حديث الأسبوع (7 كانون الثاني)

أرشيف

وعظة الأحد

القديس يوحنا المعمدان

 

أولاً: شخصية يوحنا المعمدان

          حديثنا يدور حول من سماه يسوع "بأعظم مواليد النساء"، وهو أكثر من نبي وأقوى شخصيات الكتاب المقدس. فعلى الرغم من أنه نحيلٌ، لأنه لا يأكل إلا القليل، قاصراً إياه على العسل البري والجراد. ولباسه الذي يمنحه وقاره نقارنه بطعامه فنقول: كما كان أكله غير اعتيادي، فإن لبسه كذلك أيضاً. كان يلبس ثوباً من وبر الإبل ويشد وسطه بحزامٍ من جلد، وكان ثوباً واحداً لكل الفصول.

ثانياً: ظهور يوحنا النبي وسط شعبه

          ظهر يوحنا في وقتٍ كان الناس فيها قد نسوا صوت الأنبياء لطول تأخرهم. فملاخي آخر الأنبياء، الذين ظهروا كان زمن نبوته عام 430 ق.م، وهذا ما جعل الشعب بحالة شوقٍ غامرٍ لاستقبال نبي، أو مجيء المسيا المنتظر.

          فماذا حدث واقعياً؟ لقد أتى الاثنان معاً. يا لها من نعمةٍ مباركةٍ للإنسانية كلها، ولكن الكثيرين من أبناء جيله وجدوها نقمةً، لعدم إدراكهم سر النعمة هذا. وذلك بسبب رفضهم للامتثال للإيمان، وهو ما اعتبر أكبر الخطايا.

ثالثاً: رسالة يوحنا

          فما هي رسالة يوحنا الذي هو محور حديثنا؟ لا بد أن نضيء بعض خصوصيته قبل أن نتحدث عنها، فهو ممتلئٌ من الروح القدس من يوم ولادته، لا بل إنه كما يقول الملاك في إنجيل لوقا: "يمتلئ من الروح القدس وهو في بطن أمه" (لو15:1). هذا الإعلان الملائكي الذي يجذبنا لشخص هذا القديس، يجعلنا نتفهمه على ضوء كونه "نبياً عظيماً يعطي الفرح والابتهاج لكثيرين، وخاصةً أنه يرد كثيرين إلى الرب إلههم" (راجع لو11:1-16).

          تنطلق رسالة يوحنا النبوية، من قوة نبوءته. فهو قد تربى منذ نعومة أظافره (في البرية)، وبقي في عزلتها ليوم ظهوره بين الشعب. فبدأ من هناك يصرخ منادياً بأمورٍ ضمنها موضوع رسالته التي سيعلنها للناس، وقد حملت تلك الصرخات انعكاس لغته عندما كان بعيداً عن الناس. لقد عاش في البداية صامتاً، كان جلّ همّه أن يستمع لصوت ربه في داخله، تاركاً كلاً من شخصيته، ورسالته، يتكون حسب معطيات الروح الذي أصغى لصوته الوحيد. وحين اكتملت عناصر الشخصية والرسالة، انطلق حاملاً لذاك الصوت. يصرخ وينادي به معبراً عن المضامين التربوية والروحية التي اقتناها في عزلته التامة. لقد أعلن منادياً عن أعظم نداءٍ انطلق، صوتٌ للتعبير عن حضوره. لقد "أعلن عن مجيء المخلص حقاً" أمل البشرية منذ أيام آدم، ومحور حديث الأنبياء بدءاً من ابراهيم. لقد تم الإعلان عنه اليوم من قبل ابن زكريا، بعد أن استجيبت طلبته في الإنجاب وأعطي ابنه يوحنا، المُتلقي لكلماتٍ إلهية، تُعلَن على الملأ قرب قدوم يسوع كـ "حمل الله الرافع خطيئة العالم" (يو29:1).

          والهدف الثاني لرسالته يتعلق بتهيئة الشعب ليستعد كي يكون قريباً من الله وذلك بحضهم على ترك خطاياهم. ثم يتبعها بغسلهم بالماء كمعموديةٍ للتأكيد على توبتهم.

