حديث الأسبوع (15 تموز)

أرشيف

وعظة الأحد

لقاء روحي للمرشدين

 أنتم أبناء تعليم وستكونون مرشدين. أرجو أن تنسوا موضوع الإرشاد والتعليم للحظة، حتى أكلمكم فيها كطلاب مدرسة. ترى أيمكن لأستاذ اللغة العربية في المدرسة أن يعطي الدرس أستاذ الرياضيات، أو أن أستاذ الفيزياء يعطي درساً اختصاصياً في الفنون مثلاً؟ نتفق على عدم إمكان تنفيذ ذلك لأن كل أستاذ يعطي مادة, يجب عليه أن يكون اختصاصياً في المادة التي يعطيها. أنتم سوف تكونون مرشدين لأولاد, وهؤلاء الأولاد بأي صفة اجتمعوا لتُرشدوهم؟ لقد اجتمعوا، بصفة عضويتهم الكنسية. إذاً أنتم وإياهم مجتمعون في حقل الكنيسة. ولهذا فإن دور الإرشاد الذي ستمارسونه يُوجب عليكم أن تكونوا مؤهلين، من خلال إطلاعكم الوثيق على الفكر الكنسي وما هي الحياة الكنسية. يجب أن تجسدوا كيان الإرشاد بعيشكم للقيم التي ستدرسونها، وتمكنكم مما سوف تقدمونه. إذاً كما أن أستاذ الفيزياء يعطي الفيزياء، لأنه يكون قد أتقنها كفاية خلال تعليمه في الجامعة، وأنتم يجب أن تكونوا متقنين لعلم الإرشاد الروحي بالكمال اللازم حتى تقدروا أن تقدموه. كل ما قدمته يا إخوة، يقوم على تشبهينا للمرشد في التعليم للأستاذ في المدرسة. ولكن المرشد في التعليم يجب أن يمتلك صفة ثانية، أهم من أي صفة موجودة لأي أستاذ في المدرسة. تُرى ما هي الصفة الثانية؟ إنها عدم اكتفاء المرشد بأن يكون عارفاً فقط, بل يجب أن يكون مؤمناً بمواضيع الإرشاد التي يعطيها، وأن يعيشها أيضاً. لهذا لا يجوز للمُرشد أن يعلمهم التهذيب والأخلاق، وأن لا يكون متمثلاً بصورةٍ صحيحة لكل ما يعرضه من إيمانٍ وسلوكٍ وأخلاقٍ أيضاً. أيها الإخوة المرشدون عندما تبدؤون ابدؤوا بصلاة، وحين تتكلمون عن يسوع وعن الصلاة وعن الإنجيل يجب أن تكونوا ممن يقرؤون في الإنجيل يومياً، ومن المواظبين على الذهاب إلى الكنيسة أيضاً. يجب على المرشد أن يحقق هذا كله في شخصه، فإذا لم يكن مصلياً، ولا يقرأ في الإنجيل، ولا يلتزم بالصدق في كلامه، يخسر مكانة المرشد ويفتقد كلامه الفاعلية والتأثير، ويكون قد جعل الكذب أساس حياته. فمثل هذا المرشد كيف ممكن أن يكون ناجحاً في إرشاده. وهو لا يطبق تعاليم الإرشاد في حياته؟!

نستخلص من هذه المقدمة المرشد الحقيقي، هو الذي يعيش تعاليم الإنجيل وتعاليم الكنيسة. نحن أبناء الكنيسة نجتمع وباسم الكنيسة ونعمل من أجلها. كل التعليم الذي نعلِّمه هو باسم الكنيسة وبروح الإنجيل. مدخلكم أيها الإخوة إلى الإرشاد يتم بأن تأخذوا على أنفسكم عهداً، أن تكونوا أبناء كنيسة نموذجيين، تصلُّون في الكنيسة، وتحملون اسمها بافتخار. وهكذا يكون مكانكم الكنسي مؤهِّلاً لكي يُدل عليكم بالأصابع بسببه، وان يُقال فيكم: (بالحقيقة هذه الشبيبة هي من أبناء الكنيسة).

كل ما قدمته كان مهماً، ولكن هناك ما هو أهم فيه. ما هو هذا الأهم؟ كلٍ منا يحمل اسم مسيحي. ماذا يعني أننا مسيحيون؟ يعني أننا حاملون اسم المسيح، يعني أننا مؤهلون لنقل فكر المسيح إلى الآخرين، يعني أننا نعيش شخص المسيح في حياتنا. أتنتبهون خلال عيشكم هذه التعاليم وتقديمكم لها، كم هو مهم اسمكم؟ أنا مسيحي, كم هو مهم هذا الاسم؟ مهم لدرجة أن الإنسان مستعد أن يموت من أجل أن يثبت أن مسيحيته مطابقة مع نصها المُقدس، وصحيحة في نقلها للآخرين. ليس من المقبول أبداً أن نكون مسيحّين اسماً بل يجب أن يكون اسمنا المسيحي متجسداً بفعل صحيح. ولكي نكون مسيحيين بالفعل، يجب علينا بدايةً أن نكون مضحِّين بأوقاتٍ كثيرة، لكي نكون متواجدين لإعطاء الشيء الذي يمثله لنا يسوع المسيح، لنحياه ونعطيه للآخرين.

عندما نقرأ في الإنجيل يجب علينا أن نفكر، ترى لمن قال يسوع هذا الكلام؟ كل قارئ للإنجيل، كل واحد منكم، يجب أن يعتبر أن يسوع يخاطبه هو, عبر علاقة روحية غير مرئية وغير ظاهرة، تعمل بتواصل روحي بين يسوع المسيح وبينه.

