حديث الأسبوع (10 حزيران)

أرشيف

وعظة الأحد

موضوع للأرشمندريت يوحنّا التلّي

لرعية صيدنايا

6-4-2014

 الأخلاقُ المسيحية

أولاً: تعريفُ الأخلاق

(هو العلمُ الذي يبحثُ فيما ينبغي على الإنسانِ فعله). إذاً هو تعريفٌ يربطُ بين علم الأخلاقِ وإرادة الإنسانِ في اختيارِ أفعاله. وهذا ما يدعونا للقولِ مع العلاّمة أوريجنّس: (أخلاقُ الناسِ متعددةٌ ومختلفةٌ كما هي عديدةٌ نفوسهم).

          وتأتي كلمةُ الأخلاق بالجمع من مفردها الذي هو خُلُق.

تُظهِر الأخلاق طريقةً معينةً لحياة الإنسان، تتمُّ عن طريق العادة وتتحقق بواسطةِ الممارسة. بها - أي بالأخلاق - تتميز حياةُ الإنسان المسيحي.

وإذا نظرنا إلى موضوع الأخلاق من الناحيةِ الفلسفيةِ يُطالعنا الفيلسوف (عمانوئيل كانتْ) بالتعريفاتِ الثلاثة التالية التي يحثنا من أجلها على إدخالِ العقلِ في مراقبةِ القواعدِ الأخلاقيّة:

أ. افعلْ دائماً بحيث تكون قاعدةُ فعلك صالحة عقلياً لأن تكون قاعدةً كليةً.

ب. افعلْ دائماً بحيث تعاملُ الإنسانية في شخصك، وفي شخصِ الآخرين، على أنّها غايةٌ، وليس على أنّها مجرد وسيلةٌ.

جـ. افعلْ دائماً بوصفك ذاتاً مستقلةً.

ملاحظة: في قواعد (كانْتْ) هذه: إذا كان الإنسان الذي يطبّق تلك القواعد إنساناً شريراً وليس صالحاً، تكون نتائج تطبيق هذه القواعد نتائج شريرةٍ، لأنها صادرة من عقله وليس من عقل ٍكمثل (كانْت).

تتميز الأخلاقُ المسيحيّة عن كلِّ أخلاقٍ أخرى، حتى السلوك المسيحيّ العام الذي يكتفي بالسطحية والشكل الخارجي. أي أن الأخلاقَ المسيحيّة وخاصةً الأرثوذكسية هي التي تقوم على (تجدِّد الإنسان). فالإنسان هو ثمرةُ السيرة بحسبِ المسيح. ومصطلحُ (أخلاق) في العهد الجديدِ يُسردُ بتعابير أخرى مثل: (سيروا بحسب الروح) و(عيشوا في الله) و(عيشوا في المسيح) و(عيشوا بحسب الروح) (غلا25:5). هذه الإعلانات وغيرها تحدِّد ميزةَ الأخلاقِ المسيحيّة الصحيحة.

تستمد المسيحيّةُ أخلاقَها من إلهها الذي ليس هو إلهاً خاصاً يخصُّ المؤمنين به فقط. إنّه خالقُ العالم وربُّ التاريخ. والله يدعو الإنسانَ لأنه خالقٌ له، وعارفٌ بطبيعته الحقيقية، فدعوته للإنسان ليحيا أخلاقَ الله التي - هي أخلاقُ المسيح - لا تخرج عن نمط تكوينه الخلقي.

لذلك، فالمسيحيون ليسوا مدعوين إلى معارضةِ شعورِ الناس الخلقي العام، بل يشجّعون على ممارسةِ كلِّ ما يعتبره الآخرون حقيقياً ومحتشماً وبارّاً وطاهراً وفاضلاً... الخ. فالمسيحيون مدعوون لكي يكون روحُ الله وليس روحُ العالم الذي يرأسه الشيطان، مُرشِداً لحياتهم. فإن تناقضت الأخلاقُ المسيحيّةُ مع العالم فهذا يعني بأنها لا تتماشى مع السلوك الدخيل على أخلاقها والآتي من الشيطان.

وفيما عدا ذلك تشارك الأخلاقُ المسيحيّة الشمولية الخلقية وتدفع نحو انسجامٍ خلقي. وفي حال سقط المسيحيُّ بعيداً عن التمسّك بأخلاقه، أقول إن سقط في زلةٍ أو فكرٍ أو تصرّفٍ أو نقص محبّةٍ فإنّه، بالتوبة التي هي دعامة الأخلاق المسيحيةِ، يعود إلى حظيرة المسيح مكلّلاً بالنقاوة. وخاصةً أنّه بفضل توبته هذه يعود إلى سرِّ الإفخارستيا ليجد أن مائدةَ المسيح تُعِدّ له تناول الجسد والدم الإلهيين، وتولده بالروح من جديد.

تساعد العبادةُ في المسيحيّةِ الإنسان على حفظِ حياته مقرونةً بأخلاق المسيح. لأنّه عندما يحيا في مناخٍ روحيٍّ دائمٍ مشبعٍ بكلامِ الله في المسيح فإنّه يحفظ سلامةَ أخلاقِه ويُبعد عنه السقوط في الزلاّت، ويُجدد حياته بعبادته وتبقى استقامته بلا انحراف، خاصةً وهو يردِّد كلمات مزمور التوبةِ الذي تتمُّ تلاوته مع كلِّ خدمة صلاة، فيردّد المصلّي القول: "قلباً نقياً اخلقْ فيَّ يا الله، وروحاً مستقيماً جدّد في أحشائي، وروحك القدوس لا تنزعه مني.." (مز50 السبعينية).

ويبقى أن نقولَ إنّ الإنسانَ، وخاصةً في العالم المعاصر، مُعرَّضٌ لفقدان هويته الأخلاقيّة بسبب وجودِ تيارات كثيرة، وكلّها تصلُه بيُسرْ. فما هو مسمار الأمان لكلِّ هذا؟ إنّه محاربة حبِّ الذات مع تنمية حبِّ الآخرين والابتعاد عن الأنانية.

ثانياً: الأخلاق المسيحية

          لما كانت الكنيسةُ هي المخوّلةُ من يسوع بوضع الدستورِ المسيحيّ للمؤمن انطلاقاً من قولِ يسوع: "ما تربطونه على الأرضِ يكون مربوطاً في السماء، وما تحلونه على الأرض يكون محلولاً في السماء" (متى18:18). فتكون - بناءً عليه - ولأسبابٍ كثيرةٍ غيرها - مهمةُ الكنيسة تفسير الكتاب المقدس ووضع مختلف قواعده الدينية التي يجب على الناس اتّباعها وأخصُّ منها الناحية الأخلاقيّة.

