة الحادية عشرة من النهار نال نفس الأجر الذي تقاضاه مَن أتى في الساعة الأولى.

          كما أن الوقت ليس مبكراً تماماً. فالحريق الذي ينشب في غابة لا يمكن أن يطفأ بسرعة، فهل تريد أن ترى نفسك وهي تخرب وتحترق؟

          لقد تلقَّيتَ أمراً في المعمودية بأن تعلن الحرب غير المنظورة ضد أعداء روحك. فقم لخوضها الآن. لقد توانيت كثيراً بما فيه الكفاية، ولأنك غرقت في اللامبالاة والكسل فقد ضيّعت وقتاً ثميناً جداً. لذلك يجب أن تبدأ من البداية مرّة أخرى، فإنك قد سمحت للنقاوة التي نلتها في المعمودية أن تتلطّخ بصورة مريعة.

          فقمْ إذن، قُمْ الآن في الحال، ودون تأخير. لا تؤجِّل عزمك إلى "الليلة"، أو "إلى الغد"، أو "فيما بعد حينما أنتهي مما سأعمله الآن". فالتأجيل قد يكون مهلكاً.

          لا، بل هذه اللحظة، لأنك في اللحظة التي تحزم فيها أمرك وتعزم، توضح بفعلك هذا أنك قد ودّعت ذاتك القديمة، وأنك بدأت الآن حياة جديدة لها غاية جديدة، وبأسلوب جديد للحياة.

          قُمْ إذن، ولا تخف وصلِّ قائلاً: (يا رب اجعلني ابدأ الآن. أعني يا رب) فإن ما تحتاجه أكثر من كل شيء آخر هو نعمة معونة الله. تشبّث بقصدك الذي عزمت عليه ولا تنظر إلى الوراء.

          لقد أُعْطينا مثالاً للتحذير في امرأة لوط، التي تحوّلت إلى عمود ملح، حينما نظرت إلى الوراء (تكوين26:9). لقد خلعتَ إنسانك العتيق، فدعْ الخرق البالية واتركها. وإنك مثل إبراهيم قد سمعت صوت الرب قائلاً: "اذهب من أرضك ومن عشيرتك ومن بيت أبيك إلى الأرض التي أريك إياها" (تكوين1:12). فيجب أن توجّه كل التفاتك نحو تلك الأرض الآتية التي سيُريك إياها الله.

أرشيف

وعظة الأحد