حديث الأسبوع (18 آذار)

أرشيف

وعظة الأحد

محاضرة للأرشمندريت يوحنا التلي

لشبيبة ورعية كنيسة مارالياس

قطنا 26 شباط 2017

 حياةُ المسيح هي منشأ الصوم الروحيّ والجسدي

 أولاً: مقدمة

          نشأ المسيح تنشئة نسكية. فقد اختار أُماً فقيرة ليولَد منها، وشيخاً بسيطاً ليُنسب إليه، وحظيرة بهائم ليولَد فيها، وبلدة ذات شأن غير ذي أهمية ليتربّى على ترابها.

          حياة المسيح هذه أعطت زخماً نسكياً لتلاميذه ليحيوا على مثاله وأيضاً لجميع محبيه وكافة المؤمنين به ليحيوا على شاكلته، وكلهم يعرف أنه ترك السماء موطنه الأصلي، ليتجسد على الأرض بحياة متواضعة وعيشة فقيرة.

          وبدءاً من مولده نتعرف على نمط حياته، فملاك الرب يخبر الرعاة عن مولده ويعطيه اسماً مميزاً بقوله: "وُلِد لكم اليوم مخلِّص وهو المسيح الرب" (لو11:2). وهم يعرفون أن (المخلص) هو مَن يكون على استعداد لتحمّل الجوع والعطش والبرد والسهر والمحبة والرّفق والبكاء والتخلي...الخ في سبيل مَن يريد خلاصهم. وهذا ما نجده في شخص الرب يسوع، فهو كان يصلي ويصوم ويسهر ويبكي ويترفّق ويحزن ويحب حتى المنتهى. فهو مخلّص حقاً.

          هذا الاسم الجليل للمخلِّص يسوع المسيح بحسب القديس أنطونيوس: (لا تتخلّى عن اسم الرب يسوع، بل امسكه بعقلك، ورتّل به بلسانك، وفي قلبك، وقُلْ: يا ربي يسوع المسيح ارحمني، يا ربي يسوع المسيح أعنّي. وقُل أيضاً: أنا أسبحك يا ربي يسوع المسيح).

          فالصوم غير المقرون بمجالسة يسوع المسيح، وباستحضاره صلاتياًيكون صوماً فارغاً من المعنى والمضمون، في حين عندما يكون اسم يسوع موضع صلاة وتسبيح وتمجيد، فما علينا إلا الاستعانة بصلاة يسوع.

          لهذا قال القديس مكاريوس: (داوم على ذكر الاسم القدوس، اسم ربنا يسوع المسيح، فهذا هو الجوهرة التي من أجلها باع التاجر الحكيم كل أهواء قلبه واشتراها، وأخذها إلى داخل بيته فوجدها أحلى من الشهد والعسل في فمه. فطوبى لذلك الإنسان الذي يحفظ هذه الجوهرة في قلبه، فإنها تعطيه مكافأة عظيمة في مجد ربنا يسوع المسيح).

 

ثانياً: وصف لشخص المسيح من حيث محياه وتنشئته

          قبل أن ندخل في عمق الموضوع ببعده الروحي، دعونا نأخذ فكرة استنتاجية تصف لنا المسيح من خلال أسرة طفولته مع تربيته في بلدة الناصرة.

          إن عائلة السيد المسيح كانت جزءاً من العائلة الكبرى لشعب الناصرة، حيث يصفهم أهل الاختصاص بأنهم: شعب بسيط قام تديّنه على أساس عبادة الله بروح الإيمان والمحبة والثقة، بعيداً عن مماحكات علماء الشريعة في أورشليم فهم قوم لم يعرفوا من الحياة غير العمل المضني، ويتكلمون اللغة الآرامية، وبعضهم تعلّم اللغة اليونانية، لغة الحضارة.

          وهنالك سائح قديم قام بزيارة الناصرة فوصفهم: بأن وجوههم وردية، وعيونهم زرقاء رائقة، وجمالهم ملفت للنظر، حيث يلعبون بملابسهم الشرقية الزاهية الألوان، وهم أذكى وأجرأ وأسعد من غيرهم.

          في هذا الإطار الناصري الذي يسوع كان واحداً منهم نتعقب سيرته الأولى لنجدها فريدة في دلالتها ومغزاها، ويصف لنا لوقا الإنجيلي بعضاً منها بقوله: "كان الصبي ينمو ويتقوى بالروح ممتلئاً حكمة، وكانت نعمة الله عليه" (لو40:2) ففي نور وجه أبيه السماوي كان "يتقدم في الحكمة والقامة والنعمة عند الله والناس" (لو52:2).