          ترتكزُ الأخلاقُ المسيحيّةُ على عملِ يسوع الفدائي على الصليب لأجلنا. هذه هي أخلاقُ المسيح: السعي لخلاصنا وقد كلّفه ذلك عذابه وموته إلاّ أنّ قوةَ قيامته هي المحصلة التي نجنيها من عمل يسوع، دون إعفائنا من حمل الصليب. من هذا المعيار تنبع أعمق قيم أخلاقنا.

          ترتكزُ الأخلاقُ أيضاً على الإيمانِ باللهِ وبابنه يسوع وروح قدسه. هذا الإيمان هو محرّكُ الأفعال التي نعملها أخلاقياً ونستمدها من كلِّ ما فعله يسوع لأجلنا.

          أراد لنا يسوع أن نتغيّر عن فكرنا الذي ليس هو فكرُ المسيح فينا. بهذا التغيير نصلُ إلى معرفة يسوع كما عرفَهُ بولس الرسول عندما قال: "وغايتي أن أعرف المسيح وقوّة قيامته، والشركة في آلامه، والتشبّه به في موته" (في10:3) فهل نستطيع أن نتخلّى عن كلِّ شيءٍ من أجل معرفة المسيح؟ نعم نستطيع إذا استخدمنا العنصر الهام في الأخلاق الذي هو التضحية، التي توصلنا لمعرفة المسيح حقاً.

          لذا علينا في صَلاتنا خاصةً أن نطلبَ سُكنى الروح القدس بدواخلنا فننال إرشاده لنا لنعمل مشيئةَ الله التي علّمنا يسوع أن نصل إليها عندما خاطب الله بقوله: "لتكن مشيئتك، لا مشيئتي" (متى42:26). نعمةُ الله هذه نحن بحاجةٍ إليها لنعمل أعمال يسوع.

          ولكي يعرف الإنسانُ ماذا يجبُ عليه أن يفعلَ خاصةً في الحالات الحرجة ليوقظَ النعمةَ بداخله، عليه أن يتّجهَ نحو يسوع ليستنير بالنور الإلهيّ الذي يكشف له دوره المطلوب منه في الملمّات والشدائد. وهنا قد يحتاجُ الإنسانُ لمساعدة آتيةٍ من المسيح عن طريق مَن هم أكثر استنارةً منه فيلجأ إلى مثل هؤلاء، وأخصّ بالذكر الأب الروحيّ الذي باستنارته وصلاته يساعد القادم إليه.

ثالثاً: التعليمُ المسيحيّ لكلمة أخلاق

          في العهد الجديد لا نجد ذكراً لكلمةِ الأخلاقِ كلفظةٍ صريحةٍ إلاّ مرةً واحدةً عند بولس الرسول بقوله: "المعاشرة السيئة تفسدُ الأخلاقَ الحسنة" (1كو33:15). وهذا يعود إلى أن الأخلاقَ تحمل مدلول كلمة (العادة) فالعادات الشخصية والجماعية والوطنية بعاداتها المتّبعة تُبرز أخلاقَ الجماعة كالقائل في رسالة العبرانيين: "وعلينا ألا ننقطع عن الاجتماع معاً، كما تعوّد بعضكم أن يفعل. إنما يجب أن تحثّوا وتشجّعوا بعضكم بعضاً، وتواظبوا على هذا بقدر ما ترون ذلك" (عب25:10) واستُخدِمت اللفظة أيضاً بمعنى التقاليد الموروثة: "ونحن سمعناه يقول: سيهدم هذا المكان ويغيّر التقاليد التي ورثناها عن موسى" (أع14:6).

ومع الآباءِ القديسين في تعليمهم وكتاباتهم تنامت الكلمةُ الأساسُ (الأخلاق) فأظهروا باستعمالهم لها غاية حياة المسيحيين. كقول القديس أقليمس الاسكندري: (الله أزليٌّ ومصدرٌ لكلِّ الأشياء.. وهو مبدأ الأخلاق لأنه هو الصلاح.. والمعلّم الأوحد.. ومربّي الإنسان).

يرى الآباءُ أنّه بإمكان المسيحيين الاستفادة من التربيةِ الخلقيةِ الموجودة عند غير المسيحيين بأخذِ بعض العناصر واستعمالها كإسهامٍ رديفٍ في بناءِ التعليمِ المسيحيّ. وكثيراً ما تحدّث آباءُ النسك وكتبوا ما يسمّى (الفصول الخُلقية) التي يَكثر فيها الاستشهاد بحياةِ المسيحيين الخُلقية. كلّ هذا من أجل إبراز المضمون العميق لخلقِ المؤمنين، لأنهم لا يوافقون على أن تكون الأخلاق فقط مقدّمة إلينا لكونها من نتاج التجريد العقلي. فهم يرون أن الأشخاص وحدهم هم ذوو أخلاق. لذا تتجهُ الأخلاقَ المسيحيّة إلى الإنسانِ قبل أن تكون دراسة منهجية. فهي، أي الأخلاق، قد صُبغت تلقائياً بأنفس عائشيها.

إن التعليمَ المسيحيّ للأخلاق، من حيث المبدأ، تمّ عمليّاً بفضلِ تقديمِ يسوع جسده لتلاميذه وأتباعه، فجدّد ليس فقط الإنسان بل أيضاً العالمَ بأسره. فاكتسب المسيحيُّ المؤمنُ خُلُقاً جديداً، وتعاليم خلقيّة جديدة. حتى صارت الأخلاقُ المسيحيةُ بمثابةِ ترجمةٍ للحياةِ في المسيح، وراحت تظهر خاصةً بمنظورِ القيامةِ التي على المسيحيّ أن ينقلها للعالم. حتى صار يمكننا القول: إن الأخلاقَ المسيحيّة هي أخلاق اتحادِ الإنسان بجسدِ المسيح وعيشهِ بنعمةِ الروحِ القدس من خلال منظورِ القيامة.

رابعاً: قمةُ الفضائلِ المسيحيّةِ هي المحبّة

          يقدّمُ لنا العهدُ الجديدُ فضيلةَ المحبّة كأساس للأخلاقِ المسيحيّة. وسنتركُ ها هنا البحثَ في تعدديات المحبّة والتي نستعملها باسم الحبِّ، ونشدّد على فضيلة الحبِّ الإلهيّ الذي يُعرِّف به يوحنّا الإنجيلي الله فيقول: "اللهُ محبّة" (1يو16:4).

