حديث الأسبوع (20 أيار)

أرشيف

وعظة الأحد

حديث عن الصعود

حديث الأرشمندريت يوحنا التلي

القداس الإلهي هو مسيرة حياة يسوع المسيح منذ بدء ولادته حتى إتمام بشارته ثمّ آلامه لإكمال الفداء والخلاص، كل هذه الأحداث نعبرها ليتورجياً لحين أن نتناول جسده ودمه. لقد أعطانا كل ما يريد أن يعطينا إياه قبل ما أن يصعد إلى السماء متمماً رسالته فنقول قبل نهاية القداس هذه الآية: (ارتفع ألهم إلى السماوات وعلى كل الأرض مجدك).

التلاميذ تعثروا عندما أُلقي القبض على يسوع المسيح، وخانوا أنفسهم بأن "تركوه كلهم وهربوا" (مت56:26). وبعد القيامة لملمهم يسوع وأعاد إليهم الثقة بالنفس، وأعاد إليهم كل فحوى الرسالة التي أعطاهم، وسلمهم إياها، وأصبح عندهم استقرارٌ وفرح عاشوا به بشكلٍ رائع بالقيامة وخاصةً عند اجتماعهم ولقائهم وتحدثهم مع يسوع. وهذا الفرح غمرهم عندما جمعهم يسوع وأراد أن يودعهم بصعوده. الفرح لم يتوقف بصعوده لكن أصابهم غماً مع الغيمة التي تصحب يسوع المسيح إلى السماء. الغم هو الحزن والأسى، ولكن دائماً يسوع المسيح هو نبع العطاء. فعوَّضنا ببقاء روحه القدوس معنا.

قال لهم "لا تحزنوا، وابقوا مقيمين في أورشليم وسأرسل إليكم الروح القدس المعزي الذي يحل فيكم وبه تعيشون معي" (أع4:1و8). الله سيبقى موجود، بقي موجود في ألوهية السيد، وبقي موجود بعد صعوده، بعد مكوث الروح القدس المعزي في وسط هذه الجماعة التي نحن امتدادها.

خبر حلول الروح القدس قبل الصعود هو الخبر السار والمفرح الذي أنعش التلاميذ، وبه شعروا أن رب المجد الذي سيصعد بمجدٍ سيبقى مجده قائماً في وسط هذه الجماعة، في وسط كنيسته. عندما ودعوه وصعد إلى السماء أمامهم، هم كانوا كأطفالٍ صغار يرون أحداث الكبار ويستغربون. غريبٌ هو صعود المسيح وحدثٌ مستهجن؛ لذا بقوا شاخصين متطلعين رافعين رؤوسهم، وعيونهم معلقة بيسوع وحده، هذه هي حالة القرب من الله في الحياة الروحية التي يحياها الإنسان وهو يتطلع إلى يسوع: كيف صعد إلى السماء؟ ولم يعد يُرى لكن يسوع حاضرٌ أمامنا، لم يتركنا. وما كلام الملاكين للتلاميذ "وقالا ايها الرجال الجليليون ما بالكم واقفين تنظرون إلى السماء إن يسوع هذا الذي ارتفع عنكم إلى السماء سيأتي هكذا كما رأيتموه منطلقا إلى السماء. حينئذ رجعوا إلى أورشليم من الجبل الذي يدعى جبل الزيتون الذي هو بالقرب من أورشليم على سفر سبت" (أع11:1-12)، إلا تعزيةً لهم، فرجعوا حاملين ألم الفراق، بفرح اللقاء الجديد مع يسوع، بشخص الروح القدس. فالألوهة ستبقى معنا لكي تصيرّنا آلهة، فكل من الثالوث الأقدس هو إلهٌ في الجوهر ونحن نتحول إلى آلهةٍ بالنعمة إذا نحن حافظنا على تعاليمه ووصاياه.

