حديث الأسبوع (27 أيار)

أرشيف

وعظة الأحد

العنصرة

الأرشمندريت يوحنا التلي

محاضرة أعطيت لرعية النبي الياس

في معرة صيدنايا 3/6/2012

مقدمة:

بواسطة الصليب والقيامة والصعود تم تدبير الابن الوحيد يسوع المسيح لأجل خلاصنا. شاء الله أن يكمّل خلاصه لنا، فأقام تدبيراً آخر هو تدبير الروح القدس. لذلك، وقبل أن يمضي المسيح من العالم إلى الآب أعطى الوعد بأنه سيرسل معزّياً آخر يمكث معنا إلى الأبد: "وسوف أطلب من الآب أن يعطيكم معزّياً آخر يبقى معكم إلى الأبد، وهو روح الحق" (يو16:14-17). وهكذا طلب يسوع من تلاميذه في جلسة الوداع قبل صعوده مباشرة قائلاً لهم: "لا تتركوا أورشليم، بل ابقوا فيها منتظرين إتمام وعد الآب الذي سبق أن حدَّثتكم عنه" (أع4:1).

بقي التلاميذ بعد صعود المسيح يحيون في صلاة دائمة .وكانوا جميعاً؛ هم، والسيدة العذراء، وباقي النسوة ينتظرون قدوم (موعد الآب) الذي هو الروح القدس (راجع أع14:1). فما هو دور هذا الروح؟ سأكتفي  بهذه المقدمة لتبيان أهمية الامتلاء من الروح القدس. هذا الروح الذي "يَهب حيث يشاء..." (يو8:3) ولكن القديس مكاريوس الكبير يُنبِّهنا بأن علينا دوراً يجب أن نحققه ليهب الروح علينا فيقول: (فهو - أي الروح القدس – يهبُّ على النفوس المضيئة المشعّة الإلهية التي تشتاق بشدة أن تخدمه بكل اجتهاد). فطلب منه المسيح أن يهب علينا ويملأنا من ذاته. ولقد فعل ذلك يوم العنصرة. وسبق للكثيرين أن حصلوا على هذا الامتلاء، وكان يوحنا المعمدان على رأسهم: "ومنذ يكون في بطن أمه سيكون ممتلئاً من الروح القدس" (لو15:1) وكذلك أليصابات: "فما أن سمعت أليصابات سلام مريم حتى ارتكض الجنين في بطنها وامتلأت أليصابات من الروح القدس" (لو41:1) وهكذا أيضاً زكريا (راجع لو67:1) إلا أن الامتلاء الذي حصل يوم العنصرة متميز، وهو ما سنبحثه في حديثنا هذا (راجع أع1:2-4). مع وجوب التذكير بحديث يسوع المسيح، الذي نجد فيه أن الروح القدس الذي أرسله يسوع يوم الخمسين على الكنيسة فملأ الحاضرين، كان تحقيقاً لدعوة المسيح إلى الشرب منه (أي من يسوع) عندما وقف في عيد المظال ونادى قائلاً: "إن عطش أحد فليأت إليّ ويشرب. وكما قال الكتاب فمن آمن بي تجري من داخله أنهار ماء حيّ. قال يسوع هذا عن الروح القدس الذي كان المؤمنون به سيقبلونه. ولم يكن الروح قد أعطي بعد لأن يسوع لم يكن قد تمجّد بعد" (يو37:7-39). فانسكاب الروح القدس يوم الخمسين على المؤمنين، هو نتيجة حتمية لتمجيد المسيح عن يمين الآب. فأحداث الصلب والقيامة والصعود تشير إلى إتمام عمل يسوع الفدائي. ومع هذا الانسكاب يبدأ عمل الروح في حياة المؤمنين.

معنى "العنصرة"

          ليست كلمة العنصرة آرامية إنما هي عبرية، وتعني: اجتمع أو جمع، بمعنى أنهم كانوا يجتمعون ويعيدون في عيد الحصاد. وأصبح معنى لفظ العنصرة مع المسيح يدل على العيد الذي نحتفل به بعد الفصح بخمسين يوماً. في حين أنه قبل المسيح/ بل أبعد من ذلك كثيراً/ كان هذا العيد عيداً زراعياً. ثم ارتقى بعد الخروج ليصير حادث العهد التاريخي. وأخيراً صار عيد هبة الروح القدس، معلناً إنشاء العهد الجديد على الأرض.

