حديث الأسبوع (6 أيار)

أرشيف

وعظة الأحد

                محاضرة للأرشمندريت يوحنا التلي

                                                                                                                                                             لرعية  صيدنايا في قاعة القديس جاورجيوس

     10 نيسان 2016

 الرجاء والدينونة

أولاً: مقدمة

إنَّ الكلام عن الرجاء يعني الكلام عن المكانة التي ستكون في مستقبل الإنسان المؤمن. كما يعني الرجاء مستقبل سعادة تُعطى فيها فرصة تطال كل البشر. "الله يريد أن يخلص جميع الناس" (1تيم4:2). يأتي الرجاء بسبب كشوفات وعود الله لشعبه بالتدريج، يظهر من خلاله بها، وهذا المستقبل الذي ليس هو من حقيقة هذا العالم بل "وطناً أفضل منه، أعني الوطن السماوي" (عب16:11)، حيث سيكون الإنسان شبيهاً بالله لأننا "نعلم أنه متى أُظهر المسيح، سنكون مثله، لأننا سنراه عندئذٍ كما هو" (1يو2:3) خاصة: "وأن الله نفسه قد وعدنا بالحياة الأبدية" (1يو25:2).

الرجاء مبنيٌ على الثقة بالله وبأمانته والإيمان بوعوده. كل هذا يضمن حقيقة المستقبل. وكاتب رسالة العبرانيين يقول: "فالإيمان ضمان الخيرات التي تُرجى، وبرهان الحقائق التي لا تُرى" (عب1:11). ونحن عندما نتحسس عجائب الله كمؤمنين نستطيع أن نتمنى هذا المستقبل، أي أن نحمل الرجاء لنكون حائزين مستقبلاً وحاصلين على عيشنا لأبديتنا بداخله؛ هذا إذا توفّر لنا مرافقة هذا الرجاء بمحبة صبورة وصادقة نبتعد بوجودها عن الخطأ. هذا يعني تيقّظنا لعدم اعتمادنا على ذاتنا لبلوغ هذا المستقبل، إنما أن نضع ثقتنا بالله الذي نؤمن به، والذي هو وحده يجعلنا - مع تبنينا لحريتنا في هذا الإطار - أهلاً لأن نحب، أي لنحيا هذا الحب. هكذا يتأصل الرجاء بالإيمان والثقة والمحبة ليشكّلوا جميعهم موقفاً روحيّاً له تلك الأوجه، إنما علينا التأكيد أن هذه التعددية تدل بالنهاية على أمر واحد عبّر عنه بولس الرسول بقوله: "متذكّرين أمام إلهنا وأبينا ما لكم من عمل الإيمان واجتهاد المحبة وثبات الرجاء" (1تس3:1). والتي لخّصها في مكان آخر: "أما الآن، فهذه الثلاثة باقية: الإيمان والرجاء والمحبة، لكن أعظمها المحبة" (1كو13:13).

 ثانياً: الرجاء في كتابات يوحنا، خاصة سفر الرؤيا

          إن رجاء يوحنا مبنيّ على أن يكون انتظاراً لعودة الرب فينقل إلينا كلمات المسيح في حديث الوداع: "إني ذاهب لأُعد لكم مقاماً!! وإذا ذهبت وأعددت لكم مقاماً أرجع فآخذكم إليّ لتكونوا أنتم أيضاً حيث أنا أكون" (يو3:14). ويربط يوحنا الرجاء بالقيامة والدينونة، فرجاؤنا مبني على أن يسوع القائم من بين الأموات سيقيمنا نحن أيضاً حسب قوله: "مشيئة الآب هي أن لا أدع أحداً ممن وهبهم لي يهلك، بل أقيمه في اليوم الأخير. نعم، إن مشيئة أبي هي أن كل مَن يرى الابن ويؤمن به تكون له الحياة الأبدية. وسأقيمه أنا في اليوم الأخير" (يو39:6-40).

