حديث الأسبوع (7 أيار)

                                                                                                                   موضوع للأرشمندريت يوحنا التلي

                                                                                                                  لرعية صحنايا في الكنيسة

                                                                                                                22-4-2016

 

 الله الحاضر في الكتاب المقدس

 

أولاً: مقدمة

          لا يوجد في الكتاب المقدس بحث خاص عن الله. ولا يدعونا الكتاب المقدس إلى التكلّم عن الله، بل أن نصغي إليه وهو يتكلّم، وأن نجيب إليه معترفين بمجده، ومنصرفين إلى خدمته. ولكن لا مانع أن نتكلم عما يقول الله عن نفسه في الكتاب المقدس.

          لقد خاطَبَنا الله في العهد القديم بواسطة أنبيائه، أما في العهد الجديد فقد خاطَبَنا بواسطة ابنه. وكاتب رسالة العبرانيين يقول: "إن الله، في الأزمنة الماضية، كلّم آباءنا بلسان الأنبياء الذين نقلوا إعلانات جزئية بطرق عديدة ومتنوعة. أما الآن، في هذا الزمن الأخير، فقد كلّمنا بالابن، الذي جعله وارثاً لكل شيء، وبه قد خلق الكون كلّه" (عب1:1-2).

          هنالك بدعة غير صحيحة عن الله بأنه حقود في العهد القديم لكنه محب في العهد الجديد. والجواب الصحيح يأتينا من يسوع نفسه حول حقيقة الله لأن: "ما من أحد رأى الله، الابن الوحيد الذي في حضن الآب هو الذي أخبر عنه" (يو18:1). نعم، علينا أن نصل إلى حقيقة سر الله كما هو في العهدين. إن الفقرات الرابعة والخامسة والتاسعة توضح صحة جوابنا عن الله.

 

ثانياً: الله في العهد القديم

          يبتدئ الكتاب المقدس بسفر التكوين الذي يتكوّن مطلعه من وصف الله للخلق بأبدع تعبير وأقصره: "في البدء خلق الله السماواتِ والأرض" (تك1:1). ويوضح سفر أعمال الرسل صورة عن الله الخالق بقوله: "الإله الذي خلق العالم وكل ما فيه، هذا، إذ هو رب السماء والأرض.. إذ هو يعطي الجميع حياة ونفساً، وكل شيء صنع من دمٍ واحد، كل أمّة من الناس، يسكنون على كل وجه الأرض" (أع24:17-26).

          ويعقِّب القديس يوحنا الدمشقي بقولٍ عن الله يقول فيه: (الله الذي هو صالحٌ وأكثر من صالح.. أراد أن تأتي أشياء معينة إلى الوجود.. تشارك في صلاحه، لذلك أتى بكل الأشياء من العدم إلى الوجود وخلقها، سواء المنظورة أو غير المنظورة).

          وأسفار العهد القديم تتحدث عن الله كخالق لنجده دائماً قابعاً ومقيماً في قلب كل خليقته، ويتحرّك داخل كيانها، حينها تنطق الخليقة كلها بعظمة الله، وجمالِه، وبهائِه. بمعنى أن الخليقة كلها تشهد له. فسواء كان النظر إلى الكواكب والمجرّات، أو تعمقنا في أسرار صغائر الكون، في كل هذا يوجد هنا سر ما، يشير إلى ذاك السامي المتعالي الذي لا يُستقصى أثره، ولكنه ترك على خليقته طابَعه وبصماته وسحره.

          الله الخالق الذي نتحدّث عنه بكونه إله الكتاب المقدس هو إله لا علاقة له بآلهة الشرق الأقصى أو بآلهة الفلاسفة أو الآلهة الوثنية. لذلك علينا معرفة قصة الخلق لنصل منها إلى الخالق، وسفر التكوين مرشدنا لهذه الغاية حينئذٍ نتعرّف إلى الله مع السعي لفهمه، فنجد أنفسنا قريبين من طبيعة العلاقة بين الله وخليقته من جهة وبين الله وسائر المخلوقات من جهة ثانية. وفي سفر المكابيين هناك أم تربي أولادها على الإيمان بالله فتقول لولدها: "إني أحثّك يا بني، أن تنظر إلى السماء وإلى الأرض وأن تأخذ بعين الاعتبار كل شيءٍ تراه هناك. وتأكّد أن الله صنعها كلها من العدم، تماماً كما خلق السلالة البشرية" (2مكا28:7).

