حديث الأسبوع (29 نيسان)

أرشيف

وعظة الأحد

                                         

موضوع للأرشمندريت يوحنا التلي

لفرقة عائلات القديسين اندرونيكوس واثناسيا

قاعة الصليب 7 نيسان 2017

مشكلة الألم في حياتنا

 أولاً: المقدمة

          أدى الانفصال عن الله إلى معاناة كبيرة ألـمّت بالجنس البشري. كانت الخطيئة هي المنطلق مما سبب هذا الشرخ بين الإنسان والله. بهذا الوضوح تُرى الخطيئة على أنها مرض يتطلب شفاءً. ليست القضية مخالفة أو انتهاك قانون يستوجب عقوبة.        لكن نتجَ عن هذه المعاناة ألمٌ دخل حياة الإنسان من جوانب ثلاثة هي جسدي ونفسي وروحي.

          والكلام عن الألم سهل (وهو يبقى افتراضياً ما لم يكن المتكلّم قد اختبره شخصياً)، ولكن الصعوبة الأكبر تكمن عندما يتّخذ الإنسان نفسه موقفاً معيناً تجاه الألم.

          من الناس مَن يختبر الألم الجسدي كنتيجة للمرض أو المشقة أو الجوع. وغيرهم يختبرون الألم النفسي عندما يتعرّضون للاضطهاد أو الذم، أو مَن هم مكروهون أو مهمَلون من الذين يحبونهم، أو الأشخاص الذين يعانون من رغبات لم تتحقّق، أو مرض أو وفاة أحبائهم، وأمور أخرى غيرها. أما الألم الروحي فيختبره جميع أولئك الذين يحبّون الله والإنسان، ولكنهم يرون أن خطاياهم تُحزن الله، وتُسيء إلى صورة الإله – الإنسان.

          غالباً ما يردّد المتألـّمون السؤال: (لماذا يا رب؟ لماذا؟) ليس عندنا للأسف جواب بشري على هذا السؤال. لكن هناك جواب واحد: الله شاركنا ألمنا في صليب المسيح. نحن نؤمن بإله مصلوب، أي أنه إله ذُلَّ وأُهين وعُذِّب. نحن لا نستحي بالقول بأننا نؤمن بأن الإله الذي صار إنساناً صُلب وقام. نؤمن بهذا الإله لمحبته غير المتناهية، اشترك في مرضنا وألمنا واتّخذ جسدنا المائت المتألّم لكي يجعله غير مائت.

          إن حساسية الله نحو ألم مخلوقاته يشترك بها شعب الله الذين يؤلمهم كل سوء أو ألم قد يلمّ بخلائق الله. وسأقدِّم شهادتين هامتين في هذا المضمار، الأولى لفتاة في السابعة عشرة من عمرها، أي في نهاية المرحلة الثانوية لدراستها تقول: (أنا أحترم سقراط لتقبّله موته باستقالة فلسفية، لكني أُحب المسيح لموته ميتة بشرية). الشهادة الثانية للقديس اسحق السرياني يقول: (القلب الرحوم هو قلب يحترق من أجل الخليقة كلها، البشر والطيور والحيوانات والشياطين، ومن أجل كل ما هو مخلوق. وبتذكّرها أو رؤيتها تذرف عينا الإنسان الرحوم دموعاً غزيرة. إن الرحمة القوية والشديدة ومعها شفقته الكبيرة تُمسكان بقلبه وتذلانه حتى لا يستطيع تحمّل أو رؤية أي جرح، أو الحزن الطفيف في الخليقة. لهذا السبب هو يقدِّم صلاةً دامعةً باستمرار حتى من أجل الحيوانات غير العاقلة، ومن أجل أعداء الحقيقة، وحتى من أجل أولئك الذين يؤذونه، حتى يكونوا محفوظين ومستحقين للرحمة. إن قلبه يكون مملوءاً بالرحمة كتلك التي تملأ قلب الله).

 ثانياً: أنواع الآلام بلسان السيد المسيح

          أفضل ما ينفعنا لمعرفة ماهية الألم هو قدرتنا على فهم سر الحياة، تلك التي يقدّمها لنا الإنجيل بلسان السيد المسيح كمثل قوله: "مَن أراد أن يتبعني فليُنكر نفسه ويحمل صليبه ويتبعني" (متى24:16) فمسيحيتنا تقوم على اتِّباعنا ليسوع المسيح. والمسيح غير موجود إلا بصليبه الذي يريد أن يكون لنا نصيب فيه. والصليب ينتهي بالقيامة وفي هذا فرحنا. نعم ألمنا هو المحقِّق لأفراحنا. أما عندما يقول السيد المسيح: "إنْ لم تقع حبة الحنطة في الأرض وتموت لن تأتي بثمر" (يو24:12). فإذا كان الموت حقيقياً فهو قيامة تنتهي بنا بعيش الحياة الأبدية وإذا كان مجازاً فهو ألمٌ نتحمّله لأنه ينتهي بالنصر والغلبة.

