حديث الأسبوع (8 تموز)

أرشيف

وعظة الأحد

مرحلة منتصف العمر
(الكهولة)

موضوع للأرشمندريت يوحنا التلي رئيس ديري القديس جاورجيوس والشيروبيم

مخيم عربين للعائلات
في دير مارالياس المعرة
24-6-2016

 

أولاً: مقدمة
أظهرت الدراسات أن الإنسان مُصمَّم ليحيا مدة زمنية تُقدَّر بمئة وعشرين سنة يمر خلالها بالمراحل التالية:
+ مرحلة الطفولة: تبدأ من الولادة وتنتهي بعمر تقريبي قدره 11 سنة تقريباً، خلالها يكون قد تعلّم أبجديات الحياة مع اكتمال جسمه فيها.
مرحلة المراهقة: تبدأ بنهاية الطفولة لتنتهي بمرحلة الشباب أي من ال 11 حتى العشرين عاماً.
مرحلة الشباب: وهي الفترة الأكثر حيوية، وفيها يتم اكتمال بناء الجسم والعقل ويكون الإنسان في أوج قوته الجسدية والعقلية من ال 21 حتى ال 35 أو ال 40 عاماً.
مرحلة الكهولة التي تبدأ بالـ 35 سنة أو الأربعين والتي قد يسمّيها البعض شباب الشيخوخة لأنها فترة انتقالية بين الشباب والشيخوخة وتنتهي بال 65 عاماً.
وأخيراً، مرحلة الشيخوخة: وهي آخر مراحل الحياة من ال 65 حتى نهاية عمر الإنسان.
ويُعلِّق أحد أساتذة الطب النفسي على حياة الإنسان بالنظر إليه من خلال المرحلة التي يحياها بوقت ما فيقول: (الإنسان يستطيع أن يتمتع بالحياة في مختلف مراحل العمر، وكل إنسان يمرّ بهذه المراحل من الطفولة إلى الشيخوخة، ومن الأفضل أن تقسم هذه المراحل بخصائصها النفسية وليست البيولوجية، فالإنسان يتفاعل مع الحياة ويعيشها حسب خصائصه الفكرية والوجدانية والتي تختلف من مرحلة إلى أخرى، فرؤية الطفل للحياة تختلف عن رؤيته في سن الشباب، وكذلك تختلف عن رؤيته في سن الكهولة وما تلاها، ويعود ذلك لتفاوت درجات النضج).
ثانياً: مرحلة الكهولة
ويُطلق عليها مرحلة منتصف العمر وهي أطول المراحل ويمر بها كل إنسان رجلاً كان أو امرأة. من هذه الناحية هي مرحلة انتقالية طبيعية؛ ويسمّيها الكثيرون «أزمة» ويمكن القول بأنها مرحلة تمر فيها الغالبية العظمى من الناس، وترتبط بتغيرات بيولوجية وهرمونية لا يُعفى منها إنسان.
في مرحلة الكهولة يبدأ الجسم بمؤشرات خفيفة تدل على أن هذا الإنسان هو في مرحلة جديدة، فيظهر شيب خفيف يشعر الإنسان بسببه أنه بدأ يفقد بعضاً من حيوية مرحلة الشباب وقوّتها. ويلاحظ خلال هذه الفترة أن مجرد النظر في مرآة ورؤية الشعر الأبيض تتكون حالة من الحزن، كما أن ظهور الدوائر السوداء حول العينين تزيد من حدة الشعور بالتعب. زد على ذلك التجاعيد التي تبدو أكثر وضوحاً. ويبدو أن الغموض وعدم فهم المرحلة يعطي شعوراً بأن الوقت يمر بلا رحمة، وأن الشباب ليس أبدياً. هذا الحال يشبه من يضع الرمل في يده كالساعة الرملية وينزلق هذا الرمل من بين أصابعنا بسرعة ويفلت منّا دون أن نستطيع أن نفعل شيئاً. وفي أذهاننا، يبدأ العد التنازلي لنهاية الحياة. وهذه صدمة من الممكن أن تكون رهيبة.
هذا العمر هو الوعي بقوة على محدودية حالة الإنسان!
