حديث الأسبوع (1 تموز)

أرشيف

وعظة الأحد

الفرقة والمرشد في مدارس الأحد

 

أولاً: حياة الفرقة

ما هي الفرقة: هل هي صف مدرسي؟ يتم فيه تعلم مبادئ الإيمان، وطقوس العبادة؟ أم هي جماعة أشخاص منسجمين، لهم نشاطات وهوايات مشتركة؟ أم...؟

ربما تحمل الفرقة، هذا المعنى أو ذاك. لكن علينا أن لا ننسى أن الفرقة هي جزء من أسرة. والأسرة هي جزء من حركة روحية، وهذه الحركة قائمة في الكنيسة. إذاً الفرقة مجموعة من أعضاء الكنيسة، يجمعهم أنهم أعضاء من ذات الشريحة العمرية. ويكون من يرشدهم إلى كيفية عيش الحياة المسيحية هو من أكبرهم سناً أو أكثرهم خبرة. لتنطلق الحياة الكنسية من هذه المجموعة المحددة إلى بقية أعضاء جسد الكنيسة، ثم إلى المجتمع بأسره. إذاً، صار من الممكن أن نسمي الفرقة: بأنها نواة لخلية من خلايا الكنيسة. فبقدر ما يستطيع المرشد أن يجعل من فرقته خلية من خلايا ملكوت الله، يكون قد وصل إلى تحقيق هدف وجود وحياة الفرقة.

"إذا اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمي، فأنا أكون في وسطهم" (مت20:18)، من المهم جداً أن نفهم أن معنى كلمة اجتماع لا تعني الاجتماع المكاني أو الذهني، بل تفيد معنى أكبر وهو الشركة: "قلب واحد ونفس واحدة، وأن يكون كل شيء مشتركاً بينهم" (أع32:4). من هنا يتحدد هدف اجتماع الفرقة بأنه التمرس على العيش معاً، في جماعةٍ متحابة، تشد بين أفرادها روابط حميمة، بعيدة عن ممارسة المحبة كواجب، معزولة عن أي تعاطف فعلي.

لذلك فأولوية حياة الفرقة هو العمل على بناء هذه الروابط الحميمية التي تبنى على المحبة. التي بدونها لا يكون المسيح قائماً في الفرقة، وتفقد عضويتها الحركية، مهما كان فيها من نشاطات دينية وصلوات ليتورجية. من هنا ضرورة التأني عن الانسياق وراء هاجس الفاعلية والإنتاج في الفرقة، بل على المرشد أن يخصص لبناء روابط الألفة والمحبة الوقت الكافي، المترافق مع إعطاء المواضيع والنشاطات الأخرى. وهذا يتطلب وقتاً ليس بقليل.

كثيراً ما أصبح الطابع الشكلي يغلب على الصلوات في الفرقة، وكأننا نردد شعاراً ما. بينما يجب أن تكون الصلاة في بدء الاجتماع ونهايته كحاجة يشعر بها الجميع، ليعبروا عن فرح وحدتهم بالمحبة التي تجمعهم بيسوع. لذلك من المفيد أن يبدأ اجتماعهم بصلاةٍ عفوية يُذكر فيها دعاء: أن يجعل الرب اجتماع الفرقة على مثال قول الرب: "إذا اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمي، أكون أنا في وسطهم" (مت20:18). هكذا يشعر الجميع أنهم مجتمعون باسم المسيح الذي يوحدهم فعلاً، وتكون صلاة استدعاء الروح القدس كتتويج عملي لهذه الصلاة. والشيء عينه يمكن أن يتم في نهاية الاجتماع، بأن تُذكر صلاة تتعلق بما قد أُعطي في الفرقة، وتُختم بصلاةٍ ليتورجية.

إذا استطاعت الفرقة بجهد المرشد أن يلتئم فيها جميع الأعضاء لتؤلف عائلة متفاهمة متعاطفة، ينفتح فيها كل شخصٍ على الآخرين، ويتقبلهم على اختلافاتهم، ويتعاطى معهم بترحيبٍ واحترام، ويكون العضو فيها ليس مجرد اسم وشكل، بل يكون شخصاً معروفاً من الكل ومقبولاً في فرادته. عندئذ لا ينحصر أي واحد من أعضاء الفرقة في قوقعته وذاته، وينمو شعور عند كل واحد حينها أنه مفهوم ومحبوب، فينهل من مناخ المحبة هذا، ما يساعده على تفجير طاقاته الكامنة. فيتجرأ على الكلام لأنه صار يلمس أن كلامه يحمل قيمة، فتسقط أقنعة الانطواء واللامبالاة والخجل. ليظهر معدن كل واحدٍ في شخصه، دون وجلٍ أو خوف.

