حديث الأسبوع (24 حزيران)

أرشيف

وعظة الأحد

تنشئة الأولاد

بحسب القديس بورفيريوس الرائي والقديس الذهبي الفم

موضوع للأرشمندريت يوحنا التلي

لفرقة عائلات القديسين أندريه وأثناسيا

             19-6-2015

 

 أولاً: مقدمة

تتأسس الذكريات بدءاً من أيام التربية، لأن ما نفعله كأهل مع أولادنا اليوم يخلق ذكريات سوف تباركهم أو تحطّمهم غداً. لهذا فإن انطباعات الطفولة مهمة كثيراً.

وفي كتاب كنز من الروحانية الروسية نقرأ: (في الأطفال نجد الطاقة على الإيمان والبساطة واللطف والمرونة والرأفة والخيال والوداعة، كلها غير منقوصة، وهي التربة التي تعطي ثماراً نجدها في مستقبل حياة هؤلاء الأطفال. لهذا السبب مهم جداً أن نحفظ الأولاد ملتصقين بالكنيسة فينالون منها غذاء لمجمل حياتهم).

هذا يدعو الأهل كالأمهات مثلاً بأن يعطوا أولوية الاهتمام بالأولاد وليس بالاهتمامات البيتية أو غيرها. وإحدى الأمهات الشابات قالت: (بعد عشر أو خمس عشرة سنة من الآن لن يذكر أحد ولن يهتم بما إذا كانت السجادة في غرفة الجلوس، في وقت من الأوقات نظيفة. ولكن بعد عشر أو خمسة عشرة سنة من الآن سيكون مهماً جداً إذا كنت قد كرّست وقتي لأولادي في ذلك اليوم أو في أي يوم آخر فسوف يذكرون).

لذلك مهم جداً أن نبني مخزناً من الذكريات الطيبة لأطفالنا عندما يكونون صغاراً. فالذكريات ترافق أصحابها إلى الأبد.

إضافة للذكريات التي نؤسس وجودها في أطفالنا وهم صغار، علينا أيضاً أن نساعدهم على قبول أنفسهم على أنهم أشخاص نافعون. فلنؤسِّس فيهم تقييم رأيهم في أنفسهم من خلال تنشئته ليبدؤوا من الصغر في فعل أمور تدل على نوع صورتهم عن أنفسهم. لأن الإنسان الذي يعتبر نفسه فاشلاً سوف يجد طريقة توقعه في الفشل، مهما كانت الفرص السانحة له طيبة. أما الإنسان الذي يجد نفسه ناجحاً فسوف ينجح بغض النظر عن العوائق التي عليه أن يواجهها.

لذا علينا أن نساعد أولادنا في قبول أنفسهم باعتبارهم نافعين وأصحاب قدرات. ولما كانت الخطيئة هي أكبر سبب لأذية النفس، فإن الاقتراب من المسيح بتوبة وصلاة هو أكبر سبب لتطهير النفس وتجديدها، لذا علينا أن نعتاد على المسامحة المقرونة بسر الاعتراف، فننال بواسطتها ذاتاً جديدة كلّها فرح.

ثانياً: تبدأ تنشئة الأولاد من لحظة تكوينهم

          سنقتطع هذا المقطع للقديس بورفيريوس ونشعر من خلاله كم هو مطّلع على الفكر التربوي الحديث:

          (يسمع الجنين ويشعر وهو في أحشاء أمه، إنه يسمع ويرى بعينيّ الأم. يدرك تحركاتها ومشاعرها رغم أن فكره لم يكن قد نما.

          يشحب وجه الأم، وكذلك وجه الجنين، تغضب الأم ويغضب الجنين. تشعر الأم بالحزن، بالألم، بالخوف، بالقلق... فيتأثّر الجنين بكل هذا. إذا رفضت الأم جنينها، إذا كرهته، يشعر الجنين بهذه الأحاسيس، فتتكوّن في نفسه جروحات ترافقه مدى عمره كله. وعندما يكون في قلبها الفرح والسلام والمحبة للجنين، تُنقل هذه الفضائل سراً إلى مَن تحمل في أحشائها كما يحصل مع الأطفال المولودين. لهذا يجب على الأم أن تُصلّي كثيراً خلال فترة الحمل، وأن تحب الجنين وتداعب بطنها، وأن تقرأ المزامير وترنّم الطروباريات، وتعيش حياة مقدّسة).