          فالعنصرة ــ مع عيدي الفصح والمظال ــ تشكّل (هذه الأعياد الثلاثة) المناسبة التي يتقدّم فيها شعب إسرائيل للمثول أمام الله. وما عيد العنصرة بحسب سفر تثنية الاشتراع إلا عيد الأسابيع: "احسبوا سبعة أسابيع منذ ابتداء حصاد الزرع، ثم احتفلوا بعيد الأسابيع للرب إلهكم" (تث9:16). وتستفيض أسفار العدد والخروج واللاويين بالتعبير عن هذا العيد، لتدل على أنه كان في البدء عيد الحصاد،حيث هو يوم الفرح والشكر، وفيه يقدم الشعب بواكير غلاّت الأرض.

          وانتقل ــ مع رحلة الخروج ــ التي نكشف من خلال مطالعتنا للآيات الستة عشر الأوائل من الإصحاح 19، أنه مع رحلة السفر تلك، وعند وصولهم إلى برية سيناء، تقدّس الشعب هناك، وصار العيد بمثابة ذكرى سنوية تتحقق بعد سفرة الخروج بـ 50 يوماً. فأصبحت العنصرة بذلك الذكرى السنوية للعهد، بدءاً من القرن الثاني قبل الميلاد خاصة. ومثل هذه التحديدات مذكورة بدقة في كتب الربانيين ومخطوطات وادي قمران.

          أما في العهد المسيحي، فالعنصرة أو يوم الخمسين هو من ضمن أعياد الكنيسة الأساسية، وهو آخر أعياد التدبير الإلهي؛ تلك الأعياد المتعلقة بإصلاح الإنسان وتجدده، إذ يصير الإنسان بالروح القدس فيه عضواً في جسد المسيح القائم. فالرسل امتلؤوا فرحاً بنزول الروح القدس عليهم وهم في العليّة، وتحوّلوا من رجال خائفين إلى أُناس شجعان، ومن مائتين إلى آلهة بالنعمة.

قصة العنصرة

          أعلن الله بعض الأنباء على لسان الأنبياء عن حلول الروح القدس المزمع أن يأتي، فهذا يوئيل النبي يقول: "يقول الله ويكون في الأيام الأخيرة التي أسكب من روحي على كل بشر وأعطي عجائب في السماء من فوق وآيات على الأرض من أسفل، قبل أن يجيء يوم الرب العظيم. ويكون أن كل مَن يدعو باسم الرب يخلص" (يؤ28:2-32) راجع أيضاً: (أع16:2-21). فالأيام الأخيرة التي تعني الزمن الواقع بين المجيء الأول للمسيح والمجيء الثاني كله ، حدثت وقائع نبوءة يوئيل  على الجميع في اليوم الخمسين، وصار في مقدور كل إنسان أن يقبل الروح القدس من ذلك الحين. لذا بإمكاننا القول إن يوم الخمسين الذي هو العنصرة التي تحل محل كل عنصرة سابقة عليها.

          ولندخل الآن في قلب نص العنصرة حسب ما أتى به لوقا في سفر الأعمال حيث يقول: "ولما جاء يوم الخمسين كان الإخوة مجتمعين معاً في مكان واحد، وفجأة حدث صوت من السماء كأنه دويُّ ريح عاصفة. فملأ البيت الذي كانوا جالسين فيه. ثم ظهرت لهم ألسنة كأنها من نار، وقد توزّعت وحلّت على كل واحد منهم. فامتلئوا جميعاً من الروح القدس، وأخذوا يتكلمون بلغات أخرى مثلما منحهم الروح أن ينطقوا" (أع1:2-4).

          فيسوع قد صُلب في الفصح، ثم صعد إلى السماء بعد أربعين يوماً. وقد حلّ الروح القدس على التلاميذ بعد خمسين يوماً من الصلب والقيامة، أي بعد عشرة أيام من صعود السيد المسيح إلى السماء.

          ثم يتابع السفر الكلام القائل: "وكانت أورشليم في ذلك الوقت مزدحمة باليهود الأتقياء الذين جاؤوا إليها من أمم العالم كلّها. فلما دوّى الصوت، توافدت إليهم الجموع وقد أخذتهم الحيرة لأن كل واحد كان يسمعهم يتكلمون بلغته. واستولت الدهشة عليهم... فوقف بطرس مع الرسل الأحد عشر وخاطب الحاضرين وقال بصوت عال" (أع5:2-7+14) وهكذا كان بطرس الرسول يلقي كلمته في محفل دولي وعلى مسامع جماهير من مختلف شعوب العالم. وأدى ذلك إلى حصاد عالمي واسع للمسيح، أدّى لانتشار للمؤمنين الجدد. وكان هؤلاء أول مَن آمن بالمسيحية.

