حديث الأسبوع (5 آذار)

أرشيف

وعظة الأحد

محاضرة للأرشمندريت يوحنا التلي

       لرعية كنيسة مار ميخائيل

        دمشق 22-3-2011

 

حياة النسك في زمن الصوم

أولاً: مقدمة عن النسك

          في زمن الصوم نحقق هدفاً أساسياً نرتبط به، وهو عيش الحياة الروحية واختبارها. إن هذه الخبرة توضّح لنا أن هناك غاية في الحياة الروحية، وهي أن يحقّق الإنسان في شخصه (المِثال) الذي كوِّنت عليه صورته حسب ما أراد له الله أن يكون. والله لم يرد إلا أمراً واحداً وهو (تأليه الإنسان)، الذي عن طريق الوصول إلى هذا المبتغى، يكون المثال قد تحقق ووصل به الإنسان إلى الذروة في صعوده نحو الكمال. وزمن الصوم يساعدنا في سلوك هذا الطريق المؤدي إلى تلك الغاية.

          ولما كانت كنيستنا تستند إلى تعاليم الآباء المستنيرين في هذا المجال، فما علينا نحن السالكين في دروبهم إلا أن نُجدّد تعاليمهم في حياتنا اليومية، ملتزمين بمفهوم النسك الذي قادهم بعون هذا الصوم الأربعيني المقدس إلى حيث سيقودوننا نحن تلاميذهم. ولنكن منتبهين إلى أن هنالك عوناً إلهياً يأتينا عن طريق النعمة التي نشعر بها أثناء الصلاة خاصةً كحسٍّ داخلي، فيعي الإنسان ما يكلّمه الله به سراً في قلبه. ثم يحرص على اتباع التوجيهات الآبائية والإنجيلية بنفس الانتباه ونفس الجدية اللازمين. فيُدرك المؤمن مستعيناً بحرية الإرادة عنده، عسى أنه قادر على صلب شخصيته العتيقة، مكتسباً حالة تجلٍّ لكيانه بنور القيامة بمعونة النعمة الإلهية.

عيش الحياة الروحية الذي نتكلّم عنه يتأجج داخل قلب كلّ منا فيصير فعله كمثل فعل النار المشتعلة. ولكنها مشتعلة شوقاً فقط من أجل أن يعيش الإنسان غنى هذا النسك وقوته، ليوصلنا شوق محمول إلى الله. ويجب ألا يجد أحدنا غرابة إذا التقى بالله، فيجده يحمل شوقاً حاراً أكثر دفئاً من شوقنا إليه. فيتبدد عنا كل قلق نحمله ونشعر به، وننال أجوبة على كافة تساؤلاتنا التي كانت تضعنا في حيرة من أمرنا، فنشعر بأهمية الترقّب المنفتح نحو المستقبل، دالاً على كشفنا لثمار نجنيها بمسيرتنا الروحية هذه. لذا علينا أن نحفظ غيرتنا متّقدة باستمرار بدون توقف، وبصبر حتى النهاية.

فإنساننا اليوم هو إنسان الشوق. وعليه يجب أن نبني علاقتنا بالله. فالله الذي أوجدنا لا عن عوزٍ و لا عن ضرورة إنما بداعي حبه الكبير لنا فقط. فإنه قد أودع هذا الحب فينا، فتكوّن عندنا من خلاله هذا الشوق إليه. فالبعض يظن أن الإنسان هو ابنٌ للضرورة أو الحاجة، ولكن الذين أكّدوا أنه هو ابن للشوق أصابوا الحقيقة أكثر. وكلما تعمّق الإنسان في حياته الروحية متوغلاً إلى أبعاد بلا حدود، كلما استطاع أن يستعيد حريته التي أضاعها بعدم طاعته لله من أجل فكرٍ رخيص. إن هذا الإنسان الآن وبعد معموديته وخلال صومه الروحي خاصةً، صار ينال من جديد بوساطة هذه الحرية ما لا يظن أنه قادر على نيله، فتصير والحالة هذه حرية تتحقق بها المعجزات. فتتضاءل أهمية الضرورة أمام الإبداعات الجديدة هذه. وتتحول العلاقة مع الله عن طريق الشوق إلى العمل بموجب الطاعة، التي بها يكوِّن الإنسان دربه الروحي وجهاده، متشبهاً بالمسيح الذي يحمل صورة الله ومجده.