          رجاؤنا أيضاً يقوم على أن يسوع أعطانا حياة أبدية تبدأ من الآن فيقول: "مَن يأكل جسدي ويشرب دمي، فله حياة أبدية، وأنا أقيمه في اليوم الأخير، لأن جسدي هو الطعام الحقيقي، ودمي هو الشراب الحقيقي. وكلّ مَن يأكل جسدي ويشرب دمي، يثبت فيَّ وأنا فيه" (يو54:6-56). ثم يضيف قوله: "والذي يأكل هذا الخبز يحيا إلى الأبد" (يو58:6). ونكمل مفهوم الرجاء بنيلنا للحياة الأبدية بقول يسوع: "الحق الحق أقول لكم: مَن سمع كلامي وآمن بمَن أرسلني فله الحياة الأبدية، ولا يحاكم في اليوم الأخير بل قد انتقل من الموت إلى الحياة" (يو24:5). إذن رجاؤنا يعطينا الثقة أننا منذ الآن ننال الحياة الأبدية.

          أما أسلوب الرؤيا فمفاهيمه تأتينا بمعلومات لها خصوصية هذا السفر. هنالك في سفر الرؤيا الحَمَل للدلالة به على يسوع وهو قائم من بين الأموات محاطاً بالمسيحيين، وأنه ينتصر في السماء، ومنها تنطلق الكنيسة عروسه. فرجاؤنا قائم على مشاركتنا في حياة الكنيسة التي هي على الأرض وصورتها وتكوينها يتمّان في السماء: "ثم رأيت سماءً جديدة وأرضاً جديدة، لأن السماء الأولى والأرض الأولى قد زالتا، ولم يبقَ للبحر وجود. ورأيت المدينة المقدسة أورشليم نازلة من السماء من عند الله، وقد تزيّنت كما تتزين العروس لعريسها وسمعت صوتاً يهتف من العرش: هوذا بيت الله والناس يسكن معهم ويكونون له شعباً. الله معهم ويكون لهم إلهاً، يكفكف كل دمعة تسيل من عيونهم. لم يبقَ للموت وجود، ولا البكاء ولا للصراخ ولا للألم، لأن العالم القديم قد زال" (رؤ1:21-4).

          هكذا تنطلق الكنيسة عروس المسيح رغم أن هذه العروس أي الكنيسة هي في الوقت نفسه على الأرض. ونحن بقوة الرجاء نقول مع سفر الرؤيا: "يقول الروح والعروس - للمسيح - تعال!! من سمع فليقل: تعال!! ومَن كان عطشاناً فليأتِ، ومَن كانت له الرغبة فليستقِ ماء الحياة مجاناً" (رؤ17:22). وهكذا تدور قصة الرجاء المسيحي متداخلاً مع التاريخ. وفي التاريخ تكاد الانتصارات الظاهرية لعالم الشر الذي هو القوات الشيطانية تدفع الملل إلى داخل الرجاء. إلا أن «الكلمة» الذي لا يُغلب، يحارب وينتصر ويسود بملكه بجوار ذويه أولئك الذين يؤمنون به ويحملون رجاءهم بكامل الثقة. فالنصر الحاسم قريب: "هذا ما كشفه يسوع المسيح بنعمةٍ من الله ليُطلع عباده على ما لا بد من حدوثه وشيكاً.. لأن الساعة قد اقتربت" (رؤ1:1-3). ويضيف لاحقاً: "هذا الكلام صدق وحق. إن الرب الإله الذي يوحي إلى الأنبياء أرسل ملاكه ليُطلع عباده على ما يحدث عاجلاً. هاءنذا آتٍ على عجل، فطوبى للذي يحفظ الأقوال النبوية في هذا الكتاب" (رؤ6:22) ثم يضيف: "هاءنذا آتٍ على عجل، ومعي الجزاء الذي أجزي به كل واحد بعمله" (رؤ12:22).

          فرجاء المسيحيين ينبغي أن ينتصر إلى حين مجيء (العالم الجديد) الذي سيحقق نبوءات العهد القديم تحقيقاً كاملاً ونهائياً. ولمزيد من الاطلاع نجد هذا التحقيق في الإصحاحين الأخيرين 21 و22 من سفر الرؤيا.

          ونجد ذروة أملنا بالرجاء بأجمل تعبير بلسان العريس يسوع القائل: "إن عودتي قريبة... وترد عليه العروس تعال أيها الرب يسوع... ونحن اليوم نقول له: آمين!! تعالَ أيها الرب يسوع" (راجع رؤ22).

