حديث الأسبوع (17 حزيران)

أرشيف

وعظة الأحد

محاضرة للأرشمندريت يوحنا التلي

لمجموعة من عائلات كنيسة القديسين بطرس وبولس

    دمر الاثنين 14-6-2010

صلاة اسم يسوع

  

أولاً: مقدمة

إذا قرأنا الإنجيل بالروح بنفحة صلاة، نكتشف بعداً مهماً فيه، نبهنا إليه آباؤنا الأوائل منذ العصر الرسولي الأول، لأنهم سبقونا إلى اكتشاف أهميته. وسأقف تحديداً في مقدمتي هذه عند بعدين اثنين؛ الأول يتعلق بـ (اسم يسوع) والثاني وهو وجهٌ من وجوه الصلاة.

أ- اسم يسوع: لهذا الاسم كما ورد في العهد الجديد قوة وسلطان, نتلمسها في قول السيد المسيح: "إلى الآن لم تطلبوا شيئاً باسمي. اطلبوا تأخذوا ليكون فرحكم كاملاً" (يو24:16). وهكذا فالطلب باسم يسوع يتضمن أهميةً بالغة، لأن يسوع أكد لنا في القول السابق، على أن استعمال اسمه في صلواتنا، هو طريقٌ ليكون لنا ما نريد. فكأن لفظ الاسم يؤكد على حضور صاحبه شخصياً. وهو يقول أيضاً: "إن كل ما طلبتم من الآب باسمي يعطيكم" (يو23:16). فيسوع الذي نال من الآب كلَّ شيء، يدلنا على الطريق الذي لنا بأن ننال به أيضاً مثله، وذلك بفضل الاعتماد على ذكر اسمه. وهذا ما دعا الرسول ليقيموا بشارتهم على اسم يسوع. فكثرت عندهم عبارة: "أقول لك باسم يسوع"

والسؤال الأهم هو ترى ما هي قوة هذا الاسم، التي لم تبطل حتى أيامنا هذه؟ نلمس ذلك في صلواتنا، كمثل ما استعمله التلاميذ في الأيام الغابرة، وذلك عندما التمسوا حضور يسوع في صلواتهم المشتركة، استجابةً منهم لقول يسوع لهم حينذاك: "إذا اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمي فأكون أنا بينهم" (مت20:8). ونحن نجد مصداق ذلك في تاريخ كنيستنا المقدسة، حين نرى أن هذا الاسم لمس كل وجه من أوجه نشاط الكنيسة, كما أنه احتل مكاناً مهماً في تفكير المؤمنين وصلواتهم.

ومن المهم التذكير بأن اسم يسوع يدل على معنى (الله معنا) "ها إن العذراء تحبل وتلد ابناً ويدعى اسمه عمانوئيل الذي تفسيره (الله معنا)" (مت23:1). وعليه فإن معموديتنا كانت نقطة بداية اقتران اسم يسوع بنا، وهذا بطرس يقول: "توبوا وليعتمد كل منكم باسم يسوع المسيح" (أع32:2).

ومن جهةٍ أخرى هناك أهمية لذكر الاسم بحسب الأهمية التي أخذها من الكتاب المقدس. فاليهود اعتبروا قديماً أن كلمة الله واسمه مميزين عن شخصه. فكما أن لشخص الله احترامه الخاص فهو (شخص الله القدوس)، هكذا يكتسب لفظ اسمه عظمة خاصة ذاتية. كان "اسم الله يسكن في الهيكل ليسمع صلاة من يصلي له" (1مل29:8). وقد اعتبرته اليهودية أنه هو أفضل مرشد لحياة الإنسان ليكون "سالكاً كل واحد باسم إلهه" (ميخا5:4). ويظهر الاسم الإلهي في سفر المزامير وكأنه ملجأ وعضد وموضوع لعبادة الإنسان.

على أن التقليد الكهنوتي قد ساهم في تدعيم قدسية الاسم الإلهي (يهوه)، وذلك بسبب حظر التلفظ به إلا من قبل رئيس الكهنة، حيث يتم ذكره مرة واحدة في السنة في يوم التكفير. وخارج هذه المناسبة الطقسية فإن قارئ التوراة يستبدل اللفظ باسم (أدوناي)، أي السيد الرب. وذلك لاعتبار العقل الإنساني عاجزاً كلياً عن تصور الله، مما فرض أن يحاط الاسم بهالة من الهيبة والرهبة والكرامة، حفاظاً على قدسية الله وعظمته التي لا يدنى منها. والأمر في العهد الجديد مختلف تماماً. فعندما بشر الملاك جبرائيل مريم قال لها: "والقدوس المولود منك يدعى (يسوع) لأنه هو الذي سيخلص شعبه من خطاياهم" (لو31:1). فهذا الاسم يعني (الله يخلص)، ويدل الاسم لاهوتياً حسب المبدأ القديم على (الشخص والمصير الذي ينتظره). وبالمقابلة مع آياتٍ أساسيةٍ أخرى ندرك أهمية الاستناد على الاسم حسب قولٍ لبولس الرسول: "الله قد أعطاه اسماً يفوق كل اسم, لكي تجثو لاسم يسوع كل ركبة مما في السماء وعلى الأرض وتحت الأرض" (في9:2-10). وبسبب هذا تُبنى الثقة والرجاء عليه. ونص ثانٍ في أعمال الرسل يؤكد هذا: "ليس تحت السماء اسم آخر أعطي في الناس. به ينبغي أن نخلص" (أع12:4). فاسم يسوع هنا هو الهدف، وهو غاية الوجود ومعناه, ولذلك فهو يستقطبنا بكليتنا. وقول ثالث في إنجيل يوحنا يقول فيه المسيح: "حتى الآن لم تطلبوا باسمي شيئاً... فجميع ما تطلبون إلى الآن يعطيكموه باسمي" (يو23:16-24). فنكتشف أننا في يسوع نحقق كل الأماني, مقرونة بالراحة والاطمئنان.

