حديث الأسبوع (8 نيسان)

أرشيف

وعظة الأحد

حديث للأرشمندريت يوحنا التلي

فصح 2012

القيامة: فصح وتألّه

أولاً: مقدمة

قد يقول قائل (إن الله لا يقدر على المستحيل. من الخطأ أن نعتقد بأن الله قادر على أي شيء. فالله لا يستطيع أن يجعل اثنين واثنين يساويان خمسة أو ستة، هذا شيء غير ممكن). صحيح أنه بيننا وبين الله هُوَّة لا تُعبر أبداً. ولكن عند الإنسان دعوة لتجاوز هذه الهوة بالتألّه والصيرورة بأن يكون قدوساً وكاملاً، وسيجد الإنسان عند الله النعمة التي يفيضها علينا عندما يريد، فيوصلنا إلى أن نصل إلى ما لا يمكن الوصول إليه بشرياً.

          فحالة التألّه تستدعي قبولاً من الإنسان ليتحوَّل تحولاً جذرياً. وهذا القبول نجده في عقل الإنسان وضميره وإرادته الحرّة. وأيضاً نجده في مبادرات الإبداع لديه، والتوق إلى المُطلق الذي هو الله. ويجب ألا يغيب دور الوعي الذاتي الشخصي عنده في هذا كله. ويضيف الإنسان لكل تلك المواهب من خلال ما أُعطي ليكون شخصاً. فالشخص فيه هو الذي يميّزه عن باقي الخلائق ويقوده ليحمل صورة الله أي التأليه، من أجل أن يرتقي ليقتني ما دعاه الله إليه، وهو الذي لا يحقِّق من خلاله علاقة خارجية أخلاقية معه فقط، إنما الأهم علاقة اتحاد شخصي مع الخالق. فيصير الإنسان إلهاً بالنعمة.

          وإذا كان التألّه يأخذ معطياته من سر التجسد الإلهي (وهذا خارج موضوعنا اليوم)، فإن التأله يتداخل أيضاً مع الإنسان الذي يحيا على شكل موت وقيامة. موتٍ على المؤمن أن يحياه طوال حياته عن طريق سلسلة من التضحيات لا تقف عند حد. أما عيش القيامة فهو ما يعني الانتقال إلى حياة تختلف كل الاختلاف، فيتبعها قيامة جديدة لإنسان جديد.

          والله يسمح للخليقة الجديدة أن تعمل في الزمن الحاضر وفي هذا الدهر، لتكون شهادة دائمة على موت الرب وقيامته. فالإنسان الجديد مخلوق أساساً للشهادة، والشهادة بالروح هي بحد ذاتها عمل صالح: "مخلوقين لأعمال صالحة" (أف10:2)

فمن جهة أولى يواجه الإنسان نفسه لإصلاح ما قد تلوَّث عنده من نشاط الفكر والإرادة والضمير والجسد. فهذا العمل ذي الفعل القيامي هو إصلاح لإعادة الصورة الإلهية التي أتى المسيح لأجلها، وحقّقها بقيامته المجيدة بعد موته على الصليب، وترك لنا متابعة الدور الحياتي فيها، وحمل الرسالة التي على كل شخص أن ينجزها.

          ومن جهة ثانية تجاه الله، الذي نمجّده بعملنا الصالح الذي يدخل صميمياً في مفهوم الصلاة والخدمة الروحية والتسبيح العلني لتمجيد الله.

          ومن جهة ثالثة تجاه الآخرين؛ فإن العمل الصالح للخليقة الجديدة بفعل القيامة المجيدة هو كرازةٌ بالعهد الجديد /موجّهة للآخرين/ تحمل بشارة القيامة، والعمل لإظهار فعلها المجدد المفرح الذي دخل كيان الطبيعة البشرية، فأعاد خلقها لتصير في عِداد النور الإلهي. أي كمَن يصير من أبناء الدهر الآتي.

          نعود للخليقة الجديدة التي بدايتها الأولى تكمن في المسيح، وهي به قامت وتنتهي إليه: "لقد مُتّم وحياتكم مستترة مع المسيح في الله. ومتى أُظهر المسيح في حياتنا فحينئذ تظهرون أنتم أيضاً معه في المجد" (كو3:3). فالخليقة الجديدة هي الجزء الناطق من الله فينا. فالنعمة تفعل من خلال إيماننا لنستقي من كل شيء عداها. وخاصة من المشيئة الإنسانية فينا التي تُضللنا ببعض نواحيها، لارتباطها الشديد بأمجاد وشهوات الأرض والناس والعالم.