          كان تركيزنا على البدء الذي الله فيه هو الأول لكونه موجود، ووجوده مفروض كواقع أساسي لا يستدعي أي تفسير. فالله ليس له بداية ولا صيرورة. إلا أنه هو وحده "الأول والآخر" (أش4:41). وإن العالم كلّه من صنعه وخلقه. وبإمكاننا أن نستنتج أسساً هامة:

+ إن الله هو الإله الوحيد الكائن منذ الأزل، الذي لم يأخذ كيانه أي وجوده من أي كائن آخر.

+ إن الله هو الخالق الوحيد للكون كله وللإنسان. وعمل الخلق هو فيض محبته، فالله حاضر مدى الدهر مع الإنسان بصلاحه ومحبته وقدرته.

 

ثالثاً: الله هو (إيل) و(إيلوهيم) و(يهوه)

+ إن عمل الخلق هو عمل حر، لم يكن فيه الله مرغماً ولا مقيداً بأي عامل خارجي. والكون الذي ينتج منه عمله لا يتعلق إلا به.

+ إن عمل الخلق هذا تصفه تقاليد مختلفة من سفر التكوين في عبارات وتصاوير وتشابيه متأثرة بالمحيط الذي نشأت فيه التقاليد، وبالبيئة التي كُتب فيها سفر التكوين، ولا سيّما بالحضارتين البابلية والمصرية. فمثلاً إن آباء الأسباط في الكتاب المقدس يسمّون إلههم (إيل) وينعتونه بصفات متعددة مثل "الإله العليّ" (تك22:14) و"الله القدير" (تك1:17) و"الإله السرمدي" (تك3:21) و"شيّد يعقوب مذبحاً، ودعا المكان «بيت إيل» لأن الله تجلّى له هناك عندما كان هارباً من أمام أخيه" (تك7:35). أما كلمة «إيلوهيم» فهي صيغة جمع، لا جمع التفخيم – فهذا غير معروف في اللغة العبرية – وليس أيضاً أثراً وثنياً، لا يتفق مع العقلية اليهودية، الحساسة جداً في استعمالها لموضوع الله. بل هو جوهر إلهي على شكل قوى متعددة. تلك القوى التي بها نعرف الله منها وليس من جوهره الذي يصعب علينا الوصول إليه.

          إن (إيل وإيلوهيم) لم يُعرف عملياً، بصفته الإله الحقيقي، إلا عندما كشف عن نفسه لشعبه تحت اسم «يهوه». فالله يكشف عن ذاته وعن عمله تحت اسم «يهوه» كمثل ما كشف عن نفسه لنبيّه موسى – كما سنرى لاحقاً -. ويشتمل هذا الاسم على سر ويدل بنفسه على شيء ممتنع المنال: "أنا هو الكائن" (خر14:33). لا يستطيع أحد أن يمتلكه ولا حتى أن يدركه إدراكاً تاماً. ولكنه يحمل أيضاً معنىً إيجابياً، يؤكد على حضور في غاية النشاط والتيقّظ، وعلى قدرة حصينةٍ ومحرِّرة، وعلى وعد غير منكوث «أنا كائن».

 

رابعاً: إعلانات الله عن نفسه

          قام الله بإعلانٍ لاسمه بقوله أنه «إهيه» بمعنى (أنا كائن). وكان الله يفسّره بواسطة التغيرات المختلفة التي يعطيها عن نفسه مثل:

+ "الله حي" (1صموئيل26:17) هو تعبير استحسنه اليهود قديماً، لأنه يحمل شعوراً يملأ قلب الإنسان أمام كائن يتميز حضوره الدائم بنشاط فائق، وتلقائية مباشرة وشاملة: "لا بتعب" (أش28:40) "لا ينام ولا ينعس" (مز4:121) ويعبّر كلامه حين يكشف عن اسمه عن هذه الحياة المتدفقة، وهذا الاهتمام بعمله: "نظرت.. سمعت.. علمت.. نزلت.." (خر7:3-10). ولذا فهذا التعبير «أنا كائن» الذي مهّدت له هذه الأفعال الرائعة، لا يمكنه أن يقل عنها حركة وحيوية.