          يقول الباحث (ألن هوايت) عنه في طفولته: (له عقل نشيط وفكر ثاقب، وكان تفكيره وحكمته سابقتين لعمره). وقد اتصف بالنبل والجمال والإحساس المرهف، بحسب كتاب قديم هو مراسلات بين كورنيليوسوديونيسيوس(وكان يحيا بصورةٍ تتناسب مع طبيعته البشرية فلم يُظهر أعمالاً خارقة).

          وقد عاش الرب يسوع غلاماً طبيعياً يذهب في طاعة أمه ليحضر متطلباتها، وينظف ورشة النجارة من نشارة الخشب، ويلعب مع أصحابه وأترابه في السوق، ويشدو الأناشيد بصوت رخيم.

          وعندما بدأ السيد المسيح عامه السادس، تعلّم القراءة والكتابة وبعض أسفار العهد القديم مع الحاخامات في مدرسة المجمع. ومن العاشرة حتى الخامسة عشرة كان يدرس الأحاديث بحسب كتاب الميشناة الذي يحوي التعليم اليهودي الأساسي. وبعد سن الخامسة عشرة، التصق الرب يسوع بالقديس يوسف النجّار في ورشة نجارته ليساعده، وبقي معتكفاً العمل كمساعد لحين وفاة القديس يوسف، فبقي بعدها بمفرده يعمل وخاصة لإعالة أمه. ولهذا لقبه مرقص الإنجيلي "بالنجار" (مر3:6).

          وقد ذكر يوستينوس الشهيد (140م) أن الرب يسوع كان متخصصاً بالمحاريث والأدوات المنزلية ويصلح عربات القرويين، أما كورنيليوس قائد المئة كشاهد عيان فيقول: (قد شاهدت بعض أدوات الفلاحة والزراعة التي من شغل يديه وهو المحراث والنير، فوجدت صنعتها دقيقة ورقيقة، وهي في أجرة لا تُذكر بجانب خفّتها وقوّتها، لأنه كان غير طامع وقنوعاً، فلا يرد الطالب مهما كانت مقاولته قليلة).

          وقد كان السيد المسيح يأكل خبزه وأدامه، مثلما يأكله أحد الفقراء. وكان عند المساء يأخذ وسادة خشنة على حصير من لحاء القصب، ثم ينام ملء جفنيه بعد عناء يوم شاق.

          هكذا عاش السيد المسيح كناسك في ملبسه وطعامه ونومه وصلاته.

 

ثالثاً: حياة المسيح أثناء الخدمة

          نضيف في معرفتنا لحياة المسيح على ما قلناه في تنشئته المرحلة اللاحقة التي هي أيام الرجولة فنقول: فقد اختبر بنفسه حياة الفقر والزهد والحياة البسيطة، فعاش أيام بشارته "وليس له مكان يسند فيه رأسه" (متى20:8) عاش مع أمه فقيراً مع أنه هو الغني، ومطيعاً وهو الذي يجب أن يُطاع، وبتولاً.

عاش السيد المسيح على الأرض لأجلنا، معلّماً إيانا بالقول والفعل، وقال: "تعلّموا مني فإني وديع ومتواضع القلب، فتجدوا راحة لنفوسكم" (متى29:11). فكان يقضي أوقاتاً كبيرة في التأمل والصلاة والاستعداد الروحي، للخدمة العظيمة التي كان يقوم بها. ومع ذلك كان يمارس العمل اليدوي ليجوز في جميع اختبارات البشر.

 

رابعاً: سبع صفات نلمسها في المسيح خلال بشارته تقودنا إلى صوم حقيقي

          الآن ننتقل إلى الصفات الروحية التي تساعدنا على عيش الصوم برباط مع المسيح، إما أن تكون لنا عبرة أو أن نقتدي بها ونعيشها حياة. وأبرز ما تحلّى به المسيح من صفات أنه كان:

1- بتولاً وعفيفاً:

لقد عاش السيد المسيح على الأرض بتولاً طاهراً عفيفاً، فهو لم يتزوج لا لأنه إلهٌ فحسب، بل أيضاً لأنه عريسٌ لنفوس كثيرة لا تُحصى ولا تُعد كما جاء في سفر الرؤيا "جمع كثير لم يستطع أحد أن يُعدّه واقفون أما العرش وأمام الحمل متسربلين بثياب بيض" (رؤ9:7)