ثانياً: معنى الفصح

          كلمة فصح مشتقة من كلمة عبرية تعني (العبور) أو (الانتقال). ولنا في حياتنا عبوران: الأول هو ولادتنا البشرية التي بواسطتها انتقلنا من العدم إلى الوجود، وهو وجود عاقل وحرّ. وبدون هذا العبور لا يتم العبور الثاني الذي هو انتقال من وجود بشري إلى وجود بشري إلهي. فإذا كان الانتقال الأول الموصل إلى الوجود البشري رهيباً وعجيباً، فإن الانتقال الثاني هو أكثر إعجازاً ورهبة من الأول. فإذا كان العبور الأول يتم بدون موافقتنا كقول الشاعر المتشائم لوقريتيوس: (قُذف من بطن أمّه إلى شواطئ النور... وقد تم كل ذلك من دوني)، فإن العبور الثاني لا يتم من دوننا، وتستمر إرادتنا بقبوله طول الحياة. علماً أن المسافة القائمة في العبور الأول (أي بين العدم والوجود) هي مسافة تقاس بيسر لقِصرها بالنسبة للمسافة الثانية، التي هي مسافة بين الوجود البشري والوجود البشري الإلهي، والتي هي غير قابلة للقياس. وإن أردنا تخيلها بالمكان كانت أبعد من الأرض إلى الشمس.

          فالوجود المسيحي هو أروع ما يمكن أن يكون، لأن به يصير الإنسان منّا إلهاً. ولكن أصعب ما في الأمر، بل أشدّه مأساوية، هو أن لنا خياراً فيه، أن نصير آلهة أو أن نكون هالكين هلاكاً أبدياً. لذا فإن القياس بين الوجهين أعني التألّه والمأساة يتّصفان بأن في أحدهما يكمن المصير المعاش لكل إنسان حسب اختياره، أعني حسب لون حياته.

          علاقتنا بفصح المسيح تكمن في العبور الثاني، الذي يقود إلى التألّه. وله ثلاث متحولات في تاريخ البشرية:

أولاً: فصح العبرانيين وهو يروى لنا في سفر الخروج من مصر العبودية إلى فلسطين الحرية، لأن البشر يحيون فيها أحراراً، وجوهر مثل هذه الحرية هو الازدهار الاقتصادي والاستقلال السياسي. واستغرق اجتياز مسافة الوصول أربعين سنة. وبعض اللاهوتيين يرون بأن هذا الرقم رمزي فهو يعني زمناً طويلاً. فكانوا كلّما تقدّموا في البريّة يحنّون إلى الزمن الذي كانوا فيه عبيداً في مصر، بينما هم الآن في برية ليس فيها يأكلون. وكان موسى يهدئ تمردهم بمعجزة المن والسلوى، ومعجزة خروج الماء من الصخرة.

          يا للعجب كيف أن الشعوب تتشبه بهم في كثير من الأحيان، فقد كانوا شعباً مستعبداً يسير نحو الحرية ويحنّ لزمن الاستعباد. ونجد تشبيهاً لذلك في أعظم ما خطّته البشرية من قصص: (الأخوة كارامازوف) حين يقول في القصة قاضٍ في محكمة التفتيش: (إنْ خُيِّر الشعب بين السعادة والحرية، فقد يختار السعادة، واأسفاه). هي سعادة شعب غير مسؤول عن أي شيء، ولا يشارك في حياة الأمة، ولا يتوجب عليه اتخاذ المسؤوليات، (تلك المسؤوليات التي بدونها لا يكون الإنسان إنساناً أصيلاً)، بل يقنع بحياة وضيعة جداً، ما دام يؤمّن له السكن واللباس والطعام. إذن حالة الضعف تكمن في أن يفضِّل الإنسان السعادة وحدها على السعادة في الحرية.

          في سفر الخروج رضي الشعب أخيراً بأن يتبع موسى، ويصل إلى أرض الميعاد التي تعني وطن الحرية، رغم أنهم كانوا يظنون أنهم إلى الموت ذاهبون، ولم ينتبهوا أنهم إلى الأرض التي توجد فيها الحياة الحقيقية ذاهبون. وكتعليق على فكرة اختيار السعادة التي فضّلوها، يمكن القول أنها سعادة الأنانية وليست السعادة الحقيقية التي هي سعادة الله نفسها، تلك التي دعينا إليها إلى الأبد. لذا فإن صحة الاختيار يقوم على تبنّي الوصول إلى الحرية الإلهية الكبرى، عن طريق التحوّل من الموت إلى الحياة بملء الاختيار.