+ «الله القدوس»: عند رؤيا أشعيا إلى الله نأخذ لمحة عن عظمة الله وقوته، وخاصة لدى الهتاف: "قدوس، قدوس، قدوس الرب القدير. مجده ملء كل الأرض" (أش3:6). وفيها تأكيد على (قداسة الله). لهذا نجده عند عاموس يقول: "أقسم بقداستي" (عا2:4)، وعند هوشع: "إني القدوس" (هو9:11) هي حيوية باطنية مع حماسة تلتهم وتحيي.

          إن إشعاع قداسة الله تقدّس شعبه، ولا يستطيع أحد أن يتخطّاها، لا بل لا يستطيع أحد الاقتراب منها، فالسماء تترنّح، وتسيل الجبال (قض4:5-5) ويرتعب كل ذي جسد حتى الملائكة (أش2:6).

+ "إني إله غيور" (خر5:20). إن غيرة الله المتقدة هي مظهر آخر لحيويته الباطنية. فهي الحميمة التي يبدو بها في كل ما يفعل وفي كل ما يتصل به. لا يقبل أن تتدخّل يد غريبة فتدنّس ما هو عزيز لديه، وما قدّسته وكرّسته عنايته.

          الغيرة الإلهية هي في الوقت نفسه غضب رهيب وحنان سريع التأثر.

+ "لا يكن لك آلهة أخرى تجاهي" (خر3:20) يقول الله في أشعياء: "أنا هو الله، لم يوجد إلهٌ قبلي ولا يكون إله بعدي. أنا هو الرب ولا مخلّص غيري" (أش10:43-11).

+ "أنا الله لا إنسان" (هو9:11) يختلف الله تماماً عن الإنسان، فالله روح والإنسان جسد، واهٍ وقابل للفناء مثل العشب (أش7:40-8). وأن سموّ الله غير قابل للإدراك. فهو "يسكن في الموضع المرتفع المقدس، ويسكن مع المنسحق المتواضع الروح" (أش15:57).

          هو القدير وإله المساكين. يدوّي صوته (في قصف العاصفة) (خر18:19-20) (وفي صوت النسيم) (1مل12:19). إنه غير منظور (وموسى نفسه لم يرَ وجهه) (خر23:33). ولكن لكي يعلن عن نفسه، يلجأ إلى ردود فعل القلب الإنساني، فيستسلم لنا.

          هو «الكلي الآخر» وليس مَن يشابهه (أش25:40) ولكن في كل مكان هو في بيته، وليس هو بالنسبة إلينا غريباً. فهو يعبّر عن انفعالاته وتصرفاته عن طريق حركاتنا العادية جداً: (فهو (يجبل) بيديه الإنسان تراباً من الأرض) (تك7:2) (ويغلق على نوح باب السفينة) (تك16:7) ليتأكّد من سلامة سكانها. له (النشوة الانتصارية لقائد الحرب) (خر3:15) (وعناية الراعي نحو غنمه) (خر15:34)، يحمل العالم في يده ومع ذلك (يُكنُّ لشعبه الصغير عطف الكرّام لكرمه) (أش1:5-7)، (وحنان الأب) (هو1:11)  والأم (أش15:49)، (وشغف المحب) (هو16:2-17).

          وقد تكون هذه التشبيهات ساذجة ولكنها تعبّر دائماً بطريقة عميقة عن سمة أساسية لله الحقيقي: فإذا كان قد خلق الإنسان على صورته فهو قدير أن يكشف عن نفسه بواسطة انفعالات إنسانية. وإذا كان مختلفاً عنا، إذ هو من دون نسب أو زوجة أو جنس، فهو ليس أقل إنسانية منا، بل على العكس، هو يشكّل المثل الأعلى الذي نحلم به للإنسان: "ليس الله إنساناً فيكذب، ولا كبني البشر فيندم" (عو19:23). يتفوّق الله دائماً علينا، ودائماً في الاتجاه الذي يصعب أن نتوقّع مقابلته فيه.