ب- الصلاة: في العهد الجديد هنالك دعوة لنا لأن نصلي. ولونٌ من هذه الصلوات أخذت صيغة تحمل ديمومةً منها، كقول السيد المسيح: "إنه ينبغي أن نصلي في كلِّ حين" (لو1:18). فصلاة المؤمن لا تتوقف أبداً لكونها عملية تواصل مع الله. وهذا القول جعل بولس الرسول يفهم هذا المعنى، ويعلن لنا قوله في صيغةٍ آمرةٍ وهامة: "صلوا بلا انقطاع" (1تس5:17). أو قوله: "صلوا في كل حين في الروح, كل صلاة ودعاء" (أف18:6). وهو في هذا كله يتماشى مع قول السيد المسيح: "اسهروا وصلوا في كل وقت" (لو36:21). منذ بدء الحياة المسيحية في الكنيسة الأولى، نجد أن عيش الصلاة الدائمة تمحورت حول (اسم يسوع)، الذي أصبح بفضلها مرافقاً وأنيساً لأبناء البرية في حياتهم، علاوةً على الذين كانوا لا ينقطعون عن ترديده من أبناء الرعايا. لقد كان الرسل هم الأوائل في هذا الالتزام عملاً بوصية المسيح لهم لتكون صلاتهم دائمة وفي كل حين.

لقد تشكل عن طريق هذه الممارسة خبرةً عبَّر عنها الآباء والقديسون تحت أسماء مختلفة، ودارت كلها حول أمرٍ واحدٍ هو (صلاة اسم يسوع). فكان من أسمائها صلاة العقل أو صلاة القلب أو الصلاة النقية، وإلى غير ما هنالك من تسميات. وعلى الرغم من أن صلاة يسوع لم تكن هي الصلاة الوحيدة فقد رافقها حينذاك صلواتٌ أخرى توازيها، كأن يردد الإنسان آيةً من آيات الكتاب المقدس، أو مقطعاً من مزمورٍ وغير ذلك. ومع مطلع القرن الرابع ظهر في الحياة المسيحية، روّاد أسسوا لنا اتجاهات على شكل مدارس، وما زالت مستمرة حتى يومنا هذا، تشتد وتقوى حيناً إلا أن الاهتمام المعاصر بصلاة يسوع انتقل من الساحة الأرثوذكسية، ليمتد إلى الكاثوليكية وإلى البروتستانتية والأنكليكانية، وقد توسع أحياناً ليتم تلاوتها مع صلواتٍ أخرى في بعض الديانات الشرقية القديمة، حتى لقد ظن البعض أنها شبيهة (باليوغا)، وذلك لما توليه من أهمية للتنفس، الذي يتم من خلاله السعي لينتقل فعل الإنسان من عقله، ويسكن في قلبه.

اللاهوتي الروسي بولغاكوف وصفها على أنها (نموذج التصوف المسيحي وقلب الأرثوذكسية). فهي تيار روحي قوي، تعزز دوره بفضل الدراسات المعاصرة حول لاهوت الآباء، واكتشاف الباحثين لجمال التقليد الآبائي. ومن أبرز الكتب المنتشرة عالمياً حول صلاة يسوع اليوم هو الكتاب المترجم إلى العربية (سائح روسي على دروب الرب). ثم صار لدينا كتب كثيرة تتحدث عن هذه الصلاة الدائمة في مكتبتنا العربية.

 

ثانياً: صلاة يسوع مقرونة بصلاة الجماعة

الكنز الروحي الذي تلخصه صلاة يسوع هو مضمون كتابين تمسك بهما السائح الروسي وهما: الكتاب المقدس وكتاب الفيلوكاليا. والأخير منهما هو كتاب يجمع في داخله نصوصاً آبائية حول موضوع الصلاة الداخلية، وكيفية المحافظة على نقاوة القلب. فالخبرة الروحية المقدمة لنا في الفيلوكاليا هي عصارة خبرة سنين طوالٍ من الجهاد الروحي لكبار آباء الكنيسة في الشرق, بدءاً من صحراء مصر في القرن الرابع، ومروراً برهبان جبل آثوس في القرن الخامس عشر، مع التشديد على شخص بالاماس في القرن الرابع عشر.

فالفيلوكاليا هي بمثابة موسوعة عن الصلاة الأرثوذكسية, وبشكلٍ خاص عن (الصلاة التوحدية). تسعى لإيصالنا إلى (صلاة القلب) أو (صلاة يسوع). إنها قلب الروحانية الأرثوذكسية المحققة لمصليها (الإيسيخيا) أي الهدوء والسكينة, وذلك من خلال تمحور المصلي في صلاته حول اسم ابن الله المتجسد, والتي تقوم في كلٍ إنسانٍ جسداً وروحاً. وهي رغم أنها صلاة توحدية إلا أنها لا تبعد المصلي عن الجماعة الكنسية, بل هي وسيلة فعالة لدمجه فيها باستمرار. المسيح الذي يناديه المصلي بترداد دائم لاسمه القدوس، يسكن في داخل هذا الإنسان بحضورٍ يناسب حجم اهتمام المصلي بمفاعيل سر المعمودية وسر الشكر في حياته. أي بقدر اندماجه في جسد الكنيسة. ورغم كل هذه الأهمية للصلاة إلا أن الآباء عامةً أكدوا، أن صلاة يسوع لا تغني عن النعمة الحاصلة في ممارسة الأسرار الإلهية, بل تساعد على الاستفادة الكاملة من هذه النعمة. فهناك توافق كامل بين التقوى الشخصية والمتمثلة بالاشتراك في الصلاة الجماعية الليتورجية من جهة, وبين مساهمة الروح والجسد في الصلاة من جهةٍ أخرى. لأن الإنسان هو (واحدٌ كلّ) جسده وروحه متحدان ولا يمكن فصلهما. وهو يتعامل مع الله ككل, ويصبو بكليته إلى التأله الذي هو غاية وجوده. وهذا الفهم هو درس نأخذه من سر التجسد الإلهي، الذي فهمه الآباء وعبروا عنه بالمقولة التالية: (صار الله إنساناً, لكي يصير الإنسان إلهاً). فالإنسان بكليته يستقبل النعمة، وهو مدعو بروحه وجسده إلى التأله وإلى الشركة مع الله. التأله يعني استعادة الصورة الإلهية التي خُلِق الإنسان عليها. وسبيلُ كلِّ إنسانٍ لتحقيق ذلك هو السلوك في درب القداسة والعيش الدائم في حضرة الله.

يتضح لنا هدف المسيحي، وهو التفتيش عن المسيح في كل مواضع سكناه: في الكتاب المقدس، وفي الأسرار, وفي حياة الشركة, ومع ممارسة الحياة النقية في (سر الأخ أو القريب)، وكذلك أيضاً في ذكره لاسم الله المتجسد مع كل نسمةٍ يتنسمها الإنسان بشهيقه وزفيره بقوله: (ربي يسوع المسيح ارحمني)، أو (ربي يسوع المسيح يا ابن الله ارحمني أنا الخاطئ). وغالباً ما تُتلى هذه الصلاة مع تتابع تحريك حبات المسبحة، التي اقترن وجودها مع الرهبان غالباً. والتي لم تقتصر عليهم بل ازداد انتشارها بين الكثيرين.