          إذا عُدنا إلى نص القديس لوقا في حلول الروح القدس، نجد استعماله لكلمتين هامتين هما "الريح والنار"، فما المقصود بهما؟ مما يلفت النظر في اللغتين العبرية واليونانية أن الريح والروح لهما كلمة واحدة تعبّر عنهما. وليس فقط بسبب الاشتراك اللفظي بينهما، بل نستدل من حديث المسيح مع نيقوديموس، أن هناك تشابهاً بين طبيعة عمل الريح وعمل الروح من جهة ، وبين الولادة الجديدة بين الماء والروح: "الريح تهب حيث تشاء وتسمع صوتها، ولكنك لا تعلم من أين تأتي ولا إلى أين تذهب، هكذا كل مَن وُلد من الروح" (يو8:3).

          فالريح العاصف الذي اقترن به الروح القدس وقت حلوله يوم الخمسين، هو في الواقع تعبير عن حضور الله، وإشارة واضحة عن لاهوت الروح القدس، وخاصة في الآية القائلة: "وفجأة صار صوت من السماء كأنه دوي ريح عاصفة" (أع2:2) فهو ريح آتٍ من السماء استطاع أن (يملأ البيت، ويملأ الحاضرين الذين هم في البيت). إذن هو روح مالئ للمكان والزمان والكيان. وهنا نتساءل: ومَن غير الله بإمكانه أن يملأ المكان والزمان والكيان؟ ويأخذنا هذا السؤال إلى تساؤل آخر هام وهو: إذا كان هذا الملء بهذه الإمكانية في يوم العنصرة، فلماذا لم نجد مثيلاً له في أحداث العهد القديم، والأحداث السابقة على العنصرة؟ والجواب على ذلك، أننا نجد أن الأحداث القديمة اتصفت بحلول مؤقت لهدف محدد، كما في ولادة يوحنا المعمدان وما شابه. في حين أن هذا الحدث في يوم الخمسين ترك أثراً في الطبيعة البشرية له قوّة مولدّة،  صار ينتقل بها عن طريق المعمودية ووضع الأيادي. الجواب على هذه المداخلة هو أن إمكانية العنصرة الفريدة تحققت مفاعيلها بعد أن أزال يسوع حجاب الخطية على الصليب. ذلك الحجاب الذي كان يفصل الطبيعة البشرية عن عمل الروح القدس في العهد القديم، وهو ما رفعه المسيح إلى الأبد.

ننتقل للكلمة الثانية التي هي النار، والتي هي تتميم لكلمات يوحنا المعمدان (لو16:3) عن معمودية الروح القدس بالنار. والنص الذي بين أيدينا يتحدث عن "ألسنة من نار" (أع3:2) فإذا كانت الألسنة ضرورية لأنها الأداة لنقل الإنجيل، فيكون استعمالها هنا تعبيراً عن الحدث. إلا أن النار ترمز إلى وجود الله المطهِّر لحياتنا، والذي يحرق كل العناصر غير المرغوب فيها في حياتنا، مشعلاً في قلوبنا محبة الآخرين. وهذا يذكرنا كيف أن الله على جبل سيناء قديماً، أكدّ صدق وصلاحية شريعة العهد القديم بنار من السماء : "وكان جبل سيناء كله مغطى بدخان لأن الرب نزل عليه في هيئة نار...." (خر18:19) وبالمقابل فإن الله أكد على صدق وصلاحية خدمة الروح القدس بألسنة النار. ولكن الفارق بين الحالتين مهم جداً، وهو أن النار نزلت على جبل سيناء من السماء في موضع واحد، أما في اليوم الخمسين، فقد نزلت ألسنة النار على مؤمنين كثيرين، رمزاً إلى أن حضور الله في حياة الإنسان صار مُتاحاً لكل مَن يؤمن.