 

خامساً: كشف الله عن نفسه في شخص يسوع

كشف الله عن نفسه بطريقة نهائية وكاملة، في شخص يسوع، وفي منح الله لنا ابنه بالذات، لم يبقَ له شيء يحتفظ به لنفسه، ولن يعود يمكنه إلا العطاء: "ما دام الله معنا فمَن يعود علينا؟ ذاك الذي لم يمسك عنا ابنه بل بذله لأجلنا جميعاً، كيف لا يجود علينا معه بكل شيء أيضاً" (رو31:8-32). إن اليقين الأساسي الذي تحيا به الكنيسة، والاكتشاف الذي ينير العهد الجديد كله، يجعلاننا نرى أن الله، إنما قام، بحياة يسوع وموته وقيامته، بفعله الأسمى، وأن كل إنسان منذ ذاك يستطيع أن يتقرّب إليه.

          هذا الفعل الفريد والنهائي يستطيع أن يأخذ تعابير مختلفة: "يسوع هذا الذي صلبتموه... جعله الله سيداً ومسيحاً.. فإن الوعد لكم ثم لأولادكم وجميع الأباعد" (أع36:2-39). مثل هذه التعبيرات وهي كثيرة تحمل معنى عن "سر الله أعني المسيح" (كولو27:1). يشبهها تعبير يوحنا: "ما من أحد رأى الله، الابن الوحيد الذي في حضن الآب هو الذي أخبر عنه" (يو18:1).

          منذ أول يوم لبدء بشارة الرسل، يقرّ الإيمان المسيحي بأن السموات، التي هي مسكن الله، تفتحت على ابن الإنسان، كقول استفانوس في أعمال الرسل: "إني أرى السماء مفتوحة وابن الإنسان واقفاً عن يمين الله" (أع56:7). فالله حقاً في متناول خبرتنا، وهو يقدّم ذاته لكل مَن يريد أن يقبله في شخص المسيح: "فالحياة الأبدية هي أن يعرفونك، أنت الإله الحق وحدك، ويعرفوا الذي أرسلته يسوع المسيح" (يو33:17). فأمام ظهور يسوع المسيح يكتشف الإنسان المؤمن وجه الله الحقيقي وحضوره الفعّال.

 

 

سادساً: الله محبة

          الله هو السرّ الذي لا نصل إلى إدراكه، إلا بيسوع المسيح عندما نعرف في شخصه محبة الله لنا: "تصدر المحبة من الله. إذن كل مَن يحب يكون مولوداً من الله ويعرف الله. أما مَن لا يحب، فهو لم يتعرّف بالله قط لأن الله محبة. وقد أظهر الله محبته لنا إذ أرسل ابنه الأوحد إلى العالم لكي نحيا به" (1يو7:4-9). ويضيف في مكان آخر: "إن الله محبة. ومَن يثبتْ في المحبة، فإنه يثبت في الله، والله يثبت فيه، وتكون محبة الله قد اكتملَت في داخلنا" (1يو16:4-17).

          إن الله، عندما أسلم «ابنه الحبيب» للموت من أجلنا (مر11:1)، قد أثبت لنا ذلك بقول بولس الرسول: "ولكن الله أثبت لنا محبته، إذ ونحن ما زلنا خاطئين مات المسيح عوضاً عنا" (رو8:5). ومن ثمَّ فإن آية يوحنا الإنجيلي: "لأنه هكذا أحبّ الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد، لكي لا يهلك كل مَن يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبدية. فإن الله لم يُرسل ابنه إلى العالم ليدين العالم، بل ليخلّص العالم به" (يو16:3-17). فمحبة الله للعالم هو العمل السامي للغاية وغير القابل للتراجع، دليل على أن الله يحبنا بنفس الحب الذي يحب به ابنه الوحيد، وبه يمكّننا من أن نحبه بالحب الذي يكنّه له ابنه. ولذلك فهو يهبنا المحبة التي تجمع بين الآب والابن والتي هي روحهم القدوس.