          وكان شعار رسالته التوبة التي نادى بها على الشعب "توبوا فقد اقترب ملكوت الله" (مت2:3)، يقول العلامة أوريجنس: إن (التوبة) هي تهيئةٌ لمعمودية يوحنا، فيقول: (الصوت الصارخ في البرية، السابق للمسيح، كرز في برية النفس التي لم تكن تعرف السلام... نورٌ بهيج وملتئمٌ يأتي أولاً، ويكرز بمعمودية التوبة لمغفرة الخطايا. ثم يتبعه النور الحقيقي مثلما قال يوحنا نفسه: "ينبغي أن ذاك يزيد وأنا أنقص" (يو30:3) فقد جاءت البشارة إلى البرية وانتشرت إلى كلِّ الكورة المحيطة بالأردن).

          أُعلنت نبوءة يوحنا المعمدان، التي سبق أن عرَّفَنا بها كلٌّ من أشعياء وملاخي وزكريا. يجمع متى هذا كله بقوله: "صوتٌ منادٍ في البرية، اعدوا طريق الرب، واجعلوا سبله مستقيمةً" (مت3:3)، يقول الإنجيل: "فخرج إليه أهل أورشليم ومنطقة اليهودية كلها وجميع القرى المجاورة للأردن، فكانوا يتعمدون على يده في نهر الأردن معترفين بخطاياهم" (مر5:1).

رابعاً: مفاعيل معمودية التوبة عند يوحنا

          إنه لأمرٌ مدهشٌ ورائعٌ أن يجمع يوحنا بين مياه المعمودية والتوبة التي يجب أن يتلبس بها الإنسان. فكما أننا إذا اغتسلنا تظهر نظافة أجسادنا بعد أن كانت متسخةً، هكذا تتنقى أنفسنا الداخلية وتستعيد نظافتها بالتوبة، التي تعيدنا إلى حالة النظافة الداخلية، بفضل هذا التغيير الذي يحدث فينا نتيجة التوبة عن خطايانا.

خامساً: أنماط البشر التي واجهها يوحنا

أما المستمعون فانقسموا إلى ثلاثة أقسام:

          القسم الأول: هم العامة من الناس، الذين انجذبوا إليه ولكلامه. مقدمةً لانجذابه إلى شخصه وإيمانه، لأنهم وجدوا فيه ضالتهم المنشودة. فهم يفتقرون إلى من يبعث فيهم ما هو أكثر أهميةً وعمقاً، مما تبعثه مجرد كلمات، تُلقى عليهم كعظاتٍ يستمعون إليها عادةً من القادة الدينيين. لقد لمسوا أن ما يقوله هذا النبي يمس عمق حياتهم ويحركها للتغيير. وهكذا استجابوا وبدأوا بتوبةٍ يغتسلون بعدها معتمدين على يديه. ولمسوا على إثر ذلك كيف أن حياتهم قد تحسنت نحو الأفضل، على الرغم من أن غفران الخطايا تنتظر استجابة من هو قادرٌ على غفرانها. إنه الابن الوحيد لله الذي بدمه البريء سيكتمل عمل هذا النبي، فتتحقق بذلك المعمودية الكاملة التي وعد هذا النبي أن يعمدنا المسيح بها، وكما قال يوحنا "أنها ستكون بالروح القدس والنار" (مت11:3).

          أما القسم الثاني: فقد تشكل من القادة المنادين باسم الله وبتطبيق الشريعة، ولكنهم كانوا يتبعون مصالحهم مسخرين الناس لها، بدلاً من أن تكون كامل جهودهم لخدمة الرب. كانوا يعملون من أجل ما يخصهم لا ما يخص الله، وقد تمثل هؤلاء بالفريسيين والصدوقيين، فخاطبهم بقوله: "يا أولاد الأفاعي أثمروا أثماراً تليق بالتوبة. وها إن الفأس قد وُضعت على أصل الشجر، فكلُّ شجرةٍ لا تثمر ثمراً جيداً تُقطع وتلقى في النار" (مت7:3-10).

          أتى يوحنا كنبيٍ عظيمٍ يحمل تكليفاً إلهياً للجميع أتى لكي "يرد قلوب الآباء إلى الأبناء، والعصاة إلى حكمة الأبرار، ويهيئ للرب شعباً مستعداً" (لو17:1). وكان من المتوقع أن يكون الفريسيون والصدوقيون هم أول من يمتثل لاستقباله. وذلك لأنهم ألصق بالمعرفة الكتابية من غيرهم، ومن المفروض أنهم يحيونها. ولكن موقفهم من النبي يوحنا كشف النقاب عن وجوههم، فاستبان لنا أنه لا فائدة من كون اسمهم أبناء ابراهيم، أما فعلهم فيتنافى مع إيمان ابراهيم، وهم في ذلك كمثل الكثيرين من المسيحيين. الذين تدل أعمالهم على النقص في إيمانهم، رغم ادعائهم أنهم مسيحيون.