          هنا نحن في مجالِ الحبِّ الإلهيّ الذي نلناه من ربّنا يسوع المسيح عندما رضي طوعاً أن يقدّم ذاته على الصليب من أجلنا. فأخلاقنا تصطبغ بفضيلة هذا الحبِّ "فنمتنع ليس فقط عن القتلِ بل حتى عن الغضبِ" (راجع متى21:5-22) بالغضبِ نحن نتعدّى على وصيةِ الله القائمةِ على المحبّة لأن الغضب دليل على نقص المحبّة. لذا على أخلاقنا أن تتصفَ بالقدرةِ على ضبطِ النفسِ لنبقى نتعامل في أخلاقِ المحبّة، التي تدعونا إلى ضبطِ أفكارنا أيضاً.

          وغالباً ما يقودنا سوءُ أفكارنا إلى سوءِ أفعالنا. لننظر معاً في "تقدمةِ ذبيحة قايين المرفوضة" (تك1:4-16) لأنه لم يقدم أفضل ما عنده، فجرَّه غضبه الأحمق الحسودُ إلى قتل أخيه.

          يؤكّد لنا التعليقُ المسيحيُّ عن أهميةِ نقصِ المحبّةِ الداخلي الذي نستبدله بالغضبِ والحقدِ والحسدِ والكراهية. القول أن المسيحيّةَ هي ديانةُ القلب، وأخلاقها إضافة للأوامرِ والنواهي الصادرةِ عن العقلِ ومشاعر القلبِ وأحكامه. ولا تخضع الأخلاقُ المسيحيّةُ للأعمالِ الخارجيّةِ فحسب، بل تخضع أيضاً للأحكامِ الداخلية. لذا يمكن أن نضيفَ أن التي يكتمها إنسانٌ داخله ضد شخصٍ آخر تتحول لتصبح شراً عليه كمثل ورمٍ خبيثٍ داخله، يسعى لتدميره، أي لتدمير الإنسان القابع هناك.

          وينبهنا كاتب رسالة العبرانيين بقوله: "اجعلوا هدفكم أن تسالموا جميع الناس، وتعيشوا حياة مقدسة... انتبهوا ألا يسقط أحدكم من نعمة الله، حتى لا يتأصّل بينكم جَذْرُ مرارة، فيسبب بليّه وينجس كثيرين منكم" (عب14:12-15).

          فأخلاقُ الإنسانِ المسيحيّ تقومُ على تنظيفِ ذاتِه لئلا يُبقي بداخله خطيئةً تعيقُ العلاقة الصحيحة مع الله، لأنّ الخطيئةَ بمثابةِ حاجزٍ بيننا وبين رؤيةِ الله. أما القداسةُ فترتبط بالسلام الذي تبتغيه أخلاقنا المسيحيّة بحيث لا يكون مشاجراتٌ تعيقٌ تحقيق السلام. فالسلامٌ الذي بيننا وبين الله هو الذي ينتقل إلى سلامٍ بيننا وبين الآخرين.

          بالنتيجةِ علينا استئصال (جذرَ المرارة) قبل أن يكبرَ ويصبحَ شجرةَ عداوةٍ مليءٌ بالحقدِ والشقاقِ والنجاسة. أخلاقٌ دون محبّةٍ غيرُ قابلةٍ للتحقيق مسيحيّاً. وهذا ما دعا يوحنّا الحبيب إلى القول: "ونحن أنفسنا اختبرنا المحبة التي خصّنا الله بها، ووضعنا ثقتنا فيها..." (1يو16:4) فالإنسانُ يرتفعُ كيانياً إلى الله الذي (هو محبّة). المحبّة إذن هي سِمةُ اللهِ الكيانية التي لا تخضع لأيِّ ضرورةٍ لأنها ترجع إلى الشخص. وهي أيضاً تماثل الحرية الكيانية فيتصل هكذا الإنسان بالله اتصالاً كيانياً، ومع المحبّة والتواصل معها لا يغيب عن فكرنا أن الاتصال يتمُّ مع اللهِ المثلثِ الأقانيم.

          بهذه المحبّة تتشكّل أخلاقُ الإنسان. لذا فإن سلوكَ الإنسان في مشاعره وتصرفاته - بكونها متشكّلة من المحبّة - يُعبّر عنها في حياته ليس مع الله فقط، بل مع الإنسانِ أيضاً. فنفهم كيف أن يسوع وضع لنا القاعدةَ الأخلاقية العظمى في قوله: "أحبب الربّ إلهك... وأحبب قريبك كنفسك" (مر30:12-31) ويقصد يسوع بهاتين الوصيتين أن الإنسان الذي يحبُّ اللهَ وقريبه هو دليلٌ على حفظه للوصايا كلِّها. وإخلالنا بوصية أو أكثر دليل على نقص حبّنا.

مهما أخطأ الإنسان، ومهما ورث من خطايا، فإن (المحبّة المزروعة) بحسبِ قولِ القديس باسيليوس الكبير تبقى في ذاته تحيي الله فيه وتساعده ليس فقط على تجنبِ الخطايا بل أيضاً على الخروجِ من فرديته التي تغذيه بكثيرٍ من خطايا نقص المحبّة فيعود إلى حياةِ الشركةِ مع الآخرين بحبٍّ، إن كان راهباً في ديره أو عضواً في مجتمعه فيقيم علاقةً بالله والعالم فينمّي الحياة الشركويّة أو الاجتماعيّة بنظرةٍ جديدة. فيستعيد كماله ويتجلّى فيه خُلُقُه الحقيقي، ويُرى بعد اكتشافه لهويّته الكيانية. لأنه سيتمكن بعلاقته مع شخص يسوع المسيح كعِشرةٍ حقيقيّةٍ أن يستعيدَ حياته باللهِ والعالم.

خامساً: نظرة القديس الذهبي الفم لإقامة أخلاق قائمة على الغني ولعازر بحسب لوقا19:16-31

أخلاقُ هذا الغني - في المثلِ الذي قدّمه يسوع - تتصفُ بأن صاحبَها يحيا حياةَ الإثمِ والرذيلة! خاصةً لأنّه لا يشارك مع أحدٍ النعمة التي ائتمنه عليها الله. أما الشخص الآخر في القصة (لعازر) وهو المهم، أنّه يعاني من أوجاع وجوع.

يُرينا الذهبيّ الفم أن هنالك معاناةٌ في حياتنا، بها يتنقّى القلبُ لمن يريد، بل ويغتسل أيضاً. فالمعاناة قادرة أن تُكفّر عن آثام الإنسان. لذا علينا كمسيحيين أن ندرّب أنفسنا على حياةِ الأخلاقِ والفضيلة. فالفقير يتعلّم الصبر والتحمّل والشكران. في حين أن الغني بإمكانه أن يتعلّم كيف يعيش في البساطةِ ويتشارك بممتلكاته مع مَن هم بحاجة. وفي هذا الصراع لا توجد سوى النعمة الإلهيّة التي يمكنها أن تعين الإنسان على أن يربي نفسَه على الحق.