          هذه المعاني التي أتى بها سفر الرؤيا هي أفضل ما أتى به الرجاء المسيحي، لأنه أساس لرغبة حارة في محبة أشد ما تكون تلهفاً إلى حضور الرب.

 

ثالثاً: الدينونة

          بانتقالنا لمفهوم الدينونة المرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالرجاء الذي نحمله نتذكّر ما أتى به دستور الإيمان لهذه المعاني الذي يبتدئ بقولنا (أؤمن...) لنصل إلى بيت القصيد وهو: (وسيأتي بمجد عظيم ليدين الأحياء والأموات وأترجى قيامة الموتى والحياة في الدهر الآتي. آمين).

          هذا يعني أن رجاءَنا القائم على انتظار المسيح كديّان للأحياء والأموات هو جزء لا يتجزأ من دستور الإيمان. فكل إنسان سيظهر أمامه، ليقدم حساباً عن أعماله. ولكي نفهم كيفية تصوّر العهد الجديد لهذا القضاء الذي يصدر عن المسيح في اليوم الآخر، علينا أن نفهم دينونة الله بحسب الأنبياء في العهد القديم بكون هذه الدينونة مرتبطة بالإيمان وعلينا فهمها كقضية إيمانية.

          ولنعلم أن الله يسوس العالم، ولا سيما البشر، وكلمته تُبيّن الحق، وتُرسي قواعد العدالة. إنه "يفحص القلوب والكلى" (إرميا20:11) ويعرف على هذا النحو معرفة كاملة الأخيار والأشرار. ويلجأ العباد إليه تلقائياً، باعتباره موجّه العدالة الأعلى ومقوِّم الأخطاء.

          ومن ثمَّ فإن دينونة الله تشكّل تهديداً متواصلاً للبشر، لا في الآخرة، بل في التاريخ، حتى ليستحيل على خاطئ واحد أن يفلت منها.

          ونجد عند الأنبياء بعد سبي بابل نظرة تقوم على (دينونة أخيرة) تشمل خطأة العالم بأسره تكون بمثابة مقدمة ضرورة لنبوات الخلاص. ويضيف سفر دانيال هذه الدينونة بصورة مذهلة تختم الزمن وتفتتح ملكوت ابن البشر الأبدي (دا7). ويذهب تعليم آخر الأزمنة إلى ما وراء الأرض والتاريخ. فالقضاء على هذه الصورة مرتبط بمجيء يوم الرب. وأن لا أحد يستطيع أن ينجو من دينونة الله إلا بفعل من رحمة الله.

 

رابعاً: الدينونة في العهد الجديد

          في مطلع إنجيل متى يشير يوحنا المعمدان إلى الدينونة عندما ينذر سامعيه بالغضب الآتي، ويحثّهم على قبول معموديته علامة للتوبة وأيضاً يسوع في كرازته ثم كرازة رسله نجد ارتباطاً وثيقاً بالدينونة المتوقعة، وأن دينونة الأزمنة الأخيرة هي حاضرة منذ أن ظهر يسوع في العالم، وإن كان ينبغي انتظار عودة المسيح المجيدة.

          هذا وإن كثيراً ما تشير كرازة يسوع إلى دينونة اليوم الأخير. فكل البشر لا بد وأن يؤدّوا الحساب. وأجمل لوحة ليوم الدينونة يقدّمها لنا السيد المسيح في إنجيل متى بما يسمّى إنجيل الدينونة (متى31:25-46) فهي تُظهر الناس ملتئمين في الملكوت، أو مسلّمين للعذاب الأبدي بحسب محبتهم للآخرين أو عدم اكتراثهم لحاله.

          ويصف لنا إنجيل متى مجيئه بصفته ابن الإنسان فيقول: "ومتى جاء ابن الإنسان في مجده وجميع الملائكة القديسين معه، فحينئذ يجلس على كرسي مجده ويجتمع أمامه جميع الشعوب، فيميّز بعضهم من بعض كما يميّز الراعي الجداء عن الخراف" (متى31:25-32) وكان دانيال النبي قد سبق واصفاً هذا المجيء برؤياه قائلاً: "فجلس القديم الأيام، وكان لباسه أبيض كالثلج، وشعر رأسه كالصوف النقي، وعرشه لهيب نار... وتخدمه ألوف ألوف، وتقف بين يديه ربوات ربوات. فجلس أهل القضاء وفُتحت الأسفار. ورأيت في رؤى الليل، فإذا بمثل ابن البشر آتياً على سحاب السماء، فبلغ إلى القديم الأيام وقُرِّب إلى أمامه، وأوتي سلطاناً ومجداً وملكاً، فجميع الشعوب والأمم والألسنة يعبدونه، وسلطانه سلطان أبدي لا يزول، وملكه لا ينقرض" (دا9:7-14).