ومن الأمور المساعدة لتكون صلاة يسوع فعالة في حياتنا أن نعيش حياة التوبة المستمرة، لأن التوبة تعني الانقلاب الداخلي, والتغيير الكلي للذهن والقلب. فالتوبة هي انكسار القلب أمام الله، واللجوء إليه، والارتماء في أحضانه. والتائب يتعلم أن الصلاة هي العلاقة الواعية مع الله، المتحققة بالتواضع الكبير. ومع هذا كله علينا ألا ننسى أهمية الحياة التأملية. ففي الصلاة والعبادة والتأمل يتحقق للكثيرين منا بروز أشخاصهم، كقدوةٍ صالحةٍ في مجتمعٍ يحيون فيه القداسة بفضل علاقتهم الحميمة بالله, فيقودونا هؤلاء إلى الملكوت الذي يحيي الحياة التي نعيشها.

 

ثالثاً: مناداة اسم يسوع كطريقٍ روحي

صلاة يسوع تقوم على مناداته (باسمه)، الذي فيه تتركز قوة هذه المناداة كلها. ولنا الخيار في تبني أية صيغة للمناداة مع احتفاظنا باسم (يسوع). ولأهمية الاسم يمكن الاكتفاء بذكره دون أي تدبيج لجملٍ أخرى. فالمهم هو ترديد الاسم بالشفاه، والتفكير فيه بالذهن. فالترديد هو أمرٌ لفظي, والتفكير هو شأنٌ عقلي. فنحن بهذه الصلاة نتمكن من الانتقال من المرحلة اللفظية إلى المرحلة العقلية, وحينها يؤدي الاسم بالنفس المصلية إلى التأمل. وليس هناك من مكانٍ مخصصٍ لترديد (الاسم)، وذلك لأنه ترديدٌ حرٌ غير مقيدٍ بأية قاعدة. وبالإضافة لذلك يمكن أن نعين أوقاتاً وأمكنة معينة للترديد المنتظم لهذا الاسم المقدس. ويفضل حينها وجود مكان مساعد يمتاز بالهدوء والسكينة. وكما علمنا يسوع: "إذا صليت فادخل إلى مخدعك واغلق بابك وصلِّ إلى أبيك الذي في الخفاء"(مت6:6). أما الأوضاع الجسمية في هذه الصلاة فهي لا تهم كثيراً، وإن اعتاد الكثيرون على إقامتها مع السجدات. إن المهم في الأمر أن يكون الوضع يسمح بهدوءٍ جسدي يساعد على التركيز الداخلي.

وقبل البدء بمناداة اسم يسوع، على المصلي أن يستجمع أفكاره ليدخل السلام إلى نفسه. ومن ثم يطلب توجيه الروح القدس وإرشاده: "لا يستطيع أن يقول يسوع رب إلا بالروح القدس" (1كو3:12). فإن اسم يسوع لا يمكن أن يدخل قلب إنسان إلا بعد أن يكون قد امتلأ بالتنهدات النقية, واشتعل بلهيب الروح القدس. عند ذلك فإن الروح القدس نفسه هو الذي سينطق ويضيء فينا اسم الابن الكلمة.

بعد هذا يمكن البدء بالمناداة الصلاتية. فالخطوة الأولى تبدأ تشبهاً بالذي يريد أن يتعلم السباحة، فيرمي نفسه في الماء. وهكذا تقوم مناداة يسوع بنطق اسمه بتعبدٍ وحب مراراً وتكراراً، مع تركيز الفكر في يسوع ذاته، ويساعد على ذلك مناداته ببطءٍ ولطفٍ وهدوء. وهذا عادةً لا يتقيد به المبتدئون، فهم يمارسون هذه الصلاة بصورةٍ انفعالية وهذا غير مفيد، لذا عليهم أن يعلموا أن الجهاد الكثير والسعي وراء التعمق سيكون بلا جدوى. الأفضل أن يجمع المصلي أفكاره ومشاعره وكل وجوده بهدوء ليتسرب هذا الاسم إلى أعماق النفس. وهناك يصبح الفكر في المسيح يسوع. ولا ضير البتة في استراحة بعد هذا الاستعداد، ليكون البدء بعدها جديداً، خاصةً إذا توفرت الرغبة في ذلك. قد يعتري المصلي لحظات فتور, وهذا أمر طبيعي. وأحياناً قد يجد شفاهه تردد لوحدها لفظ الاسم لأنه هو الذي يرد عليها من فكر المصلي وفي أثناء النوم كذلك، ويحدث أن الفكر يكون متشبعاً باسم يسوع وذكراه: "أنا نائمة وقلبي مستيقظ" (نش2:5) فإن تحقق ما ذكرناه، نكون قد وصلنا إلى نتائج إيجابية ملموسة، وهي أننا أصبحنا بتلامسٍ حقيقيٍ مع شخص ربنا يسوع: "إن مسست ثوبه فقط شفيت" (مت21:9).

ستمر أوقاتٌ وقد تكون طويلة، ونحن نردد فيها اسم يسوع بدون أن نشعر بشيء. علينا حينها ألا نستسلم إلى الظن أننا قد أضعنا وقتنا ومجهودنا بدون جدوى، بل على العكس من ذلك، فإن هذه الصلاة غير المثمرة في مظهرها، قد تكون أكثر قبولاً عند الله من لحظاتٍ كثيرةٍ ظنناها مثمرة, لأنها كانت مجردة من أي مطلبٍ أنانيٍ للَّذة الروحية. وعلى الأغلب تتحول هذه الصلاة لكي تكون مصحوبةً بالفرح الداخلي والحرارة الروحية والاستنارة.

من المفيد أن نتأكد من وصولنا إلى مناداة اسم يسوع من خلال تصميمٍ ذاتيٍ من أنفسنا, وهو ما يفرض علينا أن نستسلم لهذه المناداة وننقاد إليها لأنها دعوةٌ من الله. وأن ننتبه إلى أن الطريق الروحي المبني على مجرد الهوى العاطفي سيؤدي إلى انهيارٍ مؤسف. وأما الشوق لمناداة اسم يسوع المبني على دعوته لنا، فإنه سيؤدي بنا إلى مزيدٍ من المحبة والطهارة والطاعة والسلام.