          لقد كشف يوحنا أن المؤمن الحقيقي مثله مثل شجرةٍ مثمرةٍ، بينما من لم يصدق في إيمانه ليس كذلك. فهناك من لا يعطي ثماراً تليق بحياة الإنسان المتجدد بالتوبة لأنه بعيدٌ عن الله. وكما الشجرة غير المثمرة تُقطع وتلقى في النار، هكذا مدعي الإيمان، والفارغ من الأعمال التي يرضى الله عنها، يبدو بلا ثمر، فيجتث من أصله ليحيا في نار الجحيم.

          القسم الثالث: وهنا ننتقل إلى أخطر هذه الأقسام. وهو المتمثل بأعلى سلطة إنها سلطة الملك وبيته. لقد كان المطلوب في رسالة يوحنا أن يُظهر الحق ممثلاً بسلطةٍ لا حدود لها لا تبطش بل تحيي. لقد كانت كلمته في هذا المجال قاطعةً كالسيف، لأنه رأى بأن الله يحب أن يُطاع أولاً، وأحكام الله وشريعته لا تقبل أي مجال للمساومة فيها.

          وقد بدا ذلك واضحاً في موقفه من الملك هيرودوس أنتيباس، حين هاجمه واصفاً إياه بأنه زانٍ بقوله له: "لا يحق لك أن تأخذ امرأة أخيك زوجةً لك" (مر18:6)،  وذلك لأنه طرد زوجته الشرعية إلى ديارها بالعربية، وقام بمعاشرة هيروديا زوجة أخيه فيلبس، ولها ابنة اسمها صالومة، حقد هيرودوس عليه، على الرغم من احترامه الكبير لكلامه بشكلٍ عام. هكذا الخطاة، يفترضون ألا نقترب من خطاياهم الشخصية. وحين نفعل يغضبون كما فعل هيرودوس حين أمر بسجن النبي يوحنا، واكتمل الغضب على النبي حين تآمرت عليه المرأة وابنتها، وطلبتا من الحاكم رأسه على طبقٍ مكافأةً لرقصةٍ تقدمها له صالومة في احتفالٍ خاص، في يوم عيد الملك هيرودوس.

          كان يوحنا يشهد للحق الذي جاء به، لذلك لم يتراجع عن موقفه. وكذلك يسوع كان يتحدث بالحق عندما حُكم عليه بالموت على الصليب، فقال يعلم تلاميذه: "ليس تلميذٌ أعظم من معلمه، إن كانوا قد اضطهدوني فسيضطهدونكم أنتم أيضاً" (مت24:10). وهكذا دفع ثمناً غالياً للحق الذي أعلنه. إنه يريدنا أن نعلم أن ثمن الحق غالٍ. فالحق كما تشهد به حوادث التاريخ، كان يفترض تقديم الأضاحي المتتابعة من أناسٍ مثل النبي يوحنا، ليشهدوا بدمائهم على قيمة الحق الذي يعلنونه، ولو كان الدم المهراق مقابله دمٌ زكيٌ. ولكن فلنعلم بأن الجميع سيموتون، أما أصحاب الحق فهم الخالدون كحياةٍ مستمرةٍ عند الله، وكأسماء لا يُمحى ذكرها عند البشر. فلنتذكر كلام بولس الرسول في هذا المجال: "إن عشنا فللرب نعيش، وإن متنا فللرب نموت، فإن عشنا وإن متنا فللرب نحن" (رو8:14). فكأن النبوءة ملتصقة بالحق خاصةً تلك المرتبطة بيسوع المسيح والتي دليلها أن صاحبها يقدم نفسه ذبيحةً لله، وهذا هو حال شهداء كنيستنا الذين ارتبطوا إيمانياً بيسوع المسيح كونه (الحق)، فكان عليهم أن يقدموا أنفسهم تلك التقدمة.

سادساً: الصراع النفسي ليوحنا في السجن

          ننتقل بعد هذا إلى أهم نقطةٍ في موضوع يوحنا وأكثرها حساسية والتي هي: يوحنا بحقيقته، هذه يمكننا تعميمها على الإنسان أيضاً الذي بأصالته يحيا مع جرحه وألمه ليؤكد على قداسة نفسه وعمق سريرتها".                    