ولإرساء مثل هذه الأخلاق يحتاجُ المؤمنُ أن يستعينَ (بفضيلتي التوبة وعمل الضمير)، لأن كليهما بإمكانهما أن يقودا روحَ الإنسان ليعترفَ بخطاياه. ومن ثم يعطي الخيرات للمحتاجين. ويتابعَ حياته بأخلاقه هذه فيمارس الفضيلة لكي يبعدَ عنه إمكانية الخطيئة. وأن يعدَّ نفسه للحياة الآتية.

يرى الذهبي الفم أن أخلاقَنا هذه تكشفُ لنا أن اللهَ هو الملك، وأغنياء هذا العالم هم خدّامه في خزائن المملكة، ولهم وظيفةٌ أساسيّةٌ وهي أن يوزعوا ثروةَ اللهِ على الفقراء، وإن لم يفعلوا هذا يستحقون العقاب. لأنّ ممتلكاتهم هذه تعود إلى الله ويجب أن توزّعَ على عبيده بحسب احتياجاتهم. مع هذه الأخلاقِ نكتشفُ (لطف الله المحبّ) ينفتح للإنسان كمثل باب الأملِ في الخلاص. لأنّ هذا الإنسان صار يعمل الأعمالَ الصالحة والمحبّة والمحسنة.

ترتكزُ هذه الأخلاق على تكريس أنفسنا (لمحبّة البشر) تلك الكلمة التي ترد مراراً وتكراراً في صلواتنا وخاصةً التسابيح الليتورجية للكنيسة، فنفهم من كثرة هذا الترديد أهمية أخلاقنا المسيحيّة التي تُظهر محبّة اللهِ بحسبِ الكتاب المقدّس لنيل خلاصنا بإيماننا العاملِ بهذه الأخلاق.

ثم يبيّن لنا الذهبي الفم أنّنا إن كنا بهذه الأخلاقِ فإنّ اللهَ يشاءُ أن يُدخلنا إلى (العالم الحقيقي) الذي هو (العالم الآتي). وحينها تواجهنا محطةٌ ننال فيها العقاب إذا لم نكن من السالكين على هذه الصورة. ويحصل أحياناً أن (الوضع قد ينقلب). وكما في هذا المثل الإنجيلي نرى بأنّ موقع لعازر بعد الموت يحلُّ مكان موقع الغني والعكس صحيح فالمعايير مختلفةٌ بين هذا العالم والملكوت، الذي هو العالم الآتي.

تصبح معاناةُ الأبرار دعوةً للعودة إلى الله يراها الأشرار. فيوصلنا الذهبي الفم إلى إدراكنا بأن إعلانَ الله عن الدهرِ الآتي هو في الحقيقةِ البرهان الأعظم على رحمتهِ التي لا حدود لها. فنعلم يقيناً أن المسيحَ أتى ليكشفَ عمّا هو مهمٌّ وما هو تافهٌ في الحياةِ الآتية، لكي يبدأ المؤمنون في اختبار هذه القيم الموجودة في الأخلاقِ الجديدة، أخلاق يسوع.

تؤكد صفحاتِ الإنجيل كلها وجود هذا الانقلابِ بحسبِ الملكوت. لذلك يقولُ الذهبي الفم: (لا ننظرنّ باهتمامٍ فيما هو حاضر، بل لنفتكرن بما هو آتٍ). هذا التصور الأخروي المتمثل به (علاقة الجزاء بالعمل) هو عنوان أخلاقنا المسيحية.

هنا يذكّرنا الذهبي الفم بالغني الذي هدم مخازنه ليبني أوسع منها (راجع لو16:12-21) فيعطينا كتصحيح لعمل هذا الغني تدبيراً جديداً يرتكز على تعليم سلوكي وأخلاقي جديدين فيقول: (مخازن الحبوب الأكثر أماناً، ليست تلك ذات الجدران، لكنها بطون الفقراء). تعليمه الأخلاقي بصورته العملية فيه تأكيد على أن لا شيء يحفظ غنى المرء آمناً، ويوظّفه بحكمة إلا المشاركة مع الذين هم في عوز.

ويدخلنا الذهبي الفم بكلامٍ مهمٍّ يوضح فيه ماهيةَ السعادة في حياتنا عبر النصيحة التالية: (لندعونّ سعيداً ليس مَن هو غني، بل مَن هو فاضل، وندعو تعيساً ليس مَن هو فقير بل مَن هو رذيل). لذا يدعونا الذهبي الفم (للعيش بالحكمة مع المثابرة بعيداً عن كلِّ ترف).

يرى الذهبي الفم أيضاً أن (الطمع ألدّ أعداء المؤمن)، فيقول: (عندما ترى إنساناً طمّاعاً في الكثير من الأشياء، فعليك أن تعتبره الأفقر في كلِّ شيء، حتى ولو نال مال الجميع...) فالإنسان الذي يملك (عيناً شبعانةً) هو المغبّط بنظر الله. وتأتي المعالجةُ عند الذهبي الفم بحسب مفهومِ الكتابِ المقدس من تبنّي المؤمن لهذه الثلاثية: (التوبة والاعتراف والعمل). تبدأُ مسيرةُ الطريق بالتوبة والعودةِ إلى الله. وعلى الأشرارُ أن يعلموا قساوةَ جزائهم إذا ما انتبهوا وعادوا إلى أنفسهم كما فعل الابنُ الضال عندما "عادَ إلى نفسه" (لو17:15) وعليهم أن يحاولوا إصلاحها قبل أن ينقضي الزمن الذي يُسمح فيه بأعمال الإحسان.

للتوبةِ أهميةٌ بالغةٌ. يذكرنا الذهبي الفم بكلٍّ مِن (داود النبي) الذي بكى بكاءً مراً حتى ملأ سريره بالدموع والاعترافات (راجع مز7:6). (ويعقوب) الذي افترش الأرض حتى استطاع أن يعاين الله (راجع تك 11:28). ومن جهةٍ أخرى لندرك أهميةَ التوبة نتذكر أن: (يوحنا المعمدان جاء إلى جميعِ الكورةِ المحيطة بالأردن يكرز بمعموديةِ التوبةِ لمغفرة الخطايا) (لو3:3). كما وأيضاً نتذكّر الجملة الافتتاحية ليسوع في بَدءِ بشارته: "قد كمل الزمان واقترب ملكوت الله، فتوبوا وآمنوا بالإنجيل" (مر15:1).