بهذا الشكل تتجلى معالم ملكوت الله في الفرقة، فتتسم بالفرح والانعتاق، وتصبح هي الخميرة لهذا الملكوت البشري. ومثل هذا، يُبنى بدموعٍ، وعبر خيبات ونكسات طبعاً. مقرونة بأمل الرجاء مع الاستعداد الدائم، ومحاسبة النفس على الأخطاء لتصحيحها، والاتكال على استلهام نور الرب النابع من قيامته، بالإضافة إلى محبة المرشد لفرقته كلها، ولكل فردٍ من أفرادها على حدة. وهي محبة تغتذي من محبة السيد. لتكون البادئة في إطلاق المحبة لدى الفتية.

+ بعض المشاكل التي تنشأ في الفرقة:

1- مشكلة التكتلات داخل الفرقة: وهي أمر طبيعي، إذا تمكن المرشد من أن يجنب هذه التكتلات من الانغلاق على ذاتها. لذلك من المفروض أن نقوي حياة الشركة عند وجود التكتلات، وذلك من خلال توجيه كل كتلة لتقديم خدمة للفرقة في المجال الذي تتميز به، مثل تحضير نشاط. أو عرض كتاب. مع تبادل الأدوار بين هذه الكتل.

هذه الكتل تكثر في مرحلة المراهقة. وذلك لأن المراهقة هي مرحلة (الشلة). وفيها يكون المراهق على علاقة مضطربة ومتأزمة بالفرقة، بسبب بحثه عن استقلال ذاتي، وهو مالا يتحقق له إلا من خلال علاقته بأترابه. لذلك ينبغي الحرص على أن تكون الفرقة أقرب إلى الشلة. أي أن تكون فيها مقومات الترابط والتلاقي. بعيداً عن فرض السلطوية.

2- مشكلة التنافر أو الغيرة في الفرقة: تعالَج مشكلة الغيرة بقيام المرشد بفتح المجال أمام كل عضو في الفرقة للانطلاق، وهو أمر لا نجده في المجتمع. وهكذا نغرس لدى كل فرد الشعور بأن له الحق بالتعبير عن رأيه بحرية وبدون حرج. مع إمكان أن يحظى من المرشد على ملء الثقة والاحترام. هكذا تزداد الثقة في النفس تدريجياً عند كل عضو، وبالأخص عند العضو الذي لديه مشكلة الغيرة، فلا يعود بحاجة إلى مقارنة نفسه دائماً بالآخرين، ويصبح قادراً على أن يتخطى حالة الاهتمام الدائم بذاته الناتج عن مشاعر القلق والضعف، ويمتلك أن ينفتح عليهم بعفوية وثقة. لينكشف له طعم الصداقة والتعاطف والتعاون. ودور المرشد هنا هو إبراز القيمة الفردية لكل عضو من أعضاء فرقته.

3- تميُّز عضو في الفرقة مما يوجد مشكلة عند بقية أعضاء الفرقة: إذا حصل عضو في الفرقة على تميُّزٍ، فإننا لا نستطيع أن ننزعه عنه، وذلك لأننا سنكون مجحفين بحقه. لكن ما يجب علينا فعله هو أن نزيل صفة الاستعلاء على الغير، إن وجدت عنده. وذلك بتوجيه تمايزه بالاتجاه الصحيح مع الاعتراف له بهذا التمايز. فيصبح من الممكن أن يخدم الفرقة بما يتميز به، مثل (الصوت الجميل- الأفكار الخلاقة...). هكذا يشعر أنه يخدم الجماعة بما يقدمه، بينما تفرح هي بدورها بما يقوم به. كما وعلى المرشد أن يُوقظ في كل عضو دون استثناء النزعة لأن يكون هو أيضاً مميز بمعنى من المعاني. وأن يسعى إلى اكتشاف موهبة كل عضو، وتقديرها بقدرها الحقيقي. ويفيد هنا جداً أسلوب تحويل إعطاء المواضيع من النمط المدرسي القائم على الأسئلة والأجوبة، والتي تبرز المتفوقين وتطمس سواهم، إلى نمط التعاون والسعي المشترك عبر ندوات، يُشَّجع فيها كل عضو في الفرقة على إبداء رأيه ومساهمته الإيجابية.