عندما أقرأ الإنجيل هكذا، أصبح مسيحياً بكل ما في هذه الكلمة من معنى. وعنها أتكلم بلغة الإنجيل، وامتلك القدرة أن أتكلم بالشيء الذي أقرأه. ليتخيل كل منا أنه حضر فيلماً سينمائياً، ثم أتى صديق له لم يحضر هذا الفيلم يسأله أن يحكي له قصة الفيلم، فيقوم برواية القصة كاملة. تُرى هل نمتلك القدرة أن نحكي ماذا قرأنا في الإنجيل، بالحماسة التي روينا فيها لصديقنا الفيلم الذي سألنا عنه؟ المهم أن يكون تفاعلنا في قراءة الإنجيل وكأنها فيلم سينما معاش. فيكون الواحد منا يعيش كلمات الإنجيل بينه وبين نفسه، ليطبقها بينه وبين الآخرين. وهو يتمنى في آخر يومه أن يكون الله راضياً عنه. هذه هي الصورة الصحيحة لمرشد يقرأ الإنجيل. بعدها حين يأتي وقت الصلاة، فيرفع قلبه إلى الله مع الصلاة المحمولة من خلال الإنجيل قائلاً: يا رب ساعدني على أن أطبق  الكلمات التي قرأتها. ومن خلال تمثل معاني هذه الكلمات، يصبح لديه علاقة مع الله بصورة دائمة، سُدها الإنجيل ولُحمتها الصلاة. الكنيسة هي بيت صلاة من خلال الإنجيل دائماً، وبالإنجيل تصبح الصلاة حديثاً فكرياً مع الله، يجعل المرشد في حالة حوار دائم مع الله.

من المفيد والإيجابي أن نجعل حديثنا مع بعضنا البعض حين نلتقي مع موضوعات الإنجيل، وحين يلتقي الرفقة مع يعضهم، وحين يجلسون مع أهلهم، نكون قد امتلكنا الجرأة على التحدث بكلمات يسوع بكل اعتزازٍ وبكل افتخار مع كل الآخرين.

كلكم تشكلون حيت تلتقون نوعاً من الرفقة، وصداقتكم مع بعضكم مختلفة الروابط قوةً وضعفاً، وهذا أمر طبيعي ومسموح به. تأتي الصداقة أولاً من الصدق, ولهذا فالصداقة تولِّد محبة، تولِّد تقارباً، تولِّد تبادل أفكار، وتولِّد حرصاً لدينا أن نشاهد بعضنا بعضاً دائماً. يجب ألا تخلوا أحاديثكم مع أصدقائكم من ذكر نصوصٍ من الإنجيل، وعرض أخبار الكنيسة. ستكتشفون بسلوككم هذا شيئاً جديداً، وهو عدم اكتفائكم بالرفقة وعلاقاتها بل يجب أن تفتشوا دائماً عن الصديق النموذجي. يجب أن نفتش عن الصديق الذي يُجسد المثل الأعلى لصداقتنا. حلوةٌ صداقتكم مع بعضكم البعض ومباركة وصحيحة، ويجب أن نحرص على اللقاء دون أن ننسى، أن هذه الصداقة ينقصها ما يكملها، وهو حضور صديقٍ مشتركٍ لنا، يشكل حضوره أساساً في كل لقاءٍ، ألا وهو السيد المسيح. يسوع المسيح يجب أن يحتل في فكرنا موقع أغلى صديقٍ لنا, عندما نشاهد بعضنا البعض نفتح قلوبنا ونُحدث بعضنا بكل ما في نفوسنا. تفكيرنا دائماً وأبداً شركة مع أصدقائنا. عندما يكون السيد المسيح هو الصديق الأمثل، عندها يجب أن نتحدث مع يسوع بكل ما نتحدث به مع أصدقائنا. ماذا نتكلم معه إذاً؟ أنتكلم معه عن حياتنا اليومية في المدرسة وفي البيت, وفي كل ما عملناه. مع يسوع نفتح قلوبنا لنطلعه على ذلك كله ونكلمه حول ما قرأناه من كلامه في الإنجيل. هل هذا يكفي؟ تصادفنا في بعض الأوقات مشاكل وأزمات حياتية، من الحياة، وتصادفنا صعوبات نسعى لحلها فنفتش في الإنجيل باحثين عن حلٍ لها. حتى نعرف كيف يجب أن نتصرف. فعندما نكون قد جعلنا يسوع المسيح صديقاً نرجع إليه, نعود إليه، نحاوره ونكلمه بكل مشاغلنا وهمومنا. وسيكون غنيمةً كبرى لنا أن نستشيره. حين يجب أن نأخذ قراراً، سيكون صعباً علينا أخذ قرار لوحدنا. الصديق المخلص هو من نكون بحاجة إليه، نفتش عن الصديق الذي نضع كل فيه كل ثقتنا، فلا نجد سوى يسوع المسيح.

يسوع الذي نقرأه في الإنجيل، ويسوع الذي نخاطبه في الكنيسة، ويسوع الذي لا يغادر تفكيرنا، هو الصديق الذي يكون معنا دائماً. ولكن يسوع يقول أشياءً كثيرة في الإنجيل، حين يتحدث، مع تلاميذه ومما يقوله لهم: سوف أعطيكم نعمةً وبركةً "ما تحلونه على الأرض يكون محلولاً في السماء, وما تربطونه على الأرض يكون مربوطاً في السماء". خصوصية مركزية أعطاها يسوع للكنيسة بوساطة الكهنة، حتى يكونوا بمثابة حضور يسوع الدائم معنا، وعوناً للناس حتى يبقوا قريبين من يسوع.