ولكنه من جهة ثانية يكون في مرحلة نفسية وعقلية تتّصف بالاتزان والنضج والرشد، لا بل وبالحكمة أيضاً. ولكن هل بإمكاننا اعتبار الكهولة هي مرحلة الضعف أيضاً؟ نعم!! فالانحدار يبدأ عند مرحلة منتصف العمر ليصل فيها هذا الكهل إلى استقلاله الذاتي، وتكييف آماله لمظاهر بيئته ومطالبها. علماً أن بداية المرحلة قد تتقدّم أو تتأخّر تبعاً لاختلاف الوراثة والبيئة والجنس.
إن هذه الفئة من الكهول يهمها أن تؤكّد دورها في حياة مجتمعها، لذلك من الضروري أن يستفيد الذين يتعاملون معهم أن يعرفوا كيف يتم التعامل معهم في المجتمع وخلال العمل للاستفادة من هذه الميزة، لأنهم قادرون أن يمنحوا الشبيبة أجواء تلائم نموهم وتُيسِّر إعدادهم وتأهيلهم لما سيقومون به في المستقبل، كما وأيضاً يسهمون في تطوير التنمية التي يتوقف نجاحها على مدى وعيهم بأهدافها، وعلى مهارتهم في إحداثها وتطويرها. إن إرادة كهذه قادرة أن تجعل مرحلة الكهولة تسير دون توقف من أجل تقوية فكر المجتمع وتعميقه، مع تعمقها ضمن إطار المجتمع الذي تعمل فيه لرؤية حقيقية للعالم والكون، لا بل للجمال والفن أيضاً، بعمل متطوِّر غير متوقِّف.
ويشارك الإنسان في عمر الكهولة في صنع الرأي العام وفي قيادته وتوجيهه، لدرجة أن المؤسسات الاجتماعية تعتمد على قدرتهم في أداء أدوارها، وعلى قدراتهم في اختيار الوسائل والأساليب الضرورية للوصول إلى الأهداف المرسومة للمؤسسات، وهم الذين يُكسبون مجتمعاتهم خصائصها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والدينية.
ثالثاً: تغيرات جسدية يعاني منها الإنسان في مرحلة الكهولة

تحدث هذه التغيرات في المجالين البنائي والوظيفي لجسم الإنسان، مما يُسبّب تباطؤ عما كانت عليه الحال في المرحلة السابقة، وذلك أثناء تأدية هذه الوظائف دورها. والمرأة تعاني من هذه التغيرات أكثر من الرجل، ويحدث هذا التغيّر خاصة بعد سن الـ 45 ليكون بمثابة تعبير عن تجاوزها سنوات الشباب، وخاصة القدرة على الإنجاب. وهو ما يُطلق عليه (سن اليأس)، لكنه يختلف في شدته ونوعه من سيدة إلى أخرى، باختلاف الحالة الصحية العامة وطبيعة تركيب الجسم والمزاج.
أما أهم التغيرات التي ترافق مرحلة الكهولة، فإنها تأتي بتغيرات تظهر بشكل تدريجي أهمها:
+ جفاف أنسجة الخلايا، وتباطؤها في النمو وفي تأدية وظائفها.
+ نقص معدل تمثيل الغذاء وامتصاصه، الأمر الذي يظهر سلباً على قوة البدن.
+ تباطؤ في سرعة ردود الفعل العصبية – العضلية.
+ تراجع في قوة الحواس الخمس، وازدياد في حجم القلب، مما يؤثّر سلباً على قيامه بوظائفه، ترافقه زيادة في تصلّب الأوعية الدموية.
+ تأخر التئام الكسور العظمية والجروح، وفي شفاء الإصابات والنقاهة
منها.
+ ضعف في قساوة العظام، وزيادة في هشاشتها، وتعرّضها للكسور، وفي قوة العضلات وقدرتها، وفي تحمّل الكهل للآثار الناجمة عن ارتفاع درجة الحرارة وهبوطها، والإفراط في تناول الطعام.
رابعاً: الحياة الانفعالية في مرحلة الكهولة
نظراً لأن الإنسان في هذه المرحلة يتميّز بصفتي العمق والجدة، فإنه عند مواجهته بخبرة جديدة يرى بأنه من الضروري ألا تعارض أو تناقض مشاعره واتجاهاته وقيمه السابقة، ويرى أن الخبرة الجديدة تصير مقبولة لديه عندما تكون في موقع الاندماج مع حياته الانفعالية. لذا نجد بأن هنالك ثلاث مراكز انفعالية تتميز لدى إنسان هذه المرحلة وهي: (المحبة والغضب والخوف) وتتأثر دوافعها بشدة بعمر هذا الإنسان وبالثقافة التي نشأ فيها، وبالجماعة التي ينتمي إليها.