          وهذه الممارسة تعود بالنفع عليها، لكي يصبح الولد كذلك أكثر قداسة، ويمتلك من البداية قدرات مقدّسة.

 

ثالثاً: أهمية الحياة في الإطار الأسري

          حياة الوالدَين داخل البيت وحدها تحمي وتُنشئ أولاداً صالحين. لأن مثل هذه الحياة ترتبط بمحبة الله، تلك التي تنغرس في محبة الأهل لأولادهم. فينهلوا من الله قداسة يعكسونها بعيش الصبر والوداعة ممزوجين بفرح روحي، يُصيّرون أولادهم بها، فتغمر النعمة البيت... وكل سوء تصرف من الأولاد يأتي من خطأ الأهل بشكل عام.

وكذلك نجد أن الذهبي الفم يقول: (إذا تربى الأولاد على عادات صالحة، فمن الصعب أن يبدّلوا تصرفاتهم عندما يكبرون، لأن نفس الطفل كالقماش الأبيض النظيف الذي إذا صبغناه بلون ما يصطبغ جيداً ومهما حاولنا أن ندهنه ثانية فكثيراً ما يعود اللون الأول ليظهر ثانية. إذاً هكذا هم الأولاد الصغار عندما يعتادون على الصلاح يتبدلون بصعوبة).

وأضيف أنا القول: أما إذا كان التبدّل بذات روح الصلاح السابق فسوف يتبدّلون بتطور نحو التقدّم لمزيد من الصلاح، أي إلى الأفضل.

ويرى القديس بورفيريوس أن لا شيء مجدٍ كالنصائح والنظام والقساوة وغيرها لا تخلّص الأولاد، إنْ لم يتقدّس الوالدَين ويتكلّموا بالمحبة. لذا فإن سلوك الأولاد له علاقة مباشرة بحالة الأهل.

قداسة الأهل تحرّر الأولاد من المشاكل. يريد الأولاد أناساً قديسين بقربهم، مع محبّةٍ كبيرة. يريدون أناساً لن يخيفونهم ولا يكتفون بإرشادهم، بل يعطونهم صلاة ويكونون لهم قدوة مقدّسة.

ويقدّم لنا القديس النصيحة التالية: (صلّوا، أنتم الأهل، صلّوا بصمت وأياديكم مرفوعة نحو المسيح، معانقين أولادكم سراً. وعندما يُحدثون فوضى خذوا بعض التدابير التربوية، ولكن دون أن تضغطوا عليهم، وبالأخص صلّوا). فالتوبيخ يكون بنظرة. أما الضرب فيحمل مدلول عدم محبة الأهل لأبنائهم.

والمثل على ذلك هو أن الابن أمام غضب أمه ولو كان ظاهرياً فإنه يعتقد أن الأم لا تحبه فيسألها:

-       أتحبينني يا أمي؟

-       أجل يا ولدي أحبك.

لكنه لا يقتنع. إنه قد جُرح. تحبه أمّه، ستدلّله فيما بعد، لكن الولد يدير رأسه عن دلال أمه. لا يتقبّل الغنج، يظنّ هذا خبثاً ورياءً لأنه قد جُرح.

          من جهةٍ ثانيةٍ فإن الإفراط في الرعاية يترك الأولاد غير ناضجين. فينتج عن ذلك تربية سلبية للأولاد فينشأوا في مجتمع يكون دورهم سلبياً فيه فيخسرون المشاركة الصحيحة ليصبحوا ضعفاء ومتكاسلين وغالباً ما يفشلون في حياتهم.

          والمثال على ذلك: تلميذ ممتاز في الابتدائي والتكميلي والثانوي. بعدها فشل في الجامعة والسبب يعود لاهتمام الأهل الزائد عن الحد في مراحله السابقة. كل السنوات: ضغط، ضغط، ضغط: لتكن الأول، لا تخجّلنا، عليك أن تصير عظيماً في المجتمع..

          وفجأة تراجع، وهو لا يريد شيئاً، وبدلاً من إيقاف الضغط بقي مستمراً مع إفراط في الحماية. فالمطلوب إيقاف الضغط، بحيث يعود الولد لتوازنه ويتقدّم بتركه حراً. وتبقى الصلاة الحارة هي المعطية للدفء الروحي الذي بالرغم من كونه سرياً إلا أنه يُسبب انجذاب الابن لذويه.