ورغم كل هذه الأهمية فإن علينا الحذر، بألا نحتقر أنواع الصلوات الأخرى مدعين أن صلاة يسوع هي أفضل الصلوات. فكلّ صلاة نتحرك فيها بواسطة الروح القدس هي الفضلى. فكل الصلوات الجماعية, وكذلك الصلوات الفردية التي نقيمها لوحدنا كمثل صلاة يسوع، نقابلها مع كلِّ صلاةٍ فرديةٍ أن نتوخى الحذر لكي لا تكون صلاة يسوع على حساب أي من الصلوات الأخرى, وكذلك ألا تكون أي من الصلوات الأخرى على حساب صلاة يسوع، لأن الروح القدس هو المحرك لكلِّ هذه الصلوات: "لأنه متى جاء ذاك, روح الحق فهو يرشدكم إلى جميع الحق" (يو13:16).

 

رابعاً: الناحية الصعبة في صلاة القلب

في الصلاة النقية يجتمع الذهن مع القلب, إذ لا يجوز أن يبقى الذهن والقلب كل منهما وحيد. الصلاة التي تتم في الذهن وحده هي صلاةٌ باردة. الصلاة التي تتم في القلب وحده هي صلاة محض شاعرية, تجهل كل ما أعطانا إياه الله وكل ما يعطينا, وكل ما سيعطينا في المسيح. ولهذا تكون صلاة لا نعرف فيها لماذا نشكر الله, أو لماذا نسبحه, أو ماذا نطلب منه. ويكون هذا كله لأن صاحبها إنسانٌ يجهل أن يختبر شخص الله. ولذلك فهي ليست بصلاة كذلك.

المطلوب هو تحقيق عملية الاتحاد بين الذهن والقلب, وهذا لا يتم بصعود القلب إلى الذهن, بل بنزول الذهن إلى القلب. هذا يعني أن الفكر لا يجد راحته في الذهن بل في أعماق القلب متحداً بأعماق الله. وفي القلب يتم انفتاح الذهن على الله. هناك يثمر بحثه، فيكشف الذهن أعماق الله كما لو كان "غمرٌ ينادي غمراً" (مز8:41=مز8:42). أزلية الله لا يمكن اختبارها دون محبة الله لنا، ومحبة الله لنا تنادي محبتنا, وقلبنا هو عضو محبتنا. وبفضل الذهن المستقر فيه نعرف الأمر المهم، وهو أن اللانهاية هي أزلية الله, وأن الله أقام علاقةً حميمةً معنا في المسيح. وأمر يستدعي توضيحه، وهو أن الذهن الذي ينزل إلى القلب لا يلتقي الله أبداً بواسطة الأفكار, بل بالإحساس بحضوره. فالقلب يكون للذهن العضو الحسي للقائه بالله. وهذا لا يتم بعفوية وسهولة لأن هناك ما يمنع الذهن من الدخول إلى القلب للوصول إلى الصلاة القلبية، وتلك هي المشاعر والتخيلات الناتجة من الخطيئة, أو التي تجذب الإنسان إلى الخطيئة. ليس هذا الشيء الوحيد بل أن هناك تخيلاتٍ أكثر خطورة، وهي التي تعطي الإنسان انطباعاً بأنه منجذبٌ نحو عملٍ صالح, أو أنه في لقاءٍ مع الله. ولكنها في الواقع لا تكون كذلك، ولا تقود نحو الله. يكون الفكر اللاهوتي أحياناً حاجزاً لدخول الذهن إلى القلب، لهذا يجب أن نتيقظ حتى لا نفكر باللاهوت وقت الصلاة. ففي اللاهوت فكرٌ فلسفي لا ينسجم وصلاة القلب. صلاة يسوع يكفيها أنها تعبّر عن شعور الفرح والشكر والتواضع الكامل بأقل الكلمات بين الله والإنسان. كلمات الصلاة هي حوار مباشرٌ وبسيطٌ مع الله. ويمكن للمتمرس أن يعيش هذا الحوار حتى بدون كلمات. وفي الحالين يبقى المحتوى موجوداً، وهو أن شخص يسوع متحقق اللقاء معه, ويتم الاتحاد به بحبٍ غير محدودٍ في القلب.

يقول تيتوكولياندر: (عندما تصلي عليك أن تصمت.. أولاً.. واترك صلاتك تتكلم). إنه الصمت الإيجابي الذي يتم بوقفة صلاةٍ ويقظةٍ ووعيٍ وسهر, مقروناً كل ذلك بانتباهٍ وإصغاءٍ وتيقظٍ روحي. فمن يتوصل إلى الهدوء والسكينة فهو الذي يقدر أن يصغي فعلاً. لأن المصلي عندما يسمع صوت الصلاة داخل قلبه, يدرك أن هذا الصوت ليس صادراً عنه، وأنه صوت شخصٍ آخر يتكلم داخله. كل هذا يتحقق من خلال أهمية علاقة الصمت بالصلاة. هدف الصلاة هو عودة الإنسان بوعيٍ وإدراك إلى ذاته التي كوّنه الله عليه. فالتجديد الحاصل بالمعمودية هو المسلك لهذه الغاية، التي تساعد على اكتشاف من يخاطبنا باستمرار في دواخل نفوسنا. وهذا هو جوهر دعوة الله لكل من يريد أن يصلي. وهذا ما عبّر عنه باسكال بقوله: (ما كنت ستطلبني إن لم تكن قد وجدتني).

 

خامساً: صفات أربع لصلاة يسوع:

إن سبيلنا إلى الإصغاء لصوت الله هو الصمت، وذلك باقتناء صلاة يسوع وترديدها بدون توقف يومياً. ولهذه الصلاة صفات أهمها:

أ- بساطتها: فهي ممكنةٌ لكلِّ مسيحي في كل أوقاته وحالاته، وهي تقوده إلى أعمق أعماق التخشع. وحتى تحقق كامل غايتها تحتاج لأبٍ روحيٍ يرافق هذا المصلي، ليدربه على حركاتها الجسدية، وعلى عملية التنفس المرافقة لها. وباجتماع هذه الشروط يكتفي المصلي بالتردد العضوي على مرات، يكون زمن كل مرة قرابة عن 15 دقيقة. ولما كانت صيغة العلاقة المستعملة ومتنوعة أكثر من واحدة، فإنه لا يجوز تبديل العبارة بدون استقرار، حتى لا يضيع الجهاد بدون فائدة كما يقول القديس غريغوريوس السينائي: (الشجرة التي تنزع وتزرع مرات عديدة لا تشكل لنفسها جذوراً).

الجانب الهام الذي يعطي صلاة يسوع الفرادة هو بساطتها، التي تمكننا من تردادها في لحظات يكون فيها ذهننا متعباً مثقلاً, فهي صلاة تساعدنا جداً في لحظات الاضطراب والتعب والإرهاق.