وهنا أمام الوصول لهذه الحالة من حُسن العلاقة مع الله، لا يعود الإنسان يرضى أن ينفرد بما وصل إليه، فيقوم بالعيش بعيداً عن الإنسان الآخر، لأن معيار نضوج الحياة الروحية هو كيفية التعامل مع الآخر. وكلما كبر الحب عنده وتوغل في العمق أكثر، كلما استطاع أن يزيل الفارق بينه وبين هذا الآخر، فتختفي لذلك أهمية فوارق الدين واللغة والوطن ولا الرأي حتى وبدون هذا القرب، لن يكون هنالك من إله في حياتي، بل أتوّهم أنني عشيق الله ومشتاق إليه.

ثانياً: تعريف كلمة النسك

          نقرأ في كتاب محيط المحيط للعلاّمة بطرس البستاني أن كلمة «النُّسك» تعني: تزهد، تعبّد، تقشّف. والناسك هو العابد المتزهد، والراهب المنفرد (المتوحد) عن الناس، الذي يصرف أوقاته في الطاعة والعبادة. فالكلمة جاءت من «النُّسك» وهو العبادة والطاعة وكل ما يتقرّب به المتعبد إلى الله. وقيل للمتعبد ناسكٌ لأنه خلّص نفسه وصفَّاها لله تعالى من دنس الآثام. حتى أن الصوم يُطلق عليه أنه حالة نسك. وتعني كلمة نسك، نسّاك أو زهاد والتي يدل الإنجيل على أصحابها بكلام يسوع "المتشحين بالمسوح في وسط الرماد" (متى21:11).

          كلمة نسك يرادفها في اللغة العربية كلمة (التصوّف). وهي تدل على لبس الصوف للزهاد ولعباد الله. وتدل أيضاً على (الصفاء) الذي يحيا فيه الناسك. وربما تعني الكلمة معنى الصف، أي أن الصوفي هو في الصف الأول من الواصلين إلى الله. أو أن كلمة تصوّف آتية من مصادر أخرى. إلا أن الأدق هو قول الباحث جرجي زيدان في الإسلاميات فهو يقول بأن الكلمة آتية من الكلمة اليونانية (صوفيا) وتعني محبة الحكمة. علماً أن معظم مؤرّخي النساك في القرون الثلاثة الأولى كانوا يُسمّون هذه الحياة النسكية بالفلسفة الحقيقية ويلقبون النسّاك بالفلاسفة.

ثالثاً: يسوع قدوتنا في النسك

          نستعيد في زمن الصوم حياة السيد المسيح لنقتدي به على قَدر ما نستطيع، فهو قد عاش حياة نسكية حقيقية يقضيها بين تلاميذه والتحدث إليهم، وإرساء أسس بشارته لدى الشعب، والذهاب إلى الهيكل والتحدّث بلغة الكتاب المقدس. وكان في ذلك كله لا يستقر في مكانٍ واحدٍ، وذلك حسب قوله: "للثعالب أوجرة، ولطيور السماء أوكار، وأما ابن الإنسان فليس له مكان يسند فيه رأسه" (مت20:8). إلا أن مجلسه وإن لم يكن متّصفاً بالتسلية والضحك إلا أنه كان متصفاً بالشكر الدائم لله، وبالأحاديث الروحية التي تبعث على النشوة والفرح والسرور بدلاً من القهقهة والضحك. فالأحاديث كانت لديه تبعث على العزاء الروحي، وتبث في قلب مستمعيه روح الكمال والرزانة والفضيلة. مما يدل حقاً أنه أتى من لدن الله كما وصفه بولس الرسول: "أخلى ذاته، آخذاً صورة عبدٍ، صائراً في شبه الناس" (في7:2) وكان يريد منّا أن نمتثل به في كل شيء، ولم يكن هذا كله إلا أمثولة نسكه النموذجي مما دعاه ليقول لنا: "تعلّموا منّي لأني وديع ومتواضع القلب فتجدوا راحة لنفوسكم" (مت29:11).

          فحياة النسك في كنيستنا المقدسة ترتبط بيسوع الناسك الأول، ولذي هو القدوة الأساسية لحياتنا الروحية. وفي الصوم نزداد انشداداً نحوه لنقتدي به. وهكذا أيضاً وجد النسّاك عبر التاريخ في شخص السيد المسيح كل أماني تطلعاتهم. فخرجوا على اسمه إلى حيث أماكن نسكهم، وعاشوا بحسب حياته متمثلين به ليكون المسيح هو الألف والياء لكل حياتهم وتسابيحهم ومناجاتهم. فهو المعين للجميع.