          في هذا المقطع الإنجيلي (مت2:11-15)، سنتحدث عن أزمةٍ من أعظم الأزمات التي مر بها الإنسان في التاريخ.

          هذا النص فيه نقاطٌ صعبة، ويبدو للبعض أنه محيرٌ، ونحن كمؤمنين وأبناء كنيسة ندرك بأن هناك مقاطع حقاً هي صعبة، ولكن بروح الصلاة التي فينا وبروح الإيمان، وأيضاً من خلال قوة الآباء الذين عاشوا بالروح القدس مع صوت الله، الذين نقيم معهم علاقة، نستطيع أن نذلل هذه الصعوبات بعونهم، لهذا السبب علينا أن نتأمل في هذه المقاطع بقراءةٍ مستمرة.

          يوحنا هو نبي التوبة، ونعرف أن يسوع المسيح ابتدأ بشارته بذات الآية التوبوية التي ابتدأ بها يوحنا. هذا يدل على عظمة يوحنا، حتى إن يسوع انطلق من ذات رسالته. ثانياً يوحنا هو راهب. هو ابن الصحراء، وعاش فيها ونقل الرهبنة الصحراوية إلى وسط العالم، بصوته الصارخ. ثالثاً يوحنا أتى بشخص إيليا وهذه كلمةٌ أحياناً بسطحيتنا تمر، ولكن أبداً لا تحير، لأنه المقصود بكلمات السيد المسيح أن يوحنا يحمل صوتاً نبوياً قوياً، يواجه فيه كلَّ إنسانٍ، إن كان ذو سلطةٍ أو أياً ما كان، مثله كمثل إيليا الذي واجه كلَّ الأشخاص بلا خوف، حتى الملوك. ويوحنا أيضاً واجه الملوك. وكلاهما قالا كلمة الحق. من هذه الناحية، هناك نبوءةٌ تختص بإيليا وهي أنه سيأتي بطريقةٍ غير واضحةٍ أبداً، وعندما يكون شيءٌ غير واضحٍ نفسره تفسيراً لغوياً، أي أنه سيأتي، وخاصةً أنه اُختطف بمركبةٍ نارية، وهذا يسهل علينا الظن بأن إيليا سيأتي بشخصه مرةً ثانيةً، ولكن يسوع يقول لنا: "إن إيليا أتى بشخص يوحنا المعمدان" (مت11:17)، أي أن الرسالة التي تختص بإيليا اكتملت بيوحنا المعمدان، أي أن كلمة الحق، هي التي كانت تجمع بين كليهما.

          بعد هذه المداخلة سأنتقل إلى قلب هذا النص لأتحدث عن إرسال يوحنا لتلاميذه إلى يسوع ليسألوه هل أنت هو المسيح المنتظر أم ننتظر شخصاً آخر؟

          النقطة الأولى هي أن يوحنا في السجن، وهناك كان يلتف حوله تلاميذه الكثر. وهاجسه الداخلي أنه سيموت بعد قليل. أراد أن يلفت نظر تلاميذه إلى أن يسوع هو المسيا المنتظر والمخلص، وليؤكد لهم ذلك أرسلهم إليه ليسمعوا منه مباشرةً ويتأثروا بشخصه ويصبحوا تلاميذه. وهذا ما حدث عندما رأوا العرج يمشون والعمي يبصرون والصم يسمعون... وبالتالي لا يوجد أعظم من هذا الرجل. فوصلت لهم الرسالة وتأكدوا من شخص المسيح الآتي. ولكن هذا الإرسال الذي يخدم هذا الشيء لا يحل لنا المشكلة اليوحنائية في سجن يوحنا المعمدان.

          لنتكلم هنا بصراحةٍ، والنص واضحٌ تماماً، عن وجود أزمةٍ توازي أزمة يوحنا عندما واجه الملك والملكة تلك الأزمة التي أدت لوصوله إلى السجن ليموت، وكان استشهاده في السجن، والسجن هو دائماً الموت لأشخاصٍ مثل يوحنا.