          يوصي القديس بورفيريوس بألا يُكثر الأهل من الكلام والنصح، فالنصائح والإرشادات العديدة تُسيء كثيراً. ويقول: (الكلام يقرع الأُذنين أما الصلاة فتذهب إلى القلب، صلاة مع إيمان، وإلى مثال صالح دون قلق). وهو ينصح الأهل بالتخفيف من أسئلة الأولاد: أين كنت؟ ماذا فعلت؟ واستبدالهما بالصلاة في السر عوضاً عن هذه الكلمات.

          وهو، أي القديس بورفيريوس ينصح إحدى الأمهات بقوله: (كل ما تريدين قوله لهم قوليه لله، والله سوف يتكلّم بداخلهم: أن تكلمي الله وتقولي: (يا ربي يا يسوع المسيح، أنر أولادي الصغار، أنا أقدّمهم إليك، أنت أعطيتهم لي، وأنا ضعيفة لا أستطيع أن أوجّههم، لذلك أرجوك أنرهم). والله سيكلّمهم وسوف يقولون: (آه كان ينبغي لي ألا أُزعج الأم بالذي فعلته). وهذا سيخرج من داخلهم بنعمة الله. إشعاع القداسة يُصيّر أولاداً صالحين، لا المحاولة البشرية.

 

رابعاً: قداسة الأهل في الرب هي أفضل تربية للأولاد

          غاية التربية في العائلة المسيحية: أن نرى الله في وجه الأولاد، ولنُعطِ محبة الله لهؤلاء الأولاد. ومن المهم أن يتعلّم الأولاد الصلاة. والأهل الذين لا يصلّون غير قادرين على تعليم أولادهم الصلاة. وفي هذا يقول قديسنا: (طالما أن الأهل يصلّون، هم أتقياء، يطالعون الكتاب المقدس وقد غذّوا الأولاد "وربّوهم بتأديب الرب وإنذاره" (أف4:6) إذاً يكون هؤلاء أولاداً صالحين).

          ومع ذلك هنالك نتائج عكسية إذا ضغط الأهل على الأبناء ليجعلوهم بالقوة صالحين. ولكن هذا لا يعني أن نهمل الأولاد ونُبعدهم عن المسيح. بل الأصح تربيتهم تربية روحية كنسية سليمة وإعطاؤهم الحرية بالمجيء إلى الكنيسة وليس عن طريق الإرغام.

          يرى القديس بورفيريوس أن أسلوب الإرغام والضغط يولّدان عند بعض الأولاد شخصيةً شبابيةً مبتعدةً عن الكنيسة ومليئة باللهو في أماكن يسعون فيها لإشباع رغباتهم الذاتية. إنها تربية يتّصف بها الأهل الأتقياء بالشكل وليس بالحقيقة لأن محبتهم البشرية تغلب المحبة المبنية على الروح.

          فالأهل المؤمنون بصورة صحيحة يُربون أولادهم داخل إطار الحرية، فينشأوا صالحين وسالكين في درب القداسة لذلك يرى القديس بورفيريوس: (إن إشعاع حياة الأولاد تكون نتيجة إشعاع الأهل). هذا يعني أن الوالد يجب أن يشع وكذلك الوالدة، بهذه الصورة يشعّ المسيح في داخل الإنسان. وكلما بدأ الأبناء في الإشعاع هذا كمثل والديهم كلما كانت حياتهم المسيحية سهلة. وفي هذا يقول سليمان الحكيم عن الحكمة: "مَن بكّر في طلبها لا يتعب، لأنه يجدها جالسة عند بابه" (حك14:6) وبكل تأكيد بالنسبة للتربية: الحكمة هي المسيح.

وإنه من الصعب أن يكون الإنسان صالحاً، وهذا صحيح عند الذين لا يتربّون تربية الصلاح. ولكن عندما يتربّون وهم صغار على الصلاح فإن اكتسابهم له يكون سهلاً.

وفي هذا ينصحنا القديس الذهبي الفم التالي:

(يجب على الأهل أن يهتموا ليس بكيفية كسب أولادهم للأموال بل بكسبهم التقوى وغنى النفس. يجب أن يربّوهم هكذا لكي لا تكون لديهم حاجة للكثير، ولكي لا يستسلم لرغبات العصر الحاضر. يجب أن يراقبوا بانتباه متى يخرج أولادهم من البيت ومتى يعودون، أين يذهبون ومَن يرافقون؛ إنْ أهملوا واجباتهم هذه فسيعطون جواباً لله. يقول الكتاب المقدس: "لا يطلب أحد ما هو لنفسه بل ما هو للآخر" (1كو24:10) فإن كنّا سنُسأل عن مدى اهتمامنا بالآخرين، فمن الجدير بنا أن نُسأل أكثر عن مدى اهتمامنا بأولادنا).

