الأحد 32 بعد العنصرة، الأحد 15 من لوقا، أحد زكا العشار (3 شباط)

أرشيف

حديث الأسبوع

الرسالة: 1تي 9:4-15

يا إِخوةُ صادقةٌ هي الكلمةُ وجَدِيرةٌ بكُلِّ قَبُولٍ. فإِنَّا لهذا نتعَبُ ونُعيَّرُ لأَنَّا أَلقينا رجاءَنا على اللهِ الحيِّ الذي هو مخِلّصُ الناسِ أجمعين ولاسِيَّما المؤمنين. فَوصِّ بهذا وعِلّم بِه. لا يستَهِنْ أحدٌ بفتوَّتِكَ بل كُنْ مثالاً للمؤمنينَ في الكلامِ والتصرُّفِ والمحبَّةِ والإيمانِ والعَفاف. واظِبْ على القراءَةِ إلى حينِ قدومي وعلى الوعظِ والتعليم. ولا تُهمِلِ الموهِبَةَ التي فيكَ التي أُوتيتَها بنبوَّةٍٍ بوضعِ أيدي الكَهَنة. تأَمَّل في ذلكَ وكُنْ عليهِ عاكِفاً ليكونَ تقدُّمُك ظاهِراً في كلِّ شيءٍ.

الإنجيل: لو1:19-10

في ذلك الزمان فيما يسوعُ مجتازٌ في أريحَا إِذا برجُلٍ اسمُهُ زكَّا كان رئيساً على العشَّارينَ وكانَ غنيّاً. وكانَ يلتمِسُ أَنْ يرَى يَسوعَ مَنْ هُوَ فلم يكن يستطيعُ من الجمع لأنَّه كانَ قصيرَ القامةِ. فتقدَّم مسرعاً وصعِدَ إِلى جمَّيزةٍ ليَنْظُرَهُ لأنَّهُ كانَ مُزمِعاً أَن يَجْتازَ بها. فلمَّا انتهى يسوعُ إلى الموضعِ رفعَ طَرْفَهُ فَرآهُ فقال لهُ: يا زكَّا أَسرِعِ انزِلْ فاليومَ ينبغي لي أن أمكُثَ في بيتك. فأَسرعَ ونزَلَ وقبِلهُ فرِحاً. فلمَّا رأَى الجميعُ ذلك تذمَّروا قائلين انَّهُ دخل ليحُلَّ عند رجلٍ خاطئ. فوقف زكَّا وقالَ ليسوعَ هاءَنذا يا ربُّ أُعطي المساكينَ نِصْفَ أَمْوالي. وإِن كنتُ قد غَبَنْتُ أحداً في شيءٍ أَرُدُّ أربعةَ أَضعافٍ. فقالَ لهُ يسوعُ: اليومَ قد حَصَلَ الخلاصُ لهذا البيت لأنَّهُ هو أيضاً ابنُ إِبراهيم. لأنَّ ابنَ البشرِ إنَّما أتى لِيَطْلُبَ ويُخلِّصَ مَا قَدْ هَلَكَ.