          ينسجم النصّان الكتابيان دانيال ومتى بعضهما مع بعض لوصف المجيء الثاني للمسيح الذي سيقيم الدينونة عن طريق القضاء. وفي الإنجيل يدعو الرب الأبرار خرافاً لأنهم ودعاء ومطيعون لله وعاملون حسب إرادته، وسلكوا طريق الفضائل التي سلكها الرب نفسه الذي هو أيضاً الحَمَل. ويدعو الخطأة جداء لأنهم وقحون وغير مطيعين. (يقيم الخراف عن يمينه) لأنهم عملوا الصالحات (والجداء عن يساره) لأنهم لم يفعلوا الأعمال الحسنة.

ثم يقول للذين عن يمينه: "تعالوا يا مباركي أبي، رثوا الملكوت الـمُعدَّ لكم منذ تأسيس العالم. لأني جعتُ فأطعمتموني، عطِشت فسقيتموني، كنت غريباً فآويتموني، عرياناً فكسوتموني، مريضاً فزرتموني، محبوساً فأتيتم إليَّ" (متى33:25-35).

          فأعمال الرحمة والمحبة والسخاء بالعطاء في الأيدي الممدودة للخير هو معيار دينونتنا، لذلك نجد أن الملك يكمل كلامه للذين على اليمين ويقول لهم: "الحق أقول لكم، بما أنكم فعلتموه بأحد إخوتي هؤلاء الصغار فبي فعلتم" (متى40:25) في حين أنه يقول للذين على اليسار: "اذهبوا عني يا ملاعين إلى النار الأبدية الـمُعدّة لإبليس وملائكته" (متى41:25). يقول لهم هذا الحكم الرهيب لعدم رؤيتهم إخوتهم موضحاً لهم بقوله: "لأني جعت فلم تطعموني، عطشت فلم تسقوني، كنت غريباً فلم تأووني، مريضاً ومحبوساً فلم تزوروني" (متى42:25-43).

          هذا يعني أن المحبة وأعمالها هي اكتمال الفضائل، كذلك الكراهية المبنية على عدم المشاركة هي اكتمال الخطيئة. فليس هناك شيء يبرهن على كراهية أكثر من تفضيل المال على إخوته من البشر. فالذين لا يرحموا الآخرين ستصيبهم دينونة قاسية لحياتهم. لهذا يقول لهم الملك أعني يسوع المسيح: "الحق أقول لكم: بما أنكم لم تفعلوه بأحد هؤلاء الصغار فبي لم تفعلوه. فيمضي هؤلاء إلى عذاب أبدي، والأبرار إلى حياة أبدية" (متى45:25-46).

 

خامساً: إسقاط واقع الدينونة على حياتنا

          سننطلق من إنجيل الدينونة الذي ذكرناه في القطعة السابقة،ولنتذكّر كيف سيجلس يسوع على العرش "ويجمع إليه كل الأمم فيميز بعضهم عن بعض كما يميز الراعي الخراف عن الجداء" (متى31:25-32). بإمكاننا تمييز بعض النقاط الأساسية منه وهو أن يوم الدينونة واقع حقيقي، والثانية شمولية ذلك اليوم ومسكونيته، والثالثة أن المحبة هي معيار الدينونة، والرابعة مرتبطة بضمير الإنسان يُدخلها الله مع عدالته ومحبته. وأخيراً أن الله سيدين كلاً بحسب أعماله.

          من المفيد القول أن العهد الجديد يهيئ إلى مجيء الرب الثاني، ويضعنا في سهر وانتظار. ويبقى سفر الرؤيا هو الكتاب الأساس الذي يتكلم عما بعد هذه الحياة وعن يوم الدينونة، والغلبة الإلهية الأخيرة ومصير الناس. الدينونة في المفهوم المسيحي ليست عقاباً ينزله الله بمن أساؤوا إليه، بل إنها اللحظة التي يقيم فيها الله العدالة، ويكشف عن الأعمال الحقيقية التي تدين كل إنسان. فيحثنا الكتاب المقدس على السهر الذي يُوقظنا تجنباً من العذاب الذي سيلحق المهملين.