ثانياً: فصح المسيح: لقد كان الفصح صورة لفصح المسيح الذي يرتكز عليه التاريخ. فالمسيح وهو الإنسان الكامل، عاش مصير الإنسان في كماله، وهو الله نفسه الذي صار إنساناً ومات لكي يقوم من الموت، أي "لينتقل من هذا العالم إلى الآب" (يو1:13). ليست قيامة المسيح عودة الحياة التي كانت حياته قبل موته، بل هي الانتقال إلى حياة الله. أصبح آخر، ولم يعد كما نحن مرتبطون بظروف الزمان والمكان. ولكن قيامة المسيح من جهة ثانية، أبقته إنساناً رغم أنه القائم من الموت. فالمسيح لم يتخلّ عن ناسوته حين قام من الموت، بل /برغم قيامته/ بقي هو الله والإنسان للأبد. وبقي هكذا حياً في قلب الثالوث. هذه هي صورة رجائنا، نحن الذين بعد قيامتنا سنحيا بالمسيح في أبديته.

ثالثاً: فصحنا الذي يحمل في مرّاته المتعددة قراراً جديداً من قراراتنا، تلك التي تكتسب أهميتها لأنها قرارات. فحياة كل واحد منا هي مجموعة قراراته. والمغبوط أوغسطين يقول: (مثلنا مثل الكنّارة، فأهم ما في الكنّارة هو الأوتار. أجل، هناك قاعدة، لكن الأوتار هي التي تهتز. فما يهتز في حياتي وما يكونني هو قراراتي، سواء كانت صغيرة أم كبيرة). وهذه القرارات منها الصغيرة؛ مثل مساعدة الآخر والمريض، والتخلّي في الباص عن مكاني لآخر، وتناول أصغر قطعة لحم لأترك القطعة الكبيرة لغيري. كل هذه الأمور وما شابهها تشكّل تضحيات، وفي التضحية موت. فالإنسان الذي يقوم بذلك يموت عن أنانيته. ولكن من هذه القرارات ما هوكبير أيضاً: مثل الزواج، أو الطريق الإكليريكي، أو الرهباني، والتخلّي عن امرأة تحبها. وللمرأة التخلّي عن رجل تحبه. وفي كل هذه القرارات يكون الموقف هو تضحية لهدف كبير. ومثل هذه القرارات تجعل من صاحبها إنساناً حقاً. وعلى صاحب هذه القرارات أن يكون حقاً هو الإنسان. فقراراتنا هي التي تكوِّننا، فإننا نبني بها حياتنا الأبدية يوماً بيوم، وقرار بعد قرار. وهذا يعود لأن المسيح القائم من الموت هو في قلب القرارات التي نتّخذها.

          ومن جهة ثانية فإن المسيح حاضر في قراراتنا: "إن كان المسيح لم يقم، فإيمانكم باطل" (1كو14:15). والمسيح حاضر فقط لأنه حي. فالقول أنه قام هو ذات القول أنه حي. فهذا الحضور للمسيح بكونه حياً ليس مرتبطاً بأي مكان من كل ما نسميه أمكنة، ولكنه مرتبط فينا كبشر من خلال حريتنا، لأننا بالحرية نكون بشراً في الحقيقة. وعليه فإن المسيح هو قائم بحريتنا أثناء نشاطنا وعملنا، أي حين نتّخذ قرارات.

          هذا الحضور للمسيح في قراراتنا يجعلها تتحول إلى المحبة. فالحب محوّلٌ لصاحبه ولذا فإن الحب مغيِّر. وهكذا يكون مؤلِّهاً أيضاً. فالله الحاضر في حريتنا يؤلِّهنا، فنصبح على ما هو عليه.

          ومن جهة ثالثة فإن المسيح يؤلِّه نشاطنا البشري القائم على التأنيس. لقد جعل الله للإنسان دوراً بعد أن خلقنا. من هنا نحن نؤنسن أنفسنا، أي نصنع الإنسان في أنفسنا. أوجد الله فينا ولنا الصورة، ونحن بنعمته نكمِّل الفعل. إذن مهمتنا البشرية أن نخلق الإنسان، أي أن نعمل ليكون الإنسان. وهذا دورنا الإيماني والتربوي في مساعدة الطفل ليصير إنساناً. والبالغ يحتاج ذات الاهتمام، يأخذه من نفسه أكثر مما يكون من غيره. ويستمر العمل في السعي لجعل علاقاتنا ومؤسساتنا إنسانية حقاً.