أتحدث الآن بصعوبة أكبر وأرجو أن تبقوا متابعين لي مع كل ما أحمِّلكم إياه من جهدٍ ومشقة. فنحن عندما نتعايش مع يسوع المسيح أخاً أكبر وصديقاً أغلى، سيخبرنا بوضوحٍ أنه وضع في طريقنا أناساً أعطاهم بركة ليتابعوا معنا، وهم الكهنة، وقد سمَّت الكنيسة الكهنة باسم (آباء روحيين). ولهذا فإنكم كأصدقاء ورفقة، عندما تلتقون مع رفيقكم يسوع المسيح، الذي هو الصديق الأهم والأكبر وهو يقول لكم: أنا أفوض الكهنة أن تتكلموا معهم، كأنكم تتكلمون معي. يصبح واجباً على كل واحد من الشبيبة أن يتقرب من كاهن، كأبٍ روحي له، وأن يصبح ابناً روحياً لهذا الأب الروحي. فيقوم بنقل الأحاديث التي تكلمنا عنها منذ البداية, والتي تتضمن الأحاديث الروحية المنبثقة من الإنجيل، والصلوات التي تمارسها عن طريق الكنيسة, وستكون الأحاديث الأكثر صعوبة هي الأزمات التي يمر بها. لا شك أن لكل واحد منا أزماته الخاصة, وهي تنبع من دراسته. أومن الحياة مثل الخلافات مع الأهل. أزمات عاطفية: وكل من يقع في أزمةٍ يبحث عن حلٍ وجوابٍ لها، والإنسان المؤمن يفتش عن جواب لهذه الأزمات من خلال جواب يسوع له. عند ذلك سيكون التجاؤه إلى الأب الروحي طالباً العون منه، فيتحدث معه. ويصبح الأب الروحي كاشفاً لأسرار الابن الروحي، وكل هذا يجري من خلال حرية الابن الروحي ما الذي أقصده بقولي: من خلال حرية الابن الروحي؟ كل من صادق المسيح حسب الخطوات التي ذكرت، سيكون مريداً أن يقيم علاقة مع أبٍ روحي كما شرحت، فتنشأ في حياته علاقة جديدة مع صديق جديد هو الأب الروحي, تشكل في حياته صداقةً شروط لقاء طرفيها مختلفةً عن لقائه برفاقه. فيجد أنه يمكن الاعتماد عليه تماماً، لأنكم تحسون أنه يحدثكم بكلمة الإنجيل, يحدثكم بكلمة الحياة وأزماتها, ويقدم لكم ما هو الصحيح وما هو الخطأ. الإنسان دائماً يفتش عن الشيء الأفضل. فيساعد الأب الروحي الشبيبة للوصول إلى الأفضل. لهذا السبب نلمس أن الحياة الروحية تكتمل عندما يوجد فيها آباء روحيون، نكشف لهم قلوبنا، ونعرض أمامهم أفكارنا ونصارحهم بأحاديثنا. هكذا تكتمل عناصر صورة المرشد. ما هو مطلوب منه. حين يحقق رغبته في أن يكون ابناً روحياً بشكلٍ حر، فتتضح له إحساساته، ويبين له ما هو الأفضل له. بهذا الشكل يؤسس الابن الروحي نفسه لكي يكون مرشداً  نموذجياً ومثالياً. ويؤسس نفسه ليكون المرشد الناجح حقيقةً، فيكون قادراً على فهم هؤلاء الأولاد، وأن يكون المسؤول عنهم، يوضِّح ويقدم لهم يسوع، لكي يقتدوا به، كما اقتدى هو به.

المرشد الناجح هو من يكون أولاده – تلاميذه – متمسكين بيسوع، من خلال التعليم الإرشادي الذي يعطونه. ولأنكم دورة إعداد مرشدين، وتعدِّون فيها أنفسكم للإرشاد، عليكم أن تقدموا يسوع للأولاد، فيصبح الأولاد محبين ليسوع، فيؤسسون حياتهم الجديدة مع يسوع. الذي هو الصديق الجديد لهم. مسترشدين بالطريقة التي بها هذه تقيمون هذه الصداقة بينكم وبين يسوع.

هل هنالك شيء آخر أريد أن أتحدث عنه؟ نعم فهناك أشياء كثيرة يجب التحدث عنها، ولكنني سوف أضيف شيئاً آخر، وأقف عندها.

الإنسان يتعلم دائماً من الإنسان الآخر، ويأخذ خبرته منه. وحالكم في المدرسة مثال على ذلك، حيث تأخذون خبرة من أساتذتكم. في مناهج الحياة الروحية، يجب أن تفتشوا عن أشخاص عاشوا هذه الحياة الروحية، التي تطمحون أن تصلوا إليها. لتأخذوا خبراتها. وطريق الوصول إليهم يأتي من علاقتنا الطيبة مع الآباء القديسين. علينا أن نتعرف على قصص الآباء القديسين وعلى كتاباتهم، وكتاباتهم الروحية هي التي تفتح ذهننا، فتعطينا الخبرة التي تجتمع مع بركة ربنا فنقدر بهما أن نعمل ما قد عملوا هم. لقد وصلوا إلى القداسة، ونحن نريد أن نصل إلى القداسة. لقد وصلوا إلى الكمال، ونحن نريد الوصول إلى الكمال. وهم تمسكوا بتعاليم يسوع المسيح، ونحن أيضاً سنتمسك بتعاليم السيد المسيح والإنجيل. في سلوك هذه المسيرة، يستطيع المرشد الحقيقي أن يؤسس شخصيته، ويصبح متميزاً بعمله. فيصبح شخصاً لا يُدل عليه فقط بأصابع البشر، بل بإصبع الله كذلك، حيث يؤكد على أنه مرشد ناجح مميز. وهو ما يجعله يأخذ بركة من ربنا بصورة دائمة، ويستمع ما يقول له: تابع هذا الطريق فأنت إنسان ناجح.