          قد نتساءل: ما المعيار الأساس الذي سيرتكز عليه يسوع يوم الدينونة المنتظر؟ من الواضح بحسب لغة الإنجيل أن المعيار هو «المحبة». خاصة وأن الناس يختلفون في الدين والأعراق والبيئة والظروف والخلفيات الحضارية وغيرها. ليبقى الأمر الوحيد المشترك بين كل الناس هو (محبتهم بعضهم لبعض وصدق تعاملهم). فالدينونة تقوم على فعل الخير المرتبط بالأعمال الحقيقية. إنها المحبة العملية المعاشة، والتي بموجبها يقوم يوم الدين. وفي هذا نتذكّر قولاً ليوحنا الحبيب: "ليس من الله مَن لا يحب أخاه" (1يو10:3). ويضيف القول: "إذا قال أحد، إني أحب الله وهو لا يحب أخاه كان كاذباً، لأن الذي لا يحب أخاه وهو يراه لا يستطيع أن يحب الله وهو لا يراه" (1يو20:4). نعم: "مَن أحب الله أحب أخاه أيضاً" (1يو21:4).

          إن محبتنا العملية للقريب هي التي تبني المحبة مع الله، والعكس صحيح. إن إهمالنا للقريب هو الذي يحدّد دينونتنا. والنقطة الثانية المهمة مع المحبة هي أن الدينونة تقوم على أساس حياة الشركة، وليس حياة الفرد. هناك ضرورة أن نشعر بمسؤولية تجاه بعضنا البعض. إن مسؤوليتنا نحو القريب ليست ذات بعد اجتماعي يقوم على الإحسان فقط، إنما هي من أساس الإيمان. فلنشدّد على أن الإيمان المسيحي هو مسألة شركوية، تغيب الفضيلة بغيابها.

 

سادساً: من مجيء يسوع إلى يوم الدينونة

          سيأتي يسوع في نهاية العالم (ليدين) الأحياء والأموات، سيأتي بمجده، لن يأتي كما جاء أولاً، بتواضع، مجهولاً من قبل الناس. سيأتي جهاراً بمجد، كديّان عادل يجازي كل واحد على حسب أعماله: "فيذهب الذين عملوا الصالحات إلى قيامة الحياة والذين عملوا السيئات إلى قيامة الدينونة"، الصدّيقون الأموات ينهضون من القبر، فتلتصق أجسادهم بأرواحهم، ولكنها تصير أجساداً روحانية مثل جسد يسوع. أما الأشرار فيقومون للظلمة.

          أما الأحياء الباقون على الأرض يوم المجيء، فالصدّيقون الأحياء منهم لا يموتون، إنما يتم اختطافهم إلى السماء. النعمة الإلهية ترفعهم إلى السماء: "على أننا نريد أيها الأخوة، ألا يخفى عليكم أمر الراقدين، حتى لا يُصيبكم الحزن كغيركم من الناس الذين لا رجاء لهم. فما دمنا نؤمن أن يسوع مات ثم قام، فمعه كذلك سيُحضر الله أيضاً الراقدين بيسوع. فهذا نقوله لكم بكلمة من عند الرب: إننا نحن الباقين أحياءً إلى حين عودة الرب، لن نسبق الراقدين. لأن الرب نفسه سينزل من السماء حالما يدوّي أمرٌ بالتجمع، وينادي رئيس ملائكةٍ، ويُبوّق في بوق إلهي، عندئذٍ يقوم الأموات في المسيح أولاً. ثم إننا نحن الباقين أحياء نُختطف جميعاً في السحب للاجتماع بالرب في الهواء. وهكذا نبقى مع الرب على الدوام. لذلك عزّوا بعضُكم بعضاً بهذا الكلام". (1تس13:4-18).