وبما أنه بالإمكان تلاوتها بين مشاغلنا اليومية، فإن خبرة ثيوفانس الحبيس توضح لنا بقوله: (الأيدي بالعمل, والروح في القلب نحو الله). أما الأخ لفرنديوس في القرن السابع عشر فكان يقول: (إنها خدعة كبيرة أن تظن أن ساعة صلاتك مختلفة عن أية ساعة أخرى من يومك, إذ نحن مدعوون أن نتحد بالله في ساعات العمل كما في لحظات الصلاة). وكما أن صلاة يسوع يمكن أن يكون أداؤها في أي وقت، فإن هناك العفوية أيضاً في أوقات (محددة) للصلاة, والتي نركز فيها انتباهنا من خلال تكرار هذه الصلاة، وسواء كنا واقفين أو جالسين أو راكعين. وأحيانا نؤديها بطريق السجود، مع رسم إشارة الصليب لكلِّ مرة ننحني فيها وتلمس أصابعنا الأرض في سجدةٍ صغيرة، أو أن تكون جباهنا على الأرض في سجدةٍ كبيرة. وأهمية حمل المسبحة مع الصلاة أنها تساعدنا على التركيز, وتنظم صلاتنا بإيقاع معين. علاوة على أنها تُمكن الذين يلتزمون بعددٍ معينٍ على الأداء الكامل به. ومع هذا تبقى نصيحة ثيوفانس الحبيس قائمة: (لا يشغلك عدد المرات التي تردد بها صلاة يسوع. ليكن همك الوحيد أن تخرج صلاتك هذه من قلبك, كما ينفجر الماء من نبع حي. اطرد من داخلك كل فكر عن العدد).

ب- الشمولية: كما يقول السائح الروسي فإن صلاة يسوع تتضمن (داخلها كامل الحقائق الإنجيلية، أنها تلخيصٌ لكلِّ الإنجيل)، وخاصةً في عقيدتين مسيحيتين أساسيتين هما: (سر التجسد الإلهي) و (سر الثالوث الأقدس). فالسر الأول يتلخص بدعوتنا له باسمه البشري (يسوع) الذي نتكلم به عن طبيعته البشرية, وعندما ندعوه (رباً) أو (ابن الله) فنحن نتكلم عن طبيعته الإلهية. وأما السر الثاني فهو حول أقانيم الثالوث، فالدعوة للابن في الصيغة المعروفة (ابن الله) تكون مشتملة على الله. ونكون بذلك قد ذكرنا أقنوم الابن وأقنوم الآب, أما الروح القدس فهو متحقق الذكر من خلال المعنى في القول الكتابي التالي: "لا أحد يستطيع أن يقول يسوع ربّ إلا بالروح القدس" (1كو3:12).

          ويتضمن معنى صلاة يسوع بعداً عقائدياً آخر، يرتبط بلب ومركز هذه الصلاة وهو اسم (يسوع)، من حيث أنه يحمل معنى الخلاص: "ويدعى اسمه يسوع لأنه هو من يخلّص شعبه من خطاياهم" (مت21:1).

ومن الناحية الليتورجية فإن هذه الصلاة تحتوي على أهم لحظتين من لحظات العبادة: لحظة تأمل مجد الله وطلبه بمحبة, ولحظة التوبة والشعور بالخطأ وعدم الاستحقاق. ففي هذه الصلاة هناك حركةٌ دائريةٌ صاعدةٌ ونازلة. ففي النصف الأول نحن نتجه نحو الله: (أيها الرب يسوع المسيح...), بينما نحن في النصف الثاني نعود إلى ذواتنا بخشوع: (ارحمني أنا الخاطئ). وتلتقي هاتان اللحظتان بلحظةٍ ثالثةٍ هي (ارحمني)، فتكون الرحمة جسراً بين عدالة الله وطبيعتنا.

في هذا الغنى الليتورجي والعقائدي المستور في صلاة يسوع، نمتلكه من خلال أدائنا القوي والحيوي، وهو ما يمنحنا إيماناً يدخل إلى كياننا بملء فاعليته.

ج- قوة الاسم: في كتاب الراعي لهرماس من القرن الثاني نجد: (عظيمٌ هو اسم ابن الله, وغير محدود، ويضبط العالم بأسره). هذه هي فاعلية الاسم وقوته, لأن معرفة الاسم تنوب عن معرفة الذات، أي إن تردادانا لاسم يسوع يجعلنا نتعرف على يسوع حقاً، ونبني معه علاقة محددة. وهذه الخاصية لاسم يسوع نجد أصلها في الكتاب المقدس، وذلك حين يقوم الرب بتغيير بعض الأسماء، مما يؤدي إلى تغيير جذري في منحى الحياة، فيعقوب صار إسرائيل في العهد القديم, وصار شاول بولس، وأيضاً صار سمعان بطرس في العهد الجديد. وهو ما زال ملتزماً حتى اليوم في تغيير أسماء الإكليروس والرهبان، حين يمنحون أسماء جديدة للدلالة على التغيير الجذري لحياتهم. ونحن اليوم نؤكد على الحفظ على العلاقة مع الله باسم يسوع، الذي قال لنا: "كل ما تطلبونه من الآب باسمي يكون لكم" (يو33:6) وكذلك حين يقول لنا في وصيته الأخيرة: "اذهبوا وبشروا كل الأمم معمدين إياهم باسم الآب والابن والروح القدس" (مت19:28). وهذا ما يشكل الأهمية لاسم يسوع، ويجعله الأساس والقاعدة لصلاة يسوع. اسم الله مرتبطٌ بشكلٍ فعليٍ بشخصه, ويكون استدعاء الرب بلفظ اسمه ذا طابعٍ سريٍ خاص. ورغم هذه القوة للاسم فإن ترداد الاسم بشكلٍ ميكانيكي وغير واعٍ لا يفيدنا بشيء. فصلاة يسوع ليست سحراً ولا حجاب شعوذة. ولهذا يتوجب علينا أن ندعو اسم يسوع بوعي، نكون خلاله مركِّزين لذهننا، ومتيقِّظين داخلياً ومثبِّتين أفكارنا لنتأمل ونفهم كلمات الصلاة. وبذلك نكون واعين للجهة التي نتوجه بطلبنا إليها، ونتبين بوضوح من الذي يجيب على سؤال قلبنا. الجهد والصبر وما يصاحبها من شدة أساسيات لسالكي هذه الصلاة، فلا ضير البتة من أن تتعب أكتافنا، وأن نتحمل ما نشعر به من أوجاع في الرأس، لأنهما ناتجان لإلحاحنا على طلب الرب بقلوبنا بصبرٍ وأدب. وهكذا يحقق التكرار المستمر لصلاة يسوع نتيجةً مضاعفة: فهو يوحِّد ويجمع صلاتنا أولاً, وثانياً يجعلها داخليةً وأكثر عمقاً.

