حديث الأسبوع (1 نيسان)

أرشيف

وعظة الأحد

موضوع للأرشمندريت يوحنّا التلي

لرعية مدينة صيدنايا

7 نيسان 2013

المسيحيُّ في الأزمات:

نظرةٌ إيمانيّةٌ

أولاً: مقدمة

سننشئ من أحدث الأزمات لآلئ، فنحوّل شرور الأزمة إلى منفعةٍ مفيدةٍ. فلنتعرّفْ إذاً على المحارة مكتشفين من معرفتنا كيف تتصرّف هذه المحارة لتصنع لؤلؤتها.

سنكتشف أنّ بدايةَ الأزمة هي سقوط ذرّة رمل في قوقعتها، مما أدى إلى صعوبةٍ في البداية عند تلك المحارة، فأزعجتها وجعلتها متقلّبةً ومتضايقةً تماماً، كمثل كلِّ أزمةٍ تُصيب إنساناً ما. إلا أن المحارة تريد معالجة أزمتها فتتساءل عن كيفية التخلّص من تلك الرمال؟ فتقول لنفسها: يجب أن أُنهي أزمتي التي بسببها تُسبِّب لي الرمال حكّةً وحرقةً. فما العمل؟ بهدوءٍ ورويّةٍ ومن دون ضوجان تفكّر مركِّزةً عن طريق تأمّلٍ وكأنّه صلاةٌ تأمليّةٌ، فيصير حالها كمثل مَن يطلب المشورة والنصح، وهي مترقّبةٌ بصبرٍ، فتُدركُ أنها لن تتوصّل إلى يومٍ تدرك فيه أن ذرّة الرمل هذه ستزول. لكنّها تستطيع أن تحوّل الشرَّ الحاصل إلى خيرٍ، والضّيق المتحقق إلى منفعةٍ كما يفعل الخطأة!! إنهم يزيلون خطاياهم بالتوبة. فإن كان حديثنا عن الإنسان مكان المحارة نُدرك يقيناً أنه لا منفعةَ لتأملاتنا الصلاتيّة إلاّ إن جعلناها تحوّلاً جذرياً في موضوع أزماتنا. وهكذا يتحوّل الضيق إلى فرجٍ والحزنَ إلى فرحٍ.

نتابع مع المحارة التي وجدت أنها أُعطيت من الله بخلقه لها قدرةً على تغليفِ الرمل، الذي هو موضوع أزماتها لكي تصير ملساء ناعمة، مصقولة ومخملية، أي لتصير الأزمة مريحة. وهل عند الإنسان إمكانية من جعل أزماته الكبيرة تتحوّل إلى منافع حميدة؟ نعم، إن هذا يتم من عند الله أيضاً، ولكن ليس بحركة غريزية كما عند المحارة، إنما بشركة مع الله في السعي بحريتنا الإيجابيّة المسلََّمة إليه، فنحصل منه على النعمة. وكما تفلح المحارة في مهمتها فتغمرها السعادة، فإن السعادة المنتظرة هي التي تحقق للإنسان فرحاً أكبر. حينها المحارة والإنسان يناجيان نفسيهما، إنما يُناجي الإنسان ربّه زيادةً عن إمكانية المحارة المحدودة. فيقولان بصوتٍ واحد: (آهٍ، لقد تغلّبت على الأزمات والصعوبات التي لم تعد موجودة). بل صار وجوداً لأمرٍ آخر، المحارة صار لديها لؤلؤة ثمينة تتباهى بها وبملمسها الناعم، أما الإنسان فصار لديه إحساسٌ بالنعمة، فأنتج لنفسه لؤلؤته التي هي التوبة وثمارها.

وإليكم المزيد من المعرفة في عرض قصة اللؤلؤة: منذ آلاف السنين يقوم المحار، صاحب اللؤلؤ الثمين، بتثقيف البشر، فهل يا تُرى أدركوا العِبرة المطلوبة؟!