حين نصلي وننظر إلى الإيقونة التي هي وساطتنا إلى عالم الألوهة إلى عالم يسوع المسيح، نجد أن السيد في أيقونته إما أنه يعبس في وجهنا ويقول لنا، لماذا أنتم مقصرون؟ أو يبتسم ويقول لنا: تابعوا على ما أنتم عليه سائرون. فالمسيرة صحيحة. عندما ننظر إلى إيقونات القديسين- وخاصة إيقونة السيدة العذراء التي نقتدي بها. يتشكل لدينا إحساس أن السيدة العذراء تمنحنا بِصَمتها الهادئ، والرائع، صوتاً يقول لنا: اقتدوا بي وعيشوا مثلما عشت أنا في الفضائل. والقديسون والقديسات هكذا عاشوا أيضاً. من خلال هذه الإيقونة يحس الإنسان أثناء الصلاة أن له علاقة مع الله ، خاصة إذا استفدتم بشكلٍ كامل من علاقتكم بشفيعكم أو شفيعتكم. كما تعلمون فالتقليد يؤكد على أن كل إنسان يجب أن يأخذ قديساً أو قديسةً، مع تيقننا أن السيدة العذراء هي لنا جميعاً وعلى رأس جميع الشفعاء يأتي السيد المسيح، ليكون لنا شفيعاً فالقديس إنسانٌ مثلنا، لكنه وصل إلى الدرب الروحي، لأنه مشى في درب الرب بصورة صحيحة، حين نجعله قدوةً لنا، فجميلٌ بنا أن نبقي أيقونته أمامنا ونطلب من صاحبها أن يكون هو مرشدنا إلى الرب، لنصل إليه كما هو وصل إليه.

في سيرنا على هذا الطريق نجعل شخصيتنا الإرشادية تنضج مثل الشجرة، لتصبح صالحة لتعطي ثماراً، وحينذاك تعطي الثمرة الجيدة. كل ثمار الشجر لا تشبه الإنسان، فهو أحسن ثمرة في هذه الدنيا. الإنسان هو الثمرة الجيدة، التي علينا أن لا نرتاح إلا لكي نحققها بأشخاصنا فنكون ثماراً جيدة. يسوع يريد الثمرة أن تكون ناضجة وجيدة، وبدون هذه الصفات لا يقبلها. لا أحد يريد أن يكون مرفوضاً من شخص السيد المسيح.

تحقيقنا لهذا كله يجعل منا مرشدين نموذجيين، ولهذا لا بد أن نتعب على أنفسنا، فنقرأ كثيراً، ونصلي كثيراً، ونكون جديين, ومحبين، وخدومين. وكذلك نكون متعاونين بعضنا مع بعض، سواء في البيت، أو في صداقتنا، أو في ممارستنا للتعليم.

بهذه الصورة يظهر في عملنا شخصية مميزة. كلمة مميزة لا تعني أن نكون جميعنا مثل بعضنا. إن كل إنسان مميز على نحو خاص عن الإنسان الآخر، كلٌّ له ميزاته، علينا أن نجدَّ في التفتيش عما هي ميزتنا، من خلال علاقتنا الروحية بيسوع المسيح؟ وبذلك أرى كيف أصل إلى تحقيق ذلك، وكيف أقدر أن أكون حاملاً لاسم يسوع المسيح. فيكون يسوع المسيح مباركاً لي، ويقول لي أنا راضٍ عنك. نحن الآن أربعون شخصاً، يجب أن يكون لنا أربعين ميزة، لكل شخص منا ميزة تختلف عن الثاني. يجب ألا نقلد بعضنا، بل يجب أن نفتش عن تميز شخصياتنا، من خلال علاقتنا الخاصة بيسوع المسيح، فتكون هذه العلاقة هي طريق اكتسابنا للروح القدس. والصلاة التي صليناها الآن: "أيها الملك السماوي" – تدلنا بوضوح أنه هو الذي يثبت لنا المواهب. وهكذا تظهر لكل إنسان موهبته، وهكذا ينجح كل إنسان بطريقة معينة. كل إنسان في هذه الحياة يفتش عن نفسه، لكي يستطيع- حين يجدها- ناجحاً. يمكن أن نقتدي ببعضنا، ولكن مع احتفاظ كل منا لشخصيته المختلفة عن الآخر. ولكن وحدة عملنا تجعلنا نتلاقى كلنا بتكاملنا، كأننا شخص واحد عند يسوع المسيح مكملنا، لنصل إلى ملء قامته. 

الأسئلة:

1- هل يمكن أن أتحدث مع أكثر من أب روحي عن تساؤلاتي واهتماماتي؟

-       الأب الروحي هو مثل الأب الجسدي. فكما أن للواحد منا أباً جسدياً واحداً، هكذا الأمر في علاقتنا بالأب الروحي. كل الآباء الروحيين حصلوا على اعتبارهم آباء روحيين، فلذلك فالعلاقة بين كل شخص منا وبين الآباء هي علاقة احترام واسترشاد. أما الأبوة بالمعنى الذي تحدثت عنه فهي: رباط للابن الروحي بأب واحد. لأن الأب واحد لا يتغير. هذا هو الجواب بشكل عام. ولكن إن استجدت أسباب خاصة تستدعي لقاء مع أب آخر بعد لقائنا بالأب الروحي. فهذا يتم بالاتفاق معه، ولأضرب لذلك مثلاً. أخاطب أبي الروحي فأقول له: إذا كان لدي أزمة وأنت غير موجود، وأنا مضطر لاستشارة فماذا تنصحني أن أعمل؟ هنا وبهذا الشكل من المشورة يتحدد وجود أب آخر، إما بديلاً، أو مساعداً للأب الأساسي. المهم أن يأتي القرار ناتج هذه المشورة. ويأتي بصيغ كثيرة أعرض منها:

ربما قال لي: أسألي الأب فلان عندما تضطرين لجواب عن سؤال. وعندما تلتقي مع أبيك الروحي تتابعين الأمر، لأنك الآن أنت مضطرة وهو غير موجود، حينها يمكن أن يتم هذا الأمر ببركة الأب الروحي، على أن يتابع هذا الابن الروحي مع أبيه الروحي الأساسي فيما بعد.