د- فاعلية التمرين والتكرار في تجميع الذات: الكثير من الناس يشْكون من أنهم مع بداية صلواتهم يتملكهم شعورٌ يظهر كم هم معرضون للتفكك والتشتت الداخلي، وهو ما يفقدهم وحدتهم الداخلية، ويسيرون كمثل ما لاحظه راما كراشنا: (كقفزات القرود من غصنٍ لآخر دون مسعى أو هدف). هكذا يرى المصلي نفسه عاجزاً عن إيقاف تداعي أفكاره وهو ما يدفع به إلى الضياع. فيتذكر الماضي, وينظر للمستقبل, ويخطط...., ويظهر كعاجزٍ عن تجميع ذاته أمام هدفه، أعني به المثول أمام حضرة الله.

إن ترداد صلاة يسوع باستمرار والتأكيد عليها، ينقلنا من كل أنواع التشتت هذه إلى الوحدة الداخلية. يقول الأسقف ثيوفان: (لكي توقف تدافع وتزاحم أفكارك, يتوجب عليك أن تربط ذهنك بفكرة واحدة أو بالاسم الواحد, اسم يسوع). فصلاة يسوع هي أسلوب عملي لكي نتخلص بها من الأفكار التي تزعجنا, وذلك بربط تفكيرنا بالاسم الوحيد اسم يسوع. الآباء كثيراً ما يتحدثون عن أساليب تجميع ذهننا بعيداً عن الأفكار الداعية إلى التشتت, فهذا أفغاريوس البنطي من القرن الرابع يقول: (الصلاة هي طرحٌ للأفكار). وينصحنا الأسقف كالستوس وير قائلاً: (عندما نردد الصلاة ونستدعي اسم يسوع, دون أن نكوِّن لأنفسنا تصورات ما، وعندما نحيا في حس ويقين حضوره, عندها فقط سوف نملك خبرة قوة هذه الصلاة القلبية التي تجمع الذهن وتوحد الذات).

 

سادساً: الصلاة القلبية

إن الترداد المستمر لاسم يسوع بوعيٍ ونقاءٍ يجعل من هذه الصلاة موحِّدة لذاتنا ومجمِّعة لذهننا في المقام الأول، ويجعلها من جهةٍ ثانيةٍ أكثر عمقاً وأكثر داخلية. فتصير هذه الصلاة حالة وليست حادثة. ونتحول بها لنصبح صلاةً عبر هذا التدرج فيها. والذي نبدأه أولاً بصلاة الشفاه (لفظية). ويصبح ثانياً صلاة الذهن (عقلية). ويتحول ثالثاً إلى صلاة القلب (الذهنية بالقلب).

قوة هذه الصلاة أنها لا تكتفي بحدود ذهن الإنسان وعقله، بل هي تنتقل إلى قلبه عندما يتركز الذهن في القلب، حيث تكمن هناك كامل الشخصية الإنسانية. لأن القلب هو منبع المعنى الأساسي العميق، أو بتعبيرٍ أدق هو المعنى للإنسان الداخلي. لذا يقول أحد الكتّاب الروس: (ليس القلب مركز النفس وحسب، وإنما أيضاً مركز الروح، وليس الروح فقط إنما الجسد أيضاً، ليس فقط مركزاً للإدراك، وإنما أيضاً لغير المدرك، إنه بعبارةٍ واحدةٍ المركز المطلق). لذا يجب أن نحرص على دخول هذا المركز المطلق في داخلنا عن طريق (صلاة الذهن في القلب). لأن الإمكانيات العقلانية والإدراكية والوعي هي هدايا إلهية، ويجب أن تشترك بدورها في تسبيح الله وخدمته.

عن طريق (وحدة العقل بالقلب) يستعيد الإنسان كماله الأول. وعن طريق صلاة القلب يعود الإنسان إلى (الفردوس). التي تنقل صاحبها إلى (الصلاة العفوية)، تلك الصلاة التي تخرج وحدها. إنها الصلاة التي يقولها المسيح في داخلي. فالقلب علاوةً على أنه مركز الكيان البشري، فهو أيضاً مكان لقاء الإنسان بالله. وبذلك يشكل مكاناً لمعرفة الذات، حيث يكتشف الإنسان فيه ذاته على ما هي عليه، ويكون هو المكان الذي يتجاوز الإنسان فيه ذاته فيدرك في طبيعته أنها معبد للثالوث الأقدس، حيث تبرز صورة الذات وجهاً لوجه في لقاء مع مثالها الأصلي، فيجد الإنسان كيانه في أعماق داخله وقلبه. وبذلك تحقق صلاة يسوع حينها ما قاله السائح الروسي: (وباكراً في صباح أحد الأيام شعرت وكأن الصلاة أيقظتني)، وكأن لسان حاله يقول: (بدأت الصلاة تخرج وحدها، وحتى في نومه، وذلك لأن صلاته صارت متحدةً بصلاة الله داخله).

في الغالب لا تترسخ صلاة يسوع بسرعة، بل إنها تحتاج في الأغلب إلى زمنٍ وصبرٍ طويلين. وخلال جهادنا هذا علينا ألا نهمل صلواتنا الأخرى. آخذين بنصيحة الأب يوسيف الهدوئي من الجبل المقدس: (اغصب ذاتك على ترداد صلاة يسوع بفمك باستمرار وبلا انقطاع... انتبه فقط إلى الكلمات: ياربي يسوع المسيح ارحمني... ردّدها دائماً باللسان وبصوتٍ مسموع... هناك حاجةٌ لغصب الذات ولمحاولةٍ مستمرةٍ إلى أن تعتاد عليها). أما الذين يعتادون عليها بسرعة فهم يملكون (هبةً نادرةً وسامية)، كما كان شأن السائح الروسي أو القديس سلوان الآثوسي. أما الأكثرية الساحقة فهم لا يملكون هذه الموهبة، بل يحصلون عليها بالجهاد الروحي. لذا قال القديس اسحق السرياني في القرن السابع: (بالكاد يمتلك واحدٌ من بين عشرة آلاف موهبة، يمكن أن نعتبره بها أهلاً لموهبة الصلاة الدائمة). وبتفاؤلٍ صحيح نقول: ومع هذا يبقى درب الدخول إلى أعماقنا مفتوحاً دائماً للجميع، لتذوق أسرار القلب العميقة قلَّت أو كثرت.