الناس في كل مكان (حتى في أهدأ الأماكن وأقدسها) يجتازون صعوبات، وهم بأمس الحاجة إلى عِبَرٍ تُبلسم مصاعبهم، وتُغلّفها من كل الأخطاء والمعاكسات. فلنبحث نحن البشر عن أماكن وجود المواد النورانية المضيئة المشّعة، لا بل واللطيفة أيضاً، من خلال خروجنا من دائرة نفسنا المعلّقة التي تسجننا بما لا يريده الله، فنكتشف وجود الألوان القزحية التي تشع من الله علينا، فنخرج من كآبتنا وتذمرّنا وسوداوية أفكارنا إلى هذا النور الجديد، ونترك خلفنا أولئك الذين يراوحون في مكانهم.

وإذا اعتبرنا أن المحارة خرجت بالظفر، وانتصرت على أزمتها، ونحن - بعين إيماننا - نراها تقف مصلّية وهي تخاطب الله قائلة: (أيها الرب الإله، شكراً على ذرّة الرمل هذه التي سأصنع منها لؤلؤة جديدة).

ونحن كمسيحيين مؤمنين نأخذ عبرتنا من صلاة هذه المحارة، متذكرّين قول الشيخ الراهب الذي سأله تلميذه: ماذا أعمل إذا أخطأت؟ فأجابه بكلمة واحدة: (تُبْ)، فأعاد السؤال قائلاً: وإذا أخطأت ثانيةً ماذا أعمل؟ فكان الجواب: (أيضاً تُبْ). فكرّر السؤال مرات وفي كل مرة يأتيه الجواب بذات الوداعة وبكامل الصبر وطول الأناة: (أيضاً تُبْ).

هكذا الإنسان في الأزمات كمثل المحارة، يحوّل الرّمل الجارح إلى بلسم ناعم بالتوبة. أزماتنا تحتاج منا معرفة بأن التوبة هي تحوّل وتبدّل وتغيّر. والإنسان على هذه الصورة يقتني شكلاً آخر لا أزمات فيه.

ثانياً: مقاربة من إنجيل يوحنا

أفضل الفضائل التي بها نغلّف أزماتنا هي: "الإيمان والرجاء والمحبة" (1كو13:13) لأننا:

- بالإيمان: نحوّل طاقة الاضطراب، بنقلها من مستوى الجسد بنـزعته المادية إلى مستوى الروح.

- بالرجاء: نثق بالله لأنه قادرٌ على انتشالنا.

- بالمحبّة: تتحوّل علاقتنا السلبيّة مع الآخرين إلى علاقة إيجابية مثمرة.

وسنحافظ على هذه النقاط الثلاث لتكون مرافقة ومسيّرة لموضوعنا، خصوصاً مع ما سنجريه من مقارَبة كتابية من إنجيل يوحنا، التي تساعدنا على تسليط الضوء على فضائلنا هذه.

لنستعن ببعض ما جاءت به الخطبة الوداعية، حيث بدأ مع الدخول في آلامه يحدّث تلاميذه عن أزمته، مُعطياً تعليماته النهائية لتعزية تلاميذه التي هي مجال تعزيتنا اليوم. وكأنه يقول لنا بأن علينا أن نقبل الصليب وأزمته، فنُدرك معنى القيامة بوصولنا إليها. هذا هو عمق الإيمان الذي نحمله، وبه نُزيل اضطراباتنا.

لقد غيّر يسوع بهذه الأحداث المبنية على الأزمات حياة تلاميذه، لقد تغيّرت لديهم حقاً إلى الأبد. فهل نحن سنستفيد بواسطة إيماننا مع ما يحمله رجاؤنا إلى هذا الظفر. لا!!! أما مع المحبة فسيتحقق كل شيء. لهذا نجده يقول لهم: "يا أولادي الصغار.. وصية جديدة أنا أُعطيكم: أحبّوا بعضكم بعضاً، كما أحببتكم أنا تحبّون بعضكم" (يو13: 33-34). كم هي كثيرة المنازعات الداخلية والخارجية، الداخلية بين المسيحيين بعضهم مع بعض، فتتشكّل المنازعات، وتتحوّل العلاقات إلى حسد وتسلّط وتحزّب. ويقابلها منازعات خارجية تأتي من ظروف اجتماعية أو سياسية، فهي لا تقتصر أن تسبّب أحياناً خلافات واضطرابات، بل قتلاً ودماراً كما هو الحال اليوم في دائرة النـزاع القائمة في وطننا الحبيب.