 رابعاً: الصوم وعلاقته بالنسك

          بعض الناس يجهلون أهمية الصوم وفائدته، لذا نجدهم يمارسونه كواجب أو على مضض، أو قد يتجاهلونه. إلا أن الذين يعرفون معنى الصوم وأهميته في حياتنا فيُقبلون إليه بفرح، وليس بحزنٍ أو عن خوف. وبالرغم من أن الصوم مُخيف، ولكن ليس لنا نحن البشر المؤمنين. إنما هو مخيفٌ للشياطين، وخاصة عندما ترافقه قرينته التي هي الصلاة. وقد علّمنا المسيح قائلاً بأن القوى الشريرة أو الشيطان لا يخرج من الإنسان إلا بالصلاة والصوم.

          فالصوم ليس بمخيفٍ للإنسان، ولكن الشراهة التي هي نقيضه هي المخيف. فالشراهة طريق نحو الأهواء، وهي تستعبدنا بألم. في حين أن الصوم يحررنا من عذاب الأهواء، ويهبنا الحرية الروحية.

          من أعظم أنبياء العهد القديم موسى وإيليا وداود، فالاثنين الأولين اللذين كانت لهما دالّة عند الله، كانا عندما ينويان التكلّم معه كان الصوم الذي يلتزمان به هو الذي يقودهما إليه. أما داود فنعرف مقدار التزامه بالصوم من النظر إلى ركبتيه لأنه كان يقول: "كلّت ركبتاي من كثرة الصوم" (مز24:109).

حتى قبل زمن الأنبياء في الحياة الفردوسية، كان هنالك ضرورة للصوم. لأن الله عندما كلّم آدم وحواء قال لهما: "من جميع شجر الجنة تأكلا، وأما شجرة معرفة الخير والشر فلا تأكلا منها" (تك16:2-17). ونعلم أنه حين أمر الله بهذا الصوم لم تكن الشياطين قد ظهرت على ساحة وجود الإنسان. ولكن بعد ظهورها وإغوائها للإنسان ودخوله إلى عالم الموت بسبب مخالفة الوصية، ندرك كم صار ضروري التقيّد بالصوم لنيل القوة الروحية.

          قد يقول قائل نحن نخاف من الصوم لأنه يُضعف الجسد وقد يؤذيه. لقد صام الأنبياء كما صام المسيح أربعين يوماً بدون طعام، ولم يتأذ أحداً منهم. نعم قد يُضعف الصوم الجسد ولكن في هذا منفعة وليس ضرراً. ومع ذلك نقول بأنه لا مانع أن يضعف الإنسان الخارجي قليلاً على حساب أن يتجدّد الإنسان الداخلي كثيراً. وفي هذا يقول بولس الرسول: "ولهذا لا تخور عزيمتنا، ولكن ما دام الإنسان الظاهر فينا يفنى، فإن الإنسان الباطن فينا يتجدد يوماً فيوماً" (2كو16:4). ومع ذلك فإن العلماء الذين يفسّرون مواضيع الصحة الجسدية من أطباء وغيرهم يؤكدون أن الأكل القليل أفضل للصحة من الأكل الكثير. فالشراهة هي التي تسبب الكثير من الأمراض.

          هذا الكلام عن الصوم بالرغم من أهميته، إلا أنّ الأهم فيه هو الاستفادة الروحية منه. فالصوم فرصة نتدرّب فيها على الابتعاد عن الخطيئة وعن الأهواء كافة. وتالياً هي فرصة للاقتراب من الفضائل كلها بدون استثناء. إنها فرصة حرب يشنّها إنساننا الداخلي متسلحاً بالصلاة والصوم، لتنتصر خلالها قوّة الإرادة عنده، وتتحرر الرغبات بقوة الحرية الصحيحة التي يمتلك بها قدرةً على ضبط النفس، التي تؤكّد على أن الأهمية الكبرى في حياتنا تقوم على طاعة الله والعمل بحسب مشيئته، مما سيكون بعدها جني كل واحدٍ منّا ثماراً كثيرة مقبولة لدى الله. ومبعث فرح يأتي إلى الإنسان ليحيا جمال الحياة بدون زيف.      