 

سابعاً: الله روح (يو24:4)

          يتحقق اللقاء بين الآب والابن في الروح القدس، لأنه في الروح، يسمع يسوع المسيح الآب يقول له: "وحالما صعد – يسوع عند معموديته – من الماء، رأى السماوات قد انفتحت، والروح القدس هابطاً عليه كأنه حمامة، وإذا صوت من السماء يقول: أنت ابني الحبيب، الذي به سُررت" (مر10:1-11). فالمسيح، ابن الله، هو موضوع سرور أبيه.

          وفي إنجيل لوقا يبادل الابن الآب فرحه، في الروح أيضاً: "في تلك الساعة ابتهج يسوع بالروح وقال: أحمدك أيها الآب رب السماء والأرض، لأنك حجبت هذه الأمور عن الحكماء والفهماء، وكشفتها للأطفال. نعم أيها الآب، لأنه هكذا حَسُنَ في نظرك، كل شيء قد سُلّم إليَّ من قبل أبي، ولا أحد يعرف مَن هو الابن إلا الآب، ولا مَن هو الآب إلا الابن، ومَن أراد الابن أن يعلنه له" (لو21:10-22). هذا يعني أن السيد المسيح يتّحد بالآب بالروح. حُبل بيسوع المسيح من الروح القدس (مت20:1)، واعتمد بالروح القدس (مت16:3)، ومُسح بالروح القدس (لو18:4)، ونال قوّة الروح القدس (مت1:4). عاش يسوع في اتحادٍ مع الروح القدس، معتمداً عليه.

وإذ يكشف يسوع المسيح أن الروح «أقنوم إلهي»، فهو يكشف في الوقت عينه "إن الله روح" (يو24:4). وإذا كان الآب والابن يتحدان في الروح، فهذا يعني أنهما يتحدان ليجدا سعادتهما لا في التمليك المتبادل بل في البذل والعطاء. لأن اتحادهما هو هبة وينبوع هبة. وأن جوهرهما المشترك هو العطاء والوجود في الآخر، وقوة إيجاد الآخر. غير أن قوة الحياة هذه مع قوة المشاركة والحرية، هي الروح.

الله روح: هذا يعني أنه في الوقت نفسه قادر على كل شي ومستعد للعطاء بلا نهاية، وتحرر كامل من كل قيد. فقولنا الله روح، لا يعني فقط أن ذاته الإلهية غير مادية فحسب، بل يعني هذا التحرر الكامل من الحواجز كلها، ومن كل انطواء.. الله روح له صفة الديمومة مع كل لحظة ليشكّل قوة حياة ومشاركة جديدة وكاملة.

 

ثامناً: الطريق النسكي لمعرفة الله

+ الكلام عن الله دون الله تعسُّف ومجازفة ومخاطرة. فالله نصله بواسطة تطبيق عملي حياتي يومي؛ حينها نتعرف إليه وخاصة عن طريق التمرّس بالصلاة والفضائل لاقتناء الروح القدس. الكتاب المقدس غذاء عظيم للنفس. نتناوله كما نتناول القربان في القداس الإلهي لأنه "روح وحياة" (يو63:6). وأوغسطينوس المغبوط قابلَ بين القربان على المائدة والوعظ – أي الكلام عن الله وأعماله ووصاياه – من على المنبر.

          والقديس يوحنا السلمي يذكر في كتابه (السلّم إلى الله): (كمال الطهارة أساس معرفة الله). و(مَن اتّحد بالله يلقّنه الله أسرار أقواله. ودون هذا الاتحاد يعسر الكلام عنه). أما الكتاب المدعو (الرسالة إلى الراعي) فيذكر: (نفس متّحدة مع الله بطهارتها لا تحتاج إلى كلام آخر لكي تتعلّم هذه النفس الطوباوية. تحمل في ذاتها الكلمة الأزلي، الذي هو ملقّنها ودليلها ونورها).