يظن البعض أن المحبة مجرّد مشاعر، لكنّها بالحقيقة سلوكٌ يظهر في أفعالنا، خاصةً عندما نكون في الأزمات. فنحن مدعوون لنحبّ الآخرين – بغضّ النظر عن هويتهم – كما أحبّنا المسيح، فكيف يكون هذا؟ بالمساعدة والتعاون وقت الشدّة، وبالعطاء وقت العوز، وبالرحمة مقابل الأذى، وبتكريس الطاقة لراحة الآخرين بدلاً من راحتنا، وبامتصاص وتحمّل الأذى من الآخرين بدون شكوى أو مقاومة أو محارَبة، هي محبة صعبة التطبيق لكن علينا تطبيقها خاصةً في الأزمات.

الإيمان هو سبيلنا للظفر، ومع كلمات يسوع الصعبة هذه، التي يدعونا بها بقوله: "لا تضطرب قلوبكم أنتم تؤمنون بالله فآمنوا بي أيضاً" (يو1:14). هذه الآية دعوة لنا ليكون لنا بالمسيح ثقة يتحقق فيها الأمل والرجاء. إلا أنّ الأمر الغريب هو أنه قد حدث اضطراب وتشويش بين التلاميذ من هذا الكلام. ونحن اليوم تتباين آراؤنا في قبول كلمات يسوع هذه فتزداد أزماتنا.

لكن يسوع لا يتركنا مضطربين وتائهين، بل إنه يزيل هذا التشويش الحاصل بقوله: "أنا هو الطريق والحق والحياة" (يو6:14). ونحن غالباً ما نضيع في متاهة فقدان معرفتنا للطريق الذي نسير فيه عبر أزماتنا. في حين علينا أن نفرح ونشكر الله على أنه أعطانا الطريق الصحيح للوصول إلى الأمان، إنه المسيح الذي يُخرجنا من الأزمات. وهو الذي يبدد أزمات قلوبنا واضطرابات أنفسنا.

ثالثاً: أزمات يُزيلها السلام

كان يسوع يُشكّل الطريق الأول لمسيرته بواسطة تلاميذه الذين آمنوا به، وربطوا حياتهم بشخصه، وأدركوا أنه السبيل الوحيد للخروج من أزماتهم. وهكذا الكنيسة صار نهجُها السيرَ في خُطى المسيح. وصارت تتحرر من أزماتها بالرغم من أن الاضطهاد كان يزداد، والموتَ والتشريدَ يكثر. وأبناء الكنيسة اليوم كيف حالهم؟ لم يتغير شيء!! فالمسيحيُّ بالإيمان يحيا، وحيث يكون المسيح هناك يكون المؤمن.

          المسيح قبل أن يغادر، وفي خطابه الأخير قال لنا: "سلام أترك لكم. سلامي أُعطيكم... فلا تضطرب قلوبكم ولا ترتعب" (يو27:14). نحن بسلام المسيح لا نخاف من الحاضر ولا من المستقبل، لأن سلام المسيح الذي أخذناه يفوق العقل ويملأ القلب. إنه عطية روحية سماوية فائقة. ولنعلم بأن حياتَنا مهما امتلأت بالضغوط، فإننا إن تركنا سلام المسيح بداخلنا فسيملأُ كياننا ويحلُّ هو فينا.

          إن بولس الرسول يطمئننا بكلمات إيمانه، وهو الذي عاش حياة الاضطراب الناجم من الطبيعة ومن العذاب والاضطهاد، لكن شيئاً منها لم يؤثر فيه، قال: "لا تقلقوا من جهة أي شيء، بل في كل أمر لتكن طلباتكم معروفة لدى الله، بالصلاة والدعاء مع الشكر، وسلام الله الذي تعجز العقول عن إدراكه يحرس قلوبكم وأفكاركم بالمسيح" (في6:4-7). مع كلمات بولس الرسول هذه نحقق المستحيل، لأن قلقنا يمتلك فرصاً تصاحبنا في أعمالنا وأفكارنا، فيتشكَّل عندنا خوفٌ مما يجري اليوم في بلدنا. ولنعلم أننا عندما نفكّر بالقلق فهو يأتي إلينا، ولكن عندما نكون مع المسيح بحبه وسلامه، مع صلاتنا. فيأتي المسيح حاضراً لحياتنا، فيُعلِّمنا أن الطمأنينة آتية من الله، وأننا نحن منتصرون به.