          ثم يأتي يسوع في إنجيل لوقا8:21-19 على ذكر أنواع الآلام فنرى أن عددها تسعة، وكأنها تقابل التطويبات التسع التي هي في مقدمة العظة على الجبل. وهذه الآلام هي:

1- الألم الذي يتأتى عن الانحرافات الدينية والتشويشات الروحية "فإن كثيرين سيأتون باسمي قائلين إني أنا هو والزمان قد اقترب" (لو8:21).

2- الألم المتسبّب عن الحروب والمنازعات "وعندما تسمعون بالحروب والاضطرابات، فلا ترتعبوا، لأن هذه الأمور لا بد من حدوثها" (لو9:21).

3- الآلام المتسببة عن الكوارث الطبيعية "وتكون زلازل شديدة" (لو11:21).

4- آلام متسببة عن الأمراض والأوبئة "وتكون أوبئة" (لو11:21).

5- الألم الناجم عن الضيق الاقتصادي "وتكون مجاعات" (لو11:21).

6- الألم المتسبب عن الشر "يُلقون أيديهم عليكم ويضطهدونكم" (لو12:21).

7- التألم من السلطات الدينية والدنيوية "يُسلّمونكم إلى المجامع والسجون" (لو12:21)

8- التألّم الناتج عن الحياة البيتية "تُسلمون من الوالدين والأخوة والأقارب والأصدقاء" (لو16:21)

9- التألّم الناتج بسبب ارتباطنا بالمسيح "وتكونون مكروهين من أجل اسمي" (لو17:21).

          ثم يختم يسوع هذه القدرات القائمة على تحمّلنا الآلام بالآية التالية: "فباحتمالكم تربحون نفوسكم" (لو19:21).

 ثالثاً: مشكلة الألم

          الصفة الغالبة لتسمية إنسان اليوم هي (الإنسان المتألّم) لكثرة ما يلاقي في مجتمعه من أزمات واضطرابات، فيجعله إنساناً يتذوّق كأس المرّ باستمرار الأحداث العالمية والمصيرية، لا بل والشخصية. أيضاً نضع هذا الإنسان في حالة كرب وبؤس وقهر بكونه رازحاً تحت ثقل الألم الرهيب. الوجه مكتئب والقلب مظلم والكيان مقهور. فهل هنالك من ألم أشدّ من هذا؟

          تأتي الأمراض إلينا من المعالجات الخاطئة لمشاكلنا فتسبب في الجسد أمراضاً وسقماً، وفي النفس معاناة يعقبها قلق وربما انهيار. فما الحلّ إذن؟

          مَن أكثر من المسيح، ومن ثم، الآباء القديسين يعرف بحقيقة أحوالنا؟ ألم يعلن المسيح لتلاميذه مسبقاً بوجود آلام؟ فلقد قال: "في العالم سيكون لكم ضيق" (يو33:16). هذا يعني أن الحياة المسيحية ترتبط بالمعاناة والألم.

          ولنأخذ الصوت الآبائي من القديس ستيثاتوس في قوله: (الحياة الحاضرة مملوءة بالمعاناة والألم بالنسبة للقديسين. إنهم يتألّمون من الآخرين ومن الشياطين). أما القديس اسحق السرياني فيقول: (لأنه من المستحيل عندما نكون عابرين طريق البر ألا نواجه الحزن، وألا يعاني الجسد من المرض والألم، وأن يبقى بغير مساس، لو كنا حقاً نريد أن نعيش الفضيلة).

          بالرغم من أن قديسي الكنيسة يؤكِّدون ويعرفون أن مسيحيتنا مرتبطة بالألم، إلا أن العديد من المعاصرين يظنون خطأ أنه طالما نعيش حياة مسيحية فسنكون فرحين دائماً. نعم، سيكون لدينا فرح وتعزية، ولكن من خلال الصليب: (بالصليب أتى الفرح إلى كل العالم)، بمعنى أن التجارب تأتي أولاً ثم يعقبها الفرح.