ولكن التوبة وحدها لا تكفي، فالعهدُ الجديدُ مليءٌ بأشخاص بعد توبتهم كانوا يسألون: "ماذا يجب أن أفعل؟" (لو10:3، لو15:10..) فالمسلك الذي هو الموقفُ الأخلاقيُّ للإنسان به يكتملُ العملُ الأخلاقي المطلوب. ويَلفت الذهبي الفم نظرنا في المثل الذي نتحدث عنه أن الغني يعرف الطريق نحو الله إذ يعترف بإبراهيم وموسى (راجع لو24:16) هذا يعني أنه كان للغني خلفيةٌ دينيةٌ، لكنه لم يخطُ الخطوة الأولى في هذه الطريق: إذا لم يتب ولم يعترف بخطاياه ولم يعمل خيراً لقريبه.

وبالطبع ليس على الأغنياءُ فقط أن يقوموا بالعملِ الصحيحِ بل على الفقراء أيضاً. وهذا نجده في شخصِ لعازر الذي صار مثالاً على الصبرِ والتحمّل. فهو قد عرف كيف يتعاملُ مع وضعه العسير وعرف كيف يتجاوز ذلك بالرجاء والإيمان.

وتأتي الأخلاق، كما بيّن الذهبي الفم، من علاقتنا بالكتاب المقدس الذي علينا قراءته (باستمرار) و(بلا توقف) فهو يحوي: (الأسفار المقدسة)، التي هي (الأسفار الإلهيّة)، التي تعلن كلمة الحياة التي تكشف إرادة الله، وتقود مستمعيها إلى الخلاص.

ويكشف هذا التفسير للذهبي الفم: (رؤيةً جديدةً للعالمِ تقلبُ المفاهيم المسلّمة وتعيد بناءَ مجموعة القيم في المجتمع الدنيوي)، ويُرسي أخلاقاً مسيحيّةً حقيقيّةً.

سادساً: القانون التشريعي للأخلاق المسيحيّة

إن الموعظةَ على الجبل كما وردت في متى إصحاحات (5-7) وما يوازيها في الأناجيلِ الإزائيّةِ هي القانون التشريعي للأخلاقِ المسيحيّة. فهي تبدأ بالتطويبات (متى3:5-12) لتكون بمثابةِ دستورٍ أخلاقيٍّ لكلِّ مسيحيٍّ، ومعيارٍ لسلوك المؤمنين بكونها تصوِّر مبادئ حياة المسيحي الألاقية تحت بركة الله، وترسم "الإيمان العامل بالمحبة" (غلا6:5) لأن "الإيمان دون أعمل ميت" (يع26:2). عدد التطويبات تسعة وهي تصف حالة نفس المؤمن وترشده للتمثلِ بالأخلاق التي يريدها المسيح له. أما كلمة (طوبى) فتعني (مكاريوس) باليوناني وتشير إلى أقصى حالةٍ من السعادةِ يمكن أن يصلها المؤمن. إنها مرتبطةٌ بتعبدٍ عميقٍ ومخلِصٍ للهِ. وتُعتبر النبعُ الرحبُ للأخلاقِ المسيحيّة. وقد أعطاها يسوع لتشكِّل للعاملِ بها رحمةً من اللهِ لتلك الأنفُس الإنسانيّة المستحقة، مثل نفس الفقير بالروح (أيّ المحتاج لتجدّد روحيّ من الله) والوديع والجائع إلى البِر والمحزون والرحيم وصانع السلام. فالطوبى مرتبطةٌ دائماً بنفسٍ منتظرةٍ الربَّ وطالبةٍ إياه. لأنها نفسٌ أعطيت كلياً لله، لذا فهي تحيا معه دائماً.

تشكّل التطويبات أخلاقيات المؤمن لأنها تتمتع بنظامٍ روحيٍّ يقود المؤمن في هذا الطريق. والأهم أن يسوعَ يعلّمنا أنه علينا أن نطيعَ الوصايا الإلهيّة إن كنا نرغب في الوصول إلى حياةٍ سعيدةٍ ذات معنى، لأن التطويبات في آخر المطافِ ما هي إلا نورٌ إلهيٌّ يرشد النفس للتمتّع بهذه الحياة.

 ويمكننا أن نراها مقارنةٌ بين قيم الملكوتِ وقيم العالمِ الوقتية، لأنها توصلنا إلى الإيمانِ الحقيقي الذي يريده المسيح بدلاً من الإيمانِ السطحي. وأهميتها أن نأخذها بكاملها ككل، لتكشف عما يجب أن يكون عليه أتباع المسيح.

تحقق أخلاق التطويبات لمن يسيرُ على دربها الرجاءَ والفرحَ وعدمَ الاتكال على الظروف الخارجية. ولكي نحصلَ على أعمق أشكال هذه السعادة علينا أن نقتربَ من اللهِ عن طريق خدمته وطاعته.

بهذهِ الأخلاق يبدو المسيحيّ غريباً عن العالم، لأنه مستعدٌ أن يعطي بينما الآخرون يريدون أن يأخذوا، وهم أيضاً يعيشون الحبّ تجاه الآخرين في حين أن بعض الناس يحيون الكراهية، وهم أيضاً يفضّلون أن يساعدوا دائماً بينما آخرون يتلذذون في أن يسيئوا. وفي النهاية هم الذين يحصلون في آخر المطاف على كلِّ شيء، بينما الآخرون ينتهون إلى لا شيء.

ومع ختام التطويبات يطلبُ يسوعُ منّا أن نفرحَ حتى عندما نُضطهَد، فالاضطهادُ الذي نرضى به هو لخيرنا. فهو يكشفُ النوايا الحقيقية الداخلية ويكشفُ، ويقوي إيماننا ونحن نحتمل برضى. وطبعاً هذا الاضطهاد بسبب ثبات إيماننا الذي به ننال الملكوت.

وبمتابعتنا للعظةِ على الجبلِ يستوقفنا النصُ بإرادة السيّد المسيح لإكمال التشريعِ الأخلاقي في مواضيع القتل والزنى وحلف اليمين والطلاق والانتقام. ثم يتابع فيما أراده يسوع كتعليمٍ مسيحيٍّ لنا فأَبرَز أهميةَ الصَدَقةَ والصلاةَ والصوم وعدم التركيز على اكتناز المال.

نعم، لقد شدّد يسوع على أنّ الصلاحَ الذي فينا هو نتيجةٌ لما يفعلهُ اللهُ معنا وليس ما نستطيع نحن أن نفعله من أنفسنا. فمركزُ الصلاح هو اللهُ وليس الذات. ودورُ الإنسان في هذا أن يحبَّ شرائعَ الله ويطيعَها ويعملَ بها، ويحبَّ فيها المبادئ التي وراءها.