في علاقتنا مع يسوع كلما حاولنا أن نلتقي به أكثر يزداد عمق إيماننا أكثر وحيث تصير لحمة لا تُفقد ولا تتزعزع. هذا ما أردت أن أقوله عن الصعود في تأملٍ بسيطٍ جداً، وأزيد بأنه في عالم الأيقونة (أيقونة الصعود) إذا تأملناآية أعمال الرسل القائلة: "إن يسوع هذا الذي ارتفع عنكم إلى السماء، سيعود منها مثلنا رأيتموه منطلقاً إليها" (أع11:1) بالرجاء الذي في دواخل أنفسنا أن المسيح سيأتي كما نقول في دستور الإيمان (سيأتي بمجدٍ)، فإن مجيئه هو كمثل صورة صعوده؛ لذا علينا أن نظل حاملين صورة صعود السيد في ذهننا حتى نشاهد من ذات الصورة في المجيء الثاني للسيد أنه يريد أن يحملنا معه، كما تقول رسالة تسالونيكي "نختطف معه في السحب لملاقاة الرب" (1تس17:4) أي سنكون أيضاً محظيين في آخر الأزمنة بهذا المجد الذي رأيناه في الصعود اليوم. من الجميل أن تكون هاتين الصورتين محفوظتين في ذهننا الروحي وهي أن الصعود مرتبطٌ كلياً بالمجيء الثاني للسيد المسيح وأن نتذكر بأنه (صعد ليعد لنا مكاناً) أي أنه سيأتي لنصعد معه من جديد. لأننا نعرف أنه كان قبل التجسد مع الله في الملكوت، وكما يقول يوحنا اللاهوتي: "في البدء كان الكلمة، والكلمة كان عند الله وإلهاً كان الكلمة" (يو1:1). فهو إلهنا قبل الدهور، أي أن ألوهيته استمرت بالميلاد وبتجسده من أجلنا، وأيضاً سيأتي في المجيء الثاني لينهي أزمنة العالم ولنعيش معه بقيامة دائمة في عالم الملكوت. فالصعود مرتبط بكل هذه المعاني، ويحمل كل تلك الأحداث.

حديث الأب المصري

تقول رسالة بولس الرسول لأهل أفسس: "الذي هو عربون ميراثنا لفداء المقتنى لمدح مجده، لذلك أنا أيضاً إذ قد سمعت بإيمانكم بالرب يسوع ومحبتكم نحو جميع القديسين، لا أزال شاكراً لأجلكم ذاكراً إياكم في صلواتي، كي يعطيكم إله ربنا يسوع المسيح أبو المجد روح الحكمة والإعلان في معرفته، مستنيرة عيون أذهانكم لتعلموا ما هو رجاء دعوته وما هو غنى مجد ميراثه في القديسين، وما هي عظمة قدرته الفائقة نحونا نحن المؤمنين حسب عمل شدة قوته، الذي عمله في المسيح إذ أقامه من الأموات و أجلسه عن يمينه في السماويات، فوق كل رياسة وسلطان وقوة وسيادة وكل اسم يسمى ليس في هذا الدهر فقط بل في المستقبل أيضاً، واخضع كل شيء تحت قدميه و إياه جعل رأساً فوق كل شيء للكنيسة، التي هي جسده ملء الذي يملأ الكل في الكل" (أف14:1-23).

"بسبب هذا احني ركبتي لدى أبي ربنا يسوع المسيح، الذي منه تسمى كل عشيرة في السماوات وعلى الأرض، لكي يعطيكم بحسب غنى مجده أن تتأيدوا بالقوة بروحه في الإنسان الباطن، ليحل المسيح بالإيمان في قلوبكم، وأنتم متأصلون ومتأسسون في المحبة حتى تستطيعوا أن تدركوا مع جميع القديسين ما هو العرض والطول والعمق والعلو، وتعرفوا محبة المسيح الفائقة المعرفة لكي تمتلئوا إلى كل ملء الله، والقادر أن يفعل فوق كل شيء أكثر جداً مما نطلب أو نفتكر بحسب القوة التي تعمل فينا" (أف14:3-20).

كل هذه الآيات تتكلم عن القيامة، هذا يعني أن هناك عطاء غني في القيامة، لأنه في نفوسنا يبقى أمكنة ضعيفة من سنة لسنة، الواحد يكتشف أماكن النفس الضعيفة والتي فيها فساد وضعف. في الصوم الكبير نكتشف أن أنفسنا فيها ضعف، وعدم محبة، وفساد. بالصوم الكبير تنتقل النفس وكل أعماق الإنسان، فالقيامة هي عطاء غني، والإنسان محتاجٌ لمعونةٍ من أجل النفس الداخلية فهو يشعر أنه يقوم ويقع، يطلع وينزل فهو يشعر بهذه الحاجة لينتقل. فمثلاً الغضب يُغضب الإنسان فيسقط، ويعود ينتبه ويقوم، ونبقى هكذا إلى أن نستطيع أن ننتصر. فنقلة القيامة تجعل الشخص يقول أنا أخذت قيامته. الوصية تقول: "تعلموا مني فإني وديع ومتواضع القلب، فتجدوا راحةً لنفوسكم" (مت29:11).