 

خامساً: المساعدة التربوية للأولاد في مدارس الأحد

          كل مَن له علاقة في التربية خاصة في المدارس وأخص بالذكر مدارس الأحد فإن هؤلاء أيضاً عليهم مساعدة الأولاد في الصلاة وأن يهتموا لأجلهم بتدريبهم لحياة القداسة، لتظلّلهم نعمة الله وبها يصيرون أولاداً صالحين.

          فالإرشاد وتصحيح العادات السيئة غير مجدية بطرق بشرية، في حين أن طلب النعمة بالصلاة تسهم في أن تدخل أعماق نفوسهم، لتبدّلهم وتغيّرهم. إنها الطريق المسيحي السليم.

          المعلّمون والمرشدون عندما لا يكون الإيمان منطلقهم في تربيتهم فإنهم ينقلون القلق سراً إلى الأولاد. لذا عليهم أن يقابلوا الأولاد بمحبة الأطفال المميّزة، وبها سيحظى المرشدون محبة من الأولاد، بها يقودونهم إلى جانب المسيح.

          فالمحبة المطلوبة من المرشِدين يجب أن تكون صادقة، وليست بشرية كمثل ما يخطأ الأهل غالباً، بل محبة في الصلاة، ومحبة في المسيح. هذه التي تفيد بالفعل. يناشد قديسنا المرشِدون بقوله: (صلّوا من أجل كل ولد ترَوْنه، والله سيرسل نعمته ويوحِّده معه). فالمرشد مطلوب منه قبل البدء بإرشاده أن يقول صلاة يسوع: (يا رب يسوع المسيح ارحمني أنا الخاطئ). ويتابع: (وعندما تدخلون الصف اغمروا بنظرتكم كل الأولاد، صلّوا ثم تكلّموا مقدمين لهم كل ذواتكم... سوف تفرحون. هكذا ستتقدّسون أنتم مع الأولاد. ستعيشون داخل محبة المسيح وداخل الكنيسة لأنكم ستصبحون صالحين داخل العمل).

          ويؤكّد قديسنا على عدم إعطاء أهمية لكثرة الكلام في التوجيه، إنما في الصلاة لأجل الأولاد، لأنه يرى أن (الكلام يطنّ في الآذان، أما الصلاة فتذهب إلى القلب).

          وكتطبيق عملي يرى أن طريقة الإرشاد لا تصح بالتكلّم عن الله وعن النفس مثلاً، إنما هنالك ضرورة لمقدمة يقول فيها المرشِد: (هناك موضوع يشك فيه الكثيرون. هو موضوع «الله». ما رأيكم فيه؟) ثم تبدأ المناقشة. وفي يوم آخر كلّموهم عن موضوع «النفس». هل هنالك نفس؟ وأيضاً: تكلّموا عن الشر من ناحية فكرية، وهذا يقودنا للتحدّث عن الخير، والولد يبتغي التقدّم والصلاح والمحبة؛ لذا يجب مخاطبتهم بالأقوال التالية: (يا أولاد كونوا يقظين من أجل العلم، من أجل الصلاح، من أجل المحبة. فقط المحبة تجعل كل شيء جميلاً، وتملأ حياتنا وتكسبها معنى وجمالاً. الذات الشريرة تزيد الخمول، والإهمال. هذا يجعل الحياة بلا مذاق، بلا معنى ودون جمال).

          يناشد قديسنا المرشِدين ليقولوا كلامهم بمحبة وفرح، وكل أسلوب ناجح يتطلب فناً يختص به.

          وأهم تعليم يقوم به المرشدون هو أن يعلّموا الأولاد ليس فقط محبة الله، بل وأيضاً أن يعرفوا كيف يطلبون مساعدة الله في كل المواضيع.

 

سادساً: لا يُبنى الأولاد بالمديح المتواصل

          أول مَن يتحمل فشل الأولاد في الحياة هم الأهل ومن ثَمّ المرشِدون والمعلّمون، وذلك عندما يمدحون الأولاد باستمرار، ويقولون لهم أقوالاً ذاتية وأنانية، هم بهذه الطريقة لا يجلبونهم إلى روح الله، بل يُبعدونهم ويغرّبونهم عن الكنيسة.