2- ما هي المدة التي عليّ أن أحددها بين اعتراف وآخر؟

-       لا يوجد حدود للاعتراف، إنما من الممكن أن يتم في حدود الشهر أو الشهرين فنحضر جلسة، هذا أقصى حد. إضافةً لهذا، من الممكن أن يحدث في ظروفٍ اضطرارية. وأن تكون الجلسات حينها وراء بعضها، وحين تنتفي وجود الضرورة. تتحقق الجلسة أو الاستشارة مع الأب الروحي عبر جلسات متتالية متفق عليها، ويمكن تكثير الجلسات عندما يكون هناك ضرورة لذلك.

ولأضرب لكم مثلاً على الحاجة للقاءات كثيرة. جلست اليوم مع الأب الروحي، ثم ذهبت إلى المنزل، وفي المنزل حدثت أزمة معينة لسبب من الأسباب هذا يفرض حاجة للقاء غداً، والممكن أن يمر شهر أوشهرين والنصائح التي أعطاك إياها أبوك الروحي مطّبقة بشكل صحيح، فأنتِ لا تحتاجين إلى لقاء خلال ذلك، للتأكيد على أنك تسيرين بشكل صحيح. إذاً لا يوجد شيء محدد التنظيم يتعلق باللقاء مع الأب الروحي، إن معيار ذلك يرتبط بقدرتي على أن أطبق التعليمات التي تسمى قانون. فالأب الروحي يضع لكِ قانون يجب أن تسيري عليه.

3- في حال وجود خصومات بين اثنين، هل يحق لأحدهما المناولة قبل مصالحة الآخر؟

-       سؤال مهم جداً، تزخر الحياة بوجود خلافات تحدث بين الناس، وهذا جزء من الاجتماع الإنساني ولا مهرب، وعندما يقع خلافٌ بين اثنين، ينزوي كل منهما ويفكر لوحده، الصالحون يندمون على أنهم خاصموا إنساناً آخر، بغض النظر عمن يكون صاحب الحق بين المتخاصمين. الإنسان الجيد منهما هو الذي يضع الحق على نفسه. الإنسان الجيد بينهما هو الذي يلوم نفسه، ولا يلوم الإنسان الآخر. من كان كذلك عليه أن يفتش عن الآخر ويصالحه. الإنسان لا يستطيع العيش بدون أكل وشرب، لأنه عندها يضمر ويموت. هكذا هي الحياة الروحية أيضاً، فنحن لا نستطيع العيش بدون أن نتناول جسد ودم يسوع المسيح، وإن حدث فنحن نفتر وتنطفئ روحنا. شيء ضروري جداً لنا، قيامنا بالمناولة، ولا نستطيع الحصول عليها إذا لم نتصالح مع أخينا. وهكذا تكون مصالحة الإنسان الآخر الذي تخاصمت معه بداية التجديد الروحي عندي. لهذا- وبمجرد أن أستعيد نقاء نفسي أذهب وأتحدث معه مبادراً هكذا، لتصبح الأمور على ما يرام، وأعود للتناول، فأشعر عندئذٍ بأنني استعدت ذاتي الضائعة, واكتشف أن الطريق إلى الله يتم عن طريق مصالحتي لأخي.

4- إنسان تخاصمت معه. ولم أعد أدرِ أين هو. ترى هل اختفى هذا الإنسان أم هل هو مسافر؟ لا أدري. لم أعد أشاهده، أصبح بالنسبة لي كأنه غير موجود. هل هناك ضرورة لإخبار الأب الروحي بذلك؟ هل أذهب إليه وأقول له: يا أبونا هذا ما حدث لي، وهذا الشخص غير موجود، وأنا أريد أن أتناول، هل أستطيع المناولة؟

 الجواب: حين قمت بقول ذلك للأب الروحي، حينئذ نظف قلبك من كل ما شابه وعلق به من الأمور التي أزعجتك من هذا الإنسان الآخر. سامحه مسامحة كلية, واطلب من ربك أن يغفر لك هذا الخصام الذي وقع بينكما. فإن استطعت أن تقبل الأمر بمحبة وبقلب نظيف ونقيّ، فأنت تستطيع أن تخاطب الله بواسطة الأب الروحي بقولك: حاضر يا أبتي. فيعطيك البركة, ويقرأ لك أفشين الحل, وتذهب عند ذلك وتتناول. إذاً يمكن أن تؤدي المناولة بعد المعالجة. إلا أنني الآن أضيف على سؤالك بصيغته هذه افتراضاً آخر جديد. نفترض أن هذا الشخص كان مسافراً وعاد بعد خمسة أو ستة أشهر, فماذا أفعل؟ أذهب إليه فوراً وأتكلم معه. ونضيف على هذا الافتراض، افتراضاً جديداً, نفترض أن هذا الشخص لا يريد الحديث معي، فهل أتكلم معه؟ عندما يرفض هو الحديث معي، عند ذلك يصبح الأمر مشكلته، أما أنا فأكون قد نظفت قلبي وقمت بما يجب علي من محاولة إجراء حديث معه. عن طريق السلام عليه صباحاً مساءً وليلاً ونهاراً كلما التقيته منطلقاً من على نيتي السليمة.

5- هل كل مناولة تستدعي جلسة مع الأب الروحي؟

-       ليس كل مناولة تتطلب اعترافاً، كما ذكرت قبل قليل، الزمن المقبول الفاصل بين تناوب لقائي مع الأب الروحي هو- كما ذكرت- شهرين، وليس هناك الضرورة لغيرها. الصلوات التي نلتها من الله بواسطة الأب الروحي هي لكل المناولات، إلا إذا حدثت قضية معينة تستدعي صلاة خاصة، فعندها لا تستطيعين المناولة حتى تشاهدي الأب الروحي. وتنالي بوساطته بركة من الله.