          سينتهي المجيء لتبدأ الدينونة التي بها يدين المسيح الخطأة ويقيم ملكوته الأبدي. وعندها يذهب الأبرار إلى قيامة حياة فيشرق فيهم الروح القدس ببهاء، أما الأشرار فيذهبون إلى قيامة الدينونة والعذاب الأبدي، وأجسادهم تكون غير نورانية وظلمتهم أبدية. في حين أن أجساد الصدّيقين تكون نورانية. إنهم يتلألأون مثل يسوع بالأنوار الإلهية في غبطة أبدية.

سابعاً: أحداث يوم الدينونة

          يشير يوم الدينونة إلى الموت، عندما يصفّي الله حساباته مع جميع الناس، فيه سيقف كل واحد منا بمفرده، ليُعطي حساباً عن كل أعماله. وفي ذلك الوقت لا يقدر الغنى أو الدهاء أن يشتري الصلح مع الله. فلا قيمة إطلاقاً إلا لمحبتنا لله وطاعتنا له.

          في يوم الرب الرهيب هذا سيقهر الرب كل قوى الشر. وهذا هو الرجاء الذي نحمله وهو: في يوم الرب هذا المبني على قاعدة الدينونة سيتّحد جميع المؤمنين بالرب، لأن الأمر المهم في يوم الدينونة، إنما هو علاقتنا بالمسيح، وقبولنا له مخلِّصاً، وطاعتنا له وأن نكون صالحين في نظر الله ومؤمنين بالمسيح. ولما كان يوم الدينونة هو اليوم الأخير الذي سنقف فيه جميعاً أمام الله ليقدّم كل واحد منا حساباً عن حياته، وبحلول الله في داخلنا بالمسيح لا يكون هناك سبب للخوف من هذا اليوم. بل بالعكس قد نتطلّع نحو مجيء الدينونة لأنها بالنسبة لنا تعني نهاية الخطيئة، وبداية العلاقة المباشرة مع الرب يسوع المسيح وجهاً لوجه.

          وأخيراً بنهاية قضاء الله الذي هو يوم الدينونة سيُطرح الموت والهاوية في بحيرة النار التي هي المصير الأخير لكل الأشرار: الشيطان والنبي الكذاب والأرواح الشريرة والموت والهاوية، وكذلك كل مَن لم يُسجِّل اسمه في سفر الحياة بسبب عدم إيمانه بيسوع المسيح. ونجد في سفر الرؤيا نصاً يُنبئ بما قلناه: "وطرح الموت وهاوية الموتى في بحيرة النار، الذي هو الموت الثاني. وكل مَن لم يوجد اسمه مكتوباً في سجل الحياة طُرح في بحيرة النار" (رؤ14:20-15). وما الموت الثاني إلا الانفصال الأبدي والدائم عن الله لأن صاحبه يكون في حالة عذاب أبدي عن الله.

          ومن ناحية أخرى: فعندما يأتي المسيح ثانية سيجتمع كل المؤمنين معاً، الراقدون والأحياء فيكتشفون أن الموت ليس نهاية كل شيء، فيجدّدون معرفتهم السابقة التي وصلتهم وهم أحياء، وكيف أنهم عاشوها على رجاء الحدث الذي يحصل معهم عند الدينونة التي هم فيها، ويُدركون تماماً أنهم لن يذوقوا الموت بعد ذلك. ونحن الأحياء اليوم بمعرفتنا بمسيرة هذه الأحداث نتعزّى ونتشجّع ونشجّع بعضنا بعضاً عند أحداث الموت التي تداهمنا، فننال حينها تعزية كبيرة بدلاً من الحزن المنتظر. فندرك أهمية المحبة التي علينا أن نسعى إليها كمؤمنين ساعين لعيش الصلاح الذي يرضى عنه الله. فنسعى جهدنا أكثر وأكثر لنوطِّد دعائم المحبة بين بعضنا البعض، لتبقى هذه المحبة فينا ليوم الدينونة التي تحصل عند المجيء الثاني للمسيح، والتي فيها يملك المسيح طوال الأبدية.

