حديث الأسبوع (22 نيسان)

أرشيف

وعظة الأحد

محاضرة للأرشمندريت يوحنا التلي

لفرقة عائلات وأسرة العاملين في صيدنايا

12 نيسان 2018

 النهضة في الكنيسة

أولاً: مقدمة

          الكنيسة، وجودها نهضة بحد ذاته. أما أن تكون معاشة من البشر، فهذا يتطلب ارتباط بالروح القدس، وتكريس يحيي الإنسان بهذه الروح، لتسكنه النعمة ويتيقّظ فيه حضور المسيح بحياة الفرد والجماعة لتحقيق استمرارية مفاعيل الكلمة والقرابين. وأيضاً استعادة عمل الآباء قديماً ليكون الكتاب المقدس وخاصة العهد الجديد هو لغة التجديد المشكّل الإنسان النهضوي في كنيسة يقتاتون منها غذاء الروح مع كل قداس مُقام.

          النهضة فيها التزام وتكريس حياة وهدف. فإذا كان الهدف هو تعميق الإيمان ونيل الخلاص مع الانتماء إلى نيل الملكوت بدءاً من حياتنا على الأرض، وبالتالي ليشمل كل إنسان آخر. هذا هو عنوان النهضة. فالدعوة هنا آتية لجميع أبناء الكنيسة لتشملهم هذه النهضة ليقوم الجميع بعمل مشترك.

          وما ركيزة العمل النهضوي هذا إلا الكنيسة بحياتها الروحية. لأن الشأن الإداري والمادي حري بأن يتحقّق مع إشراقة البنيان الروحي. فجو التكوين الروحي ينبعث منه أُلفة بين الجميع تستقي معينها من المحبة التي أساسها المسيح: "أحبوا بعضكم بعضاً كما أحببتكم" (يو34:13) وبالتالي حياة الشركة التي أنشأت المسيحية بالأساس على صخرة المسيح فبزغت الكنيسة الحقانية الرسولية: "وكان لجمهور الذين آمنوا قلب واحد ونفس واحدة..." (أع32:4). ثم نتابع سفر الأعمال الذي أيضاً يقول: "وكانوا يواظبون على تعليم الرسل والمشاركة وكسر الخبز والصلوات. وكان جميع الذين آمنوا جماعة واحدة، يجعلون كل شيء مشتركاً بينهم" (أع42:2-44).

 

ثانياً: الصفة التي يتحلّى بها إنسان النهضة في الكنيسة

          إنسان النهضة هو إنسان ثوري، ثائر على نفسه العتيقة ومرتبط بنفسه التي تتجدّد يوماً بعد يوم. فهو متحرّك ضمن إطار عضويته الكنسية، تلك العضوية التي تناديه مع كل الجماعة. فهو إنسان شركوي لا يرضى إلا أن يكون عاملاً بنشاط مع الباقين ومتفاعلاً وإياهم بنعمة الروح القدس التي يرفع كل يوم يديه وقلبه وكلمته بقوّتها نحو الإله المتحنّن ويصير على هذه الصورة ملتقياً مع يسوع، وما اللقاء إلا صلاة وحوار وتأمّل يوميّ يستقي مضمونه من الكلمة الإلهية مقرونة بنور يسطع من ذاك الذي قال عن نفسه: "أنا نور العالم" (يو12:8). فهل سيتحقّق لهذا الإنسان النهضوي أن يصل بدرب المسيح ليتّصف بالمقولة التي أرادها يسوع للمؤمنين به عندما قال لهم: "أنتم نور العالم" (متى14:5).

          تقوم النهضة عندما نصبح نحن كمسيحيين حاملين للنور الذي يبدِّد ظلمة حياتنا، يعني ذلك أننا بدون النهضة نحن أبناء الظلام، فابن "الظلام لا يعلم أين يذهب" (يو35:12). أما عندما نحمل نور المسيح فإن نوره يشرق في حياتنا لأنه يقول: "جئت إلى العالم نوراً فمَن آمن بي لا يبقى في الظلام" (يو46:12).