          وعندما يكبر هؤلاء الأولاد ويذهبون إلى المدرسة بروح الأنانية هذه، يهربون من الديانة والتعليم المسيحي، ويحتقرون هذه الدروس ويفقدون الاحترام تجاه الله، بل وأيضاً تجاه الأهل والمجتمع. فنكون بهذا المديح قد خرّجنا إلى الحياة أنانيين لا مسيحيين.

          لماذا يا تُرى؟ لأن هذه التربية تجعل الأولاد محبّين للمجد الباطل والفارغ. ولا يهمهم إلا أن يبقوا ممدوحين. هذا يعني أنهم يريدون أن يُربَّوا بأكاذيب دائمة لتكون غذاء لهم. في حين أن الله لا يريد ذلك، الله يريد الحقيقة.

ليس للكلام هنا علاقة في التحصيل العلمي وقد يتقدّم ولدٌ أناني بدرسه ولكن يكون غير مسيحي، لأن الأنانيون لا يقدرون أبداً أن يكونوا مسيحيين.

ديانتنا المسيحية وكنيستنا لا يريدان صحة في المديح الزائد فهذه التنشئة تُعلّم الولد من الصغر طريقاً ليس هو طريق الحقيقة. لأن حقيقة المسيح تؤكّد على أنك إذا امتدحت إنساناً تجعله أنانياً. والأناني إنسان مُقاد من الشيطان والروح الشرير. وقد يصل بسبب هذا إلى نكران الله.

تربيتنا تدعو لقول الحقيقة، وأن يتعلّم الإنسان هذه الحقيقة فيصير ذا أذن صاغية للانتباه ولسماع الآخرين ولضبط نفسه.

يربط قديسنا كلامه بعلم النفس قائلاً: (الأنانية هي سبب عدم استقرار النفس، حتى أطباء النفس، إنْ فتّشوا عن عدم الاستقرار هذا، سيجدون أن الأنانيّ هو إنسان مريض).

لذا علينا أن نقود الأولاد إلى التواضع ومحبة الله. ولنتعلّم أن نُحب لا أن نطلب المحبّة من الآخر. ولنقم بتضحيات دون مقابل، ودون أن ننتظر مدحاً من الآخرين. بل نكتفي بما سيقدّمون لنا ما يقوله الله لهم.

والنتيجة التي يقدّمها لنا قديسنا: (إنْ لم نقدهم إلى التواضع وإلى محبة الله جعلناهم أنانيين). لذلك ليس علينا التلفّظ دائماً بكلمة (برافو). فهذا المديح يجعل الإنسان فارغاً ويطرد نعمة الله. فالتواضع هو صحة الحياة.

 

سابعاً: الخاتمة

          قيمة التربية تأتي عن طريق الممارسة وليس التلقين، لذا على البيت المسيحي أن يكون في مكان ما بداخله ركن توضع فيه أيقونة وقنديل زيت تجتمع فيه الأسرة في وقتٍ محدّدٍ ليكون صلاة مع بخور.

          في روسيا قبل الشيوعية، كل بيت فيها من القصر إلى كوخ القش الخاص بالفلاح توجد فيه أيقونة للمسيح أو لوالدة الإله. في ذلك الحين كان البيت الروسي مجرد بيت إلى أن يجري تكريسه بأيقونة. فالأيقونة ترمز إلى حضور الله، وتذكّر بالحياة الأبدية وتشير إلى الحياة الأخلاقية والضمير. هكذا يتحوّل البيت إلى (كنيسة بيتية). هذا يساعدنا إلى الإحساس بحضور الله، وإقامة الصلاة.

          وفي هذا المعنى يقول الأب سرجيوس بولغاكوف: (ببركة أيقونة المسيح يتحقّق لقاء أسراري بين المؤمن والمسيح). والتربية الصحيحة للأولاد تجعلهم يقتنون أيقونة في غرفهم.

وهكذا تتنامى التنشئة المسيحية في البيت المسيحي وخاصة لقراءة الكتاب المقدس في البيت. وفي هذا يقول الأديب الكبير (بوسويه): (إذا كان لي أن أُكوِّن إنساناً منذ الطفولة على خير وجه لكنت أدفعه إلى اختيار القليل من المقاطع من الكتاب المقدس، ثم أجعله يقرأها دائماً حتى يتعلّمها عن ظهر قلب) وأضيف أنا لهذا المقطع الهام والجميل: (ومن أجل عيشها حياتياً في كلِّ مراحل عمره المقبلة).