6- عندما لا أريد أن أقول أمراً ما للأب الروحي، فهل استطيع أن أخفي مثل هذا؟

-       لا نظنن أن الأب الروحي بعبعاً أو وحشاً مخيفاً. إنه يتمثل بإلهه، المتصف بإنه محب ورحوم. إنه كلما زاد علمه بسر جديد من أسرارنا كان ذلك دافعاً له ليصلي لنا أكثر، ويحملنا في قلبه بعمق أكثر. لذا، فإن من المفيد جداً أن تكشفي قلبك للأب الروحي، فهو بالإضافة لما قلته، يمكنه أن يفيدك بشيء إضافي لم يخطر ببالك. من الممكن أن ينصحك في هذا الأمر الذي لا تريدين قوله، فيقدم لك شيئاً أكثر من الذي ذكرتيه. فالذي ما ذكرتيه صحيح، ولكن الأب الروحي يكمل، ما أنت بحاجة إليه، ليصلك بيسوع من خلاله كأب روحي ذي خبرة روحية واسعة ما لا يخطر في البال، وعندها تقولين أشكر الله لأني استشرت الأب الروحي. لأنه بعد كشف كل أسرارك له تصلين إلى ما تندمين عليه.

7- سؤال دقيق وحرج: إن لي صديقاً واقعاً في مشكلة، ويريد إخفاءها عن الجميع حتى عن الأب الروحي، ولكنه باح لي بها وبقيت محصورة بيني وبينه، ما صار بيننا هو تشكل سر لا يحق لي إفشاءه، والذهاب إلى أشخاص آخرين لكي يقدموا له المساعدة.

 يا إخوة. لا أحد بمفرده يستطيع أن يحلَّ مشاكله. ومن أخفى مشكلة يكون قد جهز نفسه لتكبر مشكلته ويصعب حلها. الإنسان الذي يحاول أن يحل مشكلته بمفرده، يبعد نفسه عن أجواء التعاون مع غيره. الله خلقنا متعاونين، الله خلقنا لكي نتعاون كلنا ونعمل معاً يداً بيد. جميل أن أتواضع وأذهب إلى عند أبي الروحي، وأقول له بكل طيبة وبكل إيمان: أنا واقع يا أبتي في مشكلة، ثم أخذ في عرضها عليه، وأسأله في ختامها بماذا تنصحني؟ سيكون لهذه النصيحة قيمة كبيرة في حل المشكلة بصورة صحيحة وسليمة. وإذا ما ترفعت عن الذهاب إلى أبي الروحي لأي سببٍ كان، أبقى سجين نفسي، مقيداً بمعلوماتي وحدود معرفتي، فتضطرب علاقتي بالله نتيجة تعقد المشكلة، عندما ينطلق الإنسان صاحب المشكلة إلى الآخر، وخاصة إذا كان الآخر أباً روحياً، عندها تتسع دائرة رؤية المشكلة، فيرى الأب خفايا المشكلة، مستعيناً بخبرته الغنية ويقدم لي حلولاً لم تأتِ ببالي وأُصبح قادراً على حلِّها بشكل أفضل. لماذا يجب أن يخسر الواحد منكم هذا الشيء؟ تتحقق خسارة الواحد منكم عندما ينغلق على نفسه. وبذلك يتحول إلى أناني بسبب انغلاقه على نفسه. حاولوا يا إخوة أن تكونوا منفتحي النفوس دائماً خاصةً في علاقتكم مع الأب الروحي. إن هذا يساعدكم للوصول إلى حل القضايا بصورة أكثر دقة وفائدة، محققين ما لم يكن يخطر على بالكم. سأضيف في هذا الجواب أمراً آخر، عندما لا يعجبك الجواب لا تعملي به. عندها يبقى سر القضية بينك وبين ربك. ولكن عندما تستفيدين مما حصلت عليه من أبيك الروحي، تشكرين ربك على استنارتك. فتتشجعي بالذهاب إلى الأب الروحي دائماً لتأخذي خبرته مقرونةً بمعلوماته. أي لتأخذي مشورة الرب بوساطته.

لقد قلتِ في السؤال كلمةً مهمةً وهي (حتى لا يفضح القضية). الأب الروحي هو الذي يستر القضايا، وليس هو الذي يفضحها. إذاً عندما نتكلم مع الأب الروحي لا نفكر بهذا المنطق. لقد ذكرت لكم في بداية الحديث أن العلاقة بينكم يجب أن تركز على عدم إفشاء السر، فكم بالأحرى أن يلتزم الأب الروحي بذلك. الأب الروحي هو الذي يصلي من أجل الإنسان الآخر، الذي ينوء تحت ثقل مشكلته، يصلي له حتى يتدخل الله ويحل له المشكلة، وأن تبقى المشكلة في حدودها الضيقة. وهو الذي ينصح صاحب المشكلة بعدم إخبار أحد وأن تبقى القضية في هذا الإطار (الله- صاحب المشكلة- الأب الروحي).

8- ماذا أعمل مع صديق لا يريد البتة الالتجاء إلى الأب الروحي؟

- شخص التجأ إليك عارضاً مشكلته, انصحيه بالحديث مع الأب الروحي. وإذا لم يقبل, فأخبري الأب الروحي أن لديك صديقاًَ تتمنين أن يصلي من أجله بدون ذكر اسمه. عندها تكسبون صلاة الأب الروحي، فصلاته ستنفع الآخر كثيراً، ويسوع قال: "صلّوا بعضكم لأجل بعض".

