أحد الابن الشاطر (12 شباط)

أرشيف

حديث الأسبوع

الرسالة: 1كو 12:6-21

يا إخوةُ كل شيءٍ مُباحٌ لي ولكن ليسَ كلُّ شيءٍ يوافق. كلُّ شيءٍ مُباحٌ لي ولكن لا يتسلَّطُ عليَّ شيءٌ. إن الأطعمةَ للجوفِ والجوفَ للأطعمةِ، وسيبيدُ اللهُ هذا وتلك. أمَّا الجسدُ فليس للزنى بل للربِّ والرب للجسد. واللهُ قد أقام الربَّ وسيُقيمُنا نحن أيضاً بقوَّتِه. أما تعلمون أنّ أجسادَكم هي أعضاءُ المسيح. أفآخذُ أعضاءَ المسيحِ وأجعَلُها أعضاءَ زانيةٍ حاشى. أما تعلمون أنّ منِ اقترن بزانيةٍ يصيرُ معها جسداً واحداً. لأنَّهُ قد قيل يصيرانِ كلاهُما جسداً واحداً، أما الذي يقترنُ بالربِ فيكون معهُ روحاً واحداً. اهرُبوا من الزِنى. فإنَّ كُلَّ خطيئةٍ يفعلُها الإنسانُ هي في خارجِ الجسد. أما الزاني فإنّهُ يُخطئ إلى جسده. أم ألستُم تعلمون أنَّ أجسادَكم هي هياكلُ الرُّوحِ القُدس الذي فيكم الذي نِلتُموه من الله وأنّكم لستم لأنفسِكم. لأنّكم قد اُشتُريتُم بثمنٍ فمجدوا الله في أجسادكم وأرواحِكُم التي هي لله.        

 الإنجيل: لو 11:15-32

قال الربُّ هذا المَثل. إنسانٌ كان لهُ ابنان. فقال أصغرُهما لأَبيهِ يا أَبتِ أَعطِني النصيبَ الذي يخصُّني من المال. فقسم بينهما معيشَتَهُ. وبعد أيامٍ غيرِ كثيرةٍ جمعَ الابنُ الأصغرُ كلَّ شيءٍ لهُ وسافرَ إلى بلدٍ بعيدٍ وبذَّرَ مالهُ هناك عائشاً في الخلاعة. فلمَّا أَنْفَقَ كلَّ شيءٍ لهُ حدثتَ في ذلك البلد مجاعةٌ شديدةٌ فأَخذ في العَوَز. فذهبَ وانضوىَ إلى واحدٍ من أهلِ ذلك البلد فأَرسلهُ إلى حقولهِ يرعى خنازير. وكانَ يشتهي أَنْ يملأَ بطنهُ من الخرنوبِ الذي كانتِ الخنازير تأكلهُ فلم يُعطِهِ أحدٌ. فرجعَ إلى نفسهِ وقالَ كم لأَبي من أُجَراءَ يَفْضُلُ عنهمُ الخبز وأنا أَهلِكَ جوعاً. أَقومُ وأمضي إلى أبي وأَقولُ لهُ يا أَبتِ قد أَخطأتُ إلى السماءِ وأمامكَ. ولستُ مستحقّاً بعدُ أن أُدعَى لك ابناً فاجعَلْني كأَحَدِ أُجَرائِك. فقامَ وجاءَ إلى أبيهِ.

 وفيما هو بعدُ غير بعيدٍ رآهُ أبوهُ فتحنَّن عليهِ وأسرعَ وأَلقى بنفسهِ على عنقهِ وقبَّلهُ. فقالَ لهُ الابنُ: يا أَبتِ قد أَخطأتُ إلى السماءِ وأمامكَ ولستُ مستحِقّاً بعدُ أن أُدعى لك ابناً. فقال الأَبُ لعبيدهِ هاتوا الحُلَّة الأولى وأَلبِسوهُ واجعلوا خاتَماً في يدهِ وحِذاءً في رجلَيهِ. وأْتوا بالعجل المسمَّن واذبحوهُ فنأكُلَ ونفرَحَ. لأنَّ ابنيَ هذا كان ميّتاً فعاش وكان ضالاًّ فَوُجد. فطفِقوا يفرَحون.