          نحن بشر بالصيرورة، وقراراتنا هي التي تسهم في جعلنا بشراً. لهذا يجب أن تكون مؤنَّسة، وإنسانيتنا تمرّ بإنسانية الآخرين، وحريتنا تمر بحرية الآخرين. وهكذا يصبح الإنسان حراً بقدر ما يسعى في عمل دؤوب على تحرير إخوته، بل وأن يسعى لجعل العالم أكثر إنسانية. فالقرارات المؤنّسة بتضحياتها وموت النفس فيها تحقق نجاحها، ويتم ذلك بقدر ما نُميت أنانيتنا. فضرورة انتقالنا إلى الحياة الإلهية هو الذي يكفل النجاح. ولنعلم أن وراء كل موت ولادة جديدة. لذا فإن القرار هو القائم على بنية فصحية، هي بنية موت وقيامة. ولله دور أساسي فيه عن طريق النعمة التي يسكبها علينا، حينها نصبح منذ الآن على ما هو الله عليه؛ أي متألهين. مدركين تماماً أن الله لا يؤلّهنا إلا بقراراتنا المؤنِّسة. ولما كانت الخطيئة هي التخلّي عن التأنيس فإن الله لا يؤلّه الخطاة.

ثالثاً: القيامة حدث تاريخي وإيماني معاً

          نحن نفهم القيامة ببعديها الثنائيين الذي يؤكّدهما بولس الرسول بقوله: "إن كان المسيح لم يقم، فإيماننا باطل" (1كو14:15) فالقيامة إذن هي في آن واحد وبدون انقسام، واقع تاريخي وحدث للإيمان، أو أنها حدث للإيمان ينطوي على واقع تاريخي. الوجه التاريخي هو شهادة الرسل /من حيث هم أُناس/ وقد عاشوا مع يسوع وعدّوه المسيح. وأعلنوا أنهم رأوه حياً بعد موته على الصليب. وبالرغم من أن هذه الشهادة شهادة تاريخية فهي تنطوي على شيء غير تاريخي، وهي لا يمكن أن تكون بهذه الصفة التاريخية، لأن القيامة بكونها انتقالاً من الموت إلى الحياة الأبدية لا تُدرَك إلا بالإيمان. فمن هذا القبيل ليس الرسل شهوداً لهذا الانتقال، فالقيامة التي أنهضت جسد يسوع من الموت صار بها غير منتمٍ إلى عالمنا الطبيعي القائم على المكان والزمان. لذا يستحيل التثبت في الانتقال من الموت إلى الحياة الأبدية. في حين أن قيامة لعازر هي عودة إلى الحياة كما كانت قبل الموت. لقد استعاد لعازر حياته دون ما أن يُعفى من الموت مرة ثانية. فرغم أن قيامته معجزة، إلا أنه لا شيء مشترك بينها وبين قيامة يسوع.

نعود إلى البعد التاريخي لنقول بأن المشاهدة الحسّية للرسل كانت مقتصرة على القبر الفارغ من جهة، وظهور يسوع القائم من الموت من جهة ثانية. وكان الحضور الأول ليسوع هو ما ظنّته مريم المجدلية فيه أنه بستاني. وتلميذي عمواس كان بالنسبة لهما مسافراً على الطريق. ولكن عندما عرفوه كان ذلك بفعل إيمان أنه هو ذات الإنسان هو الذي عاشوا معه مدة ثلاث سنوات، وكانوا له تلاميذ. فلا إثبات تاريخي بالحواس من أن هذا الإنسان الذي بدا لهم هو يسوع الذي عرفوه قبل موته على الصليب، وأنهم آمنوا بعد ذلك بالقائم من الموت. في حين أن لعازر عرفه كل الناس.

رابعاً: دور القبر الفارغ والترائيات في حدث القيامة

          تبيّن أن اكتشاف القبر فارغاً كما رواه الإنجيل لم يكن له دور هام في ولادة إيمان الرسل. فإن القبر الفارغ لا يدل وحده على القيامة، بالرغم من التعبير الإيماني الهام الذي رافق دخول يوحنا إلى القبر الفارغ لأنه "رأى وآمن" (يو8:20). ما عدا هذا الاستثناء فإن تعبير القيامة في أقدم نص معلن يقول: "الله أقام يسوع من بين الأموات" (1تس9:1) دون ذكر للقبر. بمعنى أنه رغم ورود ذكره في الإنجيل فلم يكن جزءاً من رسالة الرسل الأساسية، بعكس الترائيات كما سنرى.

          بالرغم من الأهمية البالغة لوجود القبر الفارغ، إلا أنه حين فُصل أمره عن شهادة الرسل في شأن الترائيات، فإن الإنسان المعاصر لم يعطه أهمية، بل أكثر من ذلك، فقد يكون مصدر شك له فيما إذا اعتبره أمراً قائماً بحد ذاته. من هنا يمكن القول أن القبر الفارغ رغم أهميته البالغة، فإن قيمته تأخذ معناها بشهادة الرسل في أمر الترائيات، وإلا يبقى موضوعه قابلاً للجدل.