          وغالباً ما يداهمنا الألم عندما تكون خبرتنا الروحية ضعيفة، فيؤثِّر الحدث الذي بسببه نتألّم ليمس الحالة الداخلية عندنا، بمعنى أن مثل هؤلاء الذين يتألّمون أكثر من غيرهم تكون أحوالهم النفسية أضعف لأنها غير متمرّسة على الفضائل المساعدة لمواجهة تلك الآلام. وسنأتي على ذكر هذه الفضائل مع مجريات البحث.

 رابعاً: مصدر الألم

          لما كان الألم جزءاً من الشر، فإن الله منذ البدء لم يخلق الشر، وبالتالي لم يخلق الألم. فالألم غريب عن مجريات التدبير الإلهي فيما يتعلق بالخليقة، وبصورة خاصة عند الإنسان.

          كانت الصفة المميزة لكل ما خلقه الله هي الخير دون الشر. وهذا ما جعل الله يؤكّد مع نهاية كل مرحلة من مراحل خلقه بالآية التالية: "ورأى الله أن هذا حسن" (تك4:1) حتى أنه عندما خلق الإنسان يؤكّد من جديد: "ونظر الله إلى كل ما صنعه ورأى بأنه حسن جداً"(تك31:1).

وتبعاً لهذا يتابع الآباء القديسون ذات الموقف، فهم رأوا بالإجماع أن الإنسان في حالته الفردوسية كان يجهل الألم النفسي والمعنوي والجسدي. بل أكثر من هذا عاشوا كل حالات العذوبة والفرح والبهجة والمتعة الروحية الشديدة والغبطة، التي تتمثّل بحياة الإنسان في الفردوس، فعاش آدم ليس فقط بعيداً عن كل ألم، إنما الأهم أنه عاش ملء السعادة.

وتتماشى هذه الحالة جنباً إلى جنب مع حالة الكمال الروحي والنفسي والجسدي، دون أي وجود لحالات الأمراض والآلام. فأحد الآباء يقول: (كان الإنسان يعيش في متع الفردوس، وكانت قدراته كاملة في الحالة الطبيعية التي كان قد خُلق فيها).

إذن، عندما يقول القديس اسحق السرياني: (الله لا يريد الألم للإنسان) فهو يقوله من منطلق قصد الله في خلقه، هو قصد لا مكان للألم فيه. فالمسيح لم يأتِ إلينا ليجعلنا نتألّم، إنما ليحرّرنا من الألم.

ولكن الألم دخل مع الموت إلى العالم، هذا الموت الذي هو أكبر ألم في حياتنا. وقد أراد يسوع تحريرنا من كليهما، فتحقّق ذلك عن طريق القيامة التي حقّقها لنا المسيح عبر آلام الصليب. فصار الألم معبراً ليزول لا ليبقى، بل لتحلّ مكانه الحياة الأبدية.

واليوم بنعمة المسيح نغلب الموت وكل الآلام روحياً لأننا نفهم الألم ونتعايش معه بصورة صحيحة، على الرغم من تعذّر وجود قوّة تقهر الموت وتقصيه حسياً من هذا العالم. ويتمّ ذلك إذا تمكّنا أن نهتف مع بولس الرسول قائلين: "أين شوكتك يا موت؟ أين غلبتك يا جحيم" (1كو55:15) لنؤكّد بقوة إيماننا أن قيامة المسيح تُحقّق لنا أيضاً قيامتنا. فهذا يدعونا إلى عدم الخوف والرعب، والألم الذي كان ينتابنا قبل غلبة المسيح، تلك الغلبة التي سيُحقّقها كل منا في يوم ما. لذلك صار بإمكاننا القول بأن الموت والآلام المرافقة له قد انهزم.

خامساً: الألم عند يسوع، والألم عند البشر

          "من ذلك الوقت ابتدأ يسوع يُظهر لتلاميذه أنه ينبغي أن يذهب إلى أورشليم ويتألّم كثيراً من الشيوخ ورؤساء الكهنة والكتبة، ويُقتل، وفي اليوم الثالث يقوم" (متى21:16)

          ونحن اليوم إذا علمنا بمثل تلك الآلام والشرور بحق شخص ما نعرفه، فسيصيبنا ما أصاب التلاميذ يومذاك. رعبٌ لا يدانيه خوف إلا عند تحقيق هذا الأمر. فنحن اليوم خاصة المتألمين والمعذّبين، كل واحد له أورشليمه الخاص، وعنده جلجلته المكانية، لا بل وأيضاً لكل واحد منّا صليبه.