4- مشكلة الوشاية: وهي ظاهرة طبيعية جداً في فترة العمر من أربع إلى خمس سنوات. وتبقى مقبولة حتى حوالي السنة الثامنة. وهي تنتج بشكل مرضي من نظرة الولد الذاتية للأمور، فيصعب عليه تخطي محورية هذه الذات. ليقيم علاقة مع بقية أترابه. فتظهر الشكايات عليه، نتيجةً لعجزه عن اختراق الذات، وامتلاكه الشعور بالولاء لمجموعة أفراد فرقته. فيلتجئ إلى السلطة للاحتماء بها من تعديات رفاقه، والاحتكام إليها في الخلافات معهم. وهذه السلطة تتمثل بالوالدين في البيت أو المعلمين في المدرسة، أو المرشد في الفرقة.

إذاً، الوشاية في فترة العمر الممتدة من خمس إلى ثمانية سنوات هي طبيعية. لكنها إذا استمرت في فترة تسع إلى عشر سنوات تصبح مستهجنة، خاصةً بين الأولاد الذين يعملون على مقاطعة الواشي من بين الجماعة. ومن يستمر من الأولاد في الوشاية في هذه المرحلة يكون عادة من الأولاد الذين يعانون من اضطرابات انفعالية، ولديهم تأخر في النمو الاجتماعي. وما على المرشد إلا أن يقبل الوشايات في السن المبكرة بدون تبرم، ويتحقق من مضمونها، ويتدخل لحسمها وتوضيح ما هو وجه الصحة والخطأ لكل الفرقاء. وذلك لكي يكتسبوا القدرة على الحكم النقدي الصحيح. أما في المرحلة المتقدمة بعد هذه السن، فإنه يتوجب على المرشدين الإصغاء إلى الشكوى وأخذها على محمل الجد، وأن يوجِّه الولد إلى ضرورة الصمود الشخصي أمام تعديات الآخرين، ووجوب محاولة التفاهم مع الرفاق. وإذا صعُب الأمر على الواشي، علينا أن نحل المشكلة بأنفسنا. إذا كان موضوع الشكوى يحمل خطورةً ما أو تكراراً، علينا أن نوجه الولد صاحب العلاقة لطرحها أمام الفرقة، كي تناقشه وتبت بشأنه. وهنا يكون للمرشد دور التحضير للمناقشة. والتنسيق والمشاركة بها. دون أن يكون له خلال إدارتها دور فوقي.

هكذا نكون قد سعينا إلى ربط الولد بالمجموعة، وبالتالي ساعدناه على السير في خط نموه.

 

ثانياً: علاقة المرشد بفرقته وأساليب عمله:

على المرشد أن يحتل موضعاً من الفرقة، يماثل موضع القلب في الجسم. فهو مشاركاً فيها، لا بل ومنشطاً وملهماً لتلك المجموعة، التي يجب أن تكون قواعدها مبنية على التفاعل والتعاطف والمحبة. كما ويسمح موقع المرشد بأن تقوم علاقة حميمية بينه وبين باقي الأعضاء، لكن دون أن يتحول الأمر إلى تعلق مفرط منهم به. وذلك بأن يكون تركيز المرشد على الجماعة لا على العلاقة الفردية، حتى لا تتحول إلى علاقة آسرة تستلب من الشخصية الناشئة قدرتها على النمو والاستقلالية. ولهذا فإن على المرشد أن يسعى إلى بناء فرقة متفاعلة ومشاركة، يكون فيها الأعضاء مشدودين إلى بعضهم البعض، بنفس قدر انشدادهم إلى مرشدهم، مما يحميهم من التبعية والذوبان.

أن يعي المرشد لدوره كخادم وراعٍ للنفوس التي أؤتمن عليها. وأن يعرف حدود علاقته بأعضاء فرقته، بأنها الحدود التي يفرضها احترام القائد لشخصية كل عضو، ليكون خادماً ومنمياً لها. ولهذا يكون المرشد محتوياً لا مذيباً لها. ويكون حاضراً ومتوارياً في آنٍ واحد. ويكون عطوفاً على أعضاء الفرقة مع فرصة ألا تكون العاطفة تقييداً لأي منهم. فيركز المرشد همه على أن ينمي الحوار الشخصي المباشر بين العضو وبين الرب، بحيث تتضاءل أهمية وساطته بالتدريج مقتدياً في ذلك بشخص يوحنا المعمدان "أنا عليّ أن أنقص، وهو عليه أن يزيد" (يو30:3).

أ- مشاكل تعترض علاقة المرشد بفرقته:

كثيراً ما يتعرض المرشد لمشكلة عدم مصارحة أعضاء فرقته له بأمورٍ كثيرة، وهذا ما يولدِّ لديه موقف الانزعاج. إنَّ من أول ما يجب على المرشد إدراكه هو أن المصارحة المنشودة، لا يمكن أن تُفرض كواجب، إنما ينبغي أن تأتي من أعضاء الفرقة تلقائياً. ولكي تأتي تلقائياً، ينبغي أن يكون المرشد مشاركاً في حياة الفرقة. بحيث تنشأ علاقات إلفه بينه وبين أفرادها، فيرتاحون إليه، ويتبعونه ويثقون به، ويتجرؤون شيئاً فشيئاً على فتح باب خفايا قلوبهم أمامه.