يبرز لدى الكهول أيضاً منعكس اجتماعي يرتبط بنفسيته، وهذا الأمر يأتي من خلال بروز حاجات جديدة تختلف عن حاجاتهم عندما كانوا بعمر الشباب، فتبدو أنها أكثر تعقيداً وعمقاً، علاوة على أنها متعددة ومتنوعة، كما وأنها تتأثّر بالظروف والعوامل الاجتماعية والاقتصادية التي كانوا يعيشون فيها، وهي حاجات أفراد في جماعة وثقافة معينة، ولكنها في النهاية هي حاجات تنطلق من جماعة الكهول أنفسهم أي من واقع حياتهم الذي يتحرّكون فيه، والقائم على قوة نشاطهم واتصالهم وارتباطهم بالأسرة والعمل والكنيسة وأنشطتها الروحية، وهي حاجات جديدة تنبثق من استنارتهم. فمثلاً قراءة موضوع أو كتاب، أو إطلاع على حدث يؤثِّر بصميم المطلع عليه، أو حدث يتحقّق مصادفة قد يكون بداية حاجة إلى الاستزادة من المعلومات ذات العلاقة بذلك الموضوع.
خامساً: الحاجات النفسية للكهول
إن حاجات الكهول النفسية عديدة ومتنوعة. ومنها حاجات إيجابية على الإنسان معرفة التعامل معها لتبقى نفسيته بكامل حيويتها وفرحها وسعادتها، ومن أهمها الحاجات المعرفية والانفعالية والعاطفية والجمالية والاجتماعية والقيميّة.
ولكن من الوجهة السلبية أن الإنسان في هذه المرحلة قد يتعرّض لأمراض نفسية متنوعة، كمثل حدوث اضطرابات وظيفية ومزاجية في الشخصية ترجع إلى الخبرات المؤلمة أو الصدمات الانفعالية، أو حدوث اضطرابات في علاقات الفرد مع الوسط الاجتماعي الذي يعيش فيه ويتفاعل معه، فترتبط هذه الاضطرابات بماضي حياته، وقد ترافقها أعراض من أهمها الشعور بالقلق والوسواس وسهولة الاستثارة والإحساس المفرط وهيجان في المعاملة مع الآخرين، واضطرابات في النوم والطعام. ومن الملفت للنظر أن كل ذلك قد يحدث دون المساس بترابط شخصية الكهل أو تكاملها، فيبقى قادراً على تحمّل المسؤولية كاملة والقيام بالواجبات الملقاة على عاتقه.
الأمراض النفسية الأكثر شيوعاً لدى الكهل هي:
+ القلق: وهو الإحساس بخوف مُبهَم، وشعور يستحوذ عليه آت من فكره بأن شيئاً غير سار سيحدث في المستقبل، فهو يعيش في حالة انتظار لخطر يتوقّع الشخص حدوثه.
+ الهيستريا: تُطلق على نوع من الأمراض النفسية يتحوّل فيها الصراع النفسي إلى ظواهر وأعراض جسيمة تختلف تبعاً للمواقف والأحوال.
+ السيكاستينا: وهو نوع من اضطراب السلوك لأفراد يجدون أنفسهم مضطرين إلى التفكير أو التصرّف بطرق يعلمون أنها ليست طبيعية، وأكثرها انتشار المخاوف الـمَرضية (الفوبيا).
سادساً: مرحلة الكهولة ليست مرضاً
تداهم الكهولة الإنسان في الأربعين من عمره تقريباً بالرغم من أننا حددنا بدايتها بأقل من ذلك بقليل ، فيتحدّث البعض عنها من جهة مرض يحل بالإنسان. في حين أنها ليست بمرض إنما مضاعفاتها يمكن أن تكون مرضاً كالقلق والاكتئاب والأعراض النفسية والجسمية التي تنتابه.
غالباً ما يجري الرجل عملية محاسبة لنفسه عن ماضيه وحاضره ومستقبله، وقد تبدو سنوات عمرهالماضية، وكأنها كابوس ثقيل، فهو غير راضٍ عما تحقق فيها، ويشعر أنه فشل فشلاً ذريعاً في تحقيق أحلامه، وبحسابات الحاضر هو أيضاً خاسر، لأنه ضيّع عمره هباءً، ولم يعد يملك شيئاً ذا قيمة، فقد أُنهكت قِواه وذهب شبابه وضحّى بفرص كثيرة منها ما هو من أجل استقرار أُسرته، ومع هذا لا يُقدِّر أحد تضحياته، لذلك يشعر بأن الأرض تهتز تحت قدميه.