النار تحمل تعبيراً قوياً عن شيء ما في طبيعة الله، حتى قيل في الكتاب المقدس "إلهنا نار آكلة" (عب29:12). وكانت النار الإلهية قديماً تأكل الذبيحة كلها، لأن الذبيحة كانت تحمل خطايا مقدمها. ولكن نار يوم الخمسين لم تحرق التلاميذ، لأن خطايا التلاميذ حملها الرب في جسده على الخشبة. لذا فإن  نار يوم الخمسين كانت للإنارة والتطهير، لأنها وجدت المجتمعين باسم الرب يتحلّون بأذهان تحيا على الصلاة، وهم مستعدون لقبول الحق، مهيئين أنفسهم لتحقيق كلمة يسوع القائلة: "متى جاء ذاك روح الحق، فهو يرشدكم إلى جميع الحق" (يو13:16).

مقارنة فصح العهد القديم بفصح العهد الجديد

          يتطابق عيد الخمسين المسيحي الذي نعيّد فيه لنزول الروح القدس مع عيد الخمسين اليهودي. لقد نزل الروح القدس على الرسل وجعلهم أعضاء في جسد المسيح القائم من الأموات، في اليوم الذي كان فيه اليهود يحتفلون بعيد الخمسين. أي أن اليهود كانوا يحتفلون باستلام موسى لناموس الله على جبل سيناء، بحسب التقليد. بعد أن كان هذا العيد تعبيراً عن شكر أسلافهم لقِطاف الأثمار. وبما أن هذا الاحتفال يتوافق مع فترة الحصاد، سمّوه عيد الحصاد، وقدّموا فيه بواكير الثمار إلى الهيكل. وبمقارنة عيدي العنصرة؛ نجد أن موسى في القديم أخذ ناموس العهد القديم في يوم الخمسين. أما في الجديد فالتلاميذ أخذوا الروح القدس في اليوم الخمسين، فاختبروا ناموس العهد الجديد الذي هو ناموس النعمة الإلهية، الذي صار فيه تقديم بواكير الثمار العقلية من الحصاد الذي زرعه المسيح نفسه. أي أن الرسل قُدِّموا إلى الله.

          على جبل سيناء حدث تهديد مخيف "فالجبل ارتجف كلُّه جداً" (راجع خر18:19) وأعطيت وصيّة بعدم الاقتراب من الجبل: "كل مَن يمسّ الجبل يقتل قتلاً" (خر12:19) أما في العليّة فلقد امتلأ الرسل فرحاً، وتحوّلوا من رجال خائفين إلى شجعان، ومن مائتين إلى آلهة بالنعمة.

          من أمور كهذه، نكتشف الفرق بين ناموس العهد القديم وناموس العهد الجديد. في القديم أُعطي الناموس على لوحين حجريين، أما بعد القيامة بخمسين يوماً، فلقد أُعطي الناموس محفوراً على قلوب الرسل. مما جعل بولس الرسول يقول: "ظاهرين أنكم رسالة المسيح، مخدومة منا، مكتوبة لا بحبر بل بروح الله الحي، لا في ألواح حجرية، بل في ألواح قلبية لحميّة" (2كو3:3). ثم استوحى بولس الرسول من نزول الروح القدس، ما أتى به أرميا في نبوءته (راجع أر31:31-34) فقال: "أجعلُ نواميسي في أذهانهم، وأكتبها على قلوبهم، وأنا أكون لهم إلهاً، وهم يكونون لي شعباً" (عب10:8).

علاقة العنصرة بالكنيسة

          الكنيسة هي وليدة العنصرة، وهي أمّنا الروحية، أظهرها المسيح في العالم بتجسده، وأخصبها بالروح القدس. وهي تلد بنين وبنات مقدَّسين من طبيعتها المقدسة، التي يقول فيها بطرس الرسول: "صرنا شركاء الطبيعة الإلهية" (2بط4:1). وفي اليوم الخمسين، قدَّس الروح القدس الطبيعة البشرية لتكون بها كنيسة، يُتصوّر فيها إنساننا الجديد، ويولد فيها بحسب يسوع المسيح. فنحن نولد من بطن كنيسة تقدست بالروح القدس (أي بنار الله). ولقد وصف يوحنا المعمدان هذه الولادة بقوله: "هو سيعمدكم بالروح القدس ونار" (متى11:3) بما يتطابق مع اعتماد الفرد منا في الكنيسة، لكونها كنيسة مقدسة.