وعلى قدر نمو الألفة بين المرشد والمرشدين، يتراجع الكذب الذي كانوا يحتمون به من المرشد. حين كانوا يحسونه غريباً عنهم. أما إذا بقي الكذب موجوداً، فهو مؤشر إلى أن هناك خللاً في تواصل المرشد معهم. وهذا يؤكد على ضرورة بأن تكون الفرقة أقرب إلى الشلة الصداقية، بدلاً من أن تكون صفاً مدرسياً، حيث يكون المرشد في هذه الشلة ذو موقع فريد.

أما التعلق الشديد بالمرشد في عمر المراهقة، فمرده هو تفتيش المراهق عن هويته، مما يجعله يُسقط صورة مثالية على المرشد، يتعشقها ويسعى إلى التماهي بها. قد يكون هذا التعلق حافزاً للمراهق كي يرتقي وينمو. ولكن الواجب علينا أن نحمي شخصيته من الذوبان في شخص المرشد، وفي سبيل حفظ هذا التعلق من الغلو ينبغي:

1- أن يظهر المرشد بمظهر الإنسان الحقيقي بعيداً عن الأسطورة. وهنا نعود إلى ضرورة تعريف أفراد الفرقة على هويته الشخصية (نشأته- بيته- دراسته...)، وأن يحيا مع الفرقة حياة البساطة، فيأكل معهم، ويعترف ببساطة بهفواته وأخطائه.

2- أن يركز على اندماج كل عضو في الجماعة، مما يوازن تعلق المراهق بالمرشد من خلال تعلقه بأقرانه، وبالتالي يحول دون تمادي التعلق بالمرشد وتجاوزه المعقول.

تمييز المرشد لأحد أعضاء فرقته: يقع الكثيرون في وهم مفاده، أن على المرشد أن يعامل الأولاد كلهم معاملة واحدة، مغفلاً ما بينهم من اختلاف في الطباع والحاجات. وحين يقوم المرشد بذلك لا يكون منصفاً، كما يقول د. أندريه برج: (فالإنصاف هنا لا يمكن أن يعني التساوي).

لذا ينبغي على المرشد أن ينشئ حكمةً تُميِّز علاقته مع كل ولد وفقاً لسمات هذا الولد الخاصة، وما ينتج عنها من حاجات مميزة، ونمط فريد في الشعور والتجاوب. إذا ما تعامل المرشد مع كل ولد بهذا الأسلوب. أحس كل واحد منهم بارتياح لأنه مقبول ومعترف به كما هو. فلا يشعر بنقص، أو يشكو من غبن، إذا رأى المرشد يعامل غيره معاملة مختلفة.

إذاً التمييز على أساس حاجات الأشخاص من طباع وحاجات متباينة ليس خطأً تربوياً. إنما الخطأ هو التمييز بينهم على أساس مزاجية المرشد ومشاعره وميوله، التي يجعلها قاعدة للتعامل مع الأولاد. فيقترب إلى من كان متناسباً معه، ويبعد الذين لا يتلاءمون معه. هكذا يشعر الأعضاء في الفرقة أن المهم في سلم أولويات المرشد ليست حاجاتهم هم، بل حاجات وميول المرشد. ويشعر المهملون بالغبن، وبهذا يعكر المرشد علاقتهم به، وبالتالي علاقتهم بيسوع، الذي يحب أن يلتمسونه من خلال علاقتهم بالمرشد. لذلك فالمحبة الحقيقية هي التي "لا تطلب ما لنفسها" (1كو5:13)، وهي التي تتعهد كل عضو بكل تمايزاته، وتلُّون سماته وحاجاته على حسب قول السيد المسيح: "أنه يدعو خرافه باسمائها" (يو3:20) أي كل واحد بمفرده.

ب- كيف يتعامل المرشد مع خصوصيات المراهقة؟

يجب على المرشد بدايةً أن يعي أن المراهق هو في أزمة، وهي أزمة البحث عن الذات (حسب تعبير أريكسون)، وهي تنشأ في خضم التحولات الجسدية والنفسية التي تحتدم فيه، وتنتزعه انتزاعاً من استقرار الطفولة، تاركةً إياه متأرجحاً بين الماضي الذي ولىَّ، وبين رشدٍ لم يبلغه بعد. وهذا التنازع ينعكس في سلوك المراهق فيحيره، ويحير محيطه أيضاً. وهذا ما يدفع إلى تعميق هذا النزاع وتلك التناقضات، فيصعب على المراهق اجتياز هذه المرحلة الدقيقة في حياته بدون آثار وذيول.