2- الفقر الاختياري (التجرد):

صفة من صفات الصوم أنه فقر اختياري. والمسيح قد عاش فقيراً متجرداً، مع أنه المالك لكل شيء. ولقد تأثّر بولس الرسول بفقره فقال: "فإنكم تعرفون نعمة ربنا يسوع المسيح، أنه من أجلكم افتقر وهو غنيّ، لكي تغتنوا أنتم بفقره" (2كو9:8). فعند تجسده اختار أفقر بنات أورشليم لتكون له أماً، وكذلك يوسف ليدعى أبوه بالجسد (لو23:3) حتى مولده كان في حظيرة للبهائم (لو7:2) ولم يكن له على الأرض مكاناً يسند فيه رأسه (متى20:8). فهو أخ للفقراء وصديق حميم للمرذولين، بمعنى أنه اختبر معيشة أفقر الفقراء.

أيضاً خلال حياته على الأرض لم يكن يملك مالاً على الإطلاق. فلم يكن معه ضريبة الجزية ليدفعها. ومرة ثانية قال: "أروني معاملة الجزية فقدّموا له ديناراً" وهنا قال: "أعطوا إذاً ما لقيصر لقيصر، وما لله لله" (متى15:22-22).

          وفي طعامه كان يأكل ما يُقدّم له، فهو لم يهتم بالطعام، وكما قال: "طعامي أن أعمل مشيئة الذي أرسلني وأتمم عمله" (يو34:4)، لأنه "ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، بل بكل كلمة تخرج من فم الله" (متى4:4).

وهكذا نستشف، أن الاهتمام بالمكان أو المال أو الطعام لم يكن من اهتمامات السيد المسيح. هذا هو المسيح الذي عاش على الأرض فقيراً، فعلّم تلاميذه أن يكونوا على شاكلته، فعندما أرسلهم ليكرزوا أمرهم قائلاً: "لا تحملوا كيساً ولا مزوداً ولا أحذية" (لو4:10) ونحن اليوم نرفع أنظارنا إليه برجاء الحب الذي فيه لنحيا كمثل فقرة الاختياري هذا، على الأقل خلال صومنا المبارك .

3- الطاعة:

تتجلّى طاعة يسوع للآب السماوي، وقد عبّر عنها بولس الرسول بقوله: "ومع كونه ابناً تعلّم الطاعة" (عب8:5)، وأيضاً: "أطاع حتى الموت موت الصليب" (في8:2). وفي الليلة الأخيرة قبل القبض عليه كان يناجي الآب بقوله: "يا أبتاه إنْ أمكنْ فلتعبر عني هذه الكأس، ولكن ليس كما أريد أنا، بل كما تريد أنت" (متى39:26) كما علّم تلاميذه والجموع، أن يطيعوا الآب أيضاً: "لأن مَن يصنع مشيئة أبي الذي في السموات هو أخي وأختي وأمي" (متى5:12).

          وأيضاً كان له طاعة لأبويه بالجسد. فأطاع أمّه العذراء في عرس قانا الجليل. وبحسب التقليد كان مطيعاً لأبيهيوسف خاصة في عمل النجارة.

          وظهرت هذه الطاعة كثيراً في معظم معجزات الرب وأشفيته. فلنتذكّر بعض الأمثلة بما أتى عليه الإنجيل: ففي شفاء الأبرص قال ليسوع: "يا سيد إن أردت تقدر أن تطهرني"، أطاع السيد وقال له: "أريد فاطهر" (متى2:8-3) وأيضاً: لما طلب منه (يايرس) رئيس المجمع، أن يأتي معه ويشفى ابنته، على الفور قام وتبعه، وأقامها من الموت (متى19:9). وغيرهم كثير جماعات ووحدانا.

          لماذا يا ترى كان بهذه الصورة مطيعاً للجميع؟ لأنه كان يشفق ويتحنّن على الآخرين وبحسب قول متى الإنجيلي: "وكان يتحنّن على الجموع، إذ كانوا منزعجين ومنطرحين كغنم لا راعي لها" (متى36:9).

4- التواضع:

شعار السيد المسيح التواضع حسب قوله: "تعلّموا مني فإني متواضع" ويقول القديس صفرونيوس: (إن كنت تريد أن تقتني الاتضاع، فافهم ماذا عمل السيد المسيح، وتأمّل صبره واصبر مثله، واقطع هواك لكل أحد، لأنه قال: "نزلت من السماء لا لأعمل مشيئتي بل مشيئة الذي أرسلني" (يو38:6). هذا هو الاتضاع الكامل أن تحتمل كل شيء أصاب معلم الفضيلة ربنا يسوع المسيح.