          لا ينفي المسيح وجود الاضطهادات والمآسي في العالم، بل إنه يؤكّد أننا عندما نثبت بالمسيح - وهذا دور الروح القدس الذي يثبّتنا - فبإمكاننا التحمل ونيل السلام المطلوب. ويوصينا بأن نشهد للآخرين بما اختبرناه لتتقوّى عزيمة الجميع. ولكن هناك سبيل آخر للثبات في المسيح يعلنه لنا بقوله: "اثبتوا في وأنا فيكم كما أن الغصن لا يقدر أن يأتي بثمر من ذاته إن لم يثبت في الكرمة كذلك أنتم أيضا إن لم تثبتوا فيَّ.....كما أحبني الآب كذلك أحببتكم أنا اثبتوا في محبتي إن حفظتم وصاياي تثبتون في محبتي كما أني أنا قد حفظت وصايا أبي وأثبت في محبته" (يو4:15و9-10) فالثبات بيسوعَ هو امتزاج حياتنا بحياته، حينها يُعيننا على تحمّل الصِعاب خاصة في الضيق والأزمات، حينها يُعيننا على السير خلال الصِعاب بدون السقوط في الهاوية.

دور الصلاة في الأزمات

          "لا تضطرب قلوبكم" (يو1:14) لقد كرّرها يسوع مراراً وصلّى لأجلنا عندما "رفع عينيه إلى السماء وطلب من أبيه ليس فقط السلام بل الأهم أن يسكب مجده على كل الذين آمنوا باسمه وأن تحفظهم من الشرير وأن يقدّسهم..." (راجع يو17).

          إن مواصلة العلاقة بيننا وبين الله على ذات  النهج الذي رسمه يسوع بينه وبين الله لأجلنا، هو موضوع من مواضيع صلاتنا الأساسية التي تضمن وصولنا إلى الله سالمين بدون اضطراب وبدون شك، لدرجة أن يسوع وصف هذه الحالة بقوله: "اطلبوا تنالوا، فيكون فرحكم كاملاً" (يو24:17).

          واليومَ فإن الأزمات لا تُحيط بنا على صعيد الوطن فقط، بل أيضاً على صعيد الأسرة والعمل، والأهم يأتينا من أنفسنا، فنحن نواجه إدانات ومتاهات كثيرة. من هذا القبيل يقول لنا القديس يوحنا القصير: (أنا أشبه إنساناً جالساً تحت شجرة كبيرة يرى وحوشاً وأفاعٍ عديدةً مقبلةً إليه. وإذ ليس له القدرة على صدّها، يُسرع إلى الشجرة يتسلقها كي يكون بأمان). يلفت قديسنا فكرنا إلى دور الصلاة واللجوء إليها والتي تتمثل في دور الشجرة التي نتسلّقها عندما تهاجمنا الأزمات.

          بعض الناس يهملون صلاتهم، أي استعانتهم بإلههم. وبهذه الروح البعيدة عن الله يخاطبون الله بتذمر وعتاب لأنه لا يقف معهم في أزماتهم. إن الله يحبنا، وأتى الابن إلينا بحبه، وافتدانا ليخلصنا. فهل يوجد حب أعظم من هذا: أن يموت ليحرّرنا من خطايانا التي هي أزماتنا؟ ثم نجد أنفسنا نتّهمه ونتخلّى عنه ونغتابه، بدلاً من أن نبادله حباً بحب ونحوِّل حبنا هذا أيضاً لبعضنا البعض تطبيقاً لقوله: "أن يحبّ بعضكم بعضاً كما أنا أحببتكم" (يو12:15) هي دعوة ليموت الإنسان لأجل أخيه الإنسان، لا أن يتخلى عنه. وهذا الموت يتشكّل بطرق وأشكال كثيرة نبديها بتضحيات قائمة على المحبة.