فما يحتاجه المراهق منا هو أن نتقبله ونتفهمه كما هو، بدل أن نصِّنفه وفقاً لمعاييرنا وتوقعاتنا. وبهذا الموقف نساعده على تقبل ذاته وتفهمها، مما يفسح أمامه مجال التعامل الواعي معها، لتطويرها نحو الأفضل. مطلوب منا أن نتفهم تناقضاته، فنحميه من الغرق والضياع. وكذلك يطلب منا أن نتبنى التوجه المستقبلي الذي تطلقه فيه حركة النمو. دون أن نطالبه بما لا قدرة له عليه بعد. مطلوب منا لذلك أن نتحاشى حيال المراهق التساهل المفرط، أو التصلب المتزمت. بل يجب أن ندفع بقدراته رغم التعثر الراهن، فنساعده على استعادة ثقته بنفسه، التي تزعزعها أزمة الهوية التي يجتازها.

ينبغي أن نحرص على عدم الاستخفاف أو الاستهزاء به بأي حال من الأحوال. وذلك لأن مثل هذا الموقف يجرحه في الأعماق، ويهز ثقته بنفسه، ولو تقنع المراهق بقناع الغطرسة والتحدي. من المهم أن يشعر المراهق أننا نمثل وجوداً قوياً إلى جانبه ومتعاطفاً معه، يستطيع أن يلجأ إليه في تقلباته وتناقضاته. والمهم في هذه الخطوات أن نقدم له ما هو أكثر وأهم من التوجيهات الكلامية، أعني أن نقدم له نموذجاً حياً للراشد بشحص المرشِد. فيسعى حينها لتخطي رواسب الطفولة مفتشاً عن شخصه الحقيقي.

ج- كيفية تعامل المرشد مع الأهل؟

على المرشد وجميع العاملين الحركيين- خاصةً في أسر الطفولة- أن يسعوا إلى إرساء قواعد التعاون الوثيق بينهم وبين أهالي الأولاد الذين بعهدتهم. بحيث يتم لهم عبر هذا التعاون خلق نوع من التربية عند الأهل، تواكب وتدعم التربية التي يتلقاها الأولاد من المرشد، وحتى يتحقق نجاح هذا الأمر يجب توفير الشرطين التاليين:

1- أن يكتسب المرشد ثقافة نفسية تربوية متينة، وهذا يتم عن طريق مطالعات ودروس نظرية، وعبر التدريب العملي الذي توفره الندوات.

2- أن يُحسن التصرف في التعامل مع الأهل: فقد يتصرف المرشدون بنية حسنة، لكنهم يظهرون كمن يُنصِّب نفسه معلماً للأهل، لا بل وصياً عليهم. وهذا ما يُنفِّر الأهل منهم، ويعطي تأثيراً سلبياً عليهم. ومن هنا ينبغي للمرشد ألا يواجه الأهل من موقع المعلم الذي يعرف كل شيء، ويصيب في الحكم على كل شيء. بل أن يكون في موقع الساعي إلى الحقيقة، والمحتاج إلى تعلم الكثير من الوالدين، الذين يرافقون الطفل يومياً. وعليه أن يوضح لهم أنه يعتبرهم المرجع الأساسي للولد، وأن يبني على الأساس الذي قد وضعوه هم. كما ويضيف بكل ودٍ أنه يسعى بالمقابل أن يساعدهم على اكتشاف بعض من وجوه شخصية ولدهم التي قد لا تظهر في البيت. وهكذا يساهم في بناء الصورة التي يقيموها له، وهذا ما يسهِّل عليهم عملهم التربوي، الذي يعرف المرشد حق المعرفة كم هو حساس وشاق. هكذا يُنشِئ المرشد مناخاً من الثقة والارتياح لدى الأهل، مما يشجعهم على مصارحته بشؤون ولده التي يصطدمون بها خلال تربيتهم له، ويعرضون عليه الحلول التي يحاولون مواجهة تلك المشاكل بها. هكذا تتاح للمرشد فرصة إبداء الرأي في حل تلك المشاكل، وهو ما يوجب عليه أن لا يعطي رأيه بصيغة الحكم الجازم، إنما يستخدم أسلوب التساؤلات والاقتراحات، أو يلجأ إلى عرض خبرات عاشها بنفسه أو من آخرين. وهذا التفاعل الفردي مع الأهل يشكل تمهيداً لعقد ندوات، تجمع أهالي الأولاد ذوي الفترة العمرية ذاتها، وهذا ما يعطي كل أسرة فرصة مشاركة الجميع في مناقشة مسائل تربوية، يطرح الأهل بعضاً منها، ويطرح المسؤولون بعضها الآخر.