          إنسان النهضة بعدما أن يرى النور الإلهي في شخص المسيح فإنه يسعى ألا يغيب عنه لا المسيح ولا نوره. قد يضيع تائهاً في مواصلة السعي للوصول إليه، ولكن لا، لن نضيع لأنه هو قال لنا: "أنا هو الطريق والحق والحياة" (يو6:14) فالطريق الذي هو المسيح هو ذاته الطريق الذي يقودنا إلى الله. نهضتنا هدفها الوصول إلى الله. وبالتالي البحث الدائم عن يسوع. فبأي طريقة نبحث عنه؟

          هل نبحث عن يسوع عندما نجوع ونعطش طالبين منه أن يستمر في عجائبه ليقدّم لنا المأكول والمشروب، فنأكل الخبز ونشبع وننس يسوع ونهمل قدرته في العجائب؟! في هذه الحالة هل نكون نحن نهضويون؟ وإذا أجابنا يسوع بقوله: "أنتم تطلبونني ليس لأنكم رأيتم آيات، بل لأنكم أكلتم من الخبز فشبعتم" (يو26:6). لكن يسوع يوضح لنا عن شخصه بقول: "أنا هو خبز الحياة... إنْ أكل أحد من هذا الخبز يحيا إلى الأبد. والخبز الذي أعطي هو جسدي الذي أبذله من أجل حياة العالم" (يو48:6-51).

          النهضوي في هذا المجال هو الإنسان الجائع إلى كلمة الحياة وإلى خبز الحياة. كلمة الحياة الإنجيل المقروء في الكنيسة، وخبز الحياة هو الجسد الإلهي المأكول أيضاً في الكنيسة. أما النهضوي فهو الإنسان المغتذي في الكنيسة بهذينالغذائين مع باقي الشعب المؤمن بأن يسوع المعطي ذاته لنا، هو نفسه يعطينا الحياة الأبدية. فإذا آمنّا بهذا العطاء وأخذناه كلنا بشركة من خلاله بعضنا مع بعض نكون بالتالي كلنا نهضويين، ويصير المسيح الواحد ساكن ومقيم داخل الجميع ومحققاً للكل حياة واحدة هي الحياة به أي الحياة بالمسيح.

          أما اللانهضوي فهو الذي قال عنه المسيح: "الحق الحق أقول لكم: إنْ لم تأكلوا جسد ابن الإنسان وتشربوا دمه، فليس لكم حياة فيكم" (يو53:6). بعكس النهضوي الذي آمن أنه "بأكله هذا الخبز فإنه يحيا إلى الأبد" (يو58:6). نعود إلى الإنجيل فنجد أن هناك مَن لم يرضَ ببرنامج يسوع، لأن مثل هؤلاء غير قادرين أن يقبلوا تغيير في حياتهم للتقدم الروحي والحياتي الذي حدّثنا به يسوع لنصير نهضويين، فيتحقّق لنا أن ننال بنهضويتنا تغيير جذري به. تتغير حياتنا برمتها لنكتسب طريقة جديدة لرؤية الله والآخر وأنفسنا. ولنقرأ في بشارة يوحنا رد فعل اللانهضويين بقوله: "فقال كثيرين من تلاميذه إذ سمعوا: إن هذا الكلام صعبٌ! مَن يقدر أن يسمعه؟.. الكلام الذي أكلّمكم به هو روح وحياة... من هذا الوقت رجع كثيرون من تلاميذه إلى الوراء" (يو60:6-66) وهكذا بقي معه فقط النهضويون الذين هم التلاميذ الاثني عشر. آملاً أن نكون نحن أيضاً نهضويون وكامتداد لأولئك الرسل تلاميذ المسيح.

 

 

 

ثالثاً: دعائم النهضة

          ترتكز دعائم النهضة على الجماعة وليس على الفرد، وإنْ كان هناك أفراداً أكثر نشاطاً من غيرهم، إنما هاجسهم يكون الكل وليس الواحد. ولما كان حديثنا عن الكنيسة الأرثوذكسية، فإن الغاية المرجوّة هي أن هؤلاء المسيحيون بحاجة إلى تجدّد. أي أن النهضة يجب أن تبزغ من أواسط صفوفهم، لتتجه نحو الكنيسة الأم، تلك التي انطلقت بواسطة الرسل من أورشليم أعني القدس. من هناك تفجّرت ينابيع الحياة المسيحية المتمحورة حول صخرة الإيمان التي هي يسوع المسيح نفسه في ذات الكنيسة التي هو الرأس فيها.