 

سابعاً: دور الجسد في صلاة يسوع

لما كان القلب مركز لقاء الوجود البشري بكامله فإن الصلاة القلبية تكون صلاةً مزدوجة لأنها صلاة روحٍ وجسد. ولهذا لا تغدو الصلاة حقيقية إلا عندما يشارك الجسد بها، لأن الكائن الإنساني من وجهة نظرٍ كتابية، هو كائنٌ واحدٌ وإن تشكل من نفسٍ وجسد. وهذا ما يجعل للجسد دوراً روحياً يجمِّل وجود الإنسان. ولكن هذه المشاركة الني هي بمثابة (رياض للجسد) في ذات الوقت تترك تأثيرها عليه، كمثل تغير لون الوجه، أو سرعة في التنفس، أو بطءٍ له. وذلك بحسب وضعنا الروحي سلباً أو إيجاباً. وهذا ما يدعونا إلى أن نراقب الدور الجسدي، وأن نسعى إلى التحكم به، فنساعد أنفسنا على تشديد انتباهنا وتركيزنا ووعينا في الصلاة. إنه أمرٌ هام عند الهدوئيين الذين يعتمدون على مثل هذه الأساليب في الصلاة.

وهنالك أشكال ثلاثة لدور الجسد في الصلاة هي:

أ- الوضع الخارجي: ينصح القديس غريغوريوس السينائي بالجلوس على مقعدٍ منخفض، يكون ارتفاعه عن الأرض حوالي 25سم، لنجعل الرأس والأكتاف منحنية، ولنمكن العينين أن تتجها إلى مكان القلب. يطلب آباءٌ آخرون أكثر من ذلك، وذلك بأن نضع رأسنا بين ركبتينا متمثلين بالنبي إيليا: "وصعد إيليا إلى جبل الكرمل وانحنى إلى الأرض ووضع رأسه بين ركبتيه" (3مل42:18).

ب- ضبط التنفس: ويجب أن يرافق هذا الوضع ضبطٌ للتنفس يجعله أهدأ وأبطأ، مما يسمح له أن يرتبط مع (إيقاع) الصلاة في الوقت نفسه. وهذا ما يسمح للمصلي عادةً أن يلفظ مع الشهيق (ياربي يسوع المسيح يا ابن الله)، ومع الزفير (ارحمني أنا الخاطئ). هناك أساليب أخرى ممكنة كأن يُضبط توزيع أقسام الصلاة مع دقات القلب.

ج- غوصٌ داخلي: كما يُدرَّب المبتدئ في ألعاب اليوغا على تجميع فكره في منطقة محددة من جسمه، كذلك يُركِّز الهدوئي فكره في منطقة القلب. فحين يتنفس الهدوئي بالشهيق يحاول أن يجعل ذهنه (يغوص) مع الهواء الداخل إلى أعماقه باحثاً عن مكان القلب. وهنا يبرز دور المرشد المتمرن ويكون ضرورياً، لكي يجنب المبتدئ خطر الانحدار قليلاً عن الموضع الصحيح فينزل، إلى الأحشاء التي هي مركز ونبع الشهوات الجسدية التي يدنِّس تحركها الذهن والقلب.

 

ثامناً: محاذير حول الأساليب الخاطئة وأضرارها أثناء التنفس

          أي أسلوبٍ ليس صحيحاً يؤدي إلى سوء مرافقة عملية مع التنفس الصحيح قد يؤدي إلى أضرار بالجسد، وبقوى الإنسان الإدراكية ذاتها. وهذا ما يجعل وجود المرشد الخبير ضرورياً جداً. وفي سبيل تجنب هذا يجب الاقتصار على الأسلوب البسيط لترداد هذه الصلاة لدي غياب المرشد، بحيث لا يعير أي انتباه لربط صلاته بتنفسه أو دقات قلبه. وقد يحصل أن يتم تماشي صلاته مع تنفسه بشكل غير مقصود، أما إن لم يحصل ذلك فيجب ألا يدعونا ذلك إلى القلق.

          المهم في الصلاة كأمرٍ أساسي، والذي يجب ألا يغيب عن ذهننا أبداً، هو الانتباه الداخلي للشعور السري بحضور الرب يسوع. لهذا ينصحنا الأسقف إغناطيوس بريانشيانينوف بقوله: (ننصح إخوتنا الأحباء ألاّ يحاولوا الاعتياد على هذه الأساليب، إن لم يصلوا إليها وحدهم. كثيرون هدموا صحتهم محاولين أن يتعلموها بالسعي، وخربوا رئاتهم ولم يربحوا شيئاً. جوهر الموضوع هو اتحاد الذهن بالقلب خلال الصلاة، وهذه النعمة نكسبها بنعمة الرب في الوقت المناسب، الذي يراه هو. لقد استُبدلت الأساليب السابقة بأسلوبٍ أبسط لا يقل أهمية، وهو ترداد هذه الصلاة مع وقفة أو استراحة قصيرة في نهاية كلِّ مرة نرددها، مع نفسٍ هادئٍ وبطيء وبذهنٍ ملتصقٍ بكلمات الصلاة. بهذا الأسلوب المساعد نستطيع بسهولة أن نحقق درجةً مقبولةً من الانتباه).

          يستدعي ترداد الصلاة التوقف قليلاً بين تَردُّداتها المتتالية، الواحدة والتالية مما يساعد الذهن على التجمع والتركيز. أما ترداد الصلاة دون فواصل ووقفات، فهو يعكِّر الذهن. وتستغرق صلاة مسبحة ذات مئة حبة إلى زمنٍ يتراوح بين خمس دقائق وثلاثين دقيقة. والأفضل هو الوسط بين الوقتين أعني من 10 إلى 15 دقيقة.