 

ثالثاً: أساليب المكافأة والعقاب

أ- المكافأة:

كثيراً ما نستعمل أساليب المكافأة بإعطاء علامات جيدة للأطفال. ولكن استعمال أسلوب المكافآت هذه، يمكن أن يشكل معيقاً لهدف الاجتماعات، التي تسعى إلى التمهيد لعلاقة شخصية بين الولد والله. وتقتضي تحقيق هذا الهدف أن يشعر الولد، أن اندماجه في الاجتماعات نابع من طبيعتها وأسلوبها ومضامينها، لا بناءً على عوامل خارجية كالمكافآت.

لذلك ينبغي أن يتم تحاشي كل مقارنة بين الأولاد، تستخدم معيار نسب حصولهم على العلامات، وذلك لنتجنب إذكاء روح المنافسة، التي هي نقيض المشاركة. وما يتبعها من شعور بالتفوق عند البعض، وشعور بالنقص والغيرة عند الآخرين. إن مثل هذه المقارنة مجحفة لأن اختلاف المواهب بين الأفراد غير منصف. فإذا لاحظنا مثل الوزنات في الإنجيل، نجد أن السيد لم يقم بقياس إنجاز كل واحد بحسب إنجاز الآخر، بل بحسب إمكانياته التي أُعطيت له. لذلك إذا استخدم مبدأ إعطاء العلامات في المكافآت، عندها علينا أن نقارن كل ولدٍ بنفسه وليس بالآخرين.

أما المكافآت التي تتم كجائزة على التنافس بين فريقين أو فرقتين، والتي منها على سبيل المثال (علم الشرف)، فإن استعمالها يبقى سليماً مادامت المنافسة تتحلى بالروح الرياضية من حيث هي عبارة عن منافسة لا تتسم بالاستماتة في سبيل التفوق، ويتم قبول الخسارة منها دون اكتئاب شديد. لكن إذا اشتدت المنافسة بين الفرقتين إلى درجة الإفراط، يكون من الأفضل أن يُوقف استعمال علم الشرف مؤقتاً، وأن يبحث المرشد مع الفرقة عبر حوارٍ صريح عن الأسباب التي أدت إلى هذا النزاع لمعالجته، وهذه المعالجة من شانها أن تُكسب الأولاد مزيداً من الوعي والنضج وحسّ المسؤولية.

 

 

ملاحظات في توزيع الفرق أثناء اللعب:

1- أن لا يتقوقع أعضاء الفرق على ذاتهم.              

2- السهر على توزيع المواهب والطاقات بين الفرقتين، بشكلٍ متوازٍ لكي تتكافأ فيه الفرص.

3- أن يُوزع الأفراد على أكثر من فرقتين، ليتم التحكم بحدة المنافسة وتخفيفها.

ب- العقاب:

قبل كل شيء يجب أن لا نستعمل العقاب إلا فيما ندر. وأن لا نلجأ إليه إلا عند الضرورة، وعندما نتأكد من فشل الوسائل الأخرى. فالمرشد المحب لعمله، والمقتنع به، والواثق من نفسه، يعرف كيف يجمع بين المرونة والحزم، من خلال محبته للأولاد فيفهمهم ويراعي حاجاتهم وقدراتهم، ويعرف كيف يوقظ اهتمامهم، وكيف يستدعي مساهمتهم في العمل. هذا المرشد يوجِّه مجموعته بحد أدنى من العقوبات، وبما أنه لا يمكن التحاشي التام للحاجة إلى العقاب، فإن هذا يستدعي استيفاء شروط أهمها:

1- أن نسعى قدر الإمكان إلى حمل الولد على تقبل العقاب والاقتناع به، لكي يستفيد منه في العمق، لتصبح العقوبة علاجاً. ولا يفضّل أن تأخذ شكل علاقة بين طرفين، حتى لا تصبح لوناً من الابتزاز. بل تطرح القضية أمام الفرقة، ليتم إبداء الآراء، ويتم إفساح المجال للمذنب لكي يبدي رأيه، ثم يتخذ المرشد قراراً يقضي بالمعاقبة.

2- أن يُسْتبعَد بشكلٍ حازم كل عقاب، له طابع التشهير أو التحقير أو الإذلال. حتى لا يتأذى الولد من هذا العدوان، فيساهم العقاب في إضعاف شخصيته، أو يثير عنده بالمقابل عدوانية جامحة.