          تدخل الآلام إلى بيوتنا دون أن تُدعى، والأكثر دون أن تُرى. إنسان اليوم يتألّم ويتعذّب، إنه مصير العائش في زماننا. أذكر مرة أن صديقاً مسيحياً حضر فيلم (آلام المسيح) فتأثّر متألّماً ورفض موقف المسيح الصبور فعبّر بمثل مَن سبقه من التلاميذ، وهو بطرس الذي لم يرضَ سماع الآية السابقة التي ينبئ فيها المسيح عن آلامه، فانتحى بيسوع جانباً، وأخذ يستنكر قائلاً: "حاشا لكَ يا رب أن يحدث لكَ هذا" (متى22:16) فأعظم التجارب تأتي من الذين يحبوننا، ويودون حمايتنا، ويدفعوا عنّا الضيق. إنها بشريّة بطرس، وليست روحانيته هي التي تكلّمت، هي التي جعلت من بطرس ألعوبة بيد الشيطان، وهي التي تسعى معنا أن ينجح الشيطان لإبعاد الله عن الصورة التي هي نحن. فلماذا يا تُرى قلنا أن الشيطان هو المتدّخل بشخص بطرس؟ لأن يسوع التفت لبطرس وقال له حينها: "اغربْ من أمامي يا شيطان! أنت عقبة أمامي، لأنك تفكّر لا بأمور الله، بل بأمور الناس" (متى23:16).

لكن لكل واحد منا دموع يغسل بها ضعفاته التي تأتيه مع صياح الديك. المهم أن نتيقّظ ونسمع صوت الديك عندما يذكِّرنا بأننا في لحظة ضعف سمحنا للشيطان أن يتغلغل إلى داخل نفوسنا. حينها علينا أن نقول لأنفسنا هذا الألم الآتي بعد صياح الديك هو الذي يعيد قبولنا لعمل الله الذي به يتحقّق خلاصنا.

          أعود ثانية إلى ذاك الصديق الذي بانفعال بالغ صحّح للرب كلامه وطلب منه بقوله: كان عليه أن يرحم نفسه، ولا يترك الأحداث تجري كما كانت عليه، كان عليه أن يدافع عن نفسه.

          لنترك بطرس والصديق الفاضل ولنبقَ مع المسيح الذي تابع مسيرته، الذي وصل أخيراً إلى جبل الزيتون، ذلك المفصل بين بشارته وذروة تحقيقها المبتدئة بالآلام، فرأى يسوع بالروح الأمور الآتية، فقال لتلاميذه: "صلّوا لئلا تدخلوا في تجربة" (لو40:22) أما هو: "فابتعد عنهم مسافة تقارب رمية حجر، وركع يصلي قائلاً: يا أبي، إنْ شئت أَبعد عني هذه الكأس، ولكن لتكن لا مشيئتي بل مشيئتك" (لو42:22) فالصلاة قبل كل شيء تبعد عنّا التجارب والآلام، وإنْ بقيتْ فبنعمة الله نتحمّلها. ومع ذلك بإمكاننا أن نعبِّر عن مشاعرنا طالبين ما تبتغيه أنفسنا، مع استمرارية التأكيد بالتزامنا بما يريد الله.

فهل عالمنا اليوم يشبه عالم المسيح الذي اتّخذناه مثالاً في هذه الفقرة؟ فبالرغم من أن التصرف الخارجي تغيّر، "كضرب العصي والرجم والصلب، وشخصيات قاسية اسمها كتبة وفريسيّون وغيرها" (راجع متى26)، إلا أن المجريات تجري على الأساس نفسه لكن بصورة معاصرة. لقد صار الناس اليوم في غاية اللامبالاة بالإيمان، فطريقنا من هذا القبيل أقل وعورة، ولكن من جهة ثانية الكل يتذمر من قساوة هذا العالم وشرّه. فرغبة قلب الإنسان الطبيعية هي أن يعيش بسلام مع الجميع، ويكون لسان حاله: سوف أتسالم مع الكل، لا ينبغي لي أن أُحزِن أحداً. فيصطدم حينها أن هذا مستحيل، لأنه يلتقي باستمرار في طريقه ذئباً متوحشاً تدل نظرته على أنه يخاطب الآخر بقوله: (أنت شوكة في خاصرتي).

هذا التصادم ينبع من الأنانيات التي كثر تعدادها إنْ كان على الصعيد الفردي أو الاجتماعي أو الدولي. فكل العلاقات صارت تثير الخصومة والعداء، وبالتالي الشر والآلام، إنْ إنسان اليوم الذي اغتنت حياته بإيمان قويمٍوفضائل مثلى، ومع ذلك فهو يلقى المعارضة والعداء في كل مكان إنما يتشبه بالمسيحالذي لاقى أكثر شر وأكبر ألم من الذين بذر لهم المحبة بتجمعهم عند الوالي ومناداتهم بصوت واحد: "اصلبه، اصلبه" (لو21:23).