          بالرغم من أن النهضة تمتُّ بصلة لكافة نواحي الحياة والإدارة والسلطة والمال والقانون والنظام والحياة الروحية، إلا أن نقطة البداية تنطلق من هذه الأخيرة، وبواسطة روح الله الفاعلة في الإنسان يصبح لدينا حقل نهضوي يعالج بصورة صحيحة كافة نواحي حياة الإنسان وأزماته ومشاكله وضعفاته. من هنا درج القول بأن التيار النهضوي في الكنيسة هو الذي يعمل بجدية روحية لإدخال المسيحيين في المسيحية. وصارت مقولة المفكر الروسي نيقولابرديايف: (ما من تجدد في الإنسان وآثاره إلا عن طريق المسيحية) تشمل إمكانيات التجدد للعودة إلى حرية الروح التي هي قوة النهضة في انبعاثها المعاش اليوم.

          تتحدد النهضة بأنها تتصف بكونها مشكِّلة لوجودها عن طريق وعي ديني خلاّق، يعمل خلاله نظام التجدد ببرنامج يوحِّد التيار التجددي بوحدة عمل على الصعيدين الروحي والمادي معاً.

 

رابعاً: النهضة تستدعي العيش الدائم بحضرة الله

          يؤمن إنسان النهضة بأن الله هو الألف والياء في حياتنا. بهذا الإيمان تصير ثقتنا بالله أننا سنتمثل حقاً بشخص المسيح ونعمل للاتحاد به. ومسعانا ينجح عندما نكرّس ذاتنا لله فوق كل اعتبار. فمثلاً النهضوي إنسان لا يبرر ضعف مشاركته في القداس وقلّة مطالعته للكتاب المقدس والكتب الروحية إلى ضيق الوقت، لأنه يعطي الأولوية للحياة الروحية. ركيزته تعتمد على قبولنا كلام الله الذي أعلنه لنا، لا لنقرأه فقط، بل لنعمل فيه أيضاً. فمثلاً عندما يقول: "مَن أحب أباً أو أماً، إخوة أو أخوات، ابناً أو ابنة أكثر مني فلا يستحقني" (متى37:10). هذا يعني أن للهمكان الدور الأول في حياتنا، فكم بالحري عندما نفضّل عليه جلساتنا الاجتماعية وحتى العملية وما شابه من مثل تلك الأمور وتفضيلها عن العيش في حضرته.

          إذن النهضوي هو إنسان ينهض بقوة الروح القدس ويحاسب ذاته بصدق ونقاوة، تجعله يُقرّ بضعفاته وخطاياه، وبالمقابل تحثه على تطبيق قول يسوع لنا: "كونوا كاملين كما أن أباكم القدوس هو كامل" (متى48:5) و"كونوا قديسين كما أن أباكم قدوس هو" (1بط16:1). فإن شعر بأهمية تغيير حياته وتقويتها روحياً يتحوّل إلى إنسان يشعر بأن هناك مسؤولية ملقاة عليه. فينخرط حسب مواهبه بالعمل في الكنيسة والمجتمع، فإن لبّى هذا النداء لا يعود عمله ودوره من باب الواجب بقدر ما هو من باب الشعور والإحساس بالآخر، والأكثر عمقاً يصيّر هذا النهضوي أكثر محبة عما كان عليه. وهنا نتذكّر القول الآبائي الجريء: (أحب وافعل ما تشاء).

          ولما كانت الكنيسة بيت المحبة وبيت الروح، فإن النهضوي يجد ذاته حقيقة في عضوية الكنيسة من خلال مشاركته بصلواتها ومطالعته لكلمات كتابها، الكتاب المقدس. ولكن أيضاً من خلال الحياة الشركوية مع الآخرين فيتعرّف بمعونتها على أنماط عديدة من المظلومين والمحتاجين الذين هم محتاجون مساعدة أمثال هؤلاء النهضويين ليتابعوا لأجلهم الخدمة المطلوبة في البوتقة الاجتماعية.

 

خامساً: أسس العمل النهضوي البنّاء (1)

          بعدما أن تحدّثنا عن النهضة والإنسان النهضوي في الفقرات الأربعة السابقة، ننتقل إلى الواقع العملي الذي يُجسِّد النهضة بعمل مبني على مبادئ يرتبط بها الإنسان النهضوي في حقلين من حقول الكون: الأول الكنيسة والثاني العالم بما فيه الإنسان عسى أن كل البشر يتحوّلون بموجب نهضتهم ليصيروا أعضاء في هذه الكنيسة حسب قول المسيح يوم التقى مع تلاميذه في الجليل بعد القيامة "اذهبوا وتلمذوا كل الأمم وعمّدوهم باسم الآب والابن والروح القدس. وعلّموهم أن يحفظوا جميع ما أوصيتكم به. وها أنا معكم كل الأيام إلى انقضاء الدهر. آمين" (متى19:28-20)