خامساً: النار الروحية

          حياة النسك هي حياة رغبة في اقتناء (النار الروحية)، تلك التي أرسلها الله لنا "كما من هبوب ريحٍ عاصفة...وظهرت...ألسنة منقسمة كأنها من نار واستقرت على كلِّ واحدٍ منهم. وامتلأ الجميع من الروح القدس" (أع2:2-4). فهذا الاقتناء للروح القدس مرتبط بقوة الجهاد، الذي يبذله المؤمن لتصل الرغبة عنده للقدوم على القفز في النار بحسب تعبير الآباء القدّيسين. فحياة التوبة الصادقة، والمحبة التي عند الساعين إلى رؤية وجه الله تقود إلى لذة آتية من جمال النظر إليه، فتتحرك شعلة الروح في قلوبنا لتُقصي بعيداً حياة الإهمال والكسل، فننجذب للمسيح أكثر، تائبين ومعترفين بخطايانا وضعفنا، فنحصل منه على معونة آتية من لدن الله تعالى بحلول نعمته الإلهية فينا. فنتواضع فرحين ونصير مقتنين لهذه النار الروحية. فلا يعود هنالك أعباء أو حواجز تقف بوجهنا المتطلع إلى شخص يسوع فنرانا بداية: نُقلع عن الشر ونتمسك بالصوم ونعتدل في سلوكنا. إنه بداية الطريق للسلوك كأطفال في أسرة المسيح. ويصير كما يقول القديس ساروفسكي: (عندما ينزل روح الله على إنسان ويغطيّه بظله تطفح عندئذٍ روحه بفرح لا يوصف لأن الروح القدس يحوِّل كل ما يمسّه إلى فرح).

          قد نجد أن البعض يرغب بهذا الزهد الذي يؤجج حياة الروح في داخلنا خوفاً من العقاب أو طمعاً في الثواب، فلا بأس بذلك ولكنه ليس هو الأصح، إنما طريق الزهد في الحياة يكون دافعه حب الله، الذي يتشبه بالنار التي كلّما ازددنا قرباً منها كلما شعرنا باتقاد حرارتها في أرواحنا. ويسوع في سفر الؤيا يناشد كل منا بالقول: "كن حاراً حتى لا أتقيأك من فمي" (رؤ16:3). فنزداد قرباً من الملكوت ومعرفة به. ولما كان طريق الملكوت كما بدا لنا هو العبور في وسط النار، فهذا يعني أن خطايانا تحترق بداخله، ونتنقّى نحن منها، ونصير أكثر قدرة على رؤية يسوع الناهض من بين الأموات لنستزيد منه بعونه لنا، فتتأصل فينا الفضائل الثلاث الأساسية (الإيمان والرجاء والمحبة)؛ تلك الفضائل التي تبقى رفيقة لنا مع استمرار جهادنا الروحي إلى غايته الأخيرة في (الاتحاد بالله). وهذا يتم إذا تفاعلنا مع الروح الذي قال عنها المسيح: "فمتى جاء هو، أي روح الحق، أرشدكم إلى الحق كله، لأنه لن يتكلم من عنده، بل يتكلم بما يسمع ويخبركم بما سيحدث... لأنه يأخذ ممّا لي ويخبركم" (يو13:16-14). إذن هو يقودنا ليس نحو ذاته، ولكن نحو المسيح القائم من بين الأموات.

 سادساً: مجاهدة الأهواء

          حياة النسك تقوم على الجهاد الروحي في وجه الأهواء التي تداهمنا، والتي كان أولها في التاريخ انصياع آدم وحواء لهذا الإغواء بعيداً عن طاعة الله. وقوة هذا الجهاد يكمن في التوبة. والأفضل أن تكون التوبة بدموعٍ يغسل فيها الإنسان ميول رغباته التي يريد الشيطان أن يتحكّم فيها، في حين أن الإنسان مدعوٌ بملء حريته ليضع نفسه تحت طاعة الله. فآدم وحواء اللذان كانا يتنعمان في وسط الفردوس بصحبة الله، فإنهما بعد مخالفة وصية الله صارا يتنكران بعضهما لبعض. وكلّ منهما يدّعي بأن الآخر هو السبب، ومن ذلك الحين صار الإنسان يُدافع عن نفسه متهماً الآخر بأنه هو الخاطئ. ولكن يسوع بمجيئه فتحَ لنا أبواب التوبة كطريق ندخل منه، واضعين أنفسنا - وليس غيرنا - كمتهمين للخطايا المرتكبة، وتالياً طالبين من الله المغفرة تائبين.