نتابع مع يسوع في قانونه الأخلاقي الذي يقول فيه - مع ما يقول - أرقى تعليمٍ وصلت إليه البشرية: "فكلّ ما أردتم أن يصنعَ الناس لكم، فاصنعوه أنتم لهم كذلك" (مت12:7) بالحقيقة هو القانون الذهبي للأخلاقِ المسيحيّة، حتى أن يسوع يضيف له ملحقاً نجده  في آخر الآية: "هذه خلاصة تعليم الشريعة والأنبياء".

أتت الأخلاقُ المسيحيّةُ بالتعاقب بعد الأخلاقِ اليهوديةِ التي تقول "لا تقتل" (متى18:19) وهو موقفٌ مهمٌّ في أن نتقيّد ونلتزم به. إلاّ أن يسوع الذي وجد أننا بداهةً لن نقتل يوصينا بأن نلتزم بوصيةٍ جديدةٍ مهمة تتجه إلينا للتحكم بأنفسنا حتى (لا نغضب) فيقول: "كلّ من هو غاضب على أخيه يستحق المحاكمة، ومن يقول لأخيه يا تافه! يستحق المثول أمام المجلس الأعلى، ومن يقول يا أحمق يستحق نار جهنم" (مت22:5) والتلميذ يوحنا فهم كلام المسيح هذا فنقله إلينا بقوله: "كل من يبغض أخاه فهو قاتل نفس" (1يو15:3). فالشعور بالغليان والمرارة ضد أحد الناس هو شعورٌ يهدّد بالخروج عن اللياقةِ وضبطِ النفس مما يؤدي إلى العنف والأذى العاطفي، والتوتر العقلي المتزايد وغير ذلك من النتائج المدمّرة.

وهنالك أيضاً ضررٌ روحيّ، فالغضب يحرمنا من تنمية روح إرضاءِ الله. فضبطُ النفس شيءٌ صالحٌ ولكن لا يكفي، فالمسيح يريدنا أن نضبطَ أفكارنا أيضاً، الذي من دونه سنُحاسب أمام الله. لدرجة أنه يقول لنا تكملة ما قال: "فإذا جئتَ بتقدمتك إلى المذبح وهناك تذكّرت أن لأخيك شيئاً عليك، فاترك تقدمتك أمام المذبح، واذهب أولاً وصالح أخاك، ثم ارجع وقدّم تقدمتك" (متى23:5-24) هذا الكلام يؤكّد لنا بأن شركتنا مع الآخرين تعكسُ شركتنا مع الله. هذا يذكّرنا بقول يوحنّا الإنجيلي: "فإن قال أحدٌ: أنا أحبُّ الله، ولكنّه يُبغض أخاً له فهو كاذب، لأنه إن كان لا يحبُّ أخاه الذي يراه، فكيف يقدر أن يحبّ الله الذي لم يره قط" (1يو:20)

وفي نهايةِ العظةِ على الجبلِ يقدّم لنا يسوع الطريق المسيحي الذي هو الطريقُ الوحيدُ الذي يربطنا بالملكوت، ليس عن "طريقِ البابِ الواسع" إنما "الباب الضيق" (مت14:7). فالبابُ الأولُ باب الهلاك والثاني بابُ الحياة الذي يربط الأرض بالسماء. ثم ينتقل إلى أن الناس يُعرَفون من أفعالهم "من ثمارهم تعرفونهم" (متى16:7).

ثم تأتي الخاتمة عن موقفِ الإنسانِ الصحيحِ والخاطئ من الله. فالأخلاقُ الصحيحةُ تدعونا بأن نأخذ من الله معرفة (بناء شخصنا ومشاريعنا وحياتنا في العالم)، لقد شبّه يسوع ذلك ببيتٍ مبنيٍّ على الصخر أو على الرمل (متى24:7-29). وما علينا إلاّ أن نختار، وبصحة اختيارنا نُبرز صحة أخلاقنا. أي التفكير بكيفيةِ بناءِ حياتنا أخلاقيّاً لتكون قائمةً على سماع كلمة الله والعمل بها وليس على أسسٍ واهية.

سابعاً: الأخلاقُ والعنفُ خاصةً في الأزمات

          يتمثّلُ العنفُ خاصةً في الأزمات بالقتلِ والضرب والاغتصابِ والتنكيلِ والإرهاب والخطف والأسر وكبت الحريات. فالعنف إذن هو تعدٍّ مباشرٍ على الإنسان إما في جسده وإما في حريته. ونظراً لأنّ حديثنا عن العنفِ في مجال الأخلاق فيما يخصُّ تصرّف الأفراد أو ردود أفعالهم أمامه، لذا سأترك الحديثَ عن العنف الآخر الذي تتضمنه البنى الاجتماعية والسياسية والثقافات التي لا يظهر العنف فيها بصورةٍ مباشرةٍ غالباً.

          ولكن لا بدّ من القول أن البشريةَ مرّت بويلات الحروبِ التي كان العنف فيها فتاكاً فوعتها البشرية ونقلت إلينا ضرورة التدخّل الذي نادى به المسيحيون واعتبروها مبادئ لأخلاقٍ علينا احترامها حتى مع العنف المؤدّي للقتال بين أطراف النزاع وأهمها: (الامتناع عن قتلِ الرهائنِ والتنكيل بالأَسرى ونسفِ الأحياء السكنية وما شابه).

وبعد الحربين العالميتين تبيّن أن الحرب وما يجري فيها من عنفٍ يُبعد الإنسان عن التمسّك بالأخلاق، بات أمراً يجب تجنبه لأنه ليس الوسيلة المناسبة لتحقيق العدالة بين الناس. فإذا عدنا لوعينا المسيحيّ وإيماننا، تأكدنا أن (قيام الحروب تسبب المشاركة بأخلاق غيرِ مسيحيّةٍ).

لذا علينا السعي إلى السلم أيام الحرب وتشجيع وجود المصالحة بين الأطراف المتخاصمة واستمرارية إنهاء الحرب بالحوار المشترك على طاولةٍ واحدةٍ خاصةً وأنّنا اليوم في حربٍ طاحنةٍ يقتل فيها الأخُ أخاه لأن الإثنين أبناء وطنٍ واحد.