إذاً، القيامة عطاء، ننتقل فيها إلى مرحلة متقدمة. وكذلك في الصعود ننتقل إلى مرحلة أخرى. الصعود فيه المذاقة السماوية، في الصعود نشتهي أن نكون بالقرب من الله مثلما فعل السيد، لذلك في الأديرة نذوق هذه الحلاوة السماوية لأننا بالقرب من الله. حيث أجواء العالم وما تعطيه من ضعف وخطايا... في البيوت والأسر، وبالتالي يحتاج الإنسان إلى صعود إلى تذوق هذه الحلاوة السماوية بالرغم من كل المشاكل، من هنا على الإنسان أن يجاهد ليرتفع إلى فوق ويصعد مع يسوع إلى السماء، بالرغم من ممانعة الشيطان له بالحروب العنيفة التي يشنها.

الصعود فيه يقين ورجاء، نأخذ بهما قوة وسلطان فوق كل رئاسة أخرى، أي يبقى في الأعالي مع الله، يبقى في الكنيسة محمي من أي تجربة من الشيطان، يبقى فوق الكل. (لذلك كان الرئيس جمال عبد الناصر يخاطب البابا كيرلس بقوله: يا والدي)، لأنه كان يملك سلطان من قبل الله. وبالصعود نملك هذا السلطان.

حديث الراهبة المصرية

تقول رسالة بولس إلى العبرانيين: "الذي هو لنا كمرساة للنفس مؤتمنة وثابتة تدخل إلى ما داخل الحجاب، حيث دخل يسوع كسابق لأجلنا صائراً على رتبة ملكي صادق رئيس كهنة إلى الأبد" (عبر19:6-20)

الآية تتكلم عن الصعود، هذا هو عيد الراهب، عيد النفس التي هي الرهبان والراهبات الذين هم انعزلوا عن العالم وتخصصوا لمحبة يسوع. مع كل صعود تريد النفس أن ترتفع بسلم المحبة إلى يسوع، وكأن الله يريد منا في الصعود أن نكون معه، حيث رئيس الكهنة يتشفع فينا أمام أبيه السماوي، فالنفس التي سبقت ودخلت إلى مجده إلى عرسه بالخطيئة فقدت شيئاً من محبته، وفي كل صعود يجدد الله النفس ويرفعها إلى جبل التجلي جبل الحب، جبل الارتفاع عن الكل، لأن الراهب معروف أنه يتحارب كثيراً مثل الأب أنطونيوس والأب مكاريوس الذين تحاربا من الشيطان لنزولهما من القلاية. ومرةً وضع الأب مكاريوس نصف جسده على باب القلاية وقال له إن كنت شاطر نزلني.

في الصعود يجدد الله المحبة ويرفع النفس التي تعبت وأنُهِكت من محاربات العدو، يرفعها ثانيةً إلى جبل الصعود إلى عشرته ليقدسها مرةً ثانيةً من أجل ذلك هو لنا كمرساة للنفس. السفينة لها دائماً حبلٌ مربوط من الناحية الثانية من الشاطئ كأن النفس في حياتها الرهبانية والنفس عموماً كأنها تعيش في بحر العالم، وبحر العالم إما أن تكون طرفها الممسك به لا بد أن يكون ثابت في المسيح. الصعود هنا باستمرار، كما كان يتكلم قدس الأب يوحنا، هو حالة داخلية وكأن الراهب وهو يسير في حياته في العالم لابد أن يتساءل أين مرساتي؟ والمرساة ثابتة في السماوات، وأنا باستمرار أراقب الطرف الآخر هل مرساتي ثابتة فوق، وعكس ذلك هو الغوص في بحر العالم.

الشيطان يقبض علي بحروبه، والراهب بالصعود يؤمن على نفسه، فالصعود هو مرساةٌ للنفس ثابتة، الصعود هو عيد الثبات والأمان، هو الراحة والمسيح دخل الراحة في السماء، فمكاننا هو في السماء وراحتنا في السماء، أي مع يسوع المسيح. الأمر الثاني أن المسيح لما صعد، كما تكلم أبونا يوحنا، أول عمل قام به هو أنه جمع التلاميذ اليائسين الخائفين، وفي الصعود جعل عيونهم متثبتةً عليه في موضع راحتهم، وبعد ذلك قال لهم: "سأرسل لكم المعزي...".

دائماً أشعر بصلاة المزمور في السواعي "هوذا ما أحلى وما أجمل أن يسكن الأخوة معاً" (مز1:133). السيد المسيح لما صعد أرسل الروح القدس، ولكن الروح القدس لا يستقر إلا في مجتمع متحد في "ما أحلى أن يجتمع الأخوة معاً" بمحبة لبعضنا البعض فيأتي الروح القدس بتعزياته وبحضوره وبانسكاباته ليحل في الأخوة ويسكن معهم.