ما هو يا ترى ألمنا بالتشبّه بألم المسيح المصلوب أو بهابيل القتيل على يد أخيه قايين القاتل؟ الآلام واحدة والأزمان متعددة والإنسان هو هو!!

سادساً: الألم السلبي والألم الإيجابي

          العقاب الحقيقي للمؤمن هو (قساوة القلب) التي تمنع كلمة الله عن الوصول، وتجعل التأديب مرفوضاً. بالألم المؤدّب يلتقي المؤمن بسر محبة الله، الذي بصبره وطول أناته ورحمته يعود بالخاطئ إلى التوبة.

          يجعل الألم المؤمن يشعر أن العلاقة مع الله مضطربة، وأن إرادة الله لا تقبل واقعه. قساوة الله في التأديب تكشف للمؤمن قساوة قلبه الذي يرفض الاهتداء وعيش الفضائل المسيحية.

          بفضل التأديب يُتاح للمتأدّب فرصة التحرّر من الهلاك عن طريق المصالحة مع الله بالتوبة، التي يتحول فيها القلب إلى الله. هذا أولاً أما ثانياً فهو إذا لم تتم المصالحة فالتأديب يستمر برفقة ألم لا ثمار منه، ولا تحوّل فيه، لأن الخطيئة لا تستقيم مع القداسة. ويبقى غضب الرب على مَن يحبّه، لا ليفنيه، بل ليصلحه.

          وعندما لا نتأدّب بكلمات الدعوة إلى التوبة، عبر ألم محتمل، فإن الله يزيد شدّة التأديب. فإذا كان أسلوب ما قبل التوبة مصحوباً بكلمات، فإنه بسبب عناد الدخول بالتوبة يتحوّل الأسلوب إلى قساوةٍ تسبب زيادة في الآلام. هذا يعني أن جروح الأسلوب الثاني يحمل ضرورة لمثل هؤلاء. وهذا ينطبق عن الآلام الناتجة عن الحروب والشقاء والأمراض وما شابه. فالسبب واحد، هو عدم توبتنا وعدم استفادتنا لكلمة الله. وهذا الأمر يشدّد عليه كثيراً القديس باسيليوس الكبير.

          مهم جداً أن ننال من الرب التأديب بسبب آلامنا، لأن الألم كتأديب يدفع المؤمن للبحث عن خطيئته، فيلمس المؤمن بواسطة هذا الألم حاجته إلى مصالحة الله. فينكشف له بوضوح أنه حقيقةً هو إنسان خاطئ، وأنه في كثير من الأحيان متمسك بقساوته ضد المحبة التي تساعده على التحوّل من القساوة إلى الوداعة. فيكتشف بأسف شديد أن معطيات قلبه الرقيقة والعذبة مغلقة تجاه الآخرين فيبعد نداء كلمة الله ومفاعيلها، فينال الألم الذي جناه من ذاته لذاته. والآن مع عملية التحوّل يأتيه الألم الإلهي الرقيق ليخرج عنه ألم القساوة العنيد. والتوبة هي المخرج.

          يُيقِّظنا الله فيما يفعله لأجلنا، إنه يهدم الهياكل والأطر الزائفة، التي بكبريائنا وجشعنا نتعامى عن الحقيقة، فنتصوّر حقيقة بديلة نظن فيها أننا نضمن بها رضى الله. ربما هذا ما يصوّره لنا الشيطان بسبب ضعفنا الروحي. ولكن علينا أن نعلم أن لا شيء عند الله يعلو على الحقيقة. فالحقيقة هي المسيح كما يقول هو نفسه: "أنا هو الحق...." (يو6:14) ومن هنا تأتي معرفتنا بالحقيقة الصحيحة، فتقودنا إلى الحب والصلاة والتوبة.

          فأيُّ برّنحمل وأمامنا هذين الوجهين مقابل الحقيقة الإلهية؟ ينادينا الله مع توبيخه لنا لينشلنا من آلامنا، بقوله: "هلم نتحاجج"بمعنى نتناقش (أش18:1). نعم، تعالوا نتحاجج بعدما أن أُهملت الكلمة المرسلة لكم لتنقذكم ومن أجل أن تروا خطاياكم.