          بالصلاة نعيد الصلح بيننا وبين الله، وبالمحبة نحقق هذا المبتغى.

رابعاً: الثقة والرجاء بدور الله تجاه الأزمات

          يضيق بنا الحال عند مهاجمة الأزمات لنا، وقد نصل إلى إضاعة طريق وجود الحل. ونحن نبحث عن أفكار عمليّة ساعين إليها من خبراتنا الخاصة، وكذلك من خبرات أشخاص آخرين نلتجئ إليهم للأمر نفسه. قد يطول بنا الأمر ولكن بلا جدوى.

          بالحقيقة نحن في مثل هذه الأحوال علينا أن ندخل إلى أعماق نفوسنا، عسى أن الله الذي هو ملجؤنا الأساسي يكون هو دون سواه المخرج الوحيد لأزماتنا. وكلما كنا مؤمنين حقيقيين، كلما زادت ثقتنا بالله. والكتاب المقدس يؤكّد لنا أنه هو الذي ينصر خائفيه والمتّكلين عليه، فصاحب المزامير يقول: "الرب عوني عليه اتكل قلبي فانتصرت" (مز7:28). أما ابن سيراخ فيقول: "فليس من يضع ثقته بالله يخزى" (ابن سيراخ10:2).

          للأزمات منفعة هي أنها تجري علينا امتحاناً لمعرفة مدى ثقتنا بالله. فإن استمر الإنسان في أزمته بسبب وجودها، ووقع في اضطراب معيّن أو أزمة ما، فإنه يحزن حزناً لا قرار له. فاستمرارية هذا الحزن يدل على عدم الثقة بالله، الله القادر على تخليصنا من التجارب والضيقات. علينا أن نتجه إليه برجاء وبصبر وبهدوء، ونحن واثقون أنه لا يغفل عن مساعدة محبيه وقاصديه.

          ومن جهةٍ أخرى علينا أن نعالج أنفسنا بإيماننا لإزالة العوائق التي تمنعنا من الثقة بالله وأهمها:

أ. الكبرياء: يحتفظ الإنسان ببقاء أزماته بسبب كبريائه التي تنسيه الاتكال على الرب مما يجعله يشعر أن الله تخلّى عنه وأسلمه للتجارب أما الأصعب فهو عندما يشعر بقرارة نفسه أنّ الله هو الذي يكلِّفه بمعالجة أزماتٍ هو صنعها. في حين أن الله بداعي حكمته يسمح بوقوع المتكبرين تحت وطأة العذاب والاضطراب لكي يعودوا بالتواضع إلى ذواتهم.

ب. الجهل: أي الجهل في الثقة بالله. فنحن بسبب كبريائنا نعيق الذهن عن بلوغ معرفة الحق الذي يرتسم في الثقة بالله، فيحصل الجهل والغباوة اللذين نبعدهما بواسطة الصلاة، التي بها نتضرع إلى الروح القدس ليسكب نوره في أعماقنا، فيتبدّد الظلام والجهل. وأيضاً عن طريق تثقيف الذهن روحياً، ليتصرف بحسب إرادة الله، ويتم هذا الأمر بواسطة حفظ الكلام الإلهي والعمل بموجبه. يقول القديس ساروفسكي: (إذا لم يكن في القلب ثقة بالله، لا يمكن أن يوجد فيه سلام. فالرجاء هو الذي يعطي الفرح والسلام للقلب. ومن هذا السلام قال الرب: "تعالوا إليّ أيها المُتعبين والثقيلي الأحمال وأنا أُريحكم" (مت28:11)).

خامساً: التجارب وصِعاب الحياة

          من أزماتنا أيضاً هو موضوع التجارب، فنتساءل كمؤمنين: (لماذا نُجرَّب؟) الإنسان في محدوديته يسأل ويُلحّ في السؤال: (كيف يحبنا الله من خلال تجاربنا؟) (كيف تتفق المحبة والتجربة؟) وأيضاً: (أيُعقل أن تكون تجاربنا بسبب الله أو من الله؟) ويتبع موضوع التجربة أسئلة مثل: (لماذا يجب أن نتألّم؟) (لماذا الحروب؟).