          وإذا تساءلنا ما هي هذه الأهواء؟ فالجواب هي أنها سبعة أهواء: (الغيظ، الضجر، الشراهة، الزنى، حب المال، عدم الإحساس، والكبرياء) والتوبة التي تتبنى التخلّص من هذه الآفات لا تقوم على القول في رفضها لكلّ منها، إنما الجهاد المرير المصحوب بطاعة الله لتحل محل كل تخلّ عن هذه الأهواء. والإنسان يستعين بالصلاة، وبمعطيات الإنجيل، وبالإرادة الطيبة، وبالقلب النقي، لأننا عن طريق نقاوة القلب نصل إلى معرفة الله فالمسيح يقول: "طوبى لأنقياء القلوب فإنهم يعاينون الله" (مت8:5). ولكن الإنسان أحياناً لا يتقبّل طريق التوبة هذا فيستولي عليه الغيظ الذي يتنافى مع مسيرته. والغيظ مؤذٍ للنفس كثيراً، لأن الحقد والكذب وكثرة الكلام يتولّد منه، فيؤول الأمر بالضجر ليصير أثقل الأهواء كلها، وبه تموت كل الفضائل.

          النتائج التي وصلنا إليها تقودنا لنقف مقاومين هذا الضجر الآتي وكل ما يتبعه، فننتصر بهذه الغلبة التي تجعلنا في حالة جديدة، مآلها تحلّي لساننا بالصمت، والذي يتبعه صمتان اثنان هما صمت الفكر وصمت القلب. فيحصل ما هو مهم للغاية، فيتم الانتقال تدريجياً من حالة الضيق والألم والخوف ومن تأنيب الضمير إلى حالةٍ تلقائيةٍ يتحقق فيها الفرح، والإحساس بنيل الرحمة. إلا أن مثل هذه الحالة المُثلى لا تتم إلا في وسط الحياة الكنسية، التي يغلب عليها روح الصلاة، التي يحرّكها الروح القدس داخل الإنسان لينيره بمعرفة وقوة هو بحاجة إليهما. ويكتمل الأمر عن طريق الالتزام بالصوم الذي يساعد على إنجاحه الصبر والإرادة الحسنة.

          جهلنا بمعرفة ذواتنا يعرقل فينا سبل النجاح في مسيرة جهادنا، في حين أن المثابرة عليه هي أساس معرفة الذات التي تتم شيئاً فشيئاً، فتؤدي إلى ارتقائنا نحو ملء قامة المسيح. فيتكون عندنا حسّ روحي نميّز به الإيحاءات الصالحة والشريرة، ونتبيّن مشيئة الله بيقين في كل حين. ولكننا نحتاج للوصول إلى هذا النجاح لفضائل أهمها؛ الوداعة والبساطة والبراءة والتواضع، فهي تساعدنا على قهر الأهواء، وتملأنا من روح التطويبات الإنجيلية. في حين أن الكبرياء هو أكبر معرقل لمسيرتنا هذه.

          والإنسان الروحي الذي يتحلّى بهذه المعرفة المقرونة بنيل النور الإلهي ينقاد إلى التشبّه بالمسيح إذا حافظ على نقاوة براءته. لأن المسيح يستقر في قلوب الودعاء. والشيطان يأخذ له مقراً في القلوب المضطربة.

          قاعدة الزهد تقوم على التنبه إلى الحياة الروحية التي علينا اقتناؤها عن طريق الصبر واحتمال الضيقات. لذا علينا أن نسير في درب جهادنا بتواضع، وعدم التعلّق بالأشياء الأرضية لأجل ملكوت السماوات. ومن أخطر ما يعترض سبيلنا هو المجد الفارغ الذي يجذبنا إلى حيث لا وجود للحياة الروحية. لذا علينا أن نفحص الأمور التي نتعرّض لها وخاصة الفضائل والأهواء، بحيث لا ننجرف بطريق مغلوط ليس هو من طرق الروح القدس، متذكّرين قول بولس الرسول: "إن الروح يفحص كل شيء حتى أعماق الله" (1كو10:2).

          بصورةٍ عامةٍ يخاف الإنسان من الموت، لكن الإنسان الروحي هو الذي يخاف من الخطيئة فقط. أما الموت بالنسبة له فهو موضوع تأملٍ ضروري لبنيان الإنسان. فنحن عندما نعتبر اليوم هو اليوم الأخير من حياتنا فنحياه كقديسين بالفضيلة حينها لا يعود شيء يُخيفنا.