          إذن ليست الأهمية في الكلام عن الله، بل في التواضع ونقاوة القلب في طلبه. وقد قال القديس غريغوريوس اللاهوتي: (التحدث عن الله أمر عظيم، ولكن تنقية القلب من أجله أمر أعظم). أما القديس أفرام السرياني فيقول في إحدى رسائله: (فلنجتهدن أيها الحبيب، في تحقيق حياة روحية بالتعاضدية وبالإيمان حتى نكون كاملين بهما معاً. لأننا سنصبح جديرين بمعرفة الإلهيات، إذا تغلبنا على أهوائنا، وابتعدنا عن الاهتمامات الدنيوية، ونقّينا ذهننا من كل فكرة باطلة).

          ولنا مثل في شخص أيوب الذي حاول عبثاً أن يكتشف أسرار الله بالمناقشة والمنطق وأخيراً اعتلن له الله: "ثم قال الرب لأيوب من العاصفة" (أي1:38) أي أن الله تكلّم مع أيوب من العاصفة التي هي كمثل زوبعة عاتية، على هذه الصورة اعتلن الله لأيوب. حينها أدرك أيوب أن رغبته وشوقه مستحيلان بالاعتماد على قواه الخاصة وحدها، واستولى عليه شعور عميق بالانسحاق، فخاطب الله قائلاً: "لقد سمعت عنك بأذني، لكني الآن أراك بعيني، - الرؤية هنا تمّت بالتواضع ونقاوة القلب وطهارة النفس – فهاأنذا أرفض كل أقوالي وأندم في التراب والرماد" (أي5:42-6).

 

تاسعاً: طريق رؤية موسى لله

          لا يستطيع الإنسان أن يجد الله وحده، فالسبيل لهذا هو أن الله نفسه كشف ذاته لقلب الإنسان. ولنختبر رؤية موسى لله التي تمت عندما "ناداه الرب من الجبل" (خر2:19) أي من جبل الله المقدس في سيناء، وقال له: انزل إلى الشعب وقدِّسهم اليوم وغداً، ودعهم يغسلون ثيابهم، ليكونوا متأهّبين لليوم الثالث، لأنه في اليوم الثالث أنزل أمام جميع الشعب على جبل سيناء" (خر10:19-11). وفي مكان آخر تلقّى موسى أمراً من الله: "اصعد إليَّ أنت وهرون و... وليسجد هؤلاء من بعيد. لا يقترب إليّ أحد سواك.." (خر1:24-2) فامتثل موسى لأمر الرب وصعد إلى الجبل مع الأشخاص الذين حدّدهم الرب. ولكن مرافقي موسى لم يروا الرب في قمة الجبل. ثم أمر الرب موسى: "اصعد إلى قمة الجبل وأقم هناك، لأُعطيك الوصايا والشرائع التي كتبتها على لوحي الحجر لتلقنها لهم" (خر12:24). فأخذ موسى يشوع وصعد إلى جبل الله الذي ظلّلته الغمامة. وحلّ مجد الرب على جبل سيناء، وغطّاه الغمام ستة أيام. وفي اليوم السابع دُعي موسى من وسط الغمام وصعد إلى الجبل. وبقي موسى في الجبل أربعين نهاراً وأربعين ليلة" (خر15:24-18) وكان جبل سيناء كله مغطّى بدخان، لأن الرب نزل عليه في هيئة نار. وتصاعد دخانه كدخان الأتون، واهتزَّ الجبل كله بعنف. (وازداد دويّ البوق أكثر فيما كان موسى يتكلّم والرب يجيبه برعدٍ) (خر18:19-19) ثم نطق الله بجميع هذه الأقوال: ...(الوصايا العشر) (خر20).

          لم يكن موسى قادراً، وهو وسط الغمامة، أن يُميّز أي شي بعيني جسده وبإمكاناته البشرية، ولكن الله كلّمه واعتلن له، وهكذا أدرك موسى أن ظهور مجد الله ليس نتيجة جهد عقلي، بل هو من عمل الله نفسه، وثمرة حضور الروح القدس في قلبه، وأن على الشعب الإسرائيلي أن يتطهّر داخلياً إذا شاء أن يكلّمه الله. فالإعلان الإلهي يتوافق مع الطهارة الداخلية لكل إنسان.