          يوحنا هذا ابن الصحراء، قال فيها كلمته بصوتٍ قوي، وهذا الصوت في الصحراء لا يُسمع، حتى هو لا يسمع صوته. عكس أي مكانٍ آخر مثل الغرفة أو الغابة... حيث نسمع فيها صوت الصدى، ولكن في الصحراء يصبح الصوت، أي صوت النبي كمثل صوت الله. صوت الله دائماً في سكونية الكون، في الصمت الأبدي الذي إن أراد الإنسان أن يسمعه. عليه أن يبذل جهداً ويخترق أبدية الكون ليصل إلى صوت الله. بدء رسالة يوحنا المعمدان كانت في الصحراء، وهو من هناك بدأ يتحدث بصوته الصامت الذي به اخترق أنفس المستمعين.

          أما الآن فهو في السجن، في غرفةٍ صغيرةٍ ممكن أن يُسمع صوته، ولكن لا حياة لمن تنادي! فلا أحد يسمع ولا أحد يسأل. فيبقى يوحنا منتظراً في هذه الغرفة المظلمة. ينتظر أبدية الظلام، ومن هنا تأتي الرهبة.

          إذا ما وضعنا أنفسنا بدلاً منه، وعلى كلِّ إنسان أن يضع نفسه في كلِّ كلمةٍ من كلمات الإنجيل، وأن يصبح هو الحدث، وإلا ستصبح قراءتنا للإنجيل استطلاع، كأننا نقرأ قصة! وبإغلاقنا للكتاب تنتهي القصة! والعكس صحيح، فعندما نقرأ الإنجيل قراءةً صحيحةً ننتقل إلى اللانهاية ويصير كلُّ إنسانٍ منا هو بطل الإنجيل، ويصبح امتداداً لشخص يسوع المسيح الذي أتى إلينا ليخلصنا، وعندما نغلق الإنجيل تنفتح علينا آفاق الروح القدس.

          يوحنا ليس بإنسانٍ عادي، هو إنسانٌ وصفه يسوع بأكثر من أن يكون شخصاً عادياً، هو نبيٌ عظيم. والأنبياء قديماً قالوا رسالتهم، وكلُّ رسالةٍ نبويةٍ تختص بشخص المسيح، فهم يعرفون أنهم يتكلمون عمن سيأتي فيما بعد، وهذا يعني أنه هناك فسحةٌ كبيرةٌ أمامهم، وكلمة نبي بالمعنى الإنجيلي لها كما ترد بلغتها السامية، إن كانت العبرية أو الآرامية، تعني الذي يصرخ، الذي يصيح.

          الأنبياء كانوا منذ القديم، كأرمياء وحزقيال... يتكلموا ويصيحوا بأعلى صوتهم، لأنهم يتكلمون عن أمرٍ ليسوا بمسؤولين عن حدوثه أمام أعينهم. أما يوحنا فهو يختلف عنهم لأن الوحي الإلهي يقول عنه: "هذا هو ملاكي الذي يعد طريق الرب أمامي" (مر2:1)، يعني بيني وبينه لا يوجد مسافة فهو يسير وأنا أراه بأمِّ عيني، ويوحنا يفتح له الطريق. لا توجد فسحةٌ أمامه. يوحنا الذي اتصف بهذه الصفة العظيمة يجد نفسه في السجن مكبلاً، وبدأ ظلام الفكر، ظلام الرسالة يدغدغه.

          بدأ يسأل نفسه بقلق: يا ترى هل حقيقةً أنه الذي أنت تعد له الطريق هو هذا أم غيره؟ هذا سؤالٌ صعبٌ يجب ألا نخشى من أن يوحنا يطرحه، فهو شيءٌ طبيعيٌ أن نتعرض له، وما ليس طبيعي هو ألا نواجه، ومن الطبيعي أنه من الناحية الإيمانية أننا أمام أزمات، بدءاً من شخص ابراهيم الذي يشكل أسرة الإيمان للأسرة البشرية حتى المنتهى. فيما بعد تبقى أزمة الإيمان قائمة. هنا ابراهيم كان يسأل نفسه على الطريقة اليوحنائية: هل صحيح أن الله قال لي أن اذبح ابني أم أنا في خدعة؟ وهنا يوحنا يسأل هل هذا الذي أنا دللت عليه - "هوذا حمل الله الرافع خطيئة العالم" (يو29:1)، كما قال لتلاميذه عند نهر الأردن - هو حقاً المخلص أم مجرد نبي؟ إن لم يكن هو ماذا يا ترى أنا فاعل؟

          من المؤكد أن يوحنا كان أمام صراعٍ أليمٍ ومرير، وأكيد أنه كان يريد أن يأخذ جواباً لنفسه من الله بعون تلاميذه. فعندما يرسلهم، بغض النظر إذا هم رأوا أو آمنوا، فهو ينتظر أن يعودوا إليه وهو بلهفةٍ ليعرف ماذا سيقولون. فهم تلاميذه ويستطيعون أن يروا بمنظاره وبعينيه وبأفكاره وبإيمانه.