والكنيسةُ هي جسدُ المسيح بأعضائها ورأسها هو يسوعُ المسيح الذي صالحَ جميع الناس مع الله. فواجبُ الكنيسةِ أن تقتدي بالمسيح لتصل إلى المصالحة ليس فقط على المستوى الوطني بل - إن أمكن - على الصعيدين العالمي والدولي أيضاً، لأن الحربَ بحسبِ قول نيقوديم مطران ليننغراد (هي خطيئةٌ تجب مقاومتها. إنها ليست خطيئة إنسانٍ واحدٍ فحسب، بل هي خطيئةُ المجتمع بأسره).

وفي هذا المجال علينا اليوم أن نستفيدَ من خبراتٍ سبق وحصلت، فمثلاً حرب التحرير في أمريكا الجنوبية والعنف الذي جرى فيها ومواقف اللاأخلاق في المواجهات، دعت الكنيسة إلى أن تعلن: (التحررُ الاجتماعي إظهارٌ وتحقيقٌ للتحررِ من الخطيئةِ الذي جاء به المسيح... فالمسيح جاء ليحرّر الناسَ من جميع أنواعِ الاستعباد الناجمةِ عن الخطيئة والجهلِ والجوع والبؤس والاضطهاد والظلم والحقد وسائر ما يصدر عن أنانية الإنسان). ولا زالت الكنيسةُ في أمريكا الجنوبية تقاوم السلطةَ الحاكمةَ كما وتقاوم المسيحيين الذين يساندون النظام القائم لدرجةِ أن السلطةَ الفاسدةَ تلاحق كثيرين من الكهنة وتعتبرهم عناصر فساد، والبعض منهم يموت نتيجة ذلك.

في هذا المجال نقول إن هناك ضرورات للحرب ولأعمال العنف لضمان سلامة الوطن وأبناء الوطن وكذلك الأُسرُ والأفرادُ وخاصةً حماية الأطفال والشيوخ فما العمل؟

إنّها حالةٌ استثنائيةٌ قد نمرّ خلالها بأزماتٍ كبيرةٍ، والقرّار يأتي من الكنيسةِ التي تعلن بلسانِ آبائها القديسين القول التالي: (أحبب وافعلْ ما تشاء!!). نعم، أحبّ! أي أحبب بإخلاص، وفي محبتك هذه أحبب حتى خصمك بالرغم من أنك تقاتله قتال الدفاع الصادق الأمين الذي بمقاتلتك إياه تسعى بذاتِ الوقتِ لحمايةِ أُسرِ الخصومِ وأطفالهم، واحترام جثثِ المقتولين. القوةُ المطلوبةُ لا تقومُ على التنكيلِ بأموات لم يعد عندها فرصة عملِ أيّ شيءٍ، بل تقوم على الحكمة المقرونة بالمحبّة التي حتى عند ضرورة القتلِ فأشخاصها نبلاء ومحترمون ومدافعون عن الحقِّ والضعيف، فكم بالحري عن الميتِ الذي لم يعد يملك أيّ قدرةٍ لأيّ شيءٍ. نعم، إن قوتنا في محبتنا وأيضاً في تبنينا لعملٍ يريده الله. وبحسب قولِ بولس الرسول: "لأن قدرتي تكمن في الضعف" (2كو9:12) فعلينا أن نلجأ إلى اللهِ لنكون فعالين فاعتمادنا ليس على طاقاتنا وجهدنا بل على الإرادةِ الإلهيّة التي تُملي علينا أخلاقاً إلهيّةً أيضاً. بهذه الروح انتشرت المسيحيةُ في العالم.

وكما يقول أحدهم: إن العنفَ لا يفرحُ بإزاء ضحاياه. فالتحوّل إلى الثأرِ أو تقليدِ الآخر بذات سلوكه هو عنفٌ وإجرامٌ وشرٌّ وتخلّف. بل علينا دائماً أن نبقى في إطارِ المحبّة التي تقوّي فينا الالتزام لعدمِ إهمالِ العملِ وعدمِ التخلّي عن المسؤولية، وأن يبقى في ما أوحاه إليه ضميرنا ومحبّتنا وكنيستنا لأن هناك نقص محبّةٍ إذا ما أنقص إنسان ما القيام بواجبه.

ولدى حديثنا عن العنف الذي نبتعد عنه حتى في القتالِ القائمِ على الدفاع عن المقدساتِ والوطن والأسرة، يبقى متّصفاً بصفةٍ تلازمه نقول فيها: (العنفُ هو دوماً علامةُ إخفاق). الحقُّ الذي نريد الوصول إليه والمقرونُ بالسلام والأمان، هو حقٌّ لا يرضى أن يكونَ للعنف دورٌ بتحقيقه. هذه أخلاقُ المسيحيةِ الحقيقيةِ التي ترى مع قبولها بما قاله المسيح: "أنا أعمل وأبي يعمل" (يو17:5) تتناسب مع تطوّر الإنسانِ والمجتمعاتِ، وأيضاً التطوّر من أخلاق شريعةِ الغاب عن طريق التصرفِ الغريزي الحيواني بالقتلِ والعنف، إلى شريعة المسيح، أي الشريعةِ الإلهيّة التي نجدها في كتابنا العزيز، وتحثنا الكنيسة عليها، والتي تتتلمذ عليها أكبر قائد (لا عنفي) في التاريخ وهو غاندي بواسطة أستاذه تولوستوي الذي انتصر وانتصرت الهندُ معه بمئات ملايينها فهو يقول: (شريعة الجنس البشري هي ديانة اللاعنف. أما العنف فهو شريعة الحيوانات).

وهنا نعودُ ونذكِّر بأن الدفاعَ وحمايةَ أنفسنا وغيرنا مقبول كمرحلةٍ مؤقتةٍ تستبعد العنف الذي له مدلول الإخفاق، ليكون القتال بكلِّ معانيه هو مرحلةٌ عابرةٌ في تطوّر الإنسانِ نحو كمالِ كيانه المرتجى المتحقق بتقليدنا لشخص يسوع.

حياةُ يسوع وتعاليمه ومواقفه كلّها تدلُّ على أن "مملكته التي بشّرنا بها ليست من هذا العالم" (يو36:18) ومرةً أراد البعض أن يأتوا "لاختطافه والمناداة به ملكاً، فانسلّ من بينهم وعاد إلى الجبل وحده" (يو5:6) والإنجيل يخبرنا أن رفضَ يسوع للمُلْك الزمني هو الذي "أبعد الكثيرين من تلاميذه وانقطعوا عن السير معه" (راجع يو66:6-71). ومع ذلك فإن بطرسَ أثناء القبض على يسوع ضرب عبد رئيس الكهنة ملخس فقطع أذنه. فقال له يسوع: "أردد سيفك إلى غمده فالذي يُؤخذ بالسيف، بالسيف يؤخذ" (متى51:26-52). لأن العنفَ غير مقبول عند يسوع.