          وكمؤمنين أن نتذكر أيضاً أن المسيح قد قام حقاً، وهكذا سيقوم جميع المؤمنين الذين رقدوا بالرب مع الأحياء العائشين باسم يسوع المسيح، كلهم سيحيون إلى الأبد. فلا نيأس عندما يموت أحباؤنا أو تقع الحروب والكوارث في العالم، لأن الله سيحوِّل مآسينا إلى انتصارات، وفقرنا إلى غنى، وألمنا إلى مجد، وهزيمتنا إلى نصر. سيقف جميع المؤمنين على مرِّ التاريخ، متّحدين أمام الحضور الإلهي ذاته في أمان وطمأنينة، هكذا علينا أن نُعزّي بعضنا بعضاً ونؤكِّد لبعضنا البعض هذا الرجاء العظيم.

سابعاً: الخاتمة: صورة عن المجيء الثاني

           يسوع بعد أن قام من بين الأموات صعد إلى السماء، ثم يؤكّد المجمع النيقاوي القسطنطيني ويقول: (وأيضاً يأتي بمجد ليدين الأحياء والأموات الذي لا فناء لملكه). بناءً عليه أتى إلينا صوت آبائي يقول: (نحن لا نعترف فقط بمجيء للمسيح واحد بل بمجيء ثانٍ أيضاً. هذا سيكون أعظم مجداً بما لا يُقاس من الأول. في المجيء الأول دلَّ يسوع على طاقته في الألم. أما في الثاني فيحمل ملكوت السماوات... لا يأتي السيد ليحاكم من جديد بل ليحاكم الذين حكموا عليه).

          اليوم الأخير الذي هو يوم الدينونة سوف يكون في آنٍ يوم المجيء الثاني للمسيح. إذ ذاك يتحقق القول العجيب الوارد في سفر الرؤيا انه "لا يكون زمان بعد" (رؤ6:10) يغطس الزمن بطريقة سرية في الأبدية. وبالرغم من أن الكتاب المقدس يعلن لنا عمل يسوع في مجيئه هذا، إلا أن توقيته غير معلومٍ لنا، حيث يقول يسوع: "أما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بهما أحد، ولا ملائكة السماوات إلا أبي وحده" (متى36:24). حتى بولس الرسول المتألّه لا يعرفها لذا يقول: "أما الأزمنة والأوقات فلا حاجة لكم أيها الأخوة أن أكتب إليكم عنها. لأنكم أنتم تعلمون أن يوم الرب كلص في الليل هكذا يجيء" (1تس1:5-2).

          إن جلّ اهتمام يسوع هو تنبيهنا لنبقى بيقظة دائمة، يقول: "اسهروا لأنكم لا تعلمون في أية ساعة يأتي ربكم" (متى42:24) وفي مكان آخر يقول: "اسهروا لأنكم لا تعرفون اليوم ولا الساعة التي يأتي فيها ابن الإنسان" (متى13:25). أيضاً ترك لنا علامات تدل على اقتراب مجيئه هي الكرازة بالإنجيل لكل الشعوب حسب قوله: "ويكرز ببشارة الملكوت هذه في كل المسكونة شهادة لجميع الأمم، ثم يأتي المنتهى" (متى14:24). والعلامة الثانية أن الخطيئة والاثم سيقاوم بهما الذين يريدون تعطيل نجاح الإنجيل فيظهر من خلالهم مسحاء دجالون وأنبياء كثيرين حيث يقول السيد المسيح: "ويقوم أنبياء كذبة كثيرون ويُضلّون كثيرين" (متى11:24). ويوضحها بولس الرسول بقوله: "يقول الروح صريحاً إنه في الأزمنة الأخيرة يرتد قوم عن الإيمان تابعين أرواحاً مضلّة وتعاليم شياطين" (1تيم1:4). أما بطرس الرسول فيوضحها بقوله: "وإذ يفسد ضميرهم بالكذب يحيون وفق رغباتهم مستهزئين من كل ما هو من المسيح" (2بط2:3). ونختم بقول للقديس بولس وكأنه فيه يصف الأزمنة الأخيرة بما يشبه زماننا فيقول: "اعلم أنه في الأزمنة الأخيرة، ستأتي أزمنة صعبة لأن الناس يكونون محبّين لأنفسهم، ومحبين للمال، مستعظمين ومستكبرين ومجدّفين عاقين وناكري الجميل فجّاراً، لا ودّ لهم ولا عهد، مغتابين شرسين أعداء الصلاح، خائنين وقحين، أعمتهم الكبرياء، مؤثرين اللذة على الله، يظهرون التقوى ولكنهم ينكرون قوتها" (2تيم1:3-5).