 سابعاً: كل خليقة الله مدعوة للحياة مع الله

          لما كان الله خالقاً للجنس البشري، فهذا يعني أنه أبٌ للجميع. ودعوته تخصنا كلنا، لا كما يريد البعض أن يظن بأن دعوته خاصة بالرهبان والإكليروس. فدعوة المسيح هي دعوتين؛ الأولى عامة من أجل البشرية جمعاء، وعنها قال السيد المسيح لتلاميذه: "اذهبوا إلى العالم أجمع واكرزوا بالإنجيل للخليقة كلها" (مر15:16)، والدعوة الثانية هي دعوة خاصة لنا نحن المؤمنين المعمدين، وفيها ترك لنا الخيار بقوله: "من أراد أن يتبعني فلينكر نفسه ويحمل صليبه ويتبعني" (مت38:10). إذن نحن جميعاً مدعوون لنقف كأبناء له أمام عرش مجده. فكم بالحري زمن الصوم، هذا الزمن المميز لاكتساب شفافية الروح. والكتاب المهم في زمن الصوم: (السلّم) يناشدنا قائلاً: (الله هو لجميع الذين يختارونه). وكذلك الحياة والخلاص فهما لجميع الناس؛ مؤمنين كانوا أو غير مؤمنين، حكماء أو بسطاء، أصحاء أو مرضى، أحداثاً أو شيوخاً، وذلك على غرار اندفاق النور وشروق الشمس وتوالي فصول السنة من أجل كافة الناس على السواء. نعم وليس الأمر على خلاف ذلك لأنه: "ليس عند الله محاباة" (رو11:2). لذلك يكمل السلّمي القول بالنصيحة التالية: (افعلوا ما استطعتم من الصالحات، لا تُعيِّروا أحداً، لا تخدعوا أحداً، لا تسرقوا أحداً، لا تتشامخوا على أحد، لا تمقتوا أحداً، لا تنقطعوا عن صلوات الكنيسة، اعطفوا على المحتاجين، لا تعثروا أحداً، إن فعلتم هذا لن تكونوا بعيدين عن ملكوت السماوات).

          هذا بالنسبة لكلِّ إنسان، فكم بالحري بالنسبة للإنسان المسيحي الملتزم بملء حريته الانتماء للمسيح، فهو مدعو لأن يتشبّه بالمسيح قدر ما يستطيع ذلك للبشر. وبولس الرسول يقول: "تشبّهوا بي كما أنا بالرب" (1كو1:11). ويجب ألا ننسى أهمية حياة الجماعة الملتئمة كواحد في المسيح، ففي زمن الصوم علينا أن نجتمع للصلاة ولعمل الخير المشترك، فالمسيح يقول لنا: "حيث اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمي أكون في وسطهم" (مت20:18). ولنعلم أن هناك حاجزاً يفصل بيننا وبين الله ويمنعنا من الوصول إليه، وهو الخطيئة فلنتجنبها لأن أشعياء يقول: "أليست خطاياكم هي التي فصلت بيني وبينكم؟" (أش2:59).

          النسك زمن الصوم يدعونا لنكون في سلام مع أنفسنا، وهو يكتمل بأن يكون لنا مع الله سلام بالمثل. فالإنسان يرغب من أعماق قلبه بالسلام. ولكنه يجهل أحياناً طبيعة الخبر الذي يوصله إلى مبتغاه. فعليه أن يتعلم حُسن الإصغاء إلى الله، ولن يجد أفضل من يسوع مُعطياً له هذا السلام. ولنتذكر أنه قال لنا في إنجيل يوحنا: "السلام أستودعكم، وسلامي أعطيكم" (يو27:14). إنه سلام المسيح الذي يبدد من حياتنا وفكرنا القوى المعاكسة للسلام، والتي مصدرها الخطيئة والخوف والشك وعدم اليقين. وليس هناك أكثر من حياة الصوم قدرة ليملأ الله دواخل نفوسنا بالسلام الحقيقي. المهم أن نكون مستعدّين لقبوله، ومواصلين جهدنا الروحي نحوه لنحياه أيضاً مع الآخرين. فيسوع يقول لنا: "طوبى لصانعي السلام فإنهم أولاد الله يُدعَون" (مت9:5). إن يسوع الذي يريدنا أن نقيم علاقات سلام مع كل إنسان يطمئننا بأننا سننال بموجبه السعادة. فطريق السلام يؤدي لسعادة وفرح حقيقيين. وبالطبع فليس المقصود هنا هو الفرح أو السعادة الدنيوية، إنما المقصود هو السعي لنيل فرح من الله. وهذا لا يتماشى مع أنانية العالم وكبريائه وشهوته للسلطان، لأننا عن طريق كسب هذا السلام نقدّم للآخرين عطايا قد يبادلونها بالإساءة، ومع ذلك نبقى أمينين على مبدأ القدوة. فنحن نقتدي بالمسيح ونبقى أمثولة ليقتدي غيرنا بنا ليصل بدوره إلى المسيح. إنه طريق الملكوت.