 

تاسعاً: إشكالية التشابه بين صلاة يسوع وبين اليوغا في الصوفية الهندية  

هنالك تشابهٌ مذهل نجده بين نصائح الآباء الهدوئيين، وبين أساليب ممارسي اليوغا في الصوفية الهندية. فإلى أي درجة يكون هذا التشابه هو نتاج الصدفة، كتطورٍ متشابهٍ لتقليدين مستقلين أو منفصلين؟ وإن كان هناك علاقة بين نشاط أتباع تلك الصوفيات، وبين الهدوئيين المسيحيين، فأي طرفٍ هو الذي استعار من الآخر؟ إن الدراسات حتى الآن لا تجيب. ومع ذلك يجب أن ننتبه من جهة ثانية أن هناك فروقات أيضاً إلى جانب هذا التماثل. إن جوهر هذه الفروقات تتضح لنا من خلال إقامة مقارنة في محور الإطار والصورة. ففي صلاة يسوع تكون الأساليب الجسدية هي الإطار، بينما ذكر اسم يسوع هو الصورة داخل الإطار. فالتشابه القائم في هذه المقارنة هو في الإطار فقط وليس في الصورة. لأن الجوهر في صلاة يسوع لا يكون في كيفية الجلوس أو الترداد والتكرار بحد ذاته، إنما يتحدد بـ إلى (مَنْ) نحن نتكلم؟ في الصلاة المسيحية نتجه إلى كلمة الله المتجسد بالذات.

          يجب ألا يعمينا وجود أساليب ورياضات جسدية مترافقة مع صلاة يسوع عن حقيقة هذه الصلاة. ليست صلاة يسوع (رياضة) تساعدنا على تجميع ذاتنا فقط، ولهذا فهي ليست يوغا مسيحية أو ماندرا مسيحية. بل هي على العكس من ذلك لأنها صلاة تتجه أولاً نحو شخصٍ آخر، نحو الله الذي صار إنساناً، نحو الرب يسوع المسيح مخلصنا وفادينا.

          إذاً تبتعد صلاة يسوع عن أي أسلوب تردادٍ فرديّ داخلي مغلق. وهي في ذلك من نوعية وطبيعة مختلفة، ولها بُعدها الخاص، الذي إن فُصِلَتْ عنه فقدت معناها. وأول وجه لهذا البعد (الإيمان)، فخلف الترداد إيمانٌ حي بالرب يسوع، من هو؟ وماذا صنع لأجلنا؟ والوجه الثاني لبعد صلاة يسوع هو بُعد (الشركة)، فنحن ندعو الرب باسمه كأعضاء جسده، وشركاء معه في شركة الكنيسة. وعلى هذا الأساس يصلّي المسيحيون صلاة يسوع.

          قد نجد اليوم أناساً بعيدين عن يسوع، ويقومون بممارسة صلاة اسم يسوع. فما هو موقفنا منهم؟ إننا نفرح له لأنهم يبحثون عن نبع الحياة بالفعل. لذا ما علينا إلا أن نسعى لنرشدهم إلى تصحيح ما هم عليه، لكي لا تكون صلاتهم على مستوى الإطار أي فقط الأساليب الجسدية، بل أن نساعدهم لينتقلوا إلى الداخل أي إلى الصورة ليصير لهم لقاءٌ مع الله، وتماسٌ ليسوع نفسه.

 

عاشراً: خاتمة

غاية صلاة يسوع هو أن تصير حياته حياتنا, وأن يصبح نَفَسنا واحداً مع النفس الإلهي, فنصل في نهاية المسيرة إلى حالة (التأله). يقول اللاهوتي بولغاكوف: (عندما يحضر اسم يسوع في القلب البشري يجلب معه التأله). عندما توحدنا الصلاة القلبية بالرب يسوع, فإنها تساعدنا في أن نشارك بدورنا ليسكن الثالوث الأقدس فينا. وبقدر ما تصير الصلاة جزءاً منا ندخل في حركة المحبة الكائنة بين الآب والابن والروح القدس.

غالباً ما يأخذ سر التأله البشري في التقليد الهدوئي شكلاً خارجياً، هو رؤية النور الإلهي غير المخلوق. وهو النور الذي رآه القديسون في الصلاة، وتأكدوا أنه نور الألوهة غير المخلوق، الذي لمع وأضاء من المسيح في التجلي على جبل ثابور, والذي سوف يضيء ويسطع على كل المسكونة عند المجيء الثاني. نحن نستطيع أن نصل إلى مثل هذه المعاينات السامية للمجد الإلهي بوساطة ترداد اسم يسوع. فتكون الصلاة القلبية هي طريق نور التجلي لكي يدخل ويتغلغل إلى كلِّ حنايا حياتنا. وخبرة السائح الروسي تقول: (عندما كنت أصلي من قلبي, كان كل شيء من حولي يصير جميلاً ورائعاً, الأشجار, العشب, الطيور, الأرض, الهواء, النور, كل شيء غدا كأنه يقول ويكشف لي بأن كل ذلك هو من أجل الإنسان... كنت أشعر بمحبة ملتهبة ومتأججة ليسوع وكل شيء من خلائق الله). والأهم أيضاً هو علاقة من يصلي صلاة يسوع بالآخرين من البشر، فهي تجعله يرى المسيح في كلِّ إنسان، وكل الناس في المسيح، بالرغم من فرادة وميزة كل شخص على حدة.

عندما يتم ترداد اسم يسوع في الصلاة بشكلٍ صحيح، يجعل المصلي منا - كائناً من كان - ينجح ويتعمق في أعماله المختلفة أكثر, وتحافظ عليه من القطيعة والانفصال عن الآخرين, بل هي على العكس توحد المجتمع فيها أكثر. لأن هذه الصلاة تجعل مُردِّدها أكثر إحساساً بمشاكل ومتاعب ومصاعب الآخرين. صلاة يسوع تجعل من مصليها (إنساناً للآخرين), وتحوله إلى أداة حبٍ للسلام, السلام الإلهي. وكذلك تصيرّ المصلي مركزاً حيّاً وفعالاً للاتصال بالآخرين.

شرطٌ أساسيٌ لصلاة القلب هو الاعتقاد بأنها ليست مجرد صلاة, بل مشاركةٌ حقيقيةٌ مع الله. إنها أساس تقديسنا بقوى الله, والذي من خلال هذه القوى نزل واتحد مع الخطأة. وعندما نملك الله يكون لدينا الآب والابن والروح القدس. يقول الأب الرسولي هرماس: (حتى يكون اسم يسوع في عقولنا وقلوبنا دائماً, يجب علينا أن (نُقيّد) باسم المسيح, كما لو أننا لبسنا رداءً سوف لن نخلعه أبداً). ولكي يمتلئ المؤمن بحضور الله وبنوره, عليه أن يحيا حياة تسر الله. وأكثر ما يُسرّ الله هو ترديدنا الدائم لصلاة يسوع بثقةٍ ومن كل القلب، وبحسب تعبير الشيخ صفروني سخاروف: (كم يتبدل كل شيء جذرياً عندما يسمع القلب استدعاء يسوع!! فكل دقيقة تصبح ثمينة ومليئة بمعنى عميق، فيمتزج العذاب بالفرح بشكلٍ رائع في الجهاد الرهباني).