          إذاً يوحنا كان يبحث بقلقٍ مزمنٍ عن الإيمان الذي وضعه الله فيه وهو بسجنه ليكون محققاً بشخصه مصداقية آية يسوع عنه، بأنه: "هو أعظم مواليد النساء" (مت11:11)، وليكون هو "مُعد طريق الرب أمام المخلص" (لو76:1). يا ترى هو الذي أعطى حياته أمام الحقيقة بكلِّ صدقٍ، وكان الصدق عنده في قوةٍ، في مواجهةٍ، هل هذا كله كان صحيحاً أم خدعةً؟

          كثيراً ما نتساءل في حياتنا، هل نحن نسير بإيماننا وراء يسوع الذي هو ابن الله بالحقيقة؟ السؤال كبير والجواب صعب اليقين فيه. هنا عظمة الإنسان المؤمن بوجوده أمام محكٍ، يريد أن يختبر بعلاقته السليمة بالله أنه أمام شيء حقيقي أم خدعة؟ وأنه يريد أن يأخذ الموقف الأبدي إلى ما لا نهاية، وأن يمشي وراءه. وليس أصعب من أن يكون الإنسان واضعاً مصيره في قضية، وتكون هذه القضية وهم! ولا يوجد أصعب من هذا الأمر أمام الإنسان الحقيقي، أمام الإنسان الصادق، أمام إنسان الإيمان، أمامنا نحن المكرسين ذواتنا للرب! وأمام من يخدم في حقل الرب في الرعايا. أمام هذه الحقيقة التي موقفنا منها أن نكون شهوداً عليها وعلى الإيمان.

هذه المحنة التي يختبرها يوحنا المعمدان، يمكن أن ندمجها مع القول المكمل للنص ليسوع المسيح الذي يقول: "ولكن الأصغر في ملكوت السماوات هو أعظم منه" (لو28:7)، هذه الآية صعبة، ويا ترى كيف نستطيع أن نتأمل في هذه الآية، وهي ليست بسيطة، هي كلمةٌ ليسوع، وكلُّ كلمةٍ ليسوع لا يجوز أن نتخطاها، لأنه يوجد فيها صعوبة، ولا يجوز أن نترك البحث والمصير والالتصاق بيسوع بسبب صعوبةٍ ما. فنحن أمام المواقف الصعبة يجب ألا نترك يسوع ولا عالم الملكوت، فالصعوبة ليست بابٌ مغلق.

          كما قلنا أن يوحنا كان يعد طريق الرب، بتعبيرٍ مجازي نستطيع القول أنه كان يمشي بمسيرته، ويسوع يسير وراءه ليعلن يوحنا عن يسوع.

          نستطيع القول أنه كان هناك ستارٌ يُفتح لنرى عالم الله، عالم يسوع الذي يدل عليه يوحنا المعمدان. يوحنا كان بيده الستار الذي يفتح به باب الملكوت الذي يُعلن عنه بشخص المسيح، ولكن بالرغم من أنه يدل الآخرين، والآخرون يصلوا لاكتشاف يسوع "هوذا حمل الله، الذي سيأتي بعدي وأنا لا استحق أن أحلّ سير حذائه..." (يو36:1) هي كلماتٌ رهيبةٌ تفوق إدراك الإنسان غير المتأمل، ومن الخطأ أن نقرأ الإنجيل دون تأمل، دون أن نكون أبطال من نقرأ عنهم. فيوحنا بهذا المدلول وصفه يسوع بأنه أعظم مواليد النساء، ولكن يسوع استدرك قوله وقال: "الأصغر في ملكوت السماوات هو أعظم منه" (لو28:7)، لماذا قال ذلك؟ لأن من يقيم في ملكوت السماوات يحيا بالنعمة الكاملة ويرى بالرؤية الواضحة دون أن يأتي أحد ويفتح الستار. إذاً يرى بوضوح أكثر مما يراه يوحنا المعمدان بالرغم من كل هذه العظمة، هذه العظمة تبقى مغلقة إلى أن يصبح الإنسان ابن الملكوت وإلى أن يصل الإنسان إلى أن يتمكن من رؤية الله وجهاً لوجه، أن يرى النور الأبدي الأزلي، هذا هو المجد العظيم الذي ينتظر من كل واحدٍ منا أن يكتشفه ويراه ويشارك فيه.       