          مع قدوم أربعينات القرن الماضي صار حديث جميع أبناء الكنيسة الأرثوذكسية يدور حول الإصلاح اللازم بسبب الأزمة التي تمر فيها الكنيسة وكثرت حركات الإصلاح وكلها تدور حول الإدارة والمال. واحدة منها لم تهتم بقضايا الحياة الروحية أي دور "المسيح الذي هو معنا إلى انقضاء الدهر" (متى20:28) ولا دور الروح الذي يرافق حياتنا بدءاً من المعمودية، ولا دور الذي خُلقنا على صورته ومثاله. لذا كانت تتساقط فعاليات هذه الحركات كما يتساقط ورق الشجر في الخريف.

          إلى أن أتى عام 1942 الذي في ربيعه تجسّدت حركة طلابية لشبيبة كافة أفرادها دون العشرين من العمر لها بضع سنوات سابقة تجتمع مع شبيبة تابعة لطوائف كاثوليكية، فبحثوا مع مسيرتهم المتغربة عن تاريخ ماضيهم فذُهلوا واكتشفوا قوة كنيستهم وسرها الروحي وكأنها مدفونة تحت التراب، فبدأوا يزيلون الغبار عنها فسطع لهم نورها المشرق، فاجتمعوا في بيروت وفي اللاذقية إلى أن حان الزمان الذي فيه تبلور عملهم النهضوي المرتكز على الكلمة وحياة الروح ومسيرة الرسل والآباء القديسينفانضووا جميعاً حول سر الشكر وتناولوا من الكأس الواحدة وشكّلوا بالتدريج أسس نهضتهم التي تميّزت فيها شركتهم ليعملوا كلهم بتيار واحد مفاده: "مَن له أذن فليسمع ما يقوله الروح للكنائس" (رؤ29:2). وهكذا صار اجتماع في 16 آذار 1942 نهضة اتصفت بأنها فخر النهضة الأرثوذكسية، وهي الوحيدة التي مضى عليها أكثر من 75 عاماً ولا زال ازدهارها في تنامٍ.

 

سادساً: أسس العمل النهضوي البنّاء (2)

          في مطلع عام 1946 اكتملت الصيغة القانونية للنهضة في الكنيسة تحت اسم: (حركة الشبيبة الأرثوذكسية) بشقيها الاثنين. أولاً المبادئ الستة التي تعمل عليها النهضة الحركية وكان مبدؤها الأول ولا زال: (حركة الشبيبة الأرثوذكسية حركة روحية تدعو سائر أبناء الكنيسة الأرثوذكسية إلى نهضة دينية وثقافية وأخلاقية واجتماعية). وتم تقديم هذه المبادئ إلى المجمع الانطاكي المقدس. فأتى الرد بتاريخ 22 كانون الثاني عام 1946 يقول في مطلعه: (...والآن بعد أن طالعنا مواد قانونكم الأساسي، ووقفنا على أهدافكم العامرة بالنية الحسنة والسعي الحميد والثمرة الصالحة، جئنا نتوسّع بمخاطبتكم بما يلي:... تم ذكر سبعة بنود توضح قبولها وقانونيتها وعملها فمثلاً البند السادس يقول: (إن هذا الاعتراف بقانونية الحركة الأرثوذكسية يخولها: أولاً أن تساعد المسؤولين في نشر التعاليم الأرثوذكسية في سائر أنحاء الكرسي الانطاكي ولها أن تعقد لهذا الغرض اجتماعات خاصة وعامة وشعبية، وأن تصدر نشرات منتظمة الصدور وغير منتظمة، وأن تتخذ كل طرق الدعاية الدينية الناجعة لمساعدة المسؤولين في نشر التعاليم الأرثوذكسية...).ولقد سُميَّ هذا الكتاب بـ «الطرس البطريركي» توقيع الكسندروس بطريرك انطاكية وسائر المشرق.

          بناء على هذه الشرعية لهذا العمل النهضوي صارت هذه النهضة مسؤولة عن كل أرثوذكسي، فكافة المؤمنين بإمكانهم العمل في حقلها. لذا على الجميع أن يتضامنوا بعيداً عن كل تفرقة نابذين عنهم كل مصلحة فردية. وعاملين جهدهم لتحقيق رجاء وأمل هو السعي الدائم والمستمر لإدخال أنفسهم كمسيحيين في حقيقة المسيحية، أي في صميم يسوع بالإنجيل والكنيسة. ومن جهة ثانية التقيد بالمبدأ الخامس من مبادئ الحركة: (تستنكر الحركة التعصب الطائفي ولكنها تعتبر التمسك بالمبادئ الأرثوذكسية شرطاً أساسياً لتوطيد الحياة الدينية وإيجاد روابط أخوية مع سائر الكنائس المسيحية).