3- أن نتحاشى كل ما من شأنه أن يوحي للولد أننا نقف منه موقف التشفي، مما يرسخ لديه الشعور بأنها قضية (إثبات وجود وتنفيذ كلمة).

4- أن يأتي العقاب قدر الإمكان كنتيجة منطقية لطبيعة المخالفة، بعيداً عن التعسف حتى تتم الاستفادة منه تربوياً.

5- أن نراعي بأن يكون العقاب تعويضاً عن الإساءة. مما يعطيه طابعاً إيجابياً بنّاء.

6- تلافي القمع أو الصراخ في الاجتماعات كوسيلة لإسكات الأطفال، يجب تحويل الاجتماع إلى ورشة عمل يندمج بها الأولاد، وحتى الوصول إلى هذه المشاركة لجميع الأعضاء ينبغي خوض فترة انتقالية مضطربة بصبرٍ ورجاء.

ويمكن أن يكون التوبيخ العلني مقبولاً إذا كان يخضع للشروط التالية:

+ أن تكون المخالفة هي نفسها علنية.

+ أن تكون المخالفة على شيء من الخطورة، وقد ارتكبها الولد بعد أن تم تنبيهه عليها.

+ أن نتجنب كل تعبير مهين أو مذل للولد.  

 

رابعاً: خلاصة إضافية: الفرقة والمرشد

+ علينا أن نجعل من الفرقة مكاناً يسمح بتجسيد الإنجيل في نمط التعامل بين الأعضاء، بحيث يقوم تجانس بين واقع الفرقة الراهن وبين الإنجيل، فتضيق الهوة بين الإنجيل والحياة، ويتسنى للمحبة أن تتحول تدريجياً إلى واقع معاش.

وكلما سعينا إلى تجديد العمل في مدارس الأحد، فعلينا اعتماد أسلوب إيقاظ المحبة وإبراز دورها. كما ويجب علينا أيضاً تهيئة ركيزة تستند عليها في نموها، وهذا ما يتحقق بالمشاركة الفعلية في العلاقة بين المرشد والأعضاء، وبين الأعضاء بعضهم مع بعض.

فدور المرشد هو أن لا يكون موقعه فوق الفرقة، إنما في وسطها. فدوره أن يكون متعلماً ومعلماً في آن واحد، أي أن يكون مُرشَداً ومرشِداً في ذات الوقت. وأن يبقى المكان البارز في التعليم من نصيب السيد المسيح: "ولا تُدعوا معلمين، لأن معلمكم واحد هو المسيح" (مت10:23). أو حسب ترجمةٍ أخرى للنص ذاته "ولا تقبلوا أن يدعوكم أحد رؤوساء، لأن رئيسكم واحد هو المسيح"، ثم يتابع النص: "وليكن أكبركم خادماً لكم" (مت11:23)، وألا يتم التعبير عن ذلك بالكلام فقط، بل بالفعل والسلوك، بمعنى أنه يجب على المرشد أن يقبل انتقادات الفرقة برحابة صدر، بل ويجب عليه أكثر من ذلك، أن يبادر المرشد إلى النقد الذاتي أمام من يرشدهم، وأن يصغي بكل احترام إلى الآراء التي تخالف رأيه، وأن يسمح لأصحابها أن يعبروا عنها دون حرج.

وعلى المرشد لغير مرحلة الطفولة ألا ينفرد بتحديد الموضوعات التي تبحثها الفرقة، بل أن يشارك أعضاء الفرقة في تحديد الموضوعات، مع مراعاة رغبات أعضاء الفرقة وحاجاتهم وهواجسهم.

ثم إنه ينبغي على المرشد أثناء إرشاده ألا يتحول إلى محاضر أو واعظ، والأهم كذلك ألا يتحول إلى مدرس بالمعنى التقليدي، أي مُلقِّن. ويستدعي تحقيق ذلك دعوة أعضاء الفرقة إلى تطارح الموضوع فيما بينهم بمشاركته هو، بحيث يسعون جميعاً للتوصل إلى الحقيقة بالتعاون والتفاعل فيما بينهم.

من المفيد القول أن يقوم المرشد بهذا السعي المشترك، بتلخيص كل مداخلة يقدمها أحد الأعضاء، وأن ينسِّق بين مختلف الآراء، وأن يطرح بين الحين والحين الأسئلة التي تدفع البحث قُدماً.

الأعضاء يبتهجون عندما يأخذ المرشد كلامهم على محمل الجد، من خلال احترام أقوالهم وحسن الإصغاء إليهم، فيستزيدون من المشاركة التي هي أساس نجاح الفرقة.