تعليق الأرشمندريت يوحنا في النهاية

شكراً، للأب وللأخت على المداخلة القيمة. وسأحاول الآن تلخيص ما تم الحديث عنه:

واتساءل الآن: ما هي قيمة الصعود في حياتنا اليوم؟ الصعود هو أن يسوع المسيح ترك الأرض وارتفع عنها وصعد إلى الأعالي، ونحن أيضاً على الأرض ولكن مدعوين للارتفاع إلى السماء. هذا بعد روحي نستطيع أن نعمله دون أن نسمي أنفسنا أننا ملتصقين بالأرض، نحن موجودون حيث يسوع المسيح موجود، من المهم أن نأخذ مبدأ الصعود، والذي هو مبدأ رهباني، لترتقي الأنفس فينا مبتعدة عن الأهواء ومتحلية بالفضائل وبالتعاليم الإلهية، عندها يشعر الإنسان بالارتقاء فوق الأحداث والآخرين، ليس بالتعالي بل بالتواضع الذي يرفع الإنسان أكثر، وهذه دعوة لنا من أجل أن نبدأ بالتمرين على رحلة الصعود بدءاً من تنشئتنا المسيحية التي لا تتوقف، هي رحلة إلى الأبدية تبدأ من يوم عمادنا وتبقى في سلم تصاعدي، وهكذا يتم الصعود لنا دون استهجان أو غرابة لأننا نعيش انتقالاً روحياً بأجساد مهما كان وضعها ومكانها فهذه الأجساد تتروحن بالبعد الروحي، وتحيا أرضيتها وكأنها تنفِّذ مقولة السيد المسيح: "أنتم من هذا العالم، ولستم من هذا العالم". نحن من هذا العالم، ولكن منتمين إلى عالم السماء والأبدية والخلود الذي هو عالم الصعود الروحي الذي يوصلنا إلى حيث تكون النفس الذي كُوِّنا عليها منذ بدء التاريخ، بدء الأزمنة. تكون الإنسان عندما أعطاه الله النَفَسْ، ليصير إنسان هذا النفس الإلهي، الحاملين له الذي به سنلتقي في الأخير بذات النفس الذي أخذناه من خلال مواظبتنا على نمط حياتنا التي نحن مدعوين لنعيشها مع تجددنا الدائم بسبب ضعفاتنا. ونشكر يسوع على أنه أعطانا التوبة الدائمة لنتجدد ونستعيد ما فقدناه، ليبقى النفس الإلهي هو النفس السماوي المحمول فينا، الذي نحن به نرجع إلى الله، وننحمل إلى السماء. هذا هو الجهاد الروحي، والرهبنة هي أكثر مكان قادر فيه الإنسان، بدون حواجز، أن يرتقي لهذا السلم، مع مساعدة: (كتاب السلم إلى الله)، بهذا الصعود والذي هو سلم نحو عالم الملكوت. وكل إنسان لا يشعر بنفسه إنه ارتقى في هذا اليوم أي كل يوم من أيام حياته، يصير له هذا اليوم موت وخسارة بالنسبة له لأنه لم يلتقي به مع شخص يسوع. لذلك علينا أن نرتقي ونرتفع ونتجدد كل يوم مع يسوع المسيح، ليتم لنا الصعود والتلاقي معه. لأن صعودنا الروحي هو بمثابة صعود مكاني لنبقى مع يسوع دائماً.

الأسئلة:

1- كلما تواضعنا أكثر كلما ارتقينا أكثر. أو كما يقول الأب اندريه سكريما "الصعود هو النزول" لكن إذا وصل هذا النزول إلى حد اليأس ماذا علينا أن نفعل؟

يوجد صعود بشري، وصعود محمول بالروح. يوجد نزول بشري، ونزول محمول بالروح. فإذا كان نزولنا هو بطولات بشرية، فيا لشقائنا فهذه خسارة فادحة لا تجدي أي نفع لأن بشريتنا لا تنقل فضائل من بشريتنا دون النعمة ولا من أي شيء آخر أيضاً كفكر أو ما شابه ذلك لأن بشريتنا تنقل إلينا من القداسة دون سواها، (الله هو قدوس) فنحن عندما ننزل في سلم التواضع، أي ونحن نازلين نكون ممسكين بيد يسوع المسيح كما تقول الآية: "تعلموا مني فإني وديع ومتواضع القلب، فتجدوا راحةً لنفوسكم" (مت29:11).

أي بمن تعلمت منه هذا التواضع أنزل، لذلك لا يمكن أن أضيع وأفقد مواهبي الروحية طالما أنني ممسكٌ بيد يسوع ولا أريد أن أتركها، لكن إذا وقعت في الغطرسة (كما في قصة بطرس الرسول أثناء المشي على الماء، فهو بدأ يغرق عندا ركز انتباهه على شخصه بدلاً من شخص المسيح). حينها علينا أن نستنجد مثلما فعل بطرس الرسول، ونستعيد تواصلنا الدائم بيسوع ليرجعنا إلى شاطئ الأمان.