          إن هذا الذي نعبِّر به عن الكنيسة لا يتعارض مع أهمية أخرى لها، وهي كما عبّر عنها  القديس أقليمس الروماني: (إن الكنيسة كانت في البداية روحية وقد خُلقت بظهور الملائكة، لكن لاحقاً بتجسد المسيح "ظهرت في جسده" وصارت جسداً. فالتجسد تم بتكافل الروح القدس، وكون ما يجري يتم بقوة الروح القدس. فالعنصرة مرتبطة بالكنيسة).

          إذاً الكنيسة تأسست يوم العنصرة، أي أن الرسل صاروا أعضاء لجسد المسيح، وبذلك تغيّرت الكنيسة من روح إلى جسد. ولقد استفاض بولس الرسول في الإصحاح 12 من كورنثوس الأولى موضحاً قوله التالي: "وأما أنتم فجسد المسيح، وأعضاء فيه كل بمفرده" (1كو27:12) ويضيف أيضاً قوله: "أما تعلمون أن جسدكم هو هيكل الروح القدس الساكن فيكم..." (1كو19:6).

          أما عضوية الإنسان الكنسية فينالها بالمعمودية، فيصبح بها عضواً في جسد المسيح. العنصرة كان يوم معمودية التلاميذ، لأنهم صاروا فيه أعضاء جسد المسيح. وانتقل موقع المسيح بالنسبة إليهم، ليصير الرأس لهؤلاء الأعضاء (أي لجسد الكنيسة)، إضافة إلى أنه معلمهم. ولقد قال المسيح لتلاميذه بعد القيامة مباشرة: "يوحنا عمَّد بالماء، وأما أنتم فستتعمدون بالروح القدس" (أع5:1). وفي الواقع فقد عمّدهم الروح القدس عندما نزل عليهم. وفعلاً لقد امتلأ البيت الذي كانوا فيه منتظرين وعد الآب، فامتلؤوا من الروح القدس، الذي حوَّل المنزل إلى جرن معمودية روحي، وذلك بحسب تعبير القديس غريغوريوس بالاماس.

ثمالة العنصرة

          بعد انسكاب الروح القدس على التلاميذ، طفق التلاميذ يتكلمون لغات مختلفة ومتعددة حسب لغة الحجاج المجتمعين في العنصرة اليهودية. "فاستولت الدهشة على هذه الجموع" (راجع أع5:2-11) "وصاروا يتساءلون ما معنى هذا كله؟ أما بعضهم فقالوا ساخرين: ما هم إلا سكارى!" (أع12:2-13).

          يسمّي آباء الكنيسة نزول الروح القدس إلى قلب الإنسان (الثمالة الرزينة). وفي إشارة إلى هذه الحالات يتحدث القديس اسحق السرياني عن أن (كل قوى الإنسان تغرق في ثمالة عميقة). وهي تسمى ثمالة لأن فيها فرح عظيم وسعادة، وهي رزينة لأن الإنسان لا يفقد فيها حواسه ولا عقله. عندما يملأ الروح القدس إنساناً ما، فهو يبقى حراً. وبتعبير أدق، إنه يكتسب حرية حقيقية. "فأرواح الأنبياء خاضعة للأنبياء" (1كو32:14) هذا يعني أن النبي أو مقتني الروح القدس يخضع لموهبة النعمة التي فيه، وهي تخضع له. أي أن حرية الإنسان لا تُبطَل، وقوى عقله لا تُخضَع.

          يقول القديس نيقوديموس الآثوسي: أن هناك ثلاث أنواع من الثمالة؛ الأول يأتي من الخمر الكثيرة وهو سبب شرور كثيرة، والثاني هو الثمالة التي تحركها الأهواء، فتكون سبب الفساد في العالم، والثالث هو الثمالة المسبّبة من الروح القدس، كمثل تلاميذ يوم العنصرة. وهذه نجدها في حالات كثيرة؛ منها والدة النبي صموئيل، التي كانت تصلّي في الهيكل من كل قلبها، وصلاتها كانت قوية إلى درجة أن الكاهن عالي ظنّ أنها سكرى، وأراد أن يخرجها من الهيكل. وقد أجابت قائلة أنها ليست سكرى، بل كانت تسكب قلبها للرب. (راجع 1صم14:1-15).