          إن هذا الصراع الكوني الرهيب قاد البعض إلى الشك بوجود الله، وإلى اعتبار الشر أقوى من  الخير. لكن يبدو الانتصار على مسرح الحياة، تارة للخير وطوراً للشر. يقول كيركيجارد: (حتى لو بدا الخير أضعف، فهو هكذا بسبب أنه أزليّ. فلنطرح السؤال بطريقة أخرى: ما الذي يحفظ التوازن في الحياة ويصونه؟

          إن كان الجواب لغزاً فليس بقدرتي حلّه، ولن يتسنّى لي أن يكون الحل في متناولي، فإن القلق سيرافقني. الله يسمح بأن يكون الأمر بهذه الصورة، ليمتحن الإنسان نفسه في قدرته على تحقيق الخير!!)

          وبالتالي لا يظنن أحد أن التجارب هي من شيم الصغار والضعفاء، وأن الكبار والعظماء لا يُجرَّبون. التجارب ليست محصورة بالضعفاء، ولا هي غريبة وبعيدة عن الأقوياء. ويسوع جُرِّب: "إن كنت ابن الله فانزل عن الصليب" (مت40:27) وأيضاً: "إن كنت ابن الله فقل لهذه الحجارة أن تصير خبزاً" (مت3:4) وكذلك: "إن كنت ابن الله فاطرح نفسك من ههنا" (لو9:4).

          إذا كانت التجارب قد نزلت بالرب فأين نحن من هذا؟ جواب المسيح: "إن كانوا قد اضطهدوني فسيضطهدونكم أنتم أيضاً" (يو20:15).

          في الحقيقة كلنا نتمنى أن تكون حياتنا دون تجارب ودون صِعاب. كلنا نصبو إلى السعادة والهناء وراحة البال. بيد أن التجارب تكاد أن تكون صدمة لكل هذه الأحلام. التجارب تبدو وكأنها موجودة لعرقلة حياتنا. حتى أن البعض يؤثرون أن يعزوا سببها لله أو يرون فيها ظاهرة سلبية. يؤكد الكتاب المقدس من خلال أسفاره أن بناء الحياة الإنسانية مرهون بالتعب والألم. وأفضل دليل على ذلك هو أن قيامة المسيح الخلاصية جاءت بعد الآلام والصلب التي كابدها السيد لأجلنا.

          يقول القديس مكاريوس الكبير: (إن حياة الإنسان في هذا العالم هي كالقمح في الغربال). العالم هو الغربال الذي نتغربل فيه. نتغربل على الدوام بالهموم والصِعاب. هذه حالتنا منذ أن سقط آدم. وكما أن القمح في الغربال يقلّبه المغربل فيتحرّك ويتصادم داخل الغربال، هكذا فإن رئيس الشر في هذا العالم يمسك كل الناس بواسطة المغريات الدنيوية فيهزهم ويهيجهم. وفي هذا نتذكر كلام السيد لرسله (الموجّه لبطرس) محذِّراً من أن الشرير سيقوم ضدهم "هوذا الشيطان قد طلبكم كي يغربلكم كالحنطة. لكني تضرعت لأجلك - يا بطرس - كي لا يخيب إيمانك" (لو31:22-32). إذن أراد الشيطان أن يجد في بطرس - بسبب إنكاره - تبناً وقشوراً، لكن يسوع أسعفه بالانتفاع من إيمانه.

          بناءً على ما ذكرناه سنوضح أمرين اثنين هما:

+ إن الله لا يدفعنا إلى التجربة، وفي هذا يقول يعقوب أخو الرب: "وإذا تعرّض أحد لتجربة ما، فلا يقل: إن الله يجرّبني!! ذلك لأن الله لا يمكن أن يجرّبه الشرّ، وهو لا يجرِّب به أحداً. لكن الإنسان يسقط في التجربة حين يندفع مخدوعاً وراء شهواته" (يع13:1-14). إذن لا تأتي التجربة من الله بل من الرغبات الداخلية الشريرة. فالله إذن ليس بمُجرِّب، والدليل أن مجيئه إلى العالم كان لكي يحلّ أعمال الشيطان.