          أما الترائيات فتحمل قوة تأكيدية عند الرسل من خلال المقارنة التالية: في حياة يسوع البشارية التي انتهت بالدعوى التي أُقيمت عليه، وعلى الرغم من ملازمة التلاميذ ليسوع فإنهم ضعفوا جداً، ولم يجرؤوا على الاعتراف بأن يسوع كان معلمهم، فتركوه خائفين. فإذا نظرنا في الأمر مليّاً نجد أن ذلك كان أقل صعوبة عليهم من الجرأة على التبشير بعد الترائيات بأن يسوع نفسه قام من الموت. فكانت الصعوبة بعد رحيله أكبر بكثير من الثقة به قبله، لدرجة أنها قادت الرسل للتهليل بقبول استشهادهم.

          من هذا القبيل يكون للترائيات دور إيجابي أكثر أهمية من دور القبر الفارغ. فالترائيات واقعية، بمعنى أن الرسل رأوا القائم من الموت بفضل مبادرة لم تصدر عنهم، بل عنه. بمعنى أن الرسل لم يروا يسوع إلا لأن يسوع عرض نفسه لهم. والذي حصل بعدها هو هام جداً؛ فقد كان هناك تطابق بين الذي يرونه الآن بعد موته، مع الذي عرفوه قبل موته، أي في أوضاع الوجود الطبيعي. إنه هو هو. عرف الرسل يسوع، وعرفوا أنه في الحقيقة ذلك الذي عاشوا معه قبل موته. وأمام هذا الإدراك الفريد يكون اختبار الرسل مميّز بصورة مطلقة عبر العصور التاريخية كافة، لأنهم أدركوا يقيناً أن هناك اتصالاً بين حياة يسوع الزائلة، ووجوده كقائم من الموت.

خامساً: ولادة الإيمان عند الرسل

          هناك ثلاث مراحل في ولادة الإيمان عند الرسل:

أولاً: الرسل التقوا يسوع فتبعوه. وهو بنظرهم كان كإنسان نبي بكونه المسيح المُتنبأ به، هذا كان بادئ ذي بدء لأنه اعتُبر مخلِّص الأمة، وليس بصفته إلهاً. إذ ما من رسول آمن قبل العنصرة بأن يسوع إله، رغم بعض الإعلانات العابرة من بعضهم. لذا تتّسم هذه المرحلة بأنها حياة زائلة، وهم أناس زائلون يعيشون مع إنسان زائل.

ثانياً: هذا الإيمان حقيقي لكنه ضعيف، ولقد عانى من محنة موت يسوع الرهيبة، لأنه كان موتاً شائناً. فكان لهم نهاية حلم جميل وقف بعد مغامرة رائعة. ففقدوا الإيمان بمسيحهم بعد أن حُكم عليه وصُلب، ففقدوا كل رجاء. ففي حديث تلميذي عمواس المهم قولهما: "كنا نرجو أنه هو المزمع...." فانقلب رجاؤهما ليعلن ضمناً باسم كل التلاميذ "لكننا لم نعد نرجو... فتشتتوا). ولكنهم بقوا متعلقين به بعد أن تبعوه ثلاث سنوات. فمن هذا المنطلق سينشأ إيمانهم الفصحي، بتدخل من يسوع القائم من الموت.

ثالثاً: في أخبار الظهورات الأولى لم يستنِر الرسل بل بالعكس اضطربوا. فهم فقدوا الإيمان والرجاء. فالسؤال الضمني الذي كان يراودهم: كيف لهم أن يعرفوا بحواسهم الطبيعية هذا الذي انتقل إلى الحياة الأبدية، أي الحياة الإلهية؟ المهم في الموضوع أن هذا الشخص فَسّرَ لهم الكتب وطبّقها على حياته الماضية وعلى موته خاصة. وعرض عليهم قراءة الكتب المقدسة، لأنها تذهب إلى أبعد مما فهموا حتى تلك الساعة. فَسّرَ لهم ما تنبّأ به الأنبياء في شأن (المسيح) وآلامه وموته. كان نوراً سُلِّطَ على آلام يسوع وموته، التي كانت سبب حيرتهم واضطرابهم، والتي كانت لهم ظلمات غرقَ فيها إيمانهم. وهكذا نجد أن إيمانهم عاد إلى الحياة. وأهم ما فهموه هو أن يسوع /لأنه المسيح/ وجب عليه أن يتألم ويموت حسب ما سبق للأنبياء أن قالوا ذلك. هذا ما قد فهمه الرسل الآن.