وكان ابنَهُ الأكبرُ في الحقلِ. فلمَّا أتى وقرُبَ من البيت سمعَ أصواتَ الغِناءِ والرقصِ. فدعا أحد الغِلمانِ وسأَلهُ ما هذا. فقالَ لهُ: قد قدِمَ أخوكَ فذبحَ أبوكَ العجلَ المسمَّنَ لأنَّهُ لقيَهُ سالماً. فغضِبَ ولم يُرِدْ أَنْ يدخلَ. فخرجَ أبوهُ وطفِق يتوسَّلُ إليهِ. فأجابَ وقالَ لأَبيهِ كم لي مِنَ السنينِ أخْدِمُكَ ولم أَتَعَدِّ لك وصيَّةً قطُّ وأنت لم تُعطِني قطُّ جَدْياً لأَفرحَ معَ أصدقائي. ولمَّا جاءَ ابنُك هذا الذي أكلَ معيشَتَكَ معَ الزواني ذبحتَ لهُ العجلَ المسمَّن. فقالَ لهُ يا ابني أنتَ معي في كلّ حينٍ وكلُّ ما هو لي فهو لك. ولكن كان ينبغي أن نفرحَ ونُسَرَّ لأنَّ أخاكَ هذا كان ميّتاً فعاشَ وكان ضالاًّ فوُجد.