          لقد اختبر الرسل هذا النوع الثالث من الثمالة في يوم العنصرة، لأنهم حصلوا على الروح القدس، واكتشفوا مكان القلب، وازدادوا معرفة بالمسيح، وصاروا أعضاء لجسده، وازدادت محبتهم وشوقهم للمسيح. وقد عبّروا عن كل هذا بالصلاة، بحسب ما يذكر الآباء.

الخاتمة: مفاعيل يوم الخمسين

ما يهمنا من أحداث يوم الخمسين هو الحصول على أفعال الروح القدس التي حرّكت الحياة الداخلية للتلاميذ، لنستفيد منها نحن بعد معاينتها أيضاً، عسى أن نتحلّى بمضامينها، فتؤثر فينا كما أثّرت في كيان التلاميذ وتفكيرهم وسلوكهم، وجعلت الإنسان يسعى لحياة التوبة ولاقتناء الروح القدس. فالتلاميذ بعد حصولهم على ما انسكب عليهم، انطلقوا بقوة للشهادة بقيامة المسيح، وذلك لأنهم عرفوا مفاعيل هذا الروح في حياتهم. ونحن إذ نستعرض تلك المفاعيل، نجهز أنفسنا لكي نكون متأهبين للسير على منوالهم. أما الروح القدس فهو هذه الأمور:

1- روح القيامة: إن روح المسيح الذي أقامه الله من بين الأموات، هو ذاته الذي دخل أعماق التلاميذ عندما حلّ عليهم، فاستُعلنت قيامة المسيح لهم على مستوى الواقع الكياني، فسرى هذا كله في أجسادهم وأرواحهم وعقولهم، مما جعلهم يشعرون أنهم صاروا من سكان الملكوت، فلم يعد يُرهبهم أي تهديد أو ضرب أو قتل: "وأما هم فذهبوا فرحين من أمام المجمع لأنهم حُسبوا مستأهلين أن يُهانوا من أجل اسمه" (أع41:5) فالروح الذي أقام يسوع أخذ يفتح عقولهم ليفهموا سر القيامة، مما جعلهم يبشرون به بقوة وحكمة وإقناع لا يقاوم. والمهم أيضاً أن ذلك حصل لهم بفرح أذهل مستمعيهم، لأنهم كانوا دائماً في حالة بساطة وابتهاج قلب.

2- روح المحبة: الروح القدس الذي سكبه الله بغنىً في قلوب التلاميذ يوم الخمسين، كان هو نفسه روح المحبة الإلهية التي قال فيها إنجيل يوحنا: "أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل مَن يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبدية" (يو16:3). لذلك أول ما انتفع به التلاميذ من هذا الانسكاب أنهم أحسّوا بحب الله الغامر فامتلئوا شكراً وتمجيداً وتسبيحاً، وشعروا بقربهم الشديد من الله. فلم يعد أي حاجز يفصلهم عن الله، أو تقوم أي عداوة منهم مع باقي الشعوب: "لأن كلكم الذين اعتمدتم للمسيح قد لبستم المسيح، ليس يهودي ولا يوناني، ليس عبدٌ ولا حرٌ، ليس ذكر ولا أنثى، لأنكم جميعاً واحد في المسيح يسوع" (غل27:3) فروح المحبة لما انسكبت في ذلك أزالت الخطيئة، وغرست مكانها المحبة، لتزيل العداوة والبغض والتعالي منهم نحو الآخرين، ومن كل شعوب الأرض نحوهم.

3- روح التقدس: بحلول الروح القدس على التلاميذ دخلوا في مجال القداسة الفعلية، لا من حيث الجسد فقط، بل وبكل الكيان أيضاً، فحسبوا إلى مدى الدهر: (الرسل القديسين). وتعبير القداسة هو من خاصية الله: "كونوا قديسين كما أن أباكم السماوي قدوس" (1بط16:1) وحصل هذا للتلاميذ، لأن الذي سكن قلوب التلاميذ هو روح الله القدوس: "أما تعلمون أنكم هيكل الله، وروح الله يسكن فيكم" (1كو16:3). لذلك صارت القداسة بالنسبة للتلاميذ هي النتيجة المباشرة لحلول الله فيهم يوم الخمسين. وهكذا صار الله موجوداً في أعماقهم كحقيقة مدركة أشد من إدراكهم لحقيقة أنفسهم. وكانت النتيجة المباشرة هي هذا السلوك الفائق القداسة، هذه المحبة، وهذا الإلهام الذي كتبوا به كل ما أحسّوه وأدركوه عن الله في الأناجيل، التي تكشف عمق القداسة التي كانوا يعيشون بها، ويفكرون ويسلكون ويتأملون فيها.