          ليس هذا فقط، بل الكتب المقدسة أنبأت أيضاً (برفعه). أما ما يجب القيام به في الوقت الحاضر هو (إنماء الكنيسة). للك بعد أن عرف الرسل أنه المسيح حوّل هو أنظارهم مكلفاً إياهم لبنيان الكنيسة. والتفسير الكتابي يشدّد بقوة على الإيفاد الجديد للرسالة الأساسية: الكنيسة. لأنه حيث تكون كنيسة يكون تمام ظهور يسوع القائم من الموت.

سادساً: قوة القيامة: الحب والخلود

          بدون تداخل عاملي المحبة والخلود على مفهوم القيامة فإنها تبقى ناقصة. فهناك قول متداول يقول: «المحبة أقوى من الموت»، شرط أن تكون أولاً أقوى من الحياة. فعبارة «المحبة أقوى من الحياة» تعني التضحية والموت. أما عبارة «المحبة أقوى من الموت» فتعني القيامة الناتجة عن القيامة التي حصلت بفعل التضحية حتى الموت. فسرّ الفصح نفهمه من خلال (الموت والقيامة معاً) بفضل التحوّل للإنسان البشري ليصير إنساناً روحياً.

          فالاختبار للحب المستنير بالإيمان هو الذي يستحوذ علينا، ليس فقط لفهم هذا التحول، بل لما وراء هذا الحب حيث هناك الدافع الذي هو رغبة قوية في الخلود. فالحب غير السطحي، الحب العميق يوجِد تشديد ضمني فيه على أن المحبوب بفعل الحب (لا يموت)، لأن الحب الصحيح لا يقبل الفساد ولا يفنى. ولكن الحبيب يموت، وهذا الموت يحتاج إلى الأبدية، رغم أنه في الظاهر ينتمي إلى عالم الموت.

          تأتي القيامة وتنتشلنا من هذا المأزق، أعني وجود (الأبدية والموت معاً). إنها مفارقة يوضِّحها لنا سر القيامة الذي هو انتصار المحبة على الموت. ففي هذا السر نفهم وندرك معنى أن (المحبة أقوى من الموت). لأن الموت وحده لا يجعلني خالداً بل يحولني إلى تراب. ولكن إن بقيت في أحد آخر، في أحد لا يزال باقياً حين لا أبقى أنا على قيد الحياة، حينها أبقى به وفيه.

الذي يلغي الحب من حياتنا هو عيش الخطيئة. والكتاب المقدس يربط الخطيئة بالموت ربطاً وثيقاً. فبولس الرسول مثلاً يقول: "إن الموت هو أجرة الخطيئة" (رو23:6)، وهو يعني أن الخطيئة في جوهرها هي عبارة عن الاكتفاء بالنفس. والخاطئ هو الذي يريد أن يكون (كالله)، أي أن يبقى للأبد في نفسه وبنفسه. ولكن الإنسان لا يستطيع البقاء في نفسه وبنفسه. فمَن أراد ذلك أسلم نفسه للموت.

كثيراً ما يسعى الإنسان أن يكون خالداً، وأهم محاولتين سعى إليهما يكمنان في البقاء في أحد آخر مثل بقاء الإنسان في أولاده وأحفاده (أي في نسله). وهذا ما حمل الشعوب القديمة على اعتبار العزوبة والعقم لعنة، لأن الحرمان من الولد هو استحالة البقاء. في حين أن كثرة الأولاد هي فرصة للبقاء، هي بركة. وهناك مثلاً آخر يكمن في السعي للبقاء عن طريق ذاكرة الناس والطموح إلى المجد، كقولنا لدى سماع مقطوعة لبيتهوفن أو مشاهدتنا لوحة لمايكل أنجلو أنهما لا يزالان حيين بيننا. وهذا كثير الانتشار فلا يقل عن المثل الأول أهمية.

هل هذا البقاء في الآخرين يؤدّي إلى الخلود؟ في الحقيقة إن البقاء المطلوب في آخرٍ يحقق للإنسان الخلود. هو إذا كان هذا الآخر أبدي وخالد فقط، إضافة إلى ضرورة توفّر الحب عنده ليقبل المرتبط به ارتباطاً سليماً. فالجواب والحالة هذه أن الإنسان لا يستطيع أن يكون خالداً إلا في الله، حيث هنالك الحب والسرمدية، وهذا ما نفهمه من أن (الله محبة). فالإله الذي يحبني يقدر وحده، لا على الحيلولة دون موتي، بل على إقامتي من الموت. فالمحبة وحدها هي أقوى من الموت حقاً.