9- في حالة عدم قبول الآخر الاستجابة لزيارة الأب الروحي، فهل تكفي صلاة الأب له؟

مهمٌ جداً أن تستفيدوا و تستعينوا بالآباء الروحيين. استفيدوا من صلاة الأب الروحي, بعد قولكم له: لدي صديق أو صديقة واقع بأزمة هل من الممكن أن تذكره في صلاتك؟ إن فعلتم ذلك تكونوا قد فعلتم الحد الأدنى وهو جيد. بالرغم من أن الآخر سيكون قد افتقد أموراً كثيرة برفضه المكوث معه والتحدث إليه.

10- ماذا يعمل الله مع من يكشف الأسرار؟

نحن نقرُّ ونقول إن في هذا الإفشاء خطأ جسيم. ولكن استعينوا دائماً بالصلاة, اطلبوا من الله دائماً على الشكل التالي: يا الله سامح هذا الذي أخطأ وساعد الذي له مشكلة. أما ماذا سيفعل الله بهذا فهو أمر لا نعرفه! لأن الإنسان إذا أخطأ وتاب فإن الله يعمل منه قديساً. اللص اليميني الذي عمل أخطاء لا عدد ولا حصر لها، قال للمسيح عند موته جملته الوحيدة: اقبلني اليوم في ملكوتك. بطلبه التوبوي دخل الفردوس. هل نستطيع نحن معرفة قلب الإنسان الآخر ولو بعد لحظة؟ من الممكن أن أقول لك اليوم شيئاً يزعجك، وأكون بذلك غير جيد, ولكنني قبل أن أصل إلى بيتي أرجع إلى نفسي فأقول، ماذا فعلت يا رب، ساعد الآخر يا رب، وسامحني لأكون أنا معك، وهذا تغيرٌ لا يمكن التنبؤ به. لا نستطيع معرفة كيف تتصرف قلوب الناس بعد الخطأ. نحن مدعوون دائماً لأن نتغير, مدعوون إلى أن نفكر بتدقيق لنتعرف إذا ما أخطانا وكيف نصحح أخطاءنا؟ ودائماً نطلب من الله المساعدة على تصحيح الخطأ. فكيف أستطيع أن أدين من أخطأ معي, إذا كان الأمر كما شرحت لكم. ماذا سيفعل الله بهذا الإنسان لأنه أخطأ؟

11- في حال وفاة طفل، فماذا يحصل له إن يكُن معمداً بعد، وهو بنظري ملاك ؟

أنا احترم كثيراً معرفتك التي صنفت الطفل فيها، وذلك حين قلت إنك تعرفينه. هذا رأيك النظري. وإذا كنا نحن ببساطتنا ورأينا المحدود حكمنا أن الطفل ملاك، تُرى ما الذي يحكم الله به؟ يجب ألا نتفاجأ من حكمه فالله الهٌ محب ورحيم. نحن نقول علينا أن نعمد الأطفال، حتى يكونوا مستنيرين بنعمة المعمودية. إذا توفي طفل وهو غير معمد بعد، فهذا يعني أن ربنا سمح بذلك، وكما نعلم فإن ربنا رحيم. هذا ما نعرفه عن الله، وبدون أن يكون لدينا جواب للسؤال، لدينا إحساس أن هذا الكلام صحيح وأن الأطفال ملائكة، ولكن هذا لا يعني أن نتقاعس عن إجراء المعمودية.

أنصحكم إذا رأيتم طفلاً مريضاً، انصحوا أهله وذويه أن يعمِّدوه فوراً. وإذا كان مشرفاً على الموت ولا يوجد كاهن قريب, فبإمكان أي شخص منا أن يمسك كأس ماء ويقول: أنا اعمد فلان على اسم الأب والابن والروح القدس، ويسكب عليه ماءً، عندها يصبح الطفل معمداً, وإذا توفي هذا الطفل ينتقل معمداً, وإذا عاش يكمل الكاهن عندها عماده، فيعطيه الميرون والزيت. اسعوا ألا يموت أحدٌ بدون عماد. كما أننا نتذكر الطبيب الجسدي، علينا أن نتذكر الطبيب الروحي, في مثالنا السابق، بالإيمان الذي نحمله نكون قد عمدنا الطفل. فاليقظة الروحية تجعلنا حريصين على ألا منا أن يموت أحد، بدون أن يكون معمداً.

12- هل يتعارض الدين والعلم؟

أكثر سؤال يُعثر الناس به, وهو أكثر سؤال واضح تماماً، بأن الدين والعلم متوافقان.

مَنْ خلق هذا الكون؟ الله. وهو عندما خلق هذا الكون وضع له النظام الفيزيائي. هذه الكواكب والمجرات، والأفلاك الكبيرة بأعدادها الكبيرة جداً موجودة ضمن نظام وضعه الخالق، من أجل أن يبقى الكوكب مضبوطاً بأنظمة دقيقة جداً, يُؤمن حياة الإنسان الذي خُلق عليه، دور العلم أن يكتشف القانون الحاكم في الكون, أي إن العلم يكتشف القانون الذي وضعه الله لمسيرة الكون. المتدين يخاطب الله بالروح روحياً, والعالم يتوصل إلى الله من خلال القانون الفيزيائي، وهو الذي يكتشف أن الله خلق هذه الدنيا ووضع لها النظام. الكرة الأرضية تبعد عن الشمس مسافة ذات نظام محدد ودقيق, هذا ما أوجده الله واقعياً. العلم هو عملية اكتشاف القوانين الإلهية، التي خلق الله بها الكون حتى يكون الكون موجوداً. إذاً العلم والإيمان لا يتعارضان، ولكن لكل منهما لغته الخاصة, إنهما لا يتحدثان باللغة نفسها. يتحدث الإيمان عن النظام الكوني بالروح، والعلم يتحدث بالرياضيات والفيزياء. لو كان موضوعنا يدور حول الإيمان والعلم لتحدثنا بتفاصيل دقيقة عن هذا الموضوع, ولكنني في هذه الإجابة اكتفي بإضافة ما يلي:

العالم يتوصل إلى الأجوبة من خلال الدراسة، والمؤمن يتوصل إلى الأجوبة من خلال الإيمان بالله، مستخدماً القلب والعقل مجتمعين. كل منهما له طريقته الخاصة. لا نقول للعالم اعمل بطريقة اللاهوتي. ولا للاهوتي اعمل بطريقة العالم. لأن كليهما يتوصلان بدراستهما إلى الحقيقة الإلهية. توجد كتب كثيرة لعلماء كبار في العالم مترجمة إلى العربية يتكلمون فيها كيف أنهم وصلوا إلى الإيمان، ولم يكونوا من قبل مؤمنين، ولكنهم من خلال عملهم وصلوا إلى الإيمان. ومن بين هذه الكتب:

- العلم يدعو إلى الإيمان.

- الله يتجلى في عصر العلم.

وسنجد في هذين النموذجين، أمثلة للعلماء الذين كتبوا هذه الكتب, وتكلموا عن اكتشافهم لله من خلال علومهم. نعم إن التشويق في البحث يُخفف من عناء طوله الشديد.

13- كيف أعمل لكي لا تتكرر الخطيئة؟

- سؤال واقعي يرد إلى أذهانكم جميعاً، وذلك لأنه ليس أحد منكم بلا خطيئة؟ كلنا نخطئ، ولكن الإنسان منا يجب قبل النوم يومياً أن يستعيد أخطاءه، ويصلي، ويطلب من الله أن يغفر له خطاياه، وأن يمحوها له من أجل أن لا يقع فيها مرة أخرى. الشيء الأساسي أن أنتبه كي لا تتكرر خطاياي. -هذا شيء- والشيء الآخر، هو أنني عندما اجتمع مع أبي الروحي، أتكلم معه أني أخطأت يوم كذا. ويزيد من إحساسي بالضيق أنني مرشد، فيستوعبني الأب الروحي، ويسدي لي النصائح التي تعطيني الأجوبة المساعدة لي. هذه الأجوبة المساعدة التي أتلقاها من الأب الروحي، مجموعة مع الصلاة التي أرفعها إلى الله مباشرة، تجعلني أتدرج نسبياً في تقليل أخطائي حتى أصل إلى مستوى لا أعود أخطئ.

14- ما معنى أن أفهم معاني الإنجيل أثناء قراءتي له؟

-       هناك وقت يجب أن نوفره دائماً لقراءة الإنجيل، وأن تكون قراءتنا مقرونة بالفهم. إذا تذكرتم قصة فيلبس زمن يسوع، حين أرسله إلى الخصي الحبشي وزير كندا. فقد وجد فيلبس الخصي يقرأ في العهد القديم, وحين رأه سأله كيف أفهم إذا لم يشرح لي أحد؟ فأجابه فيلبس قائلاً: أتريد أن أشرح لك؟ فقال له نعم؛ فجلس معه, وشرح له كل النبؤات ففهم الخصي كل شيء. وبعد أن امتدا لقاؤهما إلى ساعاتٍ طويلة, وصلوا إلى مكان فيه ماء, فقال له الخصي: لقد فهمت كل شيء, فهل بإمكانك أن تعمدني؟ السؤال المنطقي هو لو لم يفهم ما شرح له كيف كان سيصبح مسيحياً؟ نحن كمسيحيين محتاجون لفهم أكثر لكلمات يسوع. فنحن قد نلنا سر العماد المقدس على اسم  يسوع, وهو ما يعرض علينا قراءة كلماته, والفهم مبني على الصلاة دائماً, لأن الشرح حاملاً أسرار الروح يتحقق عندما أصلي. كما وأنني أصلي قبل قراءة الإنجيل لأفهم آياته، وهو ما سيفيدني بشكلٍ أوضح في الصلاة. ولو أنني حاولت فهم الإنجيل بدون الصلاة، لدارت محاولتي حول فهمه كلغة. بالصلاة أتعامل مع النص كروح، ويبقى علي تدراك نقص معين، فما هو؟ مثلما روت قصة فيلبس حين ساعد الخصي الحبشي، كذلك أنا بحاجة لمن يساعدني. وليس أي أحد يستطيع مساعدتي, وهذا ما يوجب عليَّ اللجوء إلى الشخص المناسب. من هو البديل عن فيلبس؟ هو الأب الروحي أو المرشد في التعليم، من الذين رسخوا في هذه الخبرات، وأصبحوا يعرفون معاني الكتاب المقدس أكثر من غيرهم. إذن ما يحقق لي هدفي هو البحث عن الخير، أن أبحث وبدون هذا البحث تبقى قراءتي بلا معنى ولا فائدة.

15- ماذا يحصل لو أشرف إنسان على الموت، قبل أن يفي بنذره للرب؟

على كل فرد منما أن يعي أنه حين ينذر يكون قد حملَّ نفسه عبئاً كبيراً، ويجب تنفيذ وعده الإلهي بالسرعة الممكنة. فإذا تمكن الناذر من تحقيق إيفاء هذا النذر، يكون قد قام بالشيء الصحيح، وإذا وصل إلى الموت ولم يقم بالتنفيذ. عندها يصلي ويطلب من الله أن يمدَّ في عمره حتى يفي النذر. ويضيف على دعائه طالباً المسامحة إذا أخذ الله روحه. هذا الطلب للمسامحة الإلهية ينوب مناب الإيفاء بالنذر. وربنا محب ورحيم، فعندما يرى النفس منفتحة نحوه بإيمان ومحبة، فهو يقبل منها كل شيء.

هذا يكفي اليوم وإلى لقاءٍ قادم إن شاء الله.