          ثم إن النسك في زمن الصوم هو طريق نحو بُعدين إلهيين هما القداسة والكمال. فالكتاب المقدس يُشدّد في عهده القديم على القداسة بقوله على لسان الله: "كونوا قدّيسين لأني أنا قدوس" (لا45:11). فالقداسة هي سر الله، والبشرية مدعوة للاشتراك بها، وخاصةً في المسيحية التي ينفتح للمؤمن فيها الباب على مصراعيه بنيله الروح القدس عن طريق المعمودية. ويبقى الإنسان محافظاً على هذه القداسة طالما أنه بعيد عن الخطيئة. أما الكمال فهي دعوة المسيح لنا بقوله: "كونوا كاملين كما أن أباكم السماوي كامل" (مت48:5). فطريق النسك الصومي يساعدنا لاقتناء الكمال عن طريق الحب: "البسوا المحبة التي هي رباط الكمال. وليملك في قلوبكم سلام الله" (كو14:3-15). فنكتشف بهذا الحب أن دعوتنا هذه تكتمل بالرحمة لنصير متشبهين بالله. فيسوع يقول: "كونوا رحماء فإن أباكم أيضاً رحيم" (لو36:6). إنه الشرط الأساسي لدخول ملكوت السماوات لأن يسوع من خلالها يقول لنا: "طوبى للرحماء فإنهم سيُرحمون" (مت7:5) والتي تحمل ذات مفاعيل السلام التي ينال من خلالها الإنسان الفرح بأعمال الرحمة، فالرحمة عند الآباء القدّيسين تكمّل النسك. ولكن علينا أن ندرك أن لا شيء من أعمال الرحمة يوازي أن يكون لنا قلب نقي نظيف يسكنه الله، ليعيش صاحبه بحضرته حياة النسك الحقيقية. ومن خلال هذا المسكن الإلهي الذي هو القلب تأتي قيمة الرحمة، لأنه حينها يبقى القلب منفتحاً نحو الجميع، لأن محبة الله لا تستقر إلا فيمن يمارسون الرحمة: "إن قال أحد إني أحب الله وأبغض أخاه فهو كاذب. لأن مَن لا يحب أخاه الذي أبصره كيف يقدر أن يحب الله الذي لم يبصره" (1يو20:4-21). ولنا هذه الوصية منه أن مَن يحب الله يحب أخاه أيضاً.

          ومع مزيدٍ من التوغّل في الحياة مع الله عبر دربنا الروحي هذا خاصة في النسك الصيامي، نصل إلى حالة من الهدوء المقدس على الصعيدين النفسي والجسدي. فهدوء الجسد يقوم على معرفتنا بطباعه وأحاسيسه، فنكبحها بمزيد من الصلاة وعيش المحبة. وكذلك هدوء النفس فهو التوغّل بمعرفة أفكارها وتنقيتها عن طريق عيش السلام الداخلي والصلاة.

          وحتى لا يصيبنا الغرور أثناء عيشنا الهدوء، علينا أن نعرف بأن هناك أهواء تُحارب الهادئين وهي: الكبرياء والكسل والضجر ومحبة المال. لذلك على هؤلاء الذين ينجذبون لحياة الهدوء أن يزيدوا صلاتهم بلا فتور، وأن ينتبهوا أيضاً لكي يقوموا بأعمالهم من خلال قلب متيقّظ. وعلى هؤلاء الهدوئيين أيضاً الذين اختاروا هذه الحالة الصعبة أن يحافظوا على ما جنوه منها، لأنهم ما إن يهملوا حالتهم هذه حتى يفقدوا كل الفضائل التي حصلوا عليها، وخاصة إمكانية الوقوف الدائم في حضرة الله.