 

سابعاً: التزام النهضوي الحركي

          تبدأ النهضة فعلياً بالإحساس مع التبني لإعلان يسوع أن الديانة الحق التي هي المسيحية تقوم على محبة لها بُعدين عامودي وأفقي بقوله: "أحبب الرب إلهك من كل قلبك وكل ذهنك وكل قدرتك، وقريبك كنفسك" (لو27:10) بهذين البعدين تقيم رابطة مع الله ومع كل إنسان آخر. وهذه الرابطة تحقّق للإنسان التقيد بالتزام يكرس نفسه لأجله. ومن بين مواضيع الالتزام هذه:

أ. الالتزام في الحياة النهضوية الحركية: فهو يُقبل على هذه الأنشطة بتعدد ألوانها. فيشترك مع الباقين ضمن حدود النظام القائم، ويشعر بمسؤوليته مبتعداً عن كل روح سلبية بحيث أنه لا يعطي أهمية لمركزية الأنا، بل يكون مبدياً لرأيه بالأساليب القانونية. فيخرج منه إبداعات عمل تعود كلها لثنائية مواهبه والتزامه العملي بحس المسؤولية.

ب. أن يلتزم في تفكيره: إن استطاع على المشاركة في عمله على تكوين فكر مسيحي في كل أمور الحياة. وهذا يستدعي منا أن نوقف أوقات طويلة من حياتنا في اكتساب المعرفة والبحث عن الحقائق، وألا نقف مكتوفي الأيادي بوجه التيارات العقائدية المتنوعة التي تجتاح عالمنا وكنيستنا وأخلاقنا. كل هذا يساعدنا لنعرف كيف بإمكاننا أن نأخذ موقفاً واعياً وناضجاً نقوّي به إيماننا ليقوينا هذا الإيمان بمعونة الرب على الظفر.

ج. النهضوي العامل في مجال الحركة يلتزم في أخلاقه: الحركي إنسان يريد أن تكون أخلاقه هي أخلاق المسيح والكنيسة، لذلك نجده يتقيّد ويفرض على نفسه تصرّفاً مسيحياً تقياً. هو إنسان الإنجيل يعيش حسب تعاليمه بصدق تجعله يحيا حياة استقامة ومحبة تجعله يتفهّم الآخرين ويشاركهم، ويكون على استعداد دائم لخدمتهم. ومن جهة ثانية أن يراعي إنسان الحركة والنهضة تصرفاته بحيث لا يكون عثرة للآخرين، فيولّد في قلوبهم خيبة أمل. فإذا كان النهضوي لا أمل منه فكم بالحري اللامبالين؟

د. النهضوي ملتزم في الشهادة المسيحية: يشهد النهضوي الحركي للمسيح بتصرفاته وبكلامه. فمن الناحية الأولى هو إنسان موكول إليه أن يُري الآخرين شخص يسوع الذي يؤمن به لينقله للآخرين صورة حية تؤكّد حقيقة شهادته. والنقطة الأساسية في شهادته هذه هي إعلان حقيقة المسيح القيامية. كان القديس سيرافيم يُحيّي الآخرين بقوله: (يا لفرحي، المسيح قام). أيضاً هو إنسان يتحمّل الضيق والشدة والألم بقوة صليب يسوع المسيح الذي يحمله شهادة قوة ليقهر به ضعفات النفس.

          مثل هذا الإنسان إذا أعلن إيمانه شهادة يُحدث الآخرين بها، فإنما يعلن عن حقيقة معاشة توصله هو وسامعيه لعيش معموديتهم في التلاقي الدائم عند كأس القربان.