عظة الأحد

باسم الآب والابن والروح القدس الإله الواحد آمين،
يا أحباء لقد اقترب الصوم الأربعيني الكبير. بقي أسبوعين للبدء به، لكن الاستعداد لاستقبال هذا الصوم بدأ أيضاً قبل أسبوعين، ونحن في استمرارية هذا الاستعداد. فإذا كان الأحد الماضي أحد الفريسي والعشار فهو بجدارةٍ كبيرة أسبوع التوبة والغفران. فما العنوان لهذا النهار الذي يلي أحد الفريس والعشار والذي هو أحد الابن الشاطر والمعروف أيضاً بالابن الضال. كذلك هو استمرارٌ للغفران والتوبة. وسنرى من خلال تحليلنا لهذا المثل الذي أعطانا إياه يسوع المسيح لنكتشف الحقائق الكامنة وراء تلك المعاني.
 أسرةٌ يوجد فيها أب وابنان. الابن الصغير أراد الرحيل والغربة وترك البيت، لذا طلب من أبيه أن يشطر المال، اسمه الشاطر لأنه شطر وقسَّم المال، يعني بأنه قسم العائلة وبأنه لم يعد ينتمي لتلك الشركة البيتية يريد أن يكون في مكانٍ آخر، بنظره المكان الآخر هو الأفضل. لنرى!
 أخذ حصته من المال وذهب إلى مكانٍ بعيدٍ وهناك عاش مع أصدقاء يحيون بحياةٍ مليئةٍ بالزنى والحياة الفاسقة وهذا ما أراده هذا الابن. وكان يصرف على الجميع وكان محبوباً من الكل ولكن عندما انتهى المال الذي بيديه هُجِرَ من الجميع وبقي وحيداً واضطر أن يعمل في رعاية خنازير ليستطيع ان يعيش ويأكل. كان يشتهي أن يأكل ما تأكله الخنازير من الخرنوب ولم يشبع! حينئذٍ بدأ يفكر. حبذا لو فكّر قبل ذهابه! تأخر ولكنه عمل الصواب الآن لأنه بدأ يفكر بنفسه وبحاله. وبدأ يتذكر بيت أبيه فقال: "يا ليت أستطيع "ان أعود إلى بيت أبي ولو عاملني كأجيرٍ". حينئذٍ قام ومضى باتجاه ذالك المكان الذي فيه الأب. ولما اقترب من المكان كان الأب - ولنتخيل كأن المكان صيدنايا - في أحد الجبال ينظر هناك وهناك. قلوب الأهل دائماً قلوب مُصيبةٌ بالحقيقة وتقدِّر ظروف الحياة وتعمل من خلالها ما هو حقٌّ ومن بعيد رأى ابنه عائداً فلم يبقَ واقفاً. أبٌ جليلٌ على جبلٍ ركض باتجاه ابنه وغمره وقبّل عنقه وتحنن عليه وصحبه إلى البيت دون أن يلومه بكلمة. اللوم ضروريٌ عندما يكون الإنسان غير مدرك لما هو عليه. لكن عندما عاد بغفرانٍ تائباً فاللوم انتهى وحبذا نحن لو نعامل بعضنا البعض بهذه الروح عندما نشعر بأن أحدنا أخطأ ثم عاد إلى حاله فليس من الضروري أن نلومه بكلمة لأن اللوم قد تحقق بين هذا الإنسان وبين الله.
 وفي البيت ألبسه الخاتم، هذا يعني أنه أعاد له شرعية البنوة في البيت، ألبسه الحذاء لأن الحفاة كانوا هم الفقراء وخاصة العبيد. أما هو فابنٌ ويجب أن يكون مرتدياً الحذاء في رجليه. ثم أحضر الحلة الأولى أي أنه جعله بمقامٍ رفيع وعالٍ هناك حسٌ عند الأب بأن الابن يحتاج إلى هذا التكريم لأنه عاد تائباً كلنا خطاة كلنا بحاجة إلى توبة فلنتب على كل ما نفعله ولا ننتظر لليوم التالي. في كل يوم بيومه علينا أن نطلب الغفران من الله ونستعيد أنفسنا الضائعة لكي توجد، ولنحيا كما يريد الله لنا أن نحيا.
 ثم قال اذبحوا العجل المسمن نريد أن نفرح ونأكل. وهذا ما حصل. المشكلة الكبيرة تبدأ من هنا. عاد الابن الكبير من الحقل بعد عملٍ شاق فسمع الطرب والغناء وشعر بأن هنالك في البيت فرح. فنادى أحد الغلمان وقاله له ماذا يحدث؟ فقال له عاد أخوك فذبح أبوك العجل المسمن لأنه وجده سالماً إلا أن الابن بقي بحالٍ من الكرب، حزين غير راضٍ فلم يدخل البيت. علِم الأب ومسكينٌ الأب. والأب هو الله ومسكينٌ هو الله علينا بقدر ما نحن نجلب لله المتاعب. ذهب إلى الابن وحاول أن يرضيه وقال له: "بأن أخاك عاد فلنفرح. أخوك كان ميتاً فعاش، وكان ضالاً فوجِد. افرح بهذا الأمر" فقال له: "أنا أخدمك ومرةً واحدةً لم تقدم لي جدياً افرح به مع أصدقائي ولما أتى هذا الذي صرف مالك على الزواني أكرمته!" أعاد المحاولة وأوضح له الأمور وقال له: "كل مالي هو لك وأنت صاحب البيت الحقيقي ادخل لنفرح". بهذه الصورة علينا أن نقارن أنفسنا هل نحن نتصرف بحسب تعليمات الأب، هل نتصرف عندما نخطئ بنوعٍ من التوبة تعيدنا إلى الحق؟ أم أننا نخطئ لعلمنا بأن شخصاً ما استعاد حياته مع الله؟ أم أن قلبنا يبقى ظالماً لا يريد إلا لنفسه كمثل الابن الأكبر؟ 
 فليكن دورنا دور الإنسان الذي بحقِّ يعود إلى ربه تائباً. بهذه الصورة نكون على استعدادٍ من أجل استقبال أيام الصوم المبارك لأن الصوم تهذيبٌ للنفس وتطهيرٌ للجسد. 
 ونعمة الله فلتصحبكم الآن ودائماً آمين.