عظة الأحد

باسم الآب والابن والروح القدس، الإله الواحد، آمين.
إذ قد قرأنا مقطع الإنجيل حول زكا العشار في قداس هذا اليوم، نشعر وكأننا انتقلنا مع مضمونه من أحداث الميلاد والظهور إلى أحداث خلاصية متعلقة بالأيام الأخيرة لبشارة السيد المسيح.زكا هذا كان عشاراً، وتكفي هذه الكلمة لتدل على أنه لم يكن محبوباً، لم يكن مقبولاً لا عند الله ولا عند الشعب. فهو إنسانٌ لا يرى إلا نفسه، لا يهمه الآخرين ولا التعاليم الإلهية. كان جشعاً، يبتز الناس من خلال وظيفته؛ وكم هم كثر اليوم الذين يبتزون الآخرين من خلال مناصبهم، من خلال مكان عملهم، وجودهم. حتى الأهل أحياناً يبتزون أولادهم من خلال عدم عمل يرضى به الرب ومن خلال عدم تقديم الذات وثمار الأعمال لمن هم يستفيدون من مكانه لتقدم لهم تلك كعطاء رباني مجاني يساعدهم للحياة وللخلاص. 
كل منا مدعو وبالتالي عنده فرصة يتيحها الله، وقد لا تتكرر، من أجل أن يحصل على وجهٍ جديدٍ في حياته من خلال تغيير يأتيه من لدن الرب عندما ينظر إليه ويتعلم منه، فينظر إلى ذاته وإلى الناس نظرة جديدة. هذا ما حصل لزكا العشار الذي سمع عن يسوع، فاستيقظ قلبه لهفةً لكي يتعرف عليه. فصعد شجرة في المكان الذي يمر منه ونظر إلى يسوع؛ ويسوع ينظر إلى كل من حوله ويُكلَّم الجموع. ولكن الوجه المحمول بقلب متلهفٍ برغبةٍ في رؤية من هو الله في الكلمة التي يُلقيها على الآخرين كبذار من أجل أن يُثمر ويغير ما في القلب وما في الأعمال من مسيرة كانت خاطئة. زكا هذا فوجىء بأنه قد رؤي من يسوع بالوقت الذي هو بعيد عنه في المكان، فصار أقرب كل واحد من الآخرين في القلب واللسان. ناداه يسوع "يا زكا، انزل، اليوم سأدخل إلى بيتك". كلام غريب ورهيب؛ الغرابة به أن الإنسان الذي هو عائش في دنياه بعيد عن عشرة الله يرى بأن الله صار هو العشير الوحيد إليه. 
لما سمع زكا هذا، ازداد تغيراً وصار قلبه مسكناً ليسوع الذي يناديه. وهذا يُذكرنا بكلمة في العهد الجديد أتت في سفر الرؤيا، عندما واحدنا يقرع باب يسوع، فإن يسوع يستجيب له. هذا يعني بأن زكا قد استجاب الله لمِا يريد من خلال شخص يسوع المسيح. "يا زكا، انزل". لقد صعد زكا ليتحرر من أهواء الدنيا؛ صعد زكا لكي يحيا بفلك الله وبتعاليمه ووصاياه تاركاً دنياه التي كلها مادة وكلها مصالح وكلها أنانيات ممتلئة بالشر بالمحبة للذات دون سواه. صار زكا بصعوده هذا حاملاً محبة الله دون سواه والنظرة إلى البشر ليكونوا هم عشراء له، ليكونوا هم عائلته الجديدة. حينئذ باستطاعة الإنسان أن ينهي فكره، تأمله، على مثال زكا أن ينزل إلى الأرض ليحيا بتلك المقتنيات الجديدة، بتواضع بمعرفة أنه لا يستحق وصار من الله بشخص المسيح وبكلمته هو المستحق الأول. "انزل يا زكا، سأدخل إلى بيتك، ستفرح، وأنا فرح بك". أجمل كلمات يتلقاها الإنسان في دنياه. هذه هي الكلمات التي ما بعدها قوة لكلمةٍ، ما بعدها معنى لأية حياة مهما كانت؛ إن كانت في الفقر أو في الغنى. هذا هو المطلب الوحيد بشرط أن يشعر به الإنسان. زكا شعر بهذا. نزل، ولما نزل أراد أن يتفوه بكلماتٍ ولكن سبقه بعض من الناس، أرجو ألا نكون نحن من هؤلاء الناس، أولئك الذين انتقدوا يسوع لأنه رحَّب بزكا، رحب بالتائب من أجل أنه وُلد ليتابع حياة ولادة جديدة للمسيح. رحب به، أما الجمهور فتذمر. وعلينا أن نعرف من نحن ومن أية فصيلةٍ ننتمي. أيا ترى إلى هذا الجمهور الذي لم يرض بكلمة يسوع، ولم يرَ الغفران والتوبة بشخص زكا، ويبقى مستبداً بآرائه التي يعرفها من أجل أن تبقى هي الحكم ،والله خارج هذا الحكم؟ علينا أن نتأمل بأنفسنا في كل يوم. إنها فرصة خاصة أننا مقبلون بعد شهر من الزمن لبدء صوم ينتهي بالقيامة. إلا أن زكا لم يسمع ما كان يُقال. خرج من تلك الدائرة وبقي في عالم الله؛ وعالم الله هو عالم الإنسان. لقد رأى البشر، فقال "إنني منذ هذه اللحظة أقدِّم نصف أموالي للفقراء وكل من غبنته، أرد له أربعة أضعاف". هذا كلام لا يخرج من بشرٍ، يخرج من إله، أي أن الإله صار بداخله، انسكبت كلمة السماء التي صعد إليها لينزل حاملاً منها كنوزاً يقدمها ولكن من ماله الخاص، يقدمها لأولئك الذين هم بحاجة لله بواسطته. 
لقد انتهى النص الإنجيلي بقول المسيح "اليوم صار خلاص لهذا الإنسان". ألا نرغب نحن بأن يكون لنا هذا الخلاص الذي علينا أن نتحرر من كبريائنا، من خلفية ادعاءاتنا، من نقص محبتنا وأن نستزيد في رؤية وسماعٍ لكلمة الله المرسومة على وجه كل شخص من الذين نحيا معهم ونتحرك وإياهم بمسيرة شركوية واليوم المسيرة الشركوية هي الوليمة التي نحن في خضمهِّا لنتاول الجسد والدم الإلهيين. 
ونعمته فلتصحبكم الآن ودائماً. آمين.