+ نقطة ثانية في أن الله لم يُرد ولا يريد التجارب. وأيضاً هو لا يتدخل لكي يبطلها، لأن موضوع دخولها إلينا ناجم عن انخداعنا بشهواتنا، فتأتي التجربة وكأنها مرتبطة بحريتنا. فهو أي الله لا يريد أن يُبطل حريتنا. إنما الله يريد أن يكون الإنسان حراً.

          لكن علينا أن نعلم بأن التجارب التي نقع فيها، إن استطعنا أن نستفيد منها فهي ستكون مصدراً لازدياد خبرتنا بوجودها خاصة بالأزمات. ولنا في القصة التالية عن القديس مكاريوس الكبير أوضح عظة: (استيقظ القديس مكاريوس ذات يوم، ولاحظ أن نبتة كانت تنمو بجوار قلايته ببطء شديد. كان لونها باهتاً، وأغصانها نحيفة وأوراقها مرقّطة. ولما نظر إلى الجهة الثانية من القلاية لاحظ نبتة مماثلة كانت تعلو وتنمو ولونها بهيّ وأغصانها قويّة وأوراقها مشرقة. فصرخ يا إلهي: لا غنى لنا عن التجارب فتلك النبتة كانت تنمو بجوار قلايتي، ضعيفة لأنها معزولة. أما التي في العراء، كانت تكدّها الرياح من كل جهة. وكانت تصارع من أجل البقاء. نحن أيضاً لا ننمو بدون عواصف التجارب).

          كثيرة هي أقوال الآباء التي توضح أهمية التجارب، كما يقول القديس غريغوريوس بالاماس: (إذا كنا لا نحتمل ثقل التجارب والمحن بصبر وشجاعة فإننا ولو كنا نمارس الفضائل كلها لا نؤتي بثمار جديرة بالكرمة الإلهية).

سادساً: دور الإنسان المسيحي في الأزمات

          هنالك رغبة في الحياة وصل إلى الشعور بها بعض الناس، وعلى الجميع أن يسعوا إليها، تتمثل في تجميع كافة المتنوعات في وحدة. كلّها آتية من الواحد الخالق الذي هو الله. فالمسيحي بإيمانه يرفع كل شيء إلى الله فيضع أيضاً بين يديه صرخاته واحتياجاته.

          ومن المُعيقات في هذا الاتجاه أن الإنسان يتوانى عن تحريك حياته وشجونه ورغباته نحو الله، فيظهر عليه كبرياؤه الذي بسببه لم يعد يمحور حياته حول الله، بل حول ذاته وحول العالم. فيفقد بذلك الرابطة مع مصدر حياته الذي هو الله، وبهذا يكون قد فقد أيضاً علاقته بوحدة العالم وانسجامه.

          ومع تجسّد المسيح استعاد الإنسان حالة الانسجام والتوازن، ولكن ليس كآلة، ولكن برغبة من خلال إرادته الحرّة، التي بإمكانها أن تعمل مع الله على جمع الكون في وحدة كونية إلهية. فالإنسان وخاصة المؤمن يمتلك طبيعة ذات إمكانيات روحية قادرة أن تجمع العالم المتفرق.

          لذا علينا أن ننمي فينا هذه الطبيعة، ونعمل على تجميع الناس حولها ليكون هناك مصير مشترك مبني على تقارب في الأهداف، تساعد كلها على إبعاد الشر ونشر الخير والسعي للحياة السعيدة بعيداً عن الحروب والاضطرابات، وهذا يستدعي تنمية أوجه الخير فينا في ظروف حياتنا الصعبة وهذه الأوجه هي:

- طهارة الحياة: أن نعيد النظر في حياة الفردوس لنعيش دنيانا الحاضرة قائمة على تلك الأسس المعطية السعادة والسلام، بدلاً من شريعة الغاب الذي تتناحر الأنانيات فيه بشكل صراعات قاتلة. فطهارة الحياة تساعد الإنسان أن يسعى لتكون روح الأنظمة والدساتير والقيم وكل ما يرتبط بالإنسان هو دعوة للحوار والترابط، وليس للخصام والانشقاق، بل لحل الأزمات.