يقودنا الحوار مع الله لمعرفة أن خطايانا مهما تعدّدت فجميعها ذات منشأ واحد: إننا لا نحيا بالمحبة، أي محبة الله والقريب. يسوع أوصانا ببذل النفس أما نحن فنحيا لأنفسنا لا لبذلها. والحكم هو الله، وحوارنا مع الله يلخّص لنا الجواب. الآفة الكبرى هي أننا نحيا لأنفسنا، وأحكامنا ليست قائمة على أحكام الإنجيل لأنها تطلب ما لنفسها. في حين بحسب لغة الكتاب يقول: "اطلبوني فتحيوا" (عا4:5).

آلامنا مرتبطة بخطايانا، خطيئتنا هي سيطرة المفهوم الجسداني على حياتنا. معاييرنا هي الأنا أو الناس أو المنطق الحقوقي الذي يضمن راحة أنفسنا وليس بذلها. في حين أن فرحنا يتكوّن ويأتينا من البذل والتضحية. وألمنا ينتفي بوجود فرحنا الذي يرضى بوجوده الله.

عندما لا يكون فكرنا فكر المسيح بحسب وصية بولس الرسول "ليكن لكم فكر المسيح" (1كو16:2) المسيح الذي أحب ذلك الحب، الذي جعله ببذل نفسه من أجل الذين أحبّهم، عندما لا يكون كل هذا، فإننا بسهولة نستسلم لأحكام أهوائنا، حينها نتلفّظ بجملٍ كلها تذمّر كمثل قولنا: (لم أعد أستطيع الاحتمال أكثر من هذا!!)، فنصبح كمن يسلّم ذاته للشيطان. فتكثر عندنا آلامنا النفسية بسبب تذمّرنا، وكلما تراجعنا أكثر عن مبادئنا الكتابية، نحيا كمَن يرفع عن وجههصورة الله التي يحبّها. فيصير مثل هذا الإنسان واضعاً قناع أهوائه بدلاً من كلمة الله المرسلة إلينا لتسكن بدواخلنا وتتشكّل عليها رغباتنا. هذه هي السقطات التي تشكّل أسباب خطايانا. فيتعكّر صفونا وتتفاقم خطايانا. لذا يجب علينا أحياناً أن نحتمل القصاص والتأديب قبل أن نسترد شركتنا مع الله. وبتعبير يتناسب مع موضوعنا، علينا قبول آلام الله الآتية من محبته لنا، لأن "الذي يحبه الرب يؤدّبه" (أم12:3) قبل ما أن نغرق بآلام حزننا التي لا نخرج منها حتى يوم مماتنا، فنُدان ونحن حاملون لآثامنا المقرونة بآلامنا هذه.

نحن بموقفنا الصحيح مع الألم الذي به نحمل "نيراً خفيفاً" (مت30:11) على كاهلنا، يكون الأمر طبيعياً ومقبولاً، لأننا به نعود ونتخلّص من ألمنا، ويحلّ مكانه فرح. ولكن تعبنا الحقيقي وألمنا الكبير هو حملنا نيراً آخر غير نير المخلص، والذي يبدأ كأنه خفيف، لكنه حين يمتطينا يُتعبنا ويؤلمنا ويجعلنا مستعبدين له، فتُداس حريتنا التي لا معنى لها إلا إذا كانت بالمسيح.

يد الألم الآتية من يسوع مؤدِّبة لأنها موقظة لنا ولضعفاتنا، وننقاد بها أخيراً إلى الدينونة. فيد الألم المؤدّب إذن تُعيدنا إلى التوبة، إلى وجه الله، فنشعر بسبب ما نحن عليه بالخزي والعار، فنخجل من أنفسنا، فنخاطب الله شاكرين ومرتلين: (دموعاً أعطني يا الله كما أعطيت التائبين قبلي...).

وكما يقول الآباء: عندما نعرف خطيئتنا نكون قد اكتشفنا دواءنا. ولنعلم أن نزواتنا تسبّب لنا التعب، وهكذا أيضاً هجران الله. ولنا من مَثَل "الابن الضال" (لو1:15-32) العبرة الكافية التي عاشها هذا الشاب كطعم لذيذ في البداية ولكنه مُرّ في النهاية، مما جعله يقول "أقوم وأرجع إلى أبي..." (لو18:15)

كلنا يعلم ما قال هذا الابن لأبيه، ونحن المتألّمين علينا أن نقول شيئاً. فهل سنقول له سنوقف آلامنا عن طريق قبولنا لآلامك، تلك الآلام المغيّرة التي تعود بنا إلى فرح جديد نفرح به فنراك ونحيا بتعاليمك، ونرى اخوتنا ونشعر بهم ونحبهم، إنْ أحبونا أم لا.