4- روح الفداء الذي للمسيح: لنعد إلى الوراء قليلاً، نجد أن التلاميذ حين تأكّدوا أن المسيح سيُصلب فعلاً ويرحل عنهم، ملأ الحزن قلوبهم. ولما رأوه قد صُلب ومات فعلاً، ملأ الخوف والهلع والهرب قلوبهم، ولما دُفن أنهى اليأس على رجائهم في الماسيا الفادي. ولما قام فعلاً، وظهر لهم شكوا، وظلّ إيمانهم بطيئاً رغم تأكيداته لهم. كل ذلك حصل لأن روح المسيح لم يكن قد حلّ فيهم بعد. ولكن حين حل الروح القدس يوم الخمسين، انقشعت كل هذه المجهولات المعتمة عن عقولهم، وتبددت المخاوف والشكوك، لأن الروح القدس الذي حلَّ فيهم هو رد المسيح الفادي، الذي حمل المسيح معه إليهم؛ المسيح مولوداً ومصلوباً وقائماً من بين الأموات، وصاعداً إلى الآب بعد أن سمّر على الصليب كل خطايا البشر. فأدركوا حينها كل معنى الفداء. هذا يعني أن المسيح الذي غاب عنهم بالصعود وهم في حيرة مما سيفعلون ويقولون، عاد إليهم هو نفسه بكل قوة وعمل الفداء الذي صنعه، لأن بالروح القدس أُكمل الفداء وأُكملت القيامة. ومنذ ذلك اليوم والمسيح الفادي قائم موجود في قلب الكنيسة التي تأسست به. ومتكلماً حينها /وبالمؤمنين من بعدها/ في أفواههم بالروح القدس عن كل ما يخص الخلاص والفداء وسر المصالحة. وهكذا يبقى المسيح الفادي حسب وعده قائماً مع التلاميذ بقوة الروح القدس: "ها أنا معكم كل الأيام وإلى انقضاء الدهر" (متى20:28). وذلك من أجل تكميل خلاصنا بالكشف المتواصل لمفاعيل الفداء، الذي يكمِّله في قلوبنا كل يوم.

5- نيل المواهب بانسكاب الروح: بعد أن أكمل المسيح كل ما جاء من أجله، ووضع نموذج الإنسان الكامل، انطلق إلى السماء، وأرسل الروح القدس لكي يحل في قلوبنا، ويملأنا بروح الحياة، ويهبنا كل صفات المسيح، وإيمانه وفكره التي هي بعينها مواهب الروح القدس. هذه المواهب هي نموذج لصفات المسيح، إذا نلناها استطعنا أن نعلن المسيح ونُظهر صفاته: "يأخذ مما لي ويخبركم" (يو14:16) ويصبح الواحد منا قادراً أن يقول مع بولس الرسول: "أما نحن فلنا فكر المسيح" (1كو16:2). فالروح القدس الذي هو روح المسيح: "يعلمنا ويذكرنا بكل ما قاله لنا المسيح" (يوحنا26:14)، فيجعلنا هذا الروح مثل المسيح في كل شيء.

          وإذا أردنا معرفة هذه المواهب فلنراجع (1كو1:12-11). والتي بها تتحدد معالم وحدود مواهب الروح القدس بصفات المسيح، بكونها قدرات روحية تمكننا من خدمة احتياجات المؤمنين، أي بنيان جسد المسيح الذي هو الكنيسة. وبخدمتنا عندما تكون الموهبة فينا، نتذكر أننا بواسطة هذا الروح المعطي لهذه المواهب نتصف بصفات المسيح القائل: "تعلّموا مني لأني وديع ومتواضع القلب" (متى29:11) أما إذا أهملنا تعاليم يسوع والإنجيل، ولم نعد عارفين بصفات المسيح، فإن الروح القدس يمتنع أن يعطي الملء الحقيقي الذي يحقق مشيئة المسيح فينا. فالمؤمن بالمسيح هو إنسان يسعى لتطبيق تعاليم يسوع ووصاياه، ويعمل حسب سلوكه ليكون الإنسان الممتلئ بالروح، له فكر المسيح ومحبة المسيح وطاعة المسيح، حاملاً صليبه ومقتفياً آثار الرب وأعماله، ليكون مثله نوراً للعالم.