- الحكمة: يصفها الكتاب المقدس أنها "مخافة الله" (أمثال10:9). فالحياة البشرية لا تسير بكفالة الفهم البشري، وإنما بحقيقة الفهم الإلهي. فالمسيحي لا يستطيع أن يلعب دوراً في الأزمات فقط من خلال منطقه العقلي، وعلومه التي حصّلها، وتقدّمه الحضاري الذي وصل إليه، بل يتأصّل دوره في أن يكون عارفاً وعالماً ومتقدماً بحكمة إلهية. فالروح القدس عند الحكيم يرى فيها أنه هو مسيّر للحضارة، وبه يتقدس المكان والزمان فيجعل الأرض ملكوتاً.

- المحبة: بيسوع اغتنى العالم بوصية جديدة قال لنا فيها: "أُعطيكم وصية جديدة وهي أن تحبوا بعضكم بعضاً" (يو34:13) بها يصير الإنسان كائناً مُتواضعاً ومُصلياً، وفاتحاً ذراعي قلبه لهبوب الروح القدس. فيصير بإمكانه أن يرى العالم في كونيته ووحدته، وبالتالي دائساً شوكة الخطيئة التي تقسم الكون في داخله. حينها نفهم الكنيسة على حقيقتها أنها عُشرة بين الله والإنسان وليست مجرّد طائفة. بل، هي المساحة الكونية النقية التي يعمل فيها الله بروحه. بهذا الحب العظيم لهذا المفهوم بكمال مثاليته يصبح الإنسان قادراً أن يأتي بالمتفرقات إلى وحدتها.

          بعيش هذه الأسس الثلاث يعمل الإنسان في مجال الروح، من خلال اهتمامه باقتناء الفضائل التي تحقق مقصد حياته، وتجعل حضور الله ممكناً حتى في المادة. فلا توجد قداسة للإنسان خارج المادة. والعالم لا يكون حقيقياً إلا حول الله.

الأرض ليست مكاناً للصراعات المتعددة، بل فردوساً يحياه الإنسان ويتوسطه الله بحضوره. فتتحقق الوحدة بين كل خلائق الله بألوانها ومجتمعاتها البشرية. وستكون محصورة بقداسة الحياة، بعد أن يسعى كل إنسان إلى تقديس حياته.

سابعاً: الخاتمـة

نصائح ذهبية للحياة اليومية:

1- عندما لا تكون في حالة جيّدة لأنك وسط أزمات وضيقات. فثمّة طريقة رائعة يمكنك استخدامها، ألا وهي أن تستثمر قدرة الابتسام. حاول أن تبتسم لكي تبرهن لذاتك أنك ترتقي فوق جميع المصاعب.

2- في أيام الأزمات والحروب لا تركّز اهتمامك في هذه الصعوبات لأنها تسبّب لك القلق، فأنت في هذه الحالة تنظر دوماً إلى الأسفل، وهذا غير نافع لك. حاول أن تنظر نحو الأعالي هناك. حيث يتواجد الله الذي هو النور والحكمة والجمال، وهو سينقذك من هذه المصاعب.

3- عندما تشعر أنك مضطربٌ وقلقٌ، حاول أن تقوم بردّة فعلٍ. فبدلاً من التقوقعِ على ذاتك أو ذهابك إلى ممارسة أمورٍ ضارةٍ وغير نافعةٍ؛ تكلّم أو تصرّف أو فكّر، إنما بمحبّةٍ. نعم الجأ إلى المحبة فيتنقّى داخلك. الأمر سهلٌ. إذن، يكفينا أن نفتح قلبنا ونطلق حركة الحبِّ فينا.

4- أفضل طريقة لتحويل المِحَن هي أن تتعلّم الشكر، حتى بالنسبة إلى المحن. فإن التمرّد على المحن هو تعبير عن الكبرياء. أجل هذا هو سرّ المؤمن العظيم، الذي رغم تعاسته يجد المحن سبباً لشكر الله.