 

سابعاً: تدابير روحية تساعدنا عند وجود الآلام

          يتيح لنا الألم أن نستخلص منافع نتلقّاها ليس من الألم ذاته، بل من الضرورات التي تنتج بسبب وجود الألم مثل:

+ التواضع: الذي يحمي المتألّم من الكبرياء الباعث على الألم،خاصة وأننا بفضل التواضع تتنقّى أنفسنا من كل الأهواء. فنحن نتألّم لأننا نفقد التواضع فنقع في حفرة الكبرياء التي ليست فقط تفصلنا عن باقي البشر، إنما تفصلنا عن الله أيضاً. لذلك فإن التواضع أعظم هبة يسعى المرء لنيلها.

          هكذا، يظهر التواضع كتدبير ضروري لمواجهة الألم بالطريقة المناسبة مع أخذ الفائدة منه، خاصة وأن بعض المتألّمين يناشدون بعداوة الابتعاد عن الله، أو التمرّد عليه. وهنا بمعونة النفس المتواضعة والصبورة يحافظ المتألّم على ارتباطه بالله فينال العون الإلهي.

+ الصبر: يقول السيد المسيح: "بصبركم تقتنون أنفسكم" (لو19:21) أي أن المتألّم يخرج من مأزقه بصبره. ومع صراخ الإنسان بسبب ألمه عليه أن يسمع صوت المرنّم يقول له: "بثبات انتظرت صوت الرب فمال إليّ وسمع صراخي" (مز2:40) وبولس الرسول يناشدنا القول: "كونوا صابرين في الضيق والألم" (رو12:12). بناءً على كل ذلك وغيره، يرى القديس يوحنا الذهبي الفم (أن الصبر شرط أساسي، لنستطيع أن نستخلص فائدة روحية من الألم). فالصبر يسمح للإنسان بالبقاء ثابتاً عند تعرّضه لآلام قاسية، وبالتالي فإننا بالصبر نحفظ أنفسنا غير متأثرة، فلا تعود الأزمات تنتصر علينا مسبّبة لنا الآلام.

          المهم ألا نستسلم للإحباط فينتصر الألم علينا مسبّباً لنا إنهاك القوة والحزن والأسى والقسوة، والأخطر من هذا كله فقدان الإيمان والرجاء بالله. ثم إن القديس اسحق السرياني يُدخل ألم الشهداء في سياق هذا الحديث ويقول: (صبر الشهداء هو الذي انتصر على الألم العظيم الذي تحمله أجسادهم). ولكنه يضيف لنا شرطاً أساسياً وهو أن الصابر (يستمد قوّته من محبة المسيح).

+ الرجاء: إنَّ مَن يتألّم عليه أن يستعين بالرجاء لدرجة اليقين أن ألمه ليس فقط سينتهي، وإنما سيكون متبوعاً من الله بفرح وغبطة. فالرجاء يؤكد لنا أن كل محنة نهايتها الفرح، وكل تعب نهايته الراحة. هذا يعني أن كل الآلام المحتملة من أجل الفضيلة هو أن يكون المرء مع الله. وبحسب بولس الرسول: "أن آلامنا في هذه الدنيا لا توازي المجد الذي سيظهر لنا" (رو18:8). فالرجاء بمعونة الله يؤلّف دعامة قوية وسط الألم التي تساعد النفس في تجاوز الصعوبات.

+ الصلاة: هي سلوك أساسي للإنسان المتألّم. فالصلاة تسمح للإنسان بطلب وتلقّي معونة الله من أجل أمور كثيرة ومنها الحصول على ارتياح من آلامه، أو من أجل تحمّلها. وكذلك تسمح له بالحصول على معونة النعمة ليواجه بانتصار التجارب التي يتعرّض لها وهو في حالة الألم.

          إنَّ مَن يصلّي متّجهاً نحو الله بشكل كامل يتجاوز ألمه ويتجنّب سيطرة هذا الأخير عليه، ويبقى حراً من جانبه. تسمح الصلاة أيضاً للإنسان المسيحي الذي يركّز عقله في الله بأن يتجاوز ألمه لدرجة لا يعود يحسّ به.