          إن بدء حياة النسك يقوم كما مر معنا حالة نسعى فيها للتشبّه بالمسيح، أما في فترة السكون أو الهدوء فيصير التعرّف على المسيح من خلال عيش المحبة. فالعودة الدائمة إلى موقف القلب هي قوة طريقنا النسكي في الصوم.

ثامناً: الخاتمة

          حياة النسك هذه قائمة من أجل الاهتمام بأنفسنا. فنحن بدون الاهتمام الروحي وأعمال الرحمة نحوِّل أرواحنا إلى أنفسٍ ميته. فعلينا أن نغذيها إذاً، لأن الجسد إن لم نغذه بالطعام يضمر ويموت، وهكذا أنفسنا أيضاً إن لم نغذها بالأعمال الصالحة المقرونة بالإيمان بالمسيح فإنها لن تستطيع أن ترث الملكوت السماوي. ومن الأمثلة التي نجدها في العهد الجديد قصة اللص اليميني الذي صُلب مع الرب، فقد ربح الفردوس بإيمانه فقط. وقائد المئة كورنيليوس الذي لم يكن يعرف المسيح، ثم عرفه بمساعدة ملاك الرب فأتاه بطرس بعد أن "صعدت صلواته وصدقاته أمام الرب" (أع4:10)، "فكلّمه كلاماً به خلُص هو وأهل بيته" (راجع أع13:11-14)، وهذا يعني أنه خلُص بفضل أعماله الصالحة، وبالإيمان الذي صار له.

          فالنفس قد تيأس مستسلمة للخطيئة فتفقد خلاصها، لأنها تصير عبدة للعادات السيئة، وبعيدة عن الارتواء والاستنارة من الكتب المقدسة فلا تعود تثمر بالفضيلة. فالنفس كالأرض تحتاج إلى سقاية وحراثة، وإلا فإن ثمارها تبقى عشباً وشوكاً ونباتاً برياً.

          أما إذا أرادت النفس أن تنمو روحياً، فما عليها إلا أن تهتم بتهذيبها، فتتجنب الانقياد إلى الموت وتكسب حياة الملكوت. وأكبر منقذ لها هو حياة النسك. وفي هذا الأمر ينبهنا القديس يوحنا الذهبي الفم قائلاً: (إنه لقريبٌ حقاً كيف أن الكل يتتبّعون أمور هذه الحياة المؤقتة الحالية فاغرين أفواههم؛ ولكنهم بالنسبة للأمور الآتية والأبدية فهي لا تخطر على بالهم البتة. يهرولون نحو المآدب والملذات الجسدية بسرعة، وأما نفوسهم فيتركونها تذوب من الجوع الروحيّ. يهتمّون بالجسد وتزيينه قدر ما يستطيعون؛ وأما بالنفس فلا يبالون. عندما يمرض الجسد يدعون الأطباء ويتناولون الأدوية ويصرفون أموالاً طائلة حتّى يشفى، وأما النفس التي تعاني من مرض الخطيئة المميت فلا يقومون بشيء اتجاهها، والأسوأ هو أنه بعد كلِّ هذه الاهتمامات بالجسد المائت، لا يموت وحده، ولكن النفس أيضاً يُحكم عليها في الجحيم التي لا تنتهي). فلمثل هذا الكلام ينبهنا داوود النبي: "يا بني البشر حتى متى تحبون الباطل وتبتغون الكذب" (مز2:4). لهذا علينا إتباع طريق النساك وخاصةً في الصوم، لأنه قادرٌ أن يزينا بالفضيلة، وأن يجعل دواخلنا مسكناً للمسيح. وفي هذا تكتمل سعادتنا، ويلمع فرحنا، وتتوسع دائرة غبطتنا، لأنه لن يعطى السرور أكثر من ذاك الذي لديه المسيح في نفسه. فالمسيح هو ينبوع الحياة والفرح وعدم الموت.

          فالنسك في الصوم فضيلة،ٌ بها نهتم بأنفسنا غير المائتة، وبوساطتها نمتطي سفينة الوصول إلى الأخدار السماوية، وهناك نتمتع بالخيرات غير الفاسدة التي أعدها الله لنا على مائدته، ودعانا إليها لكي نتقوى بالروح لدى تناولها، فليس هناك طعام أطيب من (خبز الحياة). فيا يسوع كن خبزنا الآن وإلى المنتهى.