التواضع هو عكس الكبرياء، وفي الكتاب المقدس هو الفكر الذي لا يهتم بالأمور العالمية (رو16:12)، ويقدم غيره في الكرامة (رو10:12).

إن أعظم اتضاع أظهره الله في تجسّده العظيم، لأنه "أخلى نفسه، آخذاً صورة عبد، صائراً في شبه الناس" (في7:2) حقيقة أن "الله ظهر بالجسد" (1تي16:3).

كان السيد المسيح متواضعاً جداً، حتى قيل عنه "محب للعشارين والخطاة" (مر3:6) وفي حواره مع السامرية (يو4)، نجده يتجاذب معها الحديث في منتهى الاتضاع، حتى خلّص روحها. وهذا كان بالفعل عمله الدائم في اتضاع وهدوء ليخلّص الجميع، ويستجيب لطلباتهم، ويجيب عن أسئلتهم.

وفي اتضاعه لم ينس الأطفال، بل عندما قدّموا بعضاً منهم، انتهرهم التلاميذ خوفاً من ازعاج الرب، فقال لهم: "دعوا الأولاد يأتون إليّ ولا تمنعوهم لأن لمثل هؤلاء ملكوت السماوات، فوضع يديه عليهم" (متى14:19-15).

وفي اتضاعه العملي غسل أرجل تلاميذه حيث: "صبّ ماءً في مغسل وابتدأ بغسل أرجل التلاميذ ويمسحها بالمنشفة التي كان مُتّزراً بها" (يو5:13).

يمكننا القول أن حياة الرب يسوع جميعها كانت سيمفونية كبيرة تُنشد على وتر واحد هو التواضع.

فصيامنا لا يكتمل دون الاتضاع الذي يسوع فيه هو المصنع الوحيد. ونأخذ من مكاريوس الكبير القول التالي: (إنْ كان التكبر يعتبر أشر الرذائل كلها، حتى إنه طرح طائفة من الملائكة من علو السماء، فبلا شك يكون التواضع أكبر الفضائل كلها، لأنه قادر أن يرفع المتمسك به من الأعماق، حتى ولو كان خاطئاً. من أجل ذلك أعطى الرب "الطوبى للمساكين بالروح") (لو20:6).

في الحقيقة التواضع هو الباب الرئيس الذي يقود إلى الملكوت، فلا أجلَّ منه مع الصوم.

 

5- المحبة

          تميّزت حياة المسيح بالمحبة الشديدة للجميع: "فقد أحبّ خاصته الذين في العالم، أحبهم إلى المنتهى" (يو1:13). وإضافة لحبه للمرذولين أيضاً أحبَّ أعداءه من محتقريه وصالبيه، وهو الذي غفر لهم وهو معلّق على الصليب (لو34:23).

          وكانت وصية المحبة هي الوصية الجديدة التي أعطاها لتلاميذه: "وصية جديدة أنا أعطيكم: أن تحبوا بعضكم بعضاً، كما أحببتكم أنا تحبون أنتم أيضاً بعضكم بعضاً" (يو34:13). فعلينا إذن أن نحب الآخر كما يحبه السيد المسيح. ويكمل السيدالمسيح كلامه عن المحبة فيقول: "أحبوا أعداءكم، باركوا لاعنيكم، أحسنوا إلى مبغضيكم، وصلّوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم" (متى44:5).

          في هذا – أي محبة الأعداء والمسيئين – نتشابه مع الله، "الذي يشرق شمسه على الأشرار والصالحين، ويمطر على الأبرار والظالمين" (متى45:5).

          كما أعلن الرب أن أعظم وصيتين في الكتاب المقدس هما المتعلقتان بالمحبة: "تحب الرب إلهك من كل قلبك... والثانية مثلها: تحب قريبك كنفسك..." (متى37:22-40).

          ومحبة يسوع عملية وليست نظرية لأنه عندما قال: "ليس لأحد حب أعظم من هذا أن يضع أحد نفسه لأجل أحبائه" (يو13:15). وفعلاً هو بحبه مات لأجل الجميع.

          المحبة إذن هي صوم بحد ذاتها ومن دونها يبقى الصوم ليس فقط فارغاً من معناه، إنما هو نظام طعام لا علاقة له بالله الذي هو محبة ولا بالكنيسة أيضاً.