أمام هذه الرغبة التي يتمنى الإنسان تحقيقها، يقع على عاتقه أن تكون المحبة فيه أقوى من الحياة، التي هي حياة التضحيات حتى الموت لو اقتضى الأمر حسب ما يصفها يسوع بقوله: "ليس لأحد حب أعظم من أن يبذل نفسه في سبيل أحبائه" (يو13:15). على هذه الصورة تتشكّل حريتنا، فالإنسان الحر هو الإنسان غير المستعبد. فالحياة علمتنا بأن الإنسان الجبان أو إنسان المصالح بصورة أنانية. هو الذي يكون اهتمامه السائد في شتى ظروف حياته أن يصون راحته وثروته وامتيازاته وصحته وكرامته في هذا العالم، وهو المسمّى بإنسان الحياة للأسف. أي عندما يتمسك بما هو وبما له.

القيامة بمفاعيلها تذكرنا بأن الإنسان هو الذي يقتدي بذاك الإنسان الذي وحده كان حراً، ووحده كان محبّاً بمحبّة تامة، فصار وحده إنساناً على وجه كامل. هي دعوة لنرغب في الاقتداء به عن طريق تحررنا من عبوديتنا التي نحياها، مستعبدين لأشياء كثيرة وبطرق كثيرة. وإذا ما حاولنا التسامي بها فبصورة أيضاً أنانية، نسعى فيها لنكون محبوبين، في حين أن دعوتنا أن نكون محبين. أن نكون محبوبين هو امتياز نحصل عليه بقدر نكراننا لذاتنا ومحبتنا للآخر، ودون ذلك فلا قيمة لتلك المحبة، لأنها بغير ذلك يكون أي نوع من الحياة البيولوجية الزائلة هي أقوى من المحبة المدعوون كي نعيشها، بسبب خلوّها من المحبة التي هي أقوى من الحياة. فبموته الحر قبله الله لكي يحيا فيه إلى الأبد. وهكذا نكتشف كيف أن المحبة أقوى من الموت، وذلك لأنها أولاً هي أقوى من الحياة.

سابعاً: قيامة الإنسان كلّه

          رجاؤنا بقيامة الموتى، نعلنه في دستور الإيمان. مع تذكرنا للإعلان الذي كان سابقاً لمجمع نيقية، والمتضمن في قانون الرسل، والمعلن عنه بتعبير (قيامة الجسد). فقيامة الموتى أو قيامة الجسد يعنيان قيامة الإنسان والعالم كلّه.

          ولكنَ خطراً تغلغل إلى حياتنا وأحاديثنا ومفاهيمنا، وبموجبه صِرنا نخلط بين خلود النفس وقيامة الجسد. فتصير السماء مكاناً للنفس الخالدة، ليصير العالم عالمنا الذي نناضل فيه على كافة الصعد، مكاناً ثانوياً بالنسبة إلى العالم الآخر، أي إلى الحياة الأخرى. بنظرنا هنالك عالمان، وعالمنا الحاضر قليل الأهمية بالنسبة إلى العالم الآخر.

          ولما كنا ـ بحسب تعليم الكتاب المقدس والكنيسة ـ نؤمن بقيامة الجسد، فهذا يعني أننا نؤمن بقيامة العالم الذي عاش فيه الجسد. فهو أيضاً له قيمته. فالإنسان ليس منفصلاً عن الكون بل متضامن معه. وكما يقول الأب فاريون اليسوعي: (أجسادنا والكون مفصّلة بالقماش نفسه: فنحن بحاجة إلى الكالسيوم والأملاح الفسفورية... الخ. ليس الإنسان بالنسبة إلى العالم كالتمثال الموضوع على قاعدة، بل بالأحرى كالزهرة بالنسبة إلى الساق، فهي جزء لا يتجزأ من الساق كلّه. نحن والكون واحد، فكل ما نقوله في أجسادنا ينطبق على الكون).

          نعود إلى الجسد، فكل إنسان يعرف بأن جسده هو (أناه). وأن جسده ونفسه مرتبطان بوحدة تتجلى من خلالها وظائف تُنمّي بدورها حياة نفسية، تنقلب في ذروتها إلى مشاعر عُليا وذكاء وإرادة وحب. أيضاً الجسد تعبير عن العقل، والعقل هو لا شيء بمعزل عن ذلك التعبير. أي أن العقل ليس بحجم منفصل عن الجسد، أو يمكن فصله عنه، فهو طاقة متجسِّدة.