+ محبة الله: يقول القديس مكسيموس المعترف: (لجميع الآلام خلاص واحد وطريق سريعة للتخلّص منها، وهي المحبة الحقّة والوعي الكامل تجاه الله.. ملقين عنّا لذّة الشهوات والخوف من الألم، فإن هذا الرفض يخلِّصنا من المحبة السيئة للذات، ويرتقي بنا نحو معرفة الخالق). هذا يعني أن المرء من خلال محبة الله يتجاوز الشهوة والألم، ولا يعود يخضع لهما أو يتعلّق بهما، وإنما يغدو حرّاً منهما تماماً، وبالتالي في حالة روحية من عدم التأثّر.

          أمام هذه التدابير الخمسة السالف ذكرها تُمكّن الإنسان إنْ طبّقها بصورة صحيحة، أن يطوّر حبّه لله ويقوّيه. ونقول مع القديس غريغوريوس النزينزي: (ان الألم يمكن أن يصبح فرصة للتطهير، وبالتالي طريقاً للقداسة. إلا أن هذا يفترض العديد من التدابير الروحية المسبقة – أي كالتي ذكرناها – التي تُهيئ طريقة اختباره على أفضل وجه). فإن طبّقنا ما قلناه فإن الألم يعطي الإنسان فرصة التقرّب إلى الله والاتحاد به بشكل وثيق.

          الإنسان إذن من خلال الألم يفقد الشعور بالقوة وبالاكتفاء الذاتي الذي غالباً ما يشعر به وهو في كامل صحته حسب القول المأثور: (يا أرض اشتدي ما حدا أدي). ويفهم على العكس من ذلك وبطريقة دقيقة جداً ضعفه ككائن وهشاشته وعدم استقلاله في هذا العالم. فيعود إلى مثل حالة البدء الذي أدخل به الألم إلى الوجود مع رفيقته حواء: "فانفتحت للحال أعينهما، وأدركا أنهما عريانان، فخاطا لأنفسهما مآزر من أوراق التين" (تك7:3). نعم يعود أيضاً لصحوته معترفاً بأنه من تراب، فيسمع صوت الله له قائلاً: "بعرق جبينك تأكل خبزك حتى تعود إلى الأرض، فمن تراب أُخذت وإلى تراب تعود" (تك19:3).

          في تجربة الألم يهجر الإنسان الكثير من ارتباطاته بهذا العالم، ويتجرّد ويصبح بسيطاً، وينقاد إلى التركيز على ما هو أساسي للتوجّه إلى الله والارتباط به، منتظراً من نعمته كل شيء.

 

 

ثامناً: الخاتمة

          مع روح الانفتاح المدعوين إليها تجاه الآخر ومع روح المحبة لإنسان يحيا بتواضع، علينا أن نتأمّل في موقف كل واحد منا أي الموقف الشخصي من الألم، فنتعلم كيف نتحرّر من الألم وهذا يضعنا وجهاً لوجه مع إعادة تكويننا لشخصنا الجديد بالمواجهة مع شخص المسيح "وإياه مصلوباً" (1كو2:2) بمعنى ألا يكون تحرّر من الألم إلا من خلال تبنّينا له عن طريق إيماننا بالمحرّر الذي هو يسوع فتكون لنا قيامة نحياها بالروح قبل القيامة العامة.

 

          أما ما أريد قوله هو موقفنا أيضاً تجاه الإنسان الآخر الإنسان المتألم. من خلال هذا الموقف تظهر حقيقة مسيحيتنا. فبالرغم من أن الألم سوف يبقى سراً مرتبطاً بحرية الإنسان غير المقيدة، إلا أن معالجة الألم للآخر لدى وقوفنا إلى جانب إخوتنا المتألمين عبر محبة مضحيّة نأخذ فيها دور "السامري الصالح" (لو33:10) بحيث نرى من خلال شخصنا السامري هذا أن كل متألم هو ذاك الإنسان الملقى على الطريق وأنني أنا المسؤول عن بلسمة معالجة ألمه مادياً ومعنوياً. نعم لقد تُرك وأُهمل من كثيرين لأن مسؤوليته تقع على عاتقي دون سواي، أو لمبادرتي أنا بتدبير التعاون مع آخرين يشعرون بهذا الإحساس، فنتعاون بما يسعفنا قلبنا النظيف لتصل هذه النقاوة بخدمة لذاك المتألم.

          فلنسأل الآن ودائماً، وخاصة عندما نتألّم أو نرى غيرنا غارقاً في بحر آلامه، فلنسأل ربّنا المصلوب ليعطينا النعمة والاستنارة والقوة والحب لمواجهة كل أنواع الألم التي يسمح الله أن يجرّبنا من خلالها فنعاني منها في حياتنا الأرضية على طريقنا إلى الملكوت. آمين.