السعي لتصير الفرقة شركة حياة، وخلية صداقة. خاصةً إذا كانت أعمار أعضاء الفرقة في سن المراهقة، كما هو الأمر في طلاب المرحلتين الإعدادية والثانوية. فتصبح الصداقة قاعدة للتعامل في هذه الفرقة، فيتم إحلال المحبة وتجسيدها وتنميتها بينهم. لذا يصبح من المهم أن تتحول الفرقة إلى (شلة أصدقاء)، وأن يكون للمرشد دور في شبكة الصداقة هذه.

+ ولتوطيد المحبة أكثر في الفرق. فإن المزيد من علاقات التعارف يتحقق بين أعضاء الفرقة بمن فيهم المرشد. حتى أنه تتاح أوقاتٌ يشمل فيها الكلام المتداول في أحاديثهم سائر جوانب شخصياتهم وحياتهم، فيتم عرض الوضع العائلي والمدرسي والمهني. ويقوم الأعضاء بذكر الهوايات والتوجهات المستقبلية، إلى جانب الخبرات الروحية. وفي سياق هذه الأحاديث يجب أن يبقي المرشد زمناً يجيب فيه المتحدث على التساؤلات الموجهة إليه. إن مثل هذا الأسلوب من التعارف يوطِّد المحبة ويقوي الصداقة، ويفسح مجالاً للمشاركة أوسع وبأكثر مصارحة ممكنة.

+ الاستفادة من المناسبات الشخصية التي تقيمها الفرقة، كمناسبة الاحتفال بشفيع أحد أعضائها، أو أعياد الميلاد للأعضاء. فعند الاحتفال بمثل هذه المناسبات، على المحتفي أن يتحدث عن بعض تطلعاته سواء كانت شخصية أو عامة، خاصةً في ما يخص العلاقة مع الآخرين. وأن تُعطى الفرصة للأعضاء أيضاً، ليتكلم كل عضو بمفرده عما يشعر به تجاه المحتفى به.

إن باقة الكلمات هذه هي أفضل هدية تُقدم للمحتفى به.

+ اعتماد (سجل ذهبي) للفرقة. تُخصص فيه بضع صفحات لكل واحد من أعضاء الفرقة (بمن فيهم المرشد). تحمل هذه الصفحات في بدايتها صورته ومعلومات عنه، ويُترك له أن يكتب فيها ما شاء من مقاطع ونصوص من تأليفه أو اقتباسه، تكون بمثابة رسالةٍ يخاطب عبرها أعضاء الفرقة، كاشفاً لهم هواجسه، وميوله، ومعاناته، وتطلعاته ومواهبه. وإن كان لأحدهم موهبة الرسم مثلاً، فبإمكانه أن يرسم منها لذلك ما تشاء.

ينتقل هذا الدفتر من عضو إلى عضو بحيث يطّلع كل واحد على ما كتبه الآخرون. فيتقارب الجميع من بعضهم بما فيهم المرشد، ويكون هذا أسلوباً لمزيد من الشركة والألفة.

+ تنظيم موائد محبة تقيمها الفرقة شهرياً؛ إما في البيوت. أو في أماكن تسيطر الفرقة فيه على تنفيذ برنامجها، في تجربة عيشٍ مشترك لأعضاء الفرقة يمتد لبضع ساعات. يشتركون خلالها في إعداد الطعام، واللعب والصلاة معاً. فيتم خلالها تعميق أواصر الصداقة والمحبة بين أعضاء الفرقة، فيتسم انتظارهم للقِّاء باللهفة، التي تنمو شهراً فشهر. وتكون أداة فرح لتجديد حياة أعضاء الفرقة، علاوةً على الرحلات والمخيمات والرياضات الروحية، التي يجب أن تساهم في التجديد الروحي والنفسي والكياني للجميع.

+ كما تحدث موائد المحبة، كذلك يجب أن يكون لّلقاءات الروحية أشواقها، وبخاصة عندما يلتئم الجميع حول نص من الإنجيل، أو أية مناسبة دينية. فتكون المناسبة ساحة مشاركة بعضهم مع بعض. بحرية أوسع وأكبر، ولا مانع من تدوين نص تأملي بعون المرشد، يُهدْىَ لكل فرقة من فرق الأسرة التي تجمع الجميع.

كما ويتم أيضاً إنشاء نشاط روحي مشترك بين فرقتين من الأسرة، أو فرق الأسرة بكاملها فيتم تشاركٌ بين الجميع، ينتهي بصلوات عفوية لمن يرغب بإشراف المرشد.

+ تخصيص وقت إضافي بين حينٍ وآخر لمعالجة مشكلة التنافر بين بعض أفراد الفرقة الموجودة غالباً.