          كل هذه الأحاديث تفيدنا في القول بأن فكرة خلود النفس بدون الجسد أمر غير متحقق. لأنه من الواضح أن النفس لا تعمل ولا توجد بدون الجسد. وكما أن بنيان الحضارة لا يتحقق عن طريق البحث فيها فقط، بل يستدعي بذل الجهود الجسدية. وهكذا هو الأمر في أعمالنا الروحية أيضاً. ففي الصلاة نجد أن المصلّي هو الإنسان كله، لا الروح. وجميع الكتّاب الروحيين شدّدوا على دور الجسد في الصلاة. وهذا يذكرّنا على صعيد آخر بجملة جان مورد: (الفكر هو الإنسان لا العقل).

ثامناً: الاستمرار الأبدي والمؤلَّه للإنسان

          سأنطلق من نص طويل لبولس الرسول يقول فيه: "يقول قائل: كيف يقام الأموات وبأي جسم يأتون؟ يا غبيّ! الذي تزرعه لا يحيا إن لم يمت. والذي تزرعه، لست تزرع الجسم الذي يصير.. لكن الله يعطي جسماً كما أراد... هكذا أيضاً قيامة الأموات: يزرع في فساد ويقام في عدم فساد. يزرع في هوان ويُقام في مجد. يزرع في ضعف ويُقام في قوة. يزرع جسماً حيوانياً ويُقام جسماً روحانياً... وكما لبسنا صورة الترابي، سنلبس أيضاً صورة السماوي... هوذا سرّ أقوله لكم: لا نرقد كلُّنا، ولكننا كلّنا نتغيّر..." (1كو35:15-52).

          وسأختم بهذه الكلمات التي أجاد الأب فرانسوا فارمّون صياغتها بقوله: (في حياتنا القائمة من الموت، سنرى الله في كل شيء وكل شيء في الله. لأن هذا العالم الذي أحبّه منذ الآن حباً شديداً... سيتجلّى لي كما هو حين خرج من يدي الله، كما خلقه الله منذ الأزل، في كيانه كما هو، أي ليكون مشاركة في كيان الله نفسه. سيكون العالم كلّه شفافاً في نظري، وسأرى الله من خلاله. حاولوا أن تتصورا ما يكون العالم، لو استطعنا أن نرى الله من خلال حب بشري، ومن خلال صداقة بشرية، وحتى من خلال مجرّد رفقة، الله في كل شيء).

          وفي الوقت نفسه، وفي الشعور نفسه، في شعوري كإنسان مؤلَّه، سأرى كل شيء في الله: الكون كله سيكون لي. ذلك بأن الكون لا ينفصل عن الله. وبما أن الله خلقه منذ الأزل، فكل شيء في الله إذاً. واللوحتان – الله في كل شيء وكل شيء في الله – ستتطابقان تماماً.

          يجوز لنا أن نعتقد بأن كل ما في الوجود على الأرض من حسن وجمال وحق سيبقى في حياتنا القائمة من الموت. كل ما يُعمل في سبيل العدالة والجمال والثقافة، وكل العمل الذي يُنفَّذ في الوُرش البشرية، كل ذلك خالد، لأن جسدي هو كل ذلك في آخر الأمر. ويجوز لي أن أقول إن جسدي هو سيرتي انطلاقاً من طبيعتي. سيرتي تبني وجهي الأبدي، هناك مليارات ومليارات من الوجوه البشرية، ولكن ليس هناك وجهان متطابقان تماماً، وذلك منذ البداية وحتى آخر الأزمنة على الأرجح. وهذا التنوع العجيب في الوجوه يرمز إلى ما في النفوس وفي الأعماق من تنوّع أعجب. وما تختلفون به، أي ذلك اللون، وجميع قرارات المحبة والعدالة... كل ذلك سأجده محوَّلاً في ملكوت السماوات، في أورشليم السماوية التي ورد ذكرها في سفر الرؤيا.

          فنحن نبني طوال القرون حياتنا الأبدية إذاً، وذلك عبر ارتقائنا وتقدمنا وانحطاطنا. (فسعادة إنسان تختلف عن سعادة آخر في الزمان والمكان) ولكن ما يقوم من الموت هو كل الإنسان الذي في كل إنسان؛ بمعنى أن المحبة أو الموت الذي تدركه القيامة استُقي في طاقة جسدية لها خواصها، وانتقل إلى علامات قرابة ورفقة ومحبة وصداقة خاصة بكل واحد. كل شيء يقوم، ما عدا ما بقي دون المحبة، ما عدا الأنانية والخطئية. ولذلك يمكنني أن أختم بعبارة تلخِّص كل ما قلته: (إن الحياة الأبدية هي الاستمرار الأبدي والمروحَن والمؤلَّه للإنسان كله والكون كله).