          ونلاحظ كيف أن تدرّج كشوفات رؤية الله تتناسب مع استعدادات الشعب. لقد تقدّم الشعب الكثير العدد والمتردّد في محبته لله وفي طهارة قلبه حتى سفح الجبل فقط، فاستطاع أن يرى مجد الله من بعيد، "كدخان في قمة الجبل" (خر18:19). أما الذين رافقوا موسى وصعدوا معه إلى قمة الجبل فقد "رأوا المكان الذي وقف فيه الله" (خر10:24) "وصعد يشوع إلى مكان أعلى" (خر15:24). وأخيراً: "أمر الرب موسى أن يدخل الغمامة في أعلى مكان من الجبل وأن يبقى هناك أربعين يوماً وأربعين ليلة، حتى يعتلن الله له كلياً" (خر17:24-18)

 

عاشراً: يوحي لنا الكتاب المقدس معرفة الله كسرٍّ

          يقول أفاغريوس البنطي عن الله: (الله لا يمكن إدراكه بالعقل. لو كان إدراكه ممكناً لما كان الله). فما الحل إذن؟ يجيب القديس سمعان اللاهوتي الجديد: (يتكلّم الإنسان مع الله، مثلما يتكلّم صديق مع صديقه، مقترباً في ثقة ليقف أمام وجه الذي يسكن في النور الذي لا يُدنى منه).

          فمَن هو الله إذاً؟ الله كائن آخر ومع ذلك قريبٌ منا. لذلك نجد أن الله يُدرَك أكثر فأكثر على أنه «سر». وإن كان هو «الآخر كلية»، إنه: غير المرئي، وغير الـمُدرَك، والذي يتجاوز الكلمات والفهم كله. من جهة ثانية فإن كون الله قريباً منا، فهو قريب على نحو فريد، مالئ الأشياء كلها، وحاضر في كل مكان من حولنا وفي داخلنا.

          إن الله الذي تفوْقُ معرفته فهمَنا بشكل لا متناهٍ يكشف لنا ذاته كشخص، كعلاقة محبة بيننا وبين الله الفائق السمو. علاقة محبة تشابه في نوعيتها تلك العلاقة التي تقوم بيننا وبين أعز الناس إلينا. إننا نعرف الآخرين من خلال حبنا لهم وحبهم لنا. وبحسب كلمات نيقولا كاباسيلاس، الله ملكنا، هو:

+ أكثر محبة من أي صديق.

+ أكثر عدلاً من أي حاكم.

+ أكثر حنواً من أي أب.

+ أكثر ضرورة لنا من أي قلب.

          ونضيف له من قوله: (الله هو النزل الذي نخلد فيه إلى الراحة أثناء الليل، وأيضاً نهاية المطاف لرحلتنا). ومع ذلك يبقى (اسم الله غير معروف؛ اننا نعجب به) بحسب قول القديس غريغوريوس النيصصي.

          وبالخبرة الحياتية واللاهوتية إنه أيسر على الراغب بمعرفة الله في الدلالة إلى هذا السر العظيم أن نقول (ما ليس الله)، أكثر من القول (مَن هو الله). دون استخدام طريقة النفي أي (الاقتراب التنزيهي) من الله، فإن كلامنا يصبح فصلاً إلى حد خطير. إن ما نثبته من كمالات في الله مهما كان صحيحاً يقصر عن بلوغ الحقيقة الحية.

          لذا نحن بحاجة إلى التوبة بالمعنى الجذري للكلمة، أي أننا بحاجة إلى (تغيير ذهننا) ننسلخ حينها في ذهننا عن كل طرق التفكير التي اعتدنا عليها. نعم، إننا نحتاج لتغيير إرادتنا، ولكن أيضاً إلى تغيير عمل عقلنا. بمعنى أننا نحتاج إلى قلب المفاهيم التي هي منظورنا الذي نعمل بموجبه ليصبح الهرم مثلاً مستقراً على قمته لا على قاعدته.

          فتصبح حينها كلمة (سرّ) عبر هذا المفهوم ليس إخفاء الأمر وإنما إلى كشف نقطة البحث أيضاً. فالسر بهذا المعنى يعني أمراً انكشف لفهمنا غير أننا لا ندركه إدراكاً كاملاً لأنه يؤدي بنا إلى عمق الله أو ظلمته.