هـ. الالتزام النهضوي يشمل كافة نواحي الحياة: كل نجاح مبارك في الحياة، وخاصة الروحية منها يأتي للإنسان المجاهد من نعمة يرسلها لنا الله من علياء سمائه فتجدد الذهن وتنقّي القلب وتعضد الإرادة، يصير الحركي بفضلها ملتزم في كل قضايا حياته بمفاعيل هذه النعمة وخاصة الأسرارية منها أي أنه يصير عضو كنسي بامتياز. يتحوّل ليصير عشير الكلمة والروح، وملتزم بأعمال الرحمة والخدمة. فرغباته تتحوّل لحياة صلاة دائمة مع قراءة الكتب الروحية علاوة على الكتاب المقدس وخاصة الإنجيل. ومن هذا المعين يحدد أعماله وباختصار يمكن القول أنه يستنير لحياة توبة دائمة مقرونة باعتراف دائم أيضاً. ويتابع استرشاده الروحي بكل ما تقدّمه الكنيسة له فيدخل إلى صميمها فتطبع حياته الشخصية بطابعها.

 

ثامناً: الخاتمة: أسس نهضوية عليها أن تبقى محط أنظارنا

          النهضوي والحركيّ هو إنسان يصنع إيمانه بالله أساساً لكل أمور حياته. والإيمان بالله إعلان نردّده كل يوم مع صلاة (أبانا) ليكون: دستور الإيمان وهذه الصلاة التي علّمنا إياها يسوع هما مرتكزنا، على أن يكونا ثابتين فينا بثقة لا تحرّكها أية رياح عاتية، وليس هذا فقط بل أن نمتلك المحبة التي وصلتنا من ذات الله بكونه إله المحبة، وأن تشمل حباً نعكسه لكل خليقة الله، للكون ولكل ما فيه وأخص بالذكر الإنسان، أي الآخر الذي نلقاه في حياتنا.

          إذن نحن نحيا في مسعى مع الله ليكون هو الأول والأخير في حياتنا، وهذا يتحقّق بحياتنا الشركوية التي يكون المسيح فيها هو مثلنا الأعلى أفراداً وجماعات. إن الاتحاد بشخص ابن الله المتجسد هو من الأمور الأولوية التي علينا أن نسعى لتحقيقها لترتقي حياتنا الروحية بتشبهنا بيسوع المسيح، فيساعدنا هذا التأله لنجاح تكريسنا لنصبح مشاركين بالألوهة بمعنى أن تصير الأولوية عند هذا النهضوي لا المال ولا السلطة إنما الاهتمام من خلال مسيحيته بكل ما يهم الله.

          النهضوي إجمالاً هو إنسان متواضع، وليس للكبرياء موضع في حياته، بل هو إنسان يتجنب رؤية الخطيئة في شخص الإنسان الآخر ولكنه مهتم بأن يقر بوجود الخطيئة في شخصه، مع السعي للتحلي بأخلاق المسيح وأيضاً فكر المسيح، وأن يبقى النهضوي متذكراً أن يسوع دعانا لحمل صليبه وحفظ وصاياه. وهكذا يصبح سعينا مستمراً لنيل القداسة الشخصية ومحبة القريب والعمل لأجله.

          ولكي يعيش النهضوي في حضرة الله، يكون ملتزماً بكافة الصلوات ومطالعة الكتاب المقدس والكتب الروحية وخاصة الآبائية مع ملازمة الاجتماعات الأساسية التي تعطي للنفس والعقل نضوجهما الروحي. كل هذا أساسي ولكنه لا يكفي فماذا إذن؟ هنالك مسعى يبتدئ مع حالة من اليقظة والوعي ويستمر دون توقف. إنه حالة التوبة التي بها ليس فقط يتنقّى الإنسان، بل أيضاً إنها الحدث الذي يتم فيه تغيير جذري لهذا التائب. فالنهضوي بعد توبته يصير نهضوياً، لأنه إنسان حارب الأهواء في نفسه وانتصر على الخطيئة التي تداهمه، وصار بالمسيح إنساناً جديداً، حتى الإيمان فإنه بالتوبة يتأصّل فينا ويكتمل.

          كل هذا يستدعي منا ليس فقط محاربة الأهواء إنما السعي لاستبدال الأهواء تلك عن طريق التوبة والاعتراف بأن نستقبل مكانها اكتساب الفضائل، فيحل التواضع مكان الكبرياء والمحبة مكان الكراهية، وقبول الآخر بدلاً من الحقد عليه وهكذا. وفي هذا يقول بطرس الرسول: "اجتهدوا بكل نشاط أن تزيدوا على إيمانكم الفضيلة، وعلى الفضيلة المعرفة، وعلى المعرفة التعفف، وعلى التعفف الصبر، وعلى الصبر التقوى، وعلى التقوى الحب الأخوي، وعلى الحب الأخوي المحبة" (2بط5:1-7).