أحياناً يريد أن يبدأ صفحة جديدة من حياته وهذا يتطلب الابتعاد عن الزوجة والأولاد والتحرّر من قيودهم، وإذا بالغ بهذا التفكير نراه يرتبط بمجموعة جديدة من الأصدقاء الجدد الأصغر سناً. وأحياناً يبالغ بالتحرّر فيحدث ما هو مدمّر له ولبيته خاصة.
وأحياناً يشعر بالاشمئزاز من نفسه فيُهمل مظهره ويُفضِّل العزلة بعيداً عن الناس ويفقد الاهتمام بكل ما حوله. وأحياناً يستبدل عزلته الفارغة بعزلة ينكب فيها على الصلاة وعلى اكتساب الأمور الروحية كقراءة الكتاب المقدس وغيره من الكتب، فإن بقي بوحدته على هذا المنوال فإنه يبقى يتخبّط مع ذاته. وإذا اشترك وأسرته وامتد إلى مجتمعه الكنسي فإنه يستعيد إشراقة نفسه من جديد، حينها يعترف بأنه فقد أشياء كثيرة كرجل شاب، ولكنه اكتسب أشياء أخرى كأب وكقيادي في عمله وكمشارك في مجتمعه.
بمعنى آخر يتقبّل البعض الأمر بسهولة، وتمر هذه المرحلة بلا مشاكل خصوصاً في الرجال الناضجين الذي يدرك الواحد منهم أنه لربما خسر بعض شبابه ووسامته وتألّقه، ولكنه بالمقابل قد اكتسب خبرة وامتيازاً بكونه أباً حنوناً وموظفاً ناجحاً، أو رائداً في مجال عمله واهتمامه.
ويتقبّل البعض آلام الأزمة فيتحمّلون ويقاومون في صمت، ويحاولون إخفاء الأزمة عمّن حولهم، ولذلك تظهر عليهم أحياناً بعض الأعراض النفسية المنعكسة على الجسد كآلام وتقلّصات البطن أو صعوبة التنفس أو آلام المفاصل أو الصداع الـمُزمن أو ارتفاع ضغط الدم.
والبعض من أولئك الذين يعانون أزمة منتصف العمر يتحوّلون إلى المرض النفسي كالقلق أو الاكتئاب أو الهيستريا أو التوهّم من مرض ما أو الشكوى الدائمة، أو أي اضطراب نفسي آخر.
فمن المفيد أن نسعى جاهدين دائماً أن يكون لحياتنا معنى يتجاوز حدود ذاتنا، يربطنا هذا المعنى بالخلود والأبدية، ويجعل حياة دنيانا حلقة ممتدة من حلقات وجودنا المرتبط بعالم الملكوت فنتقبّل كل مراحل عمرنا برضى وسعادة. وأن يكون لكل منا أب روحي نتحدّث معه عن هواجسنا فيساعدنا على الوصول إلى مسيرة حياتنا بسلام.
كما أنه من المفيد أيضاً أن تشعر الأسرة بأزمات بعضها البعض وأخص بالذكر: الزوجة تشعر بزوجها والزوج يشعر بزوجته. ولا مانع أيضاً من اهتمام الأبناء بوالديهم. فوحدة الأسرة مسعف كبير لنجاح كل فرد في إطار حياته الخاصة.
سابعاً: أثر ضغوطات الحياة على الذين يمرّون بمرحلة منتصف العمر
وجد الباحثون أن منتصف العمر غالباً ما يكون الوقت المناسب للتفكير وإعادة التقييم، وليس من الضروري أن يترافق هذا دائماً مع الاضطرابات النفسية.
من أكثر الأسباب التي تشكل أزمة في هذه المرحلة وجود عمل أو عدم تأمينه، وأيضاً سلامة العلاقات الزوجية أو اضطرابها. وكذلك وجود أطفال في البيت أو عدمه، وفي حال وجود الأطفال مرحلة نضوجهم أم عدمه. ويدخل في الأمر مدى الاقتراب من الشيخوخة وهنالك التغيرات الجسدية التي تقود إلى الإحساس بالارتباط بالشيخوخة. إن أزمة منتصف العمر يمكن أن تؤثّر على الرجال والنساء بشكل مختلف بسبب الضغوطات التي تختلف.
