الأحد السابع عشر من متى (29 كانون الثاني)

أرشيف

حديث الأسبوع

الرسالة: 2كو16:6-17

يا إخوةُ أنتمُ هيكَلُ اللهِ الحيِّ كما قالَ اللهُ إنّي سأسكُنُ فيهم وأسيرُ فيما بينَهم وأكونُ لهم إلهاً وهم يكونونَ لي شعباً. فَلذلكَ أخرُجوا من بينهِم واعتَزِلوا يقولُ الربُّ ولا تَمَسُّوا نَجِساً. فأقبَلُكم وأكونُ لكم أباً وتكونونَ أنتمُ لي بنينَ وبناتٍ يقولُ الربُّ القدير. وإذ لنا هذهِ المواعِدُ أيها الأحباءُ فلنُطهِّرْ أنفسُنا من كل أدناسِ الجسدِ والروحِ ونكمِّلِ القداسةَ بمخافةِ الله.

الإنجيل: متى15: 21-28

في ذلك الزمان خرج يسوع إلى نواحي صورَ وصيدا وإذا بامرأَةٍ كَنعانيَّة قد خرجت من تلك التَخومِ وصرخت إليهِ قائلةً ارحمني يا ربُّ يا ابنَ داود. فإنَّ ابنتي بها شيطانٌ يعذِّبها كثيراً. فلم يُجِبْها بكلمةٍ. فدنا تلاميذهُ وسأَلوهُ قائلين: اصرِفْها فإنَّها تصيحُ في إِثْرِنا. فأجاب وقال لهم: لَم أُرْسَلْ إلاَّ إلى الخرافِ الضالَّةِ من بيتِ إسرائيل. فأَتتْ وسجدتْ لهُ قائِلةً: أَغِثْني يا ربُّ فأجابَ قائلاً: ليس حسناً أن يُؤخَذَ خبزُ البنينَ ويُلقَى للكلاب. فقالتْ: نعم يا ربُّ فإنَّ الكلابَ أيضاً تأكُلُ مِنَ الفُتاتِ الذي يسقط من موائد أربابها. حينئذٍ أجابَ يسوع وقال لها: يا امرأَةُ عظيمٌ إيمانُكِ فليكُنْ لكِ كما أردتِ. فشُفيتِ ابنتُها من تلك الساعة.

عظة الأحد

باسم الآب والابن والروح القدس الإله الواحد آمين،
هذا الأحد يُدعى بأحد المرأة الكنعانية، وهو أحدٌ يُدخَل حَشراً على الأناجيل، عندما يكون هنالك مسافة طويلة بين ترتيب الأناجيل وبداية الصوم، أي أنه أحدٌ مُسعِفٌ مساعدٌ. لا يُقال هذا الإنجيل في كل السنوات، إنما في بعض السنوات. هذا من جهة، أما من جهة أخرى فإنه من أكثر الأناجيل غرابة، لا بل اندهاشاً وربما تشكيكاً من خلال تعامل يسوع الذي نعرف أنه محبٌ وحنونٌ، ونرى بصورةٍ غير عميقة، بصورةٍ سطحية، أن تعامله مع هذه المرأة تعاملٌ قاسٍ، فهل يا ترى كان بالحقيقة تعاملٌ قاسٍ، لنرى؟ 
 وصلَ إلى نواحي صور وصيدا في بشارته، وهناك بشكل عام الشعب فينيقيٌ وكنعاني، أي أن الشعب وثنيٌ وليس بيهودي. ركضت امرأة خلفه، وصارت تنادي: "أغثني، ساعدني يا رب". استمر يسوع بمسيرته بصمتٍ، استعمل هذا الصمت بعض المرات، وذلك عندما يكون هناك أسباب عند يسوع تدعوه لكي يكون بمثل هذا الصمت. هنا أريد أن أُنبِّه على نقطة أساسية: بأننا نعلم أن يسوع ابن الله، وأنه أتى ليُخلِّصنا ويموت على الصليب بعد عذابٍ طويل من أجلنا فنحن نثق به، فهل ستستمر ثقتنا بيسوع من خلال ما سيأتي من كلمات مع هذه المرأة؟ بكل تأكيد يجب علينا أن نثق به، وأن نفتّش عن المعاني، لا أن نأخذ الكلام بصورة سطحية، ونحكم على يسوع بأنه أجحف بحق هذه المرأة. 
 تلاميذه تدخّلوا في الأمر، وقالوا له: أن يصرفها لأنها تزعجنا بأصواتها. أكّد يسوع لهم بأنه "لم يأتِ إلا إلى الخراف الضالة من بني إسرائيل"، ولكن ضمناً أتى يسوع إلى كل العالم، ونعلم أنه عندما صعد إلى السماء، قال: "اذهبوا وتلمذوا كل الأمم". إذاً رسالة يسوع تشمل أيضاً هذه الفئة من الناس. حينئذٍ أراد يسوع من هذه المرأة، ألا تُتابع ما أتت إليه. فقالت له: أريدُ منكَ ما تعطي، حتى لو كان عطاؤكَ هذا ليس لنا مباشرة، لأنه قال لها إنَّ عطاؤه هو لأبنائه وليس للذين هم يُرمى إليهم كمثل الكلاب. فقالت له، وهنا عظَمة هذه المرأة، عظَمة إيمانها، عظمة ثقتها بيسوع: والكلاب تقتات من فتاتِ أربابها أي أصحابها.
 حينئذٍ افتخرَ يسوع بهذه المرأة، وهذا ما كان ينتظره، وهذا ما كان يريد أن يعلّمه لتلاميذه على أنه يريد أن يقول لهم: انظروا واسمعوا هذه المرأة التي تظنونها بأنها ليست من طيننا، إنها الأحسن "لأنني لم أرَ إيماناً مثل هذا في إسرائيل". لدرجة أنه قال لها موجهاً لها ومباركاً إياها: "يا امرأة عظيم إيمانك، ليكن لكِ ما تريدين". فشُفيت ابنتها من تلك الساعة.
 إذاً علينا ليس فقط من خلال الإنجيل أن نتأمّل ونفكِّر ولا نكون مستعجلين في الجواب أو سطحيين في الكلام، بل أن نكون ذوي حكمة، ندرك تماماً المعاني من أعماق أصحابها. أراد يسوع المسيح أن يعطي درساً، المرأة استمرت بثقتها بيسوع، والتلاميذ ربما خَجلوا من أنفسهم لكي يكونوا دون مستوى الإيمان التي كانت عليه هذه المرأة. 
 أختم كلامي بالقول أنه عند تعاملنا بعضنا مع بعض، يجب أيضاً ألا نكون مستعجلين وسطحيين، أن نتحمّل بعضنا بعضاً بالصبر، لأن يسوع قال: "بصبركم تقتنون أنفسكم".
 ونعمة الله فلتصحبكم الآن ودائماً آمين.