6- الصلاة:

          تميّزت حياة السيد المسيح بالصلاة، لا بل كانت حياته كلها صلاة.

          كان يواظب على الذهاب إلى المجمع والهيكل: ليصلي ويسمع كلمة الله (لو16:4) كما كان كثيراً ما "يعتزل في البراري ويصلي" (لو16:5). وأحياناً "يخرج في الصباح إلى البراري ليصلي" (مر35:1) وحتى بعد أن علّم الجموع وأطعمهم، وشفى مرضاهم، صرفهم إلى أماكنهم التي أتوا منها، ثم "صعد إلى الجبل منفرداً ليصلي" (متى23:14).

          أيضاً كان يصلي في كل مناسبة، ففي أثناء عماده ذُكر أنه "لما اعتمد جميع الشعب اعتمد يسوع أيضاً، وإذ كان يصلي انفتحت السماء" (لو21:3). وعند اختياره لتلاميذه "خرج إلى الجبل ليصلي، وقضى الليل كله في الصلاة لله ولما كان النهار، دعا تلاميذه واختار منهم اثني عشر الذين سمّاهم أيضاً رسلاً" (لو12:16-13). والصلاة الأبرز عند التجلي: "وصعد إلى جبلٍ ليصلي، وفيما هو يصلي صارت هيئة وجهه متغيرة ولباسه مبيضاً لامعاً" (لو28:9-29)

          فلا عجب بعد هذا أن يعلِّمنا قائلاً: "ينبغي أن نصلّي كل حين ولا نملّ" (لو1:18) ومن المفيد أن نعرف أن فضيلة السهر مقرونة بالصلاة بحسب قول السيد: "اسهروا إذاً وتضرّعوا في كل حين لكي تُحسبوا أهلاً للنجاة" (لو36:21).

          فالصوم الحقيقي سهر وصلاة. ولا يتحقق مفعول الصوم من دونهما. ويفيدنا قول الأب تيودور التالي: (الزهد في الطعام أي الصوم يهدِّئ الجسد). فقال له أب آخر: (أما الأسهار فتهدِّئ أكثر وأكثر).

7- الصوم

          لما كانت الروح الإنسانية هي واسطة الاتصال بالله، وهي التي تتوق إلى الاقتراب منه والتقرّب إليه، حتى تكتمل غايتها بالاتحاد به اتحاداً كاملاً "لكي يكون الله هو الكل في الكل" (1كو28:15).

          ثم لما كان الجسد ستاراً مادياً كثيفاً يقيّد الروح ويحول بينها وبين الانطلاق إلى الله،فمن واجب المؤمن أن يُتيح لروحه أن تتحرّر من ربقة الجسد، وتتخلّص من ذلك القيد المادي، الذي يحول بينها وبين أبيها السماوي، وذلك بأن يعمل على ترويض جسده وكبح جماحه، حتى يقلّل من كثافة مادته، ويزيد إلى أقصى الحدود من نقائه وشفافيته.

          والسبيل إلى تحقيق تلك المعادلة الصعبة، هو الصوم الذي به يجوع الجسد، وتشبع الروح منه. ويَضعف به الجسد، وتتقوى به الروح، لتحلّق في أعالي السموات، فتنتقل من ظلام المادة إلى الله مركز النور.

          ومع أن السيد المسيح لم يكن في حاجة إلى الصوم، لأنه لم يكن في حاجة إلى ما يدعِّم روحه، أو يزيد من فيض قداسته، إلا أنه أراد أن يعطي منهجاً روحياً يدعِّم به الروح ويكسر به شوكة الجسد، ويكون نفسه مثلاً حياً روحياً، ومنهاجاً نسكياً ليقتدي به المؤمنون في حياتهم الروحية، وصلتهم بالله. لذلك نجده قد بدأ خدمته بصوم عظيم الشأن، إذ "صام لمدة أربعين يوماً من دون طعام" (متى2:4).

          كما نلاحظ أن السيد المسيح، كان دائم الصوم في أثناء حياته على الأرض، وأحياناً نجده يُطعم الجمع ولم نسمع بأنه كان يأكل معهم، حتى عندما أرسل تلاميذه ليبتاعوا طعاماً وجلس هو مع السامرية ليخلّص روحها من الخطيئة، نجده يطلب منها ماء ليشرب، ولكنه دخل معها في حوار خلاصي ولم يشرب، وعندما أتى الرسل بالطعام، وقالوا له: "يا معلم كلْ" قال لهم "أنا لي طعام لآكل لستم تعرفونه أنتم" (يو31:4-34).