يرى الباحث (أوليفر روبنسون) في هذا المجال من علم النفس أن الأزمة تبدأ من العشرينات عندما يحاول الشخص عادة رسم حياته كلها، لدرجة أنه يرى أن هذا الشاب ينظر أحياناً إلى مرض أو موت عندما يصل تدرّجه في العمر إلى الخمسين أو الستين. فكم بالحري عند المرض. هذا يعني أن الأزمة تشغل صاحبها بعمر سابق على دخوله في عمر الكهولة، وبالتالي قد تُعفي صاحبها من إحساسه بأنه في أزمة، فمسيرة الحياة قابلة لأن ينتقل الإنسان من مرحلة إلى أخرى دون أزمات صارخة. وربما تكون هذه النقطة هي التي جعلت البحث الأكاديمي منذ عام 1980 يرفض فكرة (أزمة) منتصف العمر كمرحلة يمر بها معظم البالغين. ويُعتقد أن نوع الشخصية والتاريخ هو مَن يهيئ لأزمة نفسية عند بعض الناس للوصول لأزمة منتصف العمر التقليدية التي يعاني الناس فيها من مجموعة متنوعة من الأعراض ومتباينة في السلوك.
أما المشاعر التي يعاني منها الأفراد في أزمة منتصف العمر فأهمها:
+ شعور عميق بالندم لأهداف لم تُنجز.
+ الخوف من الذل بين الزملاء الأكثر نجاحاً.
+ التوق لتحقيق الشعور بالنضارة الشبابية.
+ الملل والارتباك والاستياء أو الغضب بسبب السخط من الشريك، والملل أيضاً من العمل والصحة والحالة الاقتصادية أو الوضع الاجتماعي.
+ الطموح لتصحيح الأخطاء التي يشعرون أنها حدثت في وقت مبكّر من الحياة.

ثامناً: كتاب أزمة منتصف العمر للباحثة النفسية إيدا لوشان
هدف إيدا لوشان في كل ما قدّمت من أبحاث وروايات يتمحور حول محاولة إسعاد الناس وتعليمهم كيف يحيون حياة سعيدة في مختلف مراحل العمر. وفي كتابها الذي نتحدّث عنه يرى خبير الصحة النفسية الدكتور يحيىالرخاوي: (أن الكتاب يتناول مرحلة منتصف العمر، وهي مهمة للغاية في حياة الإنسان،... إلا أنها مرحلة مظلومة من حيث اهتمام الإنسان بها، ويرجع ذلك لاقتناع البعض بأنها مرحلة الفتوة والنضج،...).
وتنبِّهنا المؤلِّفة إلى أمرين أساسيين: أولهما أن يتمتع المرء في هذه المرحلة بحد ذاتها، فيحياها بفرح يتماشى ومسيرة هذه المرحلة. وثانيهما، أن يدّخر في هذه المرحلة القوة التي تعينه على استكمال حياته في المرحلة التالية من عمره والتي هي مرحلة الشيخوخة، التي تكون أكثر ضعفاً ووهناً.
وقد تناول الكتاب مشاكل المرأة لهذه المرحلة بشكل خاص، فتحدّث عن انقطاع الطمث الذي ينهي دور المرأة لإنجاب الأطفال. وعالجت فيه أن هذا الأمر كان يسمي المرحلة هذه بغباء وإهانة وجهل، يسميها (سن اليأس). فالذي فعلته (لوشان) هو أنها رفعت هذا الوشم عن هذه السن وأعادت للمرأة دورها الإنساني والإبداعي والوجداني الممتد ما امتدت بها الحياة، والذي يمكن أن تنضج أشهى ثماره في مرحلة (منتصف العمر) هذه.
نعم، إن منتصف العمر هو اللحظة التي يشعر فيها الإنسان أن هذا العمر قد مرّ. وعندما يتوقّف متسائلاً: هل أُكمل المسيرة أم لا وأصنع لنفسي فرصة ثانية لأُدرك المعنى الحقيقي الذي أريد أن أكون عليه؟ ولكن (لوشان) تضيف بأنه: (علينا هذه المرة أن تكون قراراتنا مشمولة بالمرونة النابعة من استقلالنا في هذه السن، وأن نكون متّصفين بالصدق والشجاعة اللذين اكتسبنا منهما المزيد على مر السنوات... وأضافت إنها لفرصة جيدة ليعرف الإنسان الحقائق الخاصة به، في الوصول لمزيد من الوضوح مع النفس، وكشف الذات أملاً في الوصول إلى سلامة الصحة والصداقة والثقة المتبادلة). 