فالمهمُّ الذي علينا الانتماء إليه، ونكون من أجله عنيفين بحبِّنا وسلامنا ووداعتنا هو كسب عضوية ملكوت الله التي تُدخلنا في أبدية الدهرِ الآتي، أي الحياة المستمرة مع الله، حياة الفرح والسعادة التي نحققها بمصداقية عيشنا لدستور التطويبات والتي تؤهلنا لحياةِ القيامةِ المجيدةِ متحمّلين مأساة الدنيا بارتقائنا إلى مستوى الإنسانِ الحق، إنسان القداسة والكمال.

ثامناً: تتصف الميّزة الثورية للأخلاق المسيحية بأنها ثورةٌ من نوعٍ خاص

          ليس كثيرٌ من الناس يستسيغون الأخلاقَ المسيحيّة، خاصةً تلك التي قدّمها لنا يسوع في العظةِ على الجبل بما تحمله من مبادئ أساسية، تُرى من أهل الدنيا على أنّها غريبةٌ ومثيرةٌ بآنٍ واحد، خاصةً عند أولئك الذين يستندون إلى منطقهم فقط.

          فإذا بحثنا مليّاً في قيمتها عند العالم، نجد أن هناك فارقاً كبيراً بين كلام المسيح وبين الفئة التي تعاكس كلامه، لأنّنا نجدُ أنّ العالم يطلب القوة والغنى، أما المسيح فيبارك الودعاء والمساكين. العالم يسعى وراء المسرّات والنجاح، أما المسيحُ فيبارك الذين يتألمون ويحزنون. العالمُ يتطلعُ إلى المجد والسلطة، أما المسيحُ فيطلب الطاعةَ والخدمة. العالمُ يصبو إلى الراحةِ والظهور الاجتماعي، أما المسيحُ فيعِد بالتغيير عن طريقِ الجهاد والمشقة.

          التعليمُ الخُلقي في العظة على الجبل هو امتدادٌ لتعليم الإنجيل عامةً. كلاهما يتميّزان بأنهما يحملان تعليماً ثورياً يحقق تحريراً جديداً لحياة الناس. وهو ليس إلاّ التعليم الأخلاقي الذي يقلب المنطق والمفاهيم البشرية. هذا التعليم الأخلاقي لا يسعى إلى تقديمِ نموذجٍ يتعلق بالأدبِ الاجتماعي أو قانون النجاح في العالم، بل إلى تقديم إمكانية مشاركة المرء في الأبديةِ والملكوتِ السماوي ابتداءً من الحاضر الذي نعيشه. فكلّ أمرٍ نفعيٍّ أكان فردياً أم اجتماعياً أو أي أنانية، لا وجود لها في هذا التعليم الأخلاقي، بمعنى أن كلّ ما لا يرتكز على علاقةٍ سليمةٍ مع الله لا وجودَ له.

          إذن، تعليمُ المسيح لتشكيل أخلاقِ البشرِ هو دعوةٌ لاكتسابنا قدرةً على رؤيةٍ روحيّةٍ تُرينا بوضوحٍ ما يريده الله منّا، وما نصل بفضله إلى قناعةٍ نفعل بموجبها إرادةَ الله في العالم. ولا شك أن بصيرتنا الروحية يكتنفها الضبابُ الذي يأتي من أفكارنا ورغباتنا فتفسد علينا صفاء الرؤية التي هي من لدن الله. لذا علينا تنقيتها باستمرارٍ بين حينٍ وآخر، فنطرد الرغبات والمنافع الضارة والأهداف غير الإلهيّة ونعيد صفاء الرؤية لنكون عاملين بالأمر الإلهيّ دون سواه.

تاسعاً: الخاتمة: هدفُ الأخلاقِ المسيحيّة بلغة الآباء القدّيسين

تتماهى الأخلاقُ المسيحيّةُ مع النسك، فكلمتا الأخلاق والنسك كلمتان تعنيان الشيءَ نفسه بحسب لغة الآباء. نقول إن الأخلاقَ هي عيشُ ثمارِ حياةِ النسكِ التي هي الحياة بحسب المسيح.

لذا فإن الرهبانَ يسعون في نسكهم إلى التمسّك بذات حياةِ المسيح عن طريقِ حفظِ وصاياه والعمل بها. لذا يقول أفاغريوس البنطي: (الحياةُ النسكيةُ هي حياةٌ بحسب الإنجيل، والرهبان يحبونها) ويوحنّا الإنجيلي يُثبت ذلك بقوله: "وما يؤكد لنا أننا قد عرفنا المسيح هو أن نعمل بوصاياه. فالذي يدّعي أنه قد عرفه ولكنه لا يعمل بوصاياه يكون كاذباً ولا يكون الحق بداخله وأما الذي يعمل بحسب كلمةِ المسيحِ فإنّ محبّة الله تكون قد اكتملت في داخله. بهذا نعرف أنّنا ننتمي إلى المسيح" (1يو3:2-5).

في الأخلاقِ المسيحيّةِ كلّ شيءٍ يعودُ إلى اللهِ ولا يشغلنا شيءٌ سواه. هذا ما فهمه ونقله إلينا معلّمونا وآباؤنا القديسون؛ وهذا ديونيسيوس الأريوباغي يقول: (هدفنا أن نتمثّلَ بالله، وأن نشتركَ معه، بقدر ما هو ممكن. وأنّنا نبلغ هذا، كما تُعلّم الكلمات المقدّسة، بواسطة حبّ الوصايا الفائقة الإكرام).

يقرن القديس غريغوريوس بالاماس ممارسة الفضائل بالأخلاق فهي توصلنا إلى هدفِ الأخلاق. فيعلّمنا بقوله: (الغايةُ هي الاشتراكُ مع الله والتمثّل به) ويضيف: (إن ممارسةَ الفضائلِ متعلّقةٌ بممارسة الوصايا). ثم يؤكّد أيضاً إلى أن حبَّ الله (ينمو بعمل الوصايا فقط).

فما هي غايةُ وصايا الله التي ترتكزُ الأخلاقُ المسيحيّةُ عليها بهذا المقدار؟ يجيبنا على هذا السؤال القديس مكسيموس المعترف بقوله: (إن غاية وصايا المخلّص هي تجريدُ الذهنِ من الكراهية وعدم العنف). ويضيف القديس إسحقُ السرياني على هذا بقوله: (وصايا الله أثمن من كلِّ كنوز العالم. والذي يحوزها يجدُ الله في داخل نفسه). ويضيف قائلاً: (حفظُ وصايا الله يولّد عدم الهوى، وعدم هوى النفس يصون المعرفة. طاعة وصايا الله هي القيامة من بين الأموات).