          لذلك أوصى السيد المسيح بالصوم كأحد الركائز في تقوية الروح الإنسانية كما أوصى أن تكون الرغبة في الصوم صادقة لوجه الله وحده، وليست مجرد مراءاة ونفاق وتفاخر أمام الناس: "ومتى صمتم فلا تكونوا عابسين كالمرائين فإنهم يغيّرون وجوههم لكي يظهروا للناس صائمين" (متى16:6-18).

          وأكد الرب على فاعلية الصوم في إخراج الشياطين، إذ قال: "وأما هذا الجنس فلا يخرج إلا بالصلاة والصوم" (متى21:17). وهذا ينطبق على معالجة أزماتنا النفسية.

          كما أعلن الرب بأنه: "ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان بل بكل كلمة تخرج من فم الله" (متى4:4).

          وقد قلّد المؤمنون الحقيقيون سيدهم ومخلصهم في فضيلة الصوم فتدرّبوا عليها ووصلوا إلى إمكانية قطف ثمار الروح التي تحدثنا عنها.

          ومن مكاريوس الكبير نأخذ العبرة التالية: (إنَّ أول العصيان كان من آدم أبينا في الفردوس، بسبب شهوة الطعام - لأن أول صوم في الوجود تحدّد بوصية الله القائلة: لا تأكل؛ فعصى هو وحواء وأكل - ونتابع مع القديس مكاريوس وأول الجهاد من السيد المسيح، كان في البرية بالصوم. وتَعلّمنا من التجربة أن الراحة والطعام هما أسباب الضلال، والصوم هو الغلبة والنصرة. فصوموا مع المخلّص لتتمجّدوا معه وتغلبوا الشيطان).

خامساً: الخاتمة

أنهي كلامي بخاتمةٍ حول الصوم استخلصها من كلمات للقديس يوحنّا الذهبي الفم: يتساءل فيها: هل تصوم؟ ثم يجيب هو نفسه قائلاً: أعطني برهاناً بأعمالك. إن صادفت فقيراً أشفق عليه. إن رأيت عدواً تصالح معه، إن رأيت صديقاً أكرمه، ولا تكن حاسداً له. إن رأيت امرأةً جميلةً اعبر عنها. ولا تدع فمك يصوم فقط، بل عيناك،وأذناك وقدماك، ويداك وكلّ أعضاء جسدك.

اجعل اليدين تصومانبالتطهر عن السلب والطمع. والقدمين تتوقف عن الركض نحو المشاهد المخالفة للناموس - وبلغة اليوم توقفعن الركض نحو المشاهد الإباحية الموجودة (في النت) - والعينان بالتعلّم على عدمالتركيز بوقاحةٍ على الوجوه الوسيمة، وعدم الانشغال بالجماليات الغريبة، لأن التطلّع هو طعام العيون.

صوّم أذناك أيضاً،يتم صوم الأذن برفض تقبل سماعالكلام الشرير وكلام الافتراء. لأنه مكتوبٌ: "لا تنقل خبراًكاذباً".

صوِّم لسانك عن الأحاديث القبيحة والمزاح. لأنه ماذا ينتفع إن أمسكت عن الطعام وأنت تقضم وتلتهم إخوتك وأخواتك. المتكلم الشرير يأكل لحم أخيه ويقضم جسد قريبه.

لذا علينا تثبيت ثلاث قواعد في ذهننا، ونحفظها خلال الصوم:

1- ألّا نتكلم بالسوء على أحد.

2- ألّا نعادي أحد.

3- أن نطرد من فمنا عادة الحلفان الشريرة.

ونضيف بأن الكنيسة في الصوم تُتحفنا بتراتيل متنوعة وجميلة ومن بينها هذه القطعة التي سنسمعها يوم الجمعة القادم علينا بالخير:

(هلمَّ أيها المؤمنون لنعمل في النور أعمال الله

ونسلك في شكلٍ حسنٍ كما في النهار مقتلعين من ذواتنا كلّ صكٍ جائرٍ نحو القريب

ولا نضع له عثرة شكٍّ

ولنغادر ملاذ الجسد وننمِّ مواهب النفس

ونمنح المحتاجين خبزاً

ونتقدّم إلى المسيح بتوبةٍ هاتفين:

يا إلهنا ارحمنا. آمين).