وتستعرض الكاتبة واقع الكثير من النساء اللواتي استمتعن بدور الأم والزوجة وبأعمال المنزل، وترى أن التقليل من شأن الأمومة يبلغ من القسوة والشر مثل ما يبلغ الرأي القائل أن النساء لا يصلحن إلا لأعمال المنزل.
ولاحظت الكاتبة أن الرجال في منتصف العمر أكثر تعاسة من النساء، فهم غالباً في منتصف العمر يلهثون دوماً ليوفّروا لأُسرهم المزيد والمزيد من الأشياء التي في كثير من الأحيان لا تمثّل حاجة فعلية للإنسان فيقتل الرجل نفسه طلباً للتملك المادي، ويتحوّل دوره مع الوقت إلى مجرد مموّل دون أن يشعر ببهجة أو سعادة، أو يكون ما ينبغي أن يكونه. وهنالك ملاحظة ثانية مهمة ترى الكاتبة فيها أن أكثر الزوجات سعادة هن المتزوجات من رجال لهم فكرهم ورغباتهم واهتماماتهم الخاصة. فالمرأة التي تجعل من زوجها دمية لا يمكن أن تشعر بالسعادة. 
من المفيد القول حول الكتاب أننا ونحن في منتصف العمر نواجه الحقيقة الأليمة، حقيقة أننا غير خالدين، وهي حقيقة لا نصدّقها ولا نحتملها. فمن هم دون الخامسة والثلاثين يعتقدون أن الحياة أمامهم (إلى الأبد). وفجأة تواجهنا هذه الحقيقة وخاصة إذا قاربنا الخمسين أو اجتزناه لنبدأ الحساب: مَن نكون؟ ماذا فعلنا بحياتنا؟ فنعي بكل الألم حقيقة أننا غير خالدين، وأن الحياة لم تعد بلا حدود.
في الحقيقة يستطيع الإنسان المؤمن أن يخرج من هذا المأزق لأنه يربط حياته بالله الأبدي الخالد فيزداد روحانية وإيماناً وارتباطاً بالكنيسة والعمل من خلالها فيستعيد سعادة أبديته وخلوده بواقعية حية.
وأضيف لقولي أمراً آخر هو الحدث التالي: كانت هناك امرأة تعاني من مرض السرطان في مرحلة متأخرة، وكانت تبكي بصمت، عندما دخل الطبيب غرفتها في المشفى، فحاول أن يهدئ من روعها، لكنها قاطعته قائلة: (أنا لا أبكي لأني سأموت، بل أبكي لأني لم أعش). ويبدو أن السبيل الوحيد لتخفيف قلقنا بشأن الكبر والخوف هو أن يشعر المرء أنه قد فعل أفضل ما كان ممكناً له أن يفعله.
تاسعاً: الخاتمة
• هي مرحلة مظلومة من حيث الانتباه لها.
• هي بحاجة الى دراسة أعمق والتعرف الى خصائصها وتسليط الضوء عليها.
• هي مرحلة اكتمال النضج باعتبارها نهاية للفتوة والشباب.
• يشعر فيها المرء أنه ليس بحاجة للنصح والإرشاد والتوجيه، بقدر ما يشعر بضرورة ترتيب أولوياته من جديد ليحيا يومه وباقي عمره بقبول ورضى.
• تحتوي على قدر كبير من الانشغال ونسيان الذات والروتين السلبي والمكاسب المزيّفة.
• هي مرحلة عمرية طويلة من حياة الفرد الأساسية.
• في هذه المرحلة يستطيع المرء أن يكون ذاته بكل عمق وصدق.
• يصبح الانسان أكثر استقلالية وأكثر قدرة على فهم تفرّده واكتشاف طبيعته.
• التأكيد في أن قدرتنا على أن نُسعد الآخرين تكمن في قدرتنا على إسعاد أنفسنا.
• في هذه المرحلة يكتشف الإنسان حقيقة أنه ليس خالداً، ومعها تبدأ حسابات ماذا فعلنا ومَن نكون.
• على المرء أن يحاول أن يفعل أفضل ما يمكنه أن يفعله.
• يشعر الإنسان بحالة من الغربة والاضطراب بسبب الحيرة التي يعيشها بين ماضيه ومستقبله.
• أن يقبل استمرارية حياته لهذه المرحلة كمولود جديد يحمل خبرات ذات أهمية وعين لا ترى إلا الإيجابية.