          يوحنا بين صحرائه، وبين سجنه، وبين تعاليمه، وبين دوره النبوي، لا زال يفتح ستاره، ولا زال تحت امتحان القلق والخوف، لا زال تحت أخذ القرار الذي هو المصير، أما الذي في ملكوت السماوات فهو من أنهى امتحان المصير، وهو يحيا بالمصير الذي هو في عالم الملكوت. أما يوحنا فهو ما يزال خارج الملكوت.

          ونحن ممكن أن نكون عائشين بهذا القلق، لكن الإنجيل يقول لنا لا تخافوا بل عيشوا البحث والتحدي، وواجهوا الإيمان حتى تأخذوا الموقف الحقيقي الذي هو أجنحتكم لتصيروا أبناء الملكوت الذي به تعاينون الله وجهاً لوجه، وحينئذٍ تصيرون أعظم ممن هو أعظم مواليد النساء، وهنا لا أقصد أن تصيروا أعظم من يوحنا المعمدان لأن يوحنا المعمدان عندما أصبح في الملكوت بعد استشهاده عاد ورأى الله وجهاً لوجه، وحمل صفتين: الأولى أنه أعظم مواليد النساء، والثانية التي أخذها فيما بعد، أنه صار ابن الملكوت، وصار أعظم من نفسه عندما كان على الأرض.      فعندما صار في الملكوت صار هو يحمل الكشف الذي كان ستاراً يُكشف بالتدريج، والآن صار وجهاً لوجه أمام وجه الله فغدا يحمل الوجهين. نحن نسعى من خلال الموقف الذي فيه يوحنا الآن، والذي بسبب هذا الموقف قال يسوع فيه الكلمات الخالدة العظيمة التي لولا محنة يوحنا لم يُعرف. يوحنا بسبب إرساله لتلاميذه صار هناك عثرةٌ عند تلاميذ يسوع فقال لهم هذا الذي أرسل تلاميذه ليسألونني من أنا، هو أعظم مواليد النساء فلا تشكوا به. وهو الذي سيصل إلى المرحلة اللاحقة التي بها سيعاين الله في الملكوت من خلال النعمة الإلهية التي أدخَلَتْه فيما بعد، هذا ما قاله يسوع، وإن بطريقةٍ عكسيةٍ، فباللحظة التي تكلم بها يسوع كان هو دون موقعه في عالم الملكوت.

          بهذه الصورة الموجزة نكون قد تكلمنا عن الشرح التقليدي لإرسال يوحنا لتلاميذه من أجل أن يدلهم على يسوع، وهذا ما يمكن أن يقال للناس البسطاء في الإيمان. أما إذا أردنا أن نناقش أو ندخل في حلقة بحثٍ، فعلينا الانتقال من مرحلة اللبن إلى مرحلة اللحم كما يقول بولس الرسول. لا أن نبقى في مرحلة الابتداء وإن كان الله يقبل الإنسان المبتدئ (البسيط في إيمانه) كما في مثل الوزنات، ولكن عندما يكون هناك تحدي للإنسان لذاته، وهذا أهم مما سأتكلم به مع الآخرين، عليَّ أن أعرف ماذا أتكلم مع ذاتي؟ أين أنا من موقف يوحنا المعمدان؟ أين أنا من الإيمان بشخص يسوع المسيح؟ أين أنا من إيمان ابراهيم الذي شخص يوحنا قريب من شخصه؟ لكن ابراهيم هو صورةٌ تحمل مظهر، بينما صورة يوحنا تحمل باطن. فهو كان يعاني صراع الموت صراع كيف أنه كان ينتهي، فأزمة يوحنا لا تقل صعوبةً عن أزمة ابراهيم، لكن أزمة ابراهيم فيها الشخص الثاني خارجاً عن شخصه، أما هنا فيوحنا هو الأول والثاني.

   ( محاضرة لأسرة العاملين في فرع والدة الإله (الشمالي) – مدارس الأحد الأرثوذكسية - مركز دمشق، في دير القديس جاورجيوس صيدنايا 11- 1- 2009.)