          وهكذا، فعندما نتحدّث عن الله كسرّ، فإننا نصل إلى قطبنا الثاني. الله مستتر، لكنه أظهر لنا ذاته كشخص وكمحبة، عن طريق الإيمان به. أن نؤمن بالله يعني أن نضع ثقتنا في الإله الواحد الذي نعرفه ونحبه، وليس الذي نبرهن عليه. فطريقنا للولوج في سر الله يتم عبر الحب الشخصي.

 

حادي عشر: الخاتمة: معرفتنا بالإله الواحد

          بدءاً من تاريخ استعمال اللغة كأداة للتعبير، يُطالعنا العالم القديم بارتباطه في العادات الوثنية. العقل البشري توصّل إلى الاعتقاد بوجود خالق، إنما أظلمته الخطيئة فلم يهتدِ إلى الإله الحقيقي. هدانا الله أولاً في شخص إبراهيم. وهكذا غرس الله غرسة عبادة الإله الواحد غير المادي وغير المنظور. ونمت الغرسة وسط العواصف العاتية. إبراهيم كان صديق الله، خليله.

          وقبل ظهور ربنا يسوع المسيح، كان هناك قوم يؤمنون بإله هو روح لا مادة، وأنه غير منظور، وغير مدرك، وقادر على كل شيء، وأنه واحد، وأنه غير محدود في الزمان والمكان والقدرة: إنهم قوم العهد القديم.

          في كتاب العهد القديم نعلِّم البشر أنّ الله أحدٌ لا شبيه له في المخلوقات. والعهد القديم عدوٌ لدود لتعدد الآلهة وعبادة الأصنام، فقد نزّه مفهوم الله عن كل ما هو مادي ومخلوق ومحدّد.

          هذه الخطوة هي قفزة نوعية في تاريخ العالم؛ تحرّر العقل البشري من مفهوم الإله بالاعتماد على حواسه وفكره الأرضي. لقد حدثت عملية تجريد ذهني تحرّر فيها الفكر من تصوّر «الإله» كما يتصوّر المرء المخلوقات.

          وهكذا فقد وصلنا إلى قفزة نوعية أكمل في تطوّر البشر نحو معرفة أكمل من ذلك، أي معرفتنا بالله بواسطة الله نفسه، بواسطة ربنا يسوع المسيح. فيسوع أتانا باستمرارية لما هو عليه تعليم العهد القديم في القول بوحدة الإله. الله واحدٌ. لا يمكن أن يكون له شريك ينازعه السلطة أو يتقاسمها معه. ولا يمكن أن يكون مخلوقاً، وإلا بطل كونه خالقاً أوحد، لا خالق سواه. فأحاديته نوعية.

          هو فوق مداركنا، ولكن بعقلنا نصل إلى القناعة بأنه موجود وخالق. إن تجاسرت عقولنا على التمادي أكثر من ذلك هوينا وسقطنا فريسة كبريائنا وغطرسة عقولنا. فأقرب طريق إلى الله هو التواضع. آنذاك يشفق على تواضعنا ولهفتنا، فيطلق شعاعاً لطيفاً في عقولنا وقلوبنا لهدايتنا إلى معرفته. وبخصوص التواضع قال مرة الشيطان للقديس مكاريوس المصري: لم تغلبني بالصوم والسهر بل بالتواضع.

          لا يمكن أن نعرف الله من دون الله. هو موضوع المعرفة وهو وسيطها. هو يكشف لنا عن ذاته، ولكن في التواضع، لا في العنجهية والغطرسة والتفلسف وخيلاء العلم. من دون التواضع فلنشطب كل شيء، لأن الكبرياء عدو الإيمان. الفريسي المتكبّر في الإنجيل سقط من رحمة الله مع أنه عالم دين، ولكنه أجوف مراءٍ منافق. أما العشار الخاطئ فامتلأ من رحمة الله لأنه متواضع.

          وما أبعد المتكبرين الفريسيين في كل زمان عن روح الإنجيل.

 